مقالات

الاسلاميون والعلمانيون…. صراع جدلي أم تبادل أدوار

بقلم : كريم الشافعي
شاعت في الوسط السياسي العربي مؤخرا مصطلحات ومفاهيم جديدة لعل أشهرها واكثرها تأثيرا مفهوم الاسلام السياسي ,ولعل هذا المفهوم اخذ صدى واسعا لشيوعه في مرحلة مهمة جدا مرت على عالمنا العربي واحدثت تغييرات سياسية كبيرة فيه ضمن مرحلة ما يسمى بالربيع العربي حيث اسقطت حكومات عربية في اكثر من بلد عربي كانت هذه الحكومات تنتهج الفكر الليبرالي العلماني وحلت محلها حكومات اسلامية فنشأ لدينا طيف سياسي اسلامي في اكثر من دولة واصبح المتابع للواقع العربي يتصور ان هناك انتكاسة علمانية ونهضة اسلامية اوصلت الاحزاب الاسلامية الى سدة الحكم بعد غياب لفترة طويلة جدا .
لقد كان الاسلاميون طيلة الفترة السابقة لوصولهم الى سدة الحكم يتبنون فكرا معاديا للغرب ويدعون الى مقاطعة كل ما هو غربي متناسين ان جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية والفكرية متأثرة بالغرب ولازالت مصادر اساتذتنا ومثقفينا غربية في معظمها وانه في جميع دراساتنا الانسانية والاجتماعية ولاسيما السياسية نأخذ عن الغرب , ومع ذلك بقي الاسلاميون يصرون على ان الحل الناجح الوحيد في الحكم هو الحكم الثيوقراطي ( الديني).

إن الاسلام السياسي يحتكر الحُكم في دينٍ واحد هو الاسلام و بالتالي يُعتبر مُقصياً لغيره من الاديان الموجودة في البلاد، ليس هذا فقط , بل هو بالإضافة الى ذلك يقصى المذاهب والتعددية الإسلامية و يختصرها في منظورٍ واحدٍ يعتمد على الانسانِ المؤمن بهذا الفكر. فيظن صاحبُ الفكر السياسي الاسلامي ان البلاد كلها يجب ان تكون اسلاميه، بغض النظر عن وجود مسيحيين او غير مؤمنين فالهدف هو فرض هذا الاسلام السياسي عنوةً وغصباً على كل اقليةٍ وعلى كل مُقيم على هذه الارض.. اذاً الخلاصة هي ان الثيوقراطية التي يريدونها هي الثيوقراطية الإسلامية فقط.

لقد كانت شعارات الاسلاميين قبل توليهم السلطة تنادي بإقامة دولة العدل الاسلامي وتطالب بالإصلاح ومحاسبة المفسدين والسراق واقامة الحد على من تولى الحكم وسرق قوت الناس وكانت هذه الشعارات تستهوي طيفا واسعا من الجمهور لذلك وجدوا أرضية مناسبة ساعدتهم في فترة الربيع العربي على الوصول الى سدة الحكم. لكن المفاجأة الكبيرة ان هؤلاء الاسلاميين ما ان وصلوا للسلطة حتى اصبحوا اكثر فسادا من سابقيهم وسرعان ما اكتشف الجمهور زيف شعاراتهم واتضح للجميع انهم كانوا يتخذون من الاسلام ستارا لينعموا بمكاسب الدنيا .

امام هذا الواقع وجد الاسلاميون انفسهم في مازق كبير , فمن جهة هم مضطرين لأن يضعوا ايديهم بأيدي من كانوا يعتبرونهم أعداء للامة الاسلامية ( الغربيين) ومن جهة اخرى هم لا يستطيعوا ان يخفوا او ينكروا فساد زعاماتهم الذي اخذ يزكم الانوف , فسقطت ورقة التوت عن عوراتهم واصبحوا غير مقبولين كقادة لأمة تتطلع الى ان تلحق بركب العالم المتطور , وامام هذه التناقضات اخذ الان مد الاسلام السياسي بالانحسار وعادت الحركات السياسية الليبرالية العلمانية للواجهة واصبحت مطلبا جماهيريا لإنقاذ ما يمكن انقاذه .

ان نظرية الاسلام السياسي لم تثبت فاعليتها في الشارع العربي ربما بسبب رموزها وليس بسبب اصل النظرية , فهذا الطيف السياسي ( ونقصد القادة من الصف الاول للأحزاب الاسلامية العربية) كان للأسف بمجمله فاسدا ومخادعا وقد اتضح ذلك جليا في حكومات العراق الحالية وحكومة مرسي في مصر التي سرعان ما تهاوت امام وعي الشارع المصري وستسقط الاحزاب الاسلامية في العراق ايضا امام تزايد الوعي الجماهيري وضعف المد الاسلامي وتنامي الفكر المدني , واصبح الشارع العراقي محصنا امام اكاذيب السياسيين الاسلاميين بعد ان اكتشف زيف ادعاءاتهم ولم تعد لأي منهم اية حصانة امام المحاسبة .

الان اصبحت امام الحركات والاحزاب العلمانية الليبرالية فرصة تاريخية ليطهروا انفسهم من مفسديهم اولا ثم يثبتوا للعالم انهم الطيف السياسي الوحيد الذي يمكن ان يرضى به الشعب العربي والقادر على ادارة الدولة بالشكل الذي يجعل الجميع متساوون في الحقوق والواجبات , ونعتقد ان الاسلاميين سيعودون مبكرا الى موقع المعارضة لكنهم هذه المرة لن يرضوا بالمعارضة الايجابية وسينتهجوا اساليبا غير سلمية للعودة الى السلطة مرة اخرى في لعبة خطرة ستعجل بنهايتهم الى الابد لذلك سوف لن يدوم هذا الصراع او لعبة تبادل الادوار بين الاسلاميين والعلمانيين كثيرا وسينتهي بالآخر لمصلحة العلمانيين وستكون لكل دولة خصوصية معينة في سيناريو انتهاء هذا الصراع وستكون الارادة الدولية حاضرة في جميع السيناريوهات.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى