البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثيةالمتخصصة

مبدأ عدم جواز التدخل في شؤون الدول في إطار القانون الدولي الإنساني

اعداد : صـحبـي محمد أمين – أستاذ مساعد قسم –أ- كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة جيلالي ليابس /سيدي بلعباس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

إن مبدأ عدم التدخل ، في المواثيق الوطنية والدولية حديث العهد. وقد بدأ بالانتشار منذ الثورة الفرنسية وأخذت به الدول كافة من خلال العهود والمواثيق الدولية والإقليمية ، وقد أصبح التدخل في شؤون الدول  محرماً دولياً بكافة أشكاله باستثناء بعض حالات المشروعـة، لذلك تقتضى دراسة مبدأ عدم جواز التدخل في شؤون الدول في إطار القانون الدولي الإنساني تقسيمه كالتالي :

المبحث الأول : مبدأ عدم جواز التدخل في شؤون الدول :

لقد جاء تحريم التدخل بكافة اشكاله في مواثيق المنظمات الدولية وقراراتها كونه يمارس من قبل الدولة ضد دولة أخرى ، ولو لا ممارسة تلك الأشكال من الضغوط من قبل الدولة لما جاء تحريمها بعبارات صريحة في قرارات المنظمات الدولية .

ومبدأ عدم التدخل يرتبط بالدرجة الاولى على جملة من الحقوق الاساسية للدولة والتي تتمثل في:

  • السيادة .
  • المساواة بين الدول لا سيما في سيادتها وقدرتهاعلى اختيارنظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
  • حق التصرف في مواردها الطبيعية .

ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، يكرس ويكمل سيادة الدولة على اقليمها،  وان اي تدخل في شأن من شؤونها يفقد الدولة أوينتقص من سيادتها، وسلطة الدولة على اقليمها  يتضمن تنظيم علاقاتها مع سكان الدولة من الرعايا والاجانب وكذلك اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي واصدار القوانين والجزاءات على مخالفيها وحرية استغلال  مواردها الطبيعية، وسيادة الدولة على اقليمها هي مظهر من مظاهر الاستقلال التي تتمتع الدولة بسلطاتها الكاملة باستثناء ما نظم بوجب القانون الدولي والذي لا يعتبر انتقاصاً من سيادتها أو استقلالها. ان مبدأ السيادة والاستقلال لا  يقتصر على الدول الكبيرة أو القوية فقط، فجميع الدول بموجب المواثيق الدولية متساوية في الحقوق والالتزامات الصغرى منها والكبرى، ومع ذلك هناك من المسائل ما يخرج من اختصاص الدولة وانتقالها الى الاختصاص الدولي دون أن يؤدي ذلك الانتقال الى الانتقاص من سيادة الدولة، ومسألة الانتقال من الاختصاص الداخلي الى الدولي لاتنتهي كونه محكوم بتطور العلاقات الدولية، ورغم تطور القوانين الوطنية والدولية وتنظيم العلاقات الدولية ورسوخ مبدأعدم جواز التدخل بموجب الاتفاقيات والمعاهدات إلا ان عدم وجود معياردقيق للفصل بين المجال المحفوظ للدول ومسائل الاختصاص الدولي يثير الكثير من المنازعات بين الدول مما يبق عدم التدخل منصوصاً عليه في المواثيق والتشريعات1.

لذلك سأتناول في هذا المبحث ، مبدأ عدم جواز التدخل من خلال ظهوره تاريخياً ومن ثم اقراره في المواثيق الدولية ، وكذلك ماهيته وأشكاله ومدى مشروعيته ، وذلك حسب التقسيم التالي :

المطلب الأول  :ظهور مبدأ عدم جواز التدخل :

إن أغلب النظم السياسية التي كانت سائدة في أوربا ، حتى منتصف القرن السادس عشر، كانت نظماً ملكية ، لكن نجاح الثورة الفرنسية عام 1789 وإتيانها بنظام سياسي جديد إلى أوربا ، أدى إلى إنتشار الخوف من اهتزاز عروش الملوك ، مما أدى إلى تهديدات بالتدخل في الشؤون الفرنسية الداخلية والخارجية من طرف الدول الأوربية (1) ، رداً على إعلان الثورة في استعدادها لتلبية نداء الشعوب في الإطاحة بنظمها الملكية . وقد نص الدستور الفرنسي لعام 1793 ، على أنه يمتنع الشعب الفرنسي عن التدخل في شؤون حكومة دولة أخرى ، ولا يقبل أن تتدخل الحكومات الأخرى في شؤونها الداخلية . وهكذا كان مبدأ عدم التدخل في ـ أصله ـ يرجع إلى الثورة الفرنسية. وقد أخذت أمريكا بمبدأ عدم التدخل بدءاً من رسالة الوداع التي وجهها رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية جورج واشنطن إلى شعوب أمريكا ، بمناسبة إنتهاء رئاسته ، والتي جاء فيها :

“لاتتدخلوا في الشؤون الأوربية ، وحاذروا من أن تنساقوا إلى الإشتراك في المنازعات بين دول أوربا. إبقوا بعيدين ، ولا يكن لكم مع دول أوربا غير علائق تجارية دون إرتباطات سياسية. وإذا اشتبكت هذه الدول في حرب بينها فأتركوها وشأنها ، وحاولوا الإستفادة من حرب الغير، لتوسعوا نطاق تجارتكم ” .

لكن الأحداث المتسارعة في أمريكا الجنوبية التي كانت خاضعة للإستعمار الإسباني ، جعلت من الرئيس الأمريكي حينذاك جيمس مونرو، أن يقف بحزم في وجه التدخل الأوربي ، في شؤون القارة الامريكية ، وقد حاولت الدول الأوربية ـ التي كانت منظمة في الحلف المقدس ، لاسترداد المستعمرات “إن التحالف المقدس تم باجتماع قيصرروسيا، وملك النمسا، وملك بروسيا بموافقة انكلترا في سبتمبر عام 1815، وعقدوا فيما بينهم ما يسمى بالتحالف المقدس ، غرضه الظاهر تطبيق مبادئ الأخلاق المسيحية في إدارة شؤون الدول الداخلية، والخارجية ، وغرضه الحقيقي ضمان بقاء الحالة التي أقرها مؤتمر فيينا، والعمل على قمع الثورات التي تهدد عروش البيوت المالكة” 2.

الإسبانية إلى اسبانيا ، بعد أن قامت الثورات في تلك  المستعمرات ابتداءً من عام 1823، وأعلنت استقلالها من اسبانيا ، فوجه جيمس مونرو رسالته الشهيرة إلى الكونغرس الأمريكي في واشنطن في 2 ديسمبر سنة 1823 ملخصاً فيها السياسة الأمريكية تجاه الدول الأوربية جاء فيها : ” إن القارة الأمريكية قد وصلت إلى درجة من الحرية والإستقلال ، لا يصح معها إحتلال أي جرء من أراضيها، من قبل إحدى الدول الاوربية” .

وعلى الرغم من الترحيب الذي لاقاه تصريح مونرو في البداية ، من دول القارة الأمريكية ، أبدى الكثير من تلك الدول مخاوفها نتيجة التدخل الأمريكي في شؤونها ، رغم إقرارها لمبدأ عدم التدخل ، وفي هذا السياق جاء طلب الأرجنتين ، في مؤتمرهافانا عام 1928 صراحة ، عن وقف التدخل الأمريكي في شؤون دول القارة  .

وقد تضمن تصريح مونرو:

  • آـ مبدأ عدم شرعية الإستعمار.
  • ب ـ ومبدأ عدم التدخل.
  • ج ـ ومبدأ الإنعزال .

وقد تباينت مواقف الدول المختلفة إزاء المبادئ التي جاءت في تصريح مونرو، فقد أعلنت بعض الدول من القارة الأمريكية ، إعتراضها كالأرجنتين . لكن بعض الدول الأوربية ، لم تبد تعارضها لعدم إعتبارها تصريح مونرو ، قاعدة جديدة من قواعد القانون الدولي ، فقد سبق أن نادت به فرنسا بعد    ثورتها 3.

أما الدول المعارضة من القارة الأوربية ، فكانت كل من روسيا وبروسيا وإسبانيا والنمسا، كونها يعتمدون سياسة التوسع من ناحية ، ومواجهة الأفكار الليبرالية من ناحية ثانية.  لكن أمريكا نفسها لم تستطع مواجهة التدخلات بالقوة عندما قامت بريطانيا بالإستيلاء على جزر فوكلاند ، وصراع فرنسا مع الأرجنتين ، حول منطقة لابلاتا ، وقيام فرنسا بحملة على المكسيك من عام 1861-1867.

وقد ميزت أمريكا بين التدخلات المشروعة نتيجة إنتهاك المبادئ العامة للقانون الدولي ، والتدخلات غير المشروعة  . لذلك اعتبرت أمريكا إن التدخل في المكسيك عام 1860 بسبب رفضها تقديم تعويضات لفرنسا ، وبريطانيا ، وإسبانيا ، وفي هاييتي عام 1872 من أجل إجبارها على إصلاح الأضرارالتي لحقت بألمانيا ، و بفنزويلا عام 1902 بسبب رفضها تعويض الأجانب المقيمين فيهاعن الأضرارالتي لحقت بهم خلال الثورة الداخلية في فنزويلا ، في نهاية القرن التاسع عشر أمراً مشروعاً  .

وقد نزلت أمريكاعند رغبة كل من بريطانيا ، وفرنسا خلال الحرب العالمية الأولى ، عند شكواهما على كل من كولومبيا والأكوادور بسبب خروجهما على قواعد الحياد ، والسماح لألمانيا بإقامة منشآت عسكرية على أراضيهما ، فكان رد أمريكا على الشكوى هو :” إنها لا ترى مانعاً من أن تقوم الدول الشاكية بإنزال بعض قواتهما على أرض الدولتين المشكو منهما ، لإتلاف منشآت العدو بشرط أن لا يؤدي هذا إلى إحتلال دائم” .  ويعد هذا الموقف ترجمة للسياسة الأمريكية التي أعلن عنها رئيسها روزفلت ، في خطابه  في 3 ديسمبر 1901 الذي جاء فيه : “لانضمن حماية أية دولة ، إذا تصرفت بسوء ، ولكن لا يجب أن يأخذ العقاب شكل إحتلال للإقليم من طرف قوة غيرأمريكية في أمريكا”  .

أما بالنسبة للتدخلات التي تعتبرها أمريكا غير شرعية فهي التدخلات التي تحدث لتغييرالأنظمة السياسية ، كما حدث في المكسيك ، عندما دخلتها الجيوش الفرنسية لإسقاط النظام الجمهوري المؤسس من قبل الشعب  .

المطلب الثاني – تطبيقات عدم جواز التدخل في المواثيق الدولية.

أولاً: ميثاق الأمم المتحدة:

لقد نصت المادة /م2 ف 7/ من ميثاق الأمم المتحدة :”ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقتضى الأعضاءأن يعرضوا مثل هذه المسائل،لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أن هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع” .

ويعتبر مبدأ عدم التدخل ، من المبادئ الأساسية التي تعمل الهيئة وفقها، وتلك المبادئ كما جاءت في نص المادة الثانية هي :

  • ا- المساواة في السيادة بين جميع أعضائها.
  • ب- إلتزام الدول بالوفاء بالتزاماتها الدولية وفق مقتضيات حسن النية.
  • ج- إلتزام الدول بتسوية منازعاتها بالطرق السلمية.
  • ء- إمتناع الدول الأعضاء في علاقاتهم الدولية ،عن التهديد بإستعمال القوة ، وإستخدامها ضد سلامة الأراضي ،أوالإستقلال السيادي ، أوعلى أي وجه لايتفق ومقاصد الأمم المتحدة .
  • ه- تقديم الدول الأعضاء العون للأمم المتحدة في أعمالها المتخذة وفق هذا الميثاق .
  • و- عدم التدخل في شؤون الدول بما لايخل بتطبيق تدابيرالقمع الواردة في الفصل السابع .

وعدم التدخل الذي ورد ذكره هنا ، لا يكون على إطلاقه ، حيث استثنى من ذلك ، بموجب الفصل السابع، ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم ، أو إخلال به ، أوماكان قد وقع ،عملاً من أعمال العدوان  ،  أن يدعو المتنازعين للأخذ بما يراه ضرورياً ، أو مستحسناً من تدابير مؤقتة  .

أما إذا رأى مجلس الأمن إن التدابيرالمؤقتة ، والمنصوص عليها في المادة /41/ لاتفي بالغرض،أو ثبت إنها لم تف به ، جازله بطريق القوات الجوية ،  والبحرية من الأعمال ، ما يلزم لحفظ السلم ، والأمن الدولي ،أولإعادته إلى نصابه  .

وبالرجوع إلى نص المادة  م /2 ف 7 / يرى بأنها لم تحدد الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي، كما لم يشرميثاق الأمم المتحدة كله إلى ذلك التحديد . وربما كان القصد من عدم التحديدهو تركه للتطورات التي تحصل في مجال العلاقات الدولية وغيرها. لكن عدم التحديد نفسه من شأنه أن يضع مجلس الأمن ، بل المنظمة الدولية في وضع حرج ، في تغيير دائم يتوقف على درجة تطور المجتمع الدولي 4.

ففي الفقه الدولي :

أ- جاء في قرارلمجمع القانون الدولي عام /1954/ إن: “المسائل التي تعد من صميم السلطان الداخلي هي تلك الأنشطة التي تمارسها الدولة ، والتي يعد فيها إختصاص الدولة غير مقيد بالقانون الدولي . ويتوقف مدى ، أو نطاق هذه المسائل على القانون الدولي، ويختلف تبعاً لتطوره” (4) .

وعليه يمكن للدول ان تمارس اختصاصها على كافة المشاكل الغير محددة بقواعد القانون الدولي ، وان أي تدخل فيها يعتبر تدخلاً غير مشروع .

ب- كما ان الرئيس السابق للمحكمة الاوربية لحقوق الانسان – السيد هنري رولان – أشار في تقرير له أن ” الاختصاص الوطني ،الذي يحميه الميثاق من كل تدخل من جانب الامم المتحدة يشمل جميع المسائل التي لم ينظمها قانون الشعوب ، والتي لا يمكن أن تهم دولاً أخرى .”

الا ان القانون الدولي كمعيارلتحديد الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي للدول قد تعرض للنقد من جانب البعض أمثال فرستردالاس ،باعتبار ان القانون الدولي يخضع لتغيرات وتقلبات مستمرة.

في القضاء الدولي :

لقد عرضت الكثير من الدعاوي على محكمة العدل الدولية وتعرضت هي بدورها في الفصل في تلك الدعاوي إلا انها عدلت وغيرت في بعض أحكامها على بعض القضايا – موضوع النزاع – المعروضة عليها،فقد كانت قضية شركة الزيت الأنكلو ايرانية من القضايا المهمة المعروضة عليها فقد أعلنت عن عدم اختصاصها في النظر فيها وأعتبرت ان قضايا التأميم تدخل في صميم الشؤون الداخلية للدول، الامر الذي أحدث تعارضاً بين قرارها تلك والأمر الذي كانت قد أصدرته سابقاً بالحفاظ على الترتيبات التي كانت موجودة قبل صدور قرارات التأميم ، وبالامتناع عن اتخاذ التدابير التي من شأنها المساس بحقوق الفرقاء ، وبعد الاعتراض الايراني على اختصاص المحكمة في النظرفي تلك القضية أصدرت المحكمة حكمها بعدم النظر في الدعوى لأنها تتعلق بمسألة داخلية لدولة ذات سيادة5.

لذلك من الصعوبة تحديد مضمون الإلتزام بعدم التدخل ، أوالمجال المحجوز للدول ، نتيجة عدم وجود معيار دقيق ، يمكن الإستناد عليه للفصل بين المسائل التي تدخل في النطاق المحجوز للدول ، وتلك التي يجوز للهيئات الدولية التدخل فيها  ، لأن ما يدخل اليوم ضمن النطاق المحجوز للدول ، قد تتحول غداً الى دائرة إهتمام القانون الدولي بسبب تطورالعلاقات الدولية ، فمسائل حقوق الإنسان وإجراء الإصلاحات الديمقراطية ، باعتبارها السبيل الأمثل لمكافحة الإرهاب الدولي ، كانت تعتبر من صميم السلطان الداخلي  والمجال المحجوز للدول ،  لكنها أصبحت اليوم في دائرة الإهتمام الدولي ، وقد إتسع نطاق المسائل التي أصبحت خارجة عن المجال المحفوظ للدول ، فالمناهج الدراسية ، وضرورة تغييرها أصبحت تأخذ حيزاً، في خطب، وأحاديث رؤساء الدول الكبرى،وخاصة أمريكا ، مهددين به الكثير من دول الشرق الأوسط ، وخاصة العربي والإسلامي منها  بالتدخل ، رغم أن تلك المسائل كانت من صميم المسائل الداخلية للدول ، بالإضافة إلى التطورات الحديثة في مجال الإتصالات ، وماأفرزته التوجه ، نحو النظام العالمي الجديد ، وإتفاقيات الجات التي تستهدف إلى عولمة العالم ، وتأثيراتها على العلاقات الدولية وتشابكها ، مماأدى إلى تقليص مفهوم السيادة ، وتضييق نطاق المجال المحفوظ للدول.

ثانياً: قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة :

1-1- القرار (/2131/(A/RES 31 كانون الأول 1965 .

(إعلان عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وحماية إستقلالها وسيادتها) .

نصت الفقرة الأولى من هذا القرار بأنه ، ليس لأية دولة حق التدخل بصورة مباشرة،أوغيرمباشرة، ولأي سبب كان في الشؤون الداخلية ، أوالخارجية لأية دولة.

كما شجبت كل تدخل مسلح ، أوغيرمسلح ،أوتهديد ، يستهدف شخصية الدول ، أوعناصرها السياسية ، والثقافية، والإقتصادية ، كما أشارت الفقرة أيضاً : إلى عدم جوازإستخدام أي تدبيرلإكراه دولة أخرى على النزول عن ممارسة حقوقها السيادية .

وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة جملة من القرارات – من وقت إنشائها إلى اليوم- التي حثت على عدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وكذلك جملة القرارات التي تعتبرالتدخل عملاً لايستند على أية مشروعية، لذلك شجبته ، وحثت الدول على عدم التدخل ، أوممارسة أي نوع من أنواع الضغط والإكراه على الدول الأخرى …………. ،

ومن تلك القرارات :

1-2- القرار (2625/(A/RES 24 تشرين الأول 1970 .(إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية ، والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة) والذي يعتبرالحرص على ضمان تطبيق تلك المبادء على أفضل وجه في المجتمع الدولي، وتدوينها وإنمائها التدريجي ، من شأنه تعزيز تحقيق مقاصد الأمم المتحدة.

وتلك المبادئ كما جاء في القرار المذكور هي :

– مبدأ امتناع الدول في علاقاتها الدولية ، عن التهديد بإستعمال القوة ، أو إستعمالها ضد السلامة الإقليمية ،أولإستقلال السياسي لأية دولة ،أوعلى نحو يتنافى مع مقاصد الأمم المتحدة ، وكذلك مبدأ فض المنازعات الدولية بالطرق السلمية ، ووجوب عدم التدخل في الشؤون التي تكون من صميم الولاية القومية لدولة ما ، وفقاً للميثاق وما إلى ذلك .

1-3- القرار (2734/(A/RES 16 كانون الأول 1970 (الإعلان الخاص بتعزيز الأمن الدولي) ،حيث تؤكد الجمعية العامة في هذا القرار وبشكل رسمي ، بإن لمقاصد الأمم المتحدة ، ومبادئة صحة كلية مطلقة ، من حيث هي أساس العلاقات بين الدول ، بصرف النظر عن حجمها ،أوموقعهاالجغرافي ،أو مستوى نموها ، أونظامهاالسياسي، والإقتصادي ، والإجتماعي ، وتعلن كذلك إن خرق تلك المبادئ لا يمكن تبريره أياً كانت الظروف ، كما طلبت الجمعية العامة جميع الدول بأن تلتزم بدقة في علاقاتها الدولية ، مقاصد الميثاق وأهدافه ، بما فيها مبدأ إمتناع الدول في علاقاتها الدولية ، عن التهديد بإستخدام القوة ،أو إستخدامها ضد السلامة الإقليمية ،أوالإستقلال السياسي لأية دول ، أوعلى أي نحوآخريتنافى ، ومقاصد الأمم المتحدة ، وكذلك وجوب عدم التدخل في الشؤون التي تكون من صميم الولاية القومية لدولة ما، وفقاً للميثاق. بالإضافة إلى الإستفادة الكاملة من الوسائل،والطرق التي ينص عليها الميثاق ، لتسوية أي نزاع ،أوأية محاولة يكون من شأنها إستمرارها تعريض السلم والامن الدوليين للخطر .

1-4- القرار (3314/(A/RES 1974 ، بشأن تعريف العدوان حيث بينت المادة الأولى ، بما يعني إن كل استخدام للقوة المسلحة ، من قبل دولة ما ، ضد سيادة دولة أخرى ، أو سلامتها الإقليمية ،أوإستقلالها ، يعتبر عدواناً (10) .

1-5- القرار (155/32/(A/RES 19 كانون الأول 1977 .(إعلان تعميم،وتدعيم الإنفراج الدولي)  حيث جاءت الفقرة الخامسة من هذا الإعلان بما يلي : “أن تمتنع من التهديد بالقوة ، أو استعمالها ، وأن تلتزم في علاقاتها مع الدول الأخرى بمبادئ التساوي في السيادة ، والسلامة الإقليمية، وعدم جواز انتهاك حرمة الحدود الدولية ، وعدم جواز حيازة وإحتلال أراضي الدول الأخرى بالقوة وتسوية المنازعات – بما في ذلك منازعات الحدود- بالوسائل السلمية دون غيرها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واحترام حقوق الإنسان

1ــ 6 –  القرار (103/39//RES (A 9 كانون الأول 1981.(إعلان بشأن عدم جوازالتدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول) .

جاء في مادته الأولى : لا يحق لاية دولة ، أو مجموعة من الدول ، أن  تتدخل بصورة مباشرة،أوغيرمباشرة لأي سبب كان، في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى ومنها.

  • أ ـ التراث الثقافي للسكان .
  • ب ـ حق الدولة في تقرير نظامها السياسي، والإقتصادي، والثقافي والإجتماعي بحرية.
  • ج ـ الحق في الوصول الحرإلى المعلومات.6

ثالثاً : مبدأ عدم التدخل في ميثاق جامعة الدول العربية :

يعتبر بروتوكول الإسكندرية ،أول وثيقة تخص الجامعة العربية، حيث يمثل الوثيقة الرئيسية التي على أساسها وضع ميثاق الجامعة. وقد جاء ذلك البروتوكول نتيجة المشاورات،واللقاءات الثنائية، ومتعددة الجوانب بين ممثلي بعض الدول العربية، بمبادرة مصرية آنذاك ،أسفرت عن إجتماع لجنة تحضيرية في الفترة من 25/9 إلى 7/10/ 1944 من ممثلين عن كل من، سوريا ، ولبنان ، والأردن ، والعراق، ومصر، واليمن (بصفة مراقب) استقرت على تسمية الرابطة المجسدة لوحدة الدول العربية، بجامعة الدول العربية ، وتم التوصل إلى بروتوكول الإسكندرية ، الذي نص على بعض المبادئ منها :

  • 1- صيانة إستقلال، وسيادة الدول العربية من كل اعتداء، بالوسائل السياسية الممكنة.
  • 2- عدم جواز الإلتجاء إلى القوة ، لفض المنازعات بين دولتين من دول الجامعة.
  • 3 – الإعتراف بسيادة،وإستقلال الدول المنضمة إلى الجماعة بحدودها القائمة فعلاً.

كما اشتمل البروتوكول على قرار خاص بضرورة إحترام إستقلال لبنان وسيادته .

وبعد مرور أقل من ثلاثين عاماً من صدور ذلك القرار،بدأ إحترام إستقلال وسيادة لبنان ، يخف بين أدراج الرياح السياسية، وعانت ما عانته عقداً من الزمن. وفي آذار 1945 رأى ميثاق الجامعة  النور، بعد أن كلف بروتوكول الإسكندرية لجنة سياسية فرعية ، لإعداد الميثاق مع مندوبي الدول العربية الموقعين على البروتوكول، مضافاً اليهم مندوب كل من السعودية واليمن – اللتين وقعتا على الميثاق لاحقاً- وحضور مندوب الأحزاب الفلسطينية كمراقب.

لقد كان الهدف من إنشاء جامعة الدول العربية ،هو التعاون، وتدعيم الروابط بين الدول العربية ، في كافة الشؤون السياسية ، والإقتصادية ، والإجتماعية والثقافية ، التي تهم الدول العربية ، وشعوبها.

وقد جاء الميثاق متضمناً نفس المبادئ التي أقرتها بروتوكول الإسكندرية ، حيث نصت المادة الثانية من الميثاق على أن:”الغرض من الجامعة ، توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية، تحقيقاً للتعاون بينها ، وصيانة لإستقلالها،وسيادتها، والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها…”.

إن مبدأ صيانة الإستقلال،والسيادة الذي جاء في نص المادة المذكورة، تربطه علاقة وثيقة الصلة بمبدأ عدم التدخل، حيث شكل هذا النص بدون شك دافعاً قوياً لإنضمام الدول العربية المستقلة إليها،وعدم النظرإليها نظرة شك ، حيث لا يمكن لدولة مستقلة الإنضمام إلى منظمة دولية دون أن ينص ميثاقها على احترام السيادة والإستقلال. وجاءت المادة / 5 / تأكيداً على صيانة الإستقلال،والسيادة حيث نصت على أنه: “لا يجوزالإلتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين أوأكثر من دول الجامعة. فإذا نشب بينهما خلاف لا يتعلق بإستقلال الدولة،أوسيادتها،أوسلامة أرضها ،ولجأ المتنازعون إلى المجلس لفض هذا الخلاف ، كان قراره عندئذ نافذاً وملزما “7.

إن إحترام النظم القائمة قد يحظى بإهتمام الدول الأعضاء في الجامعة، على اعتبارأي محاولة لتغيير تلك النظم يعد تدخلاً في شؤون الدولة. وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الكثير من القرارات التي أتت متطابقة مع نصوص ميثاق الجامعة العربية، مما يعطي  دلالة واضحة على أن هناك مبادئ أساسية ، وحقوق دولية تحظى بإهتمام المجتمع الدولي من خلال منظماته الدولية،والإقليمية .

فقد جاء البند الاول ف ا- من معاهدة الدفاع العربي المشترك ،والتعاون الإقتصادي ما يلي :

)جاء في ديباجة ميثاق الجامعة العربية بأن وثيقتين رسميتين تكملان الميثاق وهما: معاهد الدفاع العربي المشترك في إبريل 1950، وميثاق العمل الإقتصادي القومي نوفمبر  1980) .

ويعتبر عدم التدخل والحفاظ على الإستقلال،والسيادة – بالنسبة للدول العربية – مسألة سياسية، وتعتبرمن أهم المسائل التي كانت تعيشها البلد ان العربية ، كون المنازعات بين الدول العربية في أغلبها كانت سياسية ، لأن عدم التطور في كافة المجالات ،و بقاء التبادل الإقتصادي والتجاري بشكله المتخلف فيما بينها جعلت الخلافات  والمنازعات السياسية هي الأكثر ظهوراً على السطح ، لذلك إحتلت المناقشات،والمباحثات السياسية أكثر مساحة في مناقشات الجامعة العربية ، وتعذر على الأغلب في الوصول بشأنها إلى الإتفاق،والحلول الدائمة .

رابعاً: منظمة الدول الأمريكية ، ومبدأ عدم التدخل :

تأثرت الدول الأمريكية بالتدخلات الأوربية في شؤونها ، وخاصة دول أمريكا اللاتينيةالتي كانت خاضعة للإستعمارالأوربي ، فرفعت شعار مبدأ عدم التدخل وتمسكت به،وكانت رسالة الوداع التي وجهها الرئيس الأمريكي آنذاك جورج واشنطن إلى شعوب أمريكا بمثابة نداء إلى الشعوب الأمريكية في عدم التدخل في شؤون القارة الأوربية ،أما رسالة الرئيس جيمس مونروإلى الكونغرس الامريكي في ديسمبر 1823 جاءت واضحة في عدم جواز التدخل الاوربي في شؤون القارة الأمريكية8.

وقد نصت المادة /15/ من ميثاق منظمة الدول الأمريكية مؤكدة على مبدأ عدم التدخل على أنه “لا يحق لأية دولة ، أومجموعة من الدول أن تتدخل بصورة مباشرة، أوغيرمباشرة ، سواء في الشؤون الداخلية،أو الخارجية لدول أخرى . إن هذا المبدأ يحرم اللجوء للقوة المسلحة، وكذلك كافة أشكال التدخل، والإتجاهات الرامية إلى إنتهاك شخصية الدول،أو عناصرها السياسية ، والإقتصادية ، والثقافية” ،كما نصت المادة /16/ من الميثاق على أنه “لا يحق لأية دولة أن تستعمل أو تشجع على إستعمال إجراءات الإكراه ذات الطابع الإقتصادي، والسياسي لفرض إرادة الدول على سيادة دول أخرى ،أوللحصول منها على بعض المزايا”.

إن معاناة الدول الأمريكية من التدخلات كانت الدافع وراء النص على تحريم كافة أشكال التدخل من قبل الدول ، منفردة أو مجموعة ، مباشرة أو غير مباشرة ، ولم يقتصرالنص على عدم جوازالتدخل ليس فقط في الشؤون الداخلية ، بل شمل الشؤون الخارجية أيضا ، ولم يقتصركذلك على تحريم التدخل بالقوة ، بل اعتبرالأشكال الأخرى أيضاً غير جائزة.

ان ما يستدعي التدخل الدولي هو جملة من الأسباب والحجج التي تتذرع بها الدول للتدخل في شؤون الدول الاخرى وغالباً ما تكون الدول القوية ومنذ القرون الماضية هي التي تتدخل في شؤون الدول الأخرى، فقد كان التدخل مقتصراً على بعض الدول القوية التي اتجهت في القرون الماضية نحو الدول الأخرى الأقل قوة وكان نتيجته الاحتلال والاحتكار، رغم بعض التدخلات الدولية من طرف الدول النامية في شؤون الدول الاقل نمواً و قوة، إلا ان تدخل الدول الكبرى والقوية هو كان السائد، فقد كانت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفياتي منذ القرن الماضي من اكثر الدول قوة بالمال والسلاح والنفوذ وبانتهاء الحرب الباردة أصبحت أمريكا تحظى باحتلال المرتبة الاولى بين الدول في النظام العالمي الجديد بما تمكله من قوة المال وترسانة السلاح وتنفرد بالتدخل، ورغم تلك القوة لكنها لا تكتفي بتدخلها في شؤون الدول الاخرى بل تهيب بالمجتمع الدولي فرادى ومجتمعة للتعاون معها وتزويدها بما يساعدها على التدخل، وتمارس الضغوط على المجتمع الدولي – الامم المتحدة – لاضفاء الشرعية على تدخلاتها وهذا ما حدث بشأن التدخل في الشأن الليبي من قطع العلاقات الدبلوماسية والحظر الاقتصادي واعتباره من دول محور الشر الراعية للارهاب الدولي الى ان كانت النتيجة القصف الامريكي لها عام 1986 ومن ثم اتهامها بتفجير طائرة بان أمريكان فوق لوكربي، وكذلك تدخلها العسكري في العراق وشن الحرب عليه مع الدول المتحالفة معها9.

ان التدخل الدولي ليس بجديد بل شهدت القرون الماضية تدخلات دولية كثيرة وكان الفارق بين التدخلات في الماضي و الحاضر في الأسباب والحجج أما النتيجة فكانت واحدة .

ومن الدول النامية وغير القوية التي تدخلت امريكا في شؤونها كانت: ليبيا حيث بدأت امريكا وبعد ان كسبت تحالفات الدول الاوربية استطاعت ان تؤثر على الامم المتحدة لاصدار بعض القرارات بقطع العلاقات والحظر الجوي وقطع العلاقات الاقتصادية واعتباره من دول محور الشر الراعية للارهاب كانت نتيجته الهجوم الامريكي الجوي على ليبيا عام 1986 ومن ثم اتهامها بتفجير طائرة بان امريكان فوق لوكربي مما اضطرت ليبيا في النهاية باتباع نهج الاذعان الوقائي .

كذلك التدخل في الشأن العراقي بذريعة امتلاكه للسلاح النووي والهجوم العسكري عليه مع الدول المتحالفة معها، ومحاولاتها الحثيثة لإيجاد ثغرات أو خلق الذرائع للتدخل في شؤون بعض الدول العربية الاخرى وكذلك بعض دول العالم.

ومن خلال النظر في الدول المتدخلة في شؤونها يرى بأنها جميعها من الدول النامية والضعيفة أمام الترسانة العسكرية، وتبقى الدول القوية بمنأى عن التدخل في شؤونها بغض النظر اذا ما كانت تستوجب التدخل أم لا.

فالمسألة الكورية الشمالية : ورغم اعتبارها من قبل الدول القوية وخاصة امريكا بانها من الدول المارقة ومن محور الشر وراعية للارهاب، الا ان حصناً منيعاً من القوة المتمثلة بترسانتها العسكرية يحيط بها مما يخولها باتباع المجابهة الوقائية مما يمنع من تدخل الغير في شؤونها وخاصة التدخل الامريكي .ورغم عدم جواز التدخل فقهاً وقضاءاً وفي جملة من القرارات الدولية الصادرة عن أجهزة الامم المتحدة المختلفة التي ذكرت سابقاً،  لما له من انتقاص للسيادة الوطنية، الا انه ما زال مستمراً من قبل الدول القوية في شؤون الدول الاخرى.

المبحث الثاني – مفهوم التدخل وصوره ومدى مشروعيته :

المطلب الاول: مفهوم  التدخل الدولي :

ان ما نقصده بالتدخل هو التدخل الدولي ، أي ذلك الذي يتم من قبل دولة في شؤون دولة أخرى ، وقد عرف أحد كبار فقهاء القانون الدولي، الالماني شتروب، بان التدخل هو، تعرض دولة للشؤون الداخلية أو الخارجية لدولة أخرى دون أن يكون لهذا التعرض سند قانوني ، بغرض الزام الدولة المتدخل في أمرها علىاتباع ماتمليها عليها – في شأن من شؤنها الخاصة – الدولة أو الدول المتدخلة .

ويعرفه الدكتور الغنيمي من الفقه المصري بانه  تعرض دولة لشؤون دولة أخرى بطريقة استبدادية وذلك بقصد الابقاء على الامور الراهنة للأشياء أو تغييرها ، ومثل هذا التدخل قد يحصل بحق أو بدون حق، ولكنه – في كافة الحالات- يمس الاستقلال الخارجي أو السيادة الاقليمية للدولة المعنية ولذلك فانه يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للوضع الدولي للدولة.

ويرى شارل روسو الفرنسي ،  ان التدخل هو عبارة عن قيام دولة بتصرف ، بمقتضاه تتدخل الدولة في الشؤون الداخلية والخارجية لدولة أخرى، بغرض اجبارها على تنفيذ أو عدم تنفيذ عمل ما، ويضيف بان الدولة المتدخلة تتصرف في هذه الحالة كسلطة وتحاول فرض ارادتها بممارسة الضغط بمختلف الاشكال ، كالضغط السياسي والاقتصادي والنفسي والعسكري  .

المطلب الثاني: اشكال التدخل :

يقسم الفقهاء التدخل الى اشكال متعدده حيث يرى الدكتور الغنيمي ان للتدخل شكل خارجي وداخلي و عقابي :

1_ ويكون الشكل الخارجي بتدخل دولة في علاقات دولة اخرى مثل تدخل ايطاليا في الحرب العالمية الثانية الى جانب المانيا ضد بريطانيا .

ب- أما الشكل الداخلي للتدخل فيكون منصباً على ما يجري داخل الدولة ويمثل في تدخل دولة لصالح أحد الاطراف المتنازعة داخل الدولة – كما في حالة الثورة- الحكومة أو الثورة.

ج- والشكل العقابي يمثله حالة القمع التي تفرضه الدولة بسبب ضرر ألحقتها الدولة المتدخل في شأنها بالدولة المتدخلة ، كالحصر السلمي على شواطئ الدولة ، ولم يقتصر الغنيمي على تقسيماته هذه فيشير الى ان بعض الفقهاء يضيفون التدخل الاقتصادي والتدخل الهدام  أيضاً.

د- والتدخل الاقتصادي هو أحد أشكال التدخل الذي تمارسه الدولة على اقتصاد دولة أخرى .

أما الدكتور على صادق أبو هيف فيقسم التدخل إلى السياسي والعسكري والفردي والجماعي والصريح والمباشر:

ا- التدخل السياسي هو ذلك التدخل الذي يحصل بطريق رسمي وبصفة علنية ، أو بطريق غير رسمي ودون علانية ، ويكون التدخل بطلب كتابي أو شفوي من الدولة المتدخلة الذي قد يتحول الى تدخل عسكري أو التهديد به إذا لم تجيب الدولة المتدخل في أمرها لطلبات الدولة المتدخلة 8.

ب- التدخل الفردي أو الجماعي : قد يكون التدخل من طرف دولة واحدة وقد يكون جماعياً ، ويكون للتدخل الجماعي آثاراً أقل خفةً وحدةً من التدخل الفردي كونه لا يأتي ضماناً لمصلحة دولة بذاتها . وجاء في المادة 14والمادة 36 من ميثاق الامم المتحدة بانه يكون للجمعية العامة أو لمجلس الأمن أن يوصي كل منهما باتخاذ ما يراه ملائماً من تدابير لتسوية أي موقف يضر بالرفاهية العامة أو يعكر صفو العلاقات الودية بين الأمم  .

ج- التدخل الصريح أو الضمني : كثيراً ما تتدخل دولة ما في شؤون دولة أخرى ، وكي تنفرد هي بالمغنم – الذي تراه – تجعل من تدخلها خفياً ، وكثيراً ما ينتج عن التدخل الخفي آثاراً سيئة وضارة كونها تحصل دون سلطات الدولة المتدخل في أمرها ، بعكس التدخل العلني والصريح  .

المطلب الثالث: مشروعية التدخل:

الأصل في التدخل غير جائز، وهذا ما أكدته مواثيق المنظمات الدولية وقراراتها حفاظاً على حقوق الدول التي تقضي بالتزام الدول بتلك الحقوق، كما ان غالبية الفقه أيضاً يشجبون  التدخل ويحرمونه، إلا ان نفراً قليلاً منهم أباح التدخل إذا ماكانت للدولة مصلحة فيه  منهم كامبتز الالماني وباتور الفرنسي .

الا ان الفيلسوف الالماني عمانوئيل كانت ، والعلامة الفرنسي لويس ربنو، يران عدم جواز التدخل على الاطلاق ، إلا إذا كانت الدولة في حالة دفاع شرعي .

ورغم أصالة عدم جواز التدخل إلا ان هناك استثناءات على ذلك الأصل تبيح بعض حالات التدخل منها :

1– التدخل دفاعاً عن حقوق الدولة:

ان ممارسة الدولة لحقوقها ليس مستثنياً من كل قيد فكل حق يقابله التزام ، وممارسة الدولة لحقوقها يقابلها التزامات ، عليها أن تحترمها ، ومن التزاماتها عدم الاضرار بالغير، كما ان اساءة استعالها لحقوقها قد يكون فيه ضرر بدولة أخرى ، وعندئذ يحق لتلك الدولة التدخل ، إذا لم تكن الوسائل السلمية بأشكالها المختلفة مجدية في ذلك ، وقد حدد فوشي بعض الحالات التي يجوز فيها التدخل وهي :

  • أ – زيادة التسليح من قبل دولة معروفة بميلها للعدوان .
  • ب – قيام الدولة بمؤامرة بغرض اشعال ثورة أو قلب نظام الحكم في دولة أخرى .
  • ج – قيام ثورة في دولة ما يخشى من انتشارها على سلامة الدول المجاورة .
  • د – حالة تصريح دولة علناً على عزمها في بسط نفوذها على دولة أخرى  .

ان تدخل دولة ما في شأن دولة أخرى دفاعاً عن حقوقها يستدعينا ان نتعرض للموضوع التعسف في استعمال الحق،  فالتطورات التقنية والصناعية في دولة ما، و احتياجاتها  للموارد المختلفة، وحرية الدولة في استغلالها لمواردها الطبيعية، ذلك الاستغلال الذي يأخذ أشكالاً مختلفة بتطور التكنولوجيا واحتياجات الدولة  كاستغلال الانهار الدولية أو ما يسمى أحياناً بالممرات المائية العابرة للحدود التي تمر بأقاليم أكثر من دولة ، فاحتياجات الدولة لمياه الشرب والري وانتاج الطاقة مع توافر التقنية الحديثة في استغلال مياه الانهار بالشكل الأمثل، كثيراً ما يؤثر على حقوق الدولة السفلى التي تشاركها في النهراذا ما تعسفت الدولة  الاعلى  في استعمال حقها وأدى الى انخفاض مستوى النهر بالشكل الذي يؤثرعلى اقتصاد الدولة السفلى في الري والصناعة وانتاج الطاقة. وقد حدثت ازمة حادة بين سوريا والعراق بشأن منسوب مياه نهر الفرات منذ السبعينيات من القرن الماضي اثناء انشاء سوريا لسد الطبقة على نهر الفرات9، وكذلك بين كل من تركيا وسوريا منذ الثمانينات نتيجة توجه تركيا للاستثمار المكثف لمواردها المائية بإنشاء السدود، ومنها سد اتاتورك على نهر الفرات وحبس المياه عن الدول الواقعة في اسفل النهر سرعان ما تحول الخلاف حول منسوب النهر الى ازمة سياسية أدخل فيها موضوع حزب العمال الكردستاني التركي، وتفاقمت الازمة حتى وصلت الى حشد تركيا لقواتها العسكرية على الحدود السورية للضغط عليها مما اجبرتها على مغادرة زعيم حزب العمال الكردستاني التركي من سوريا وكانت نتيجته القبض عليه في العاصمة الكينية نيوربي في شباط 1999، فالتعسف في استعمال الحق المشترك من طرف دولة ما قد يتحول الى ضغط على الدولة الاخرى للاتيان أو الامتناع عن عمل لتحقيق مصلحة الدولة المتعسفة في استعمال حقها .

ورأينا ان التعسف في استعمال الحق لا يعتبر تدخلاً من الدولة المتعسفة في استعمال حقها، بل يشكل مبرراً لتدخل شرعي من جانب الدولة المتعدية على حقوقها اذا ما استنفذت الطرق السلمية في حل الخلاف الناشئ بسبب التعدي على حقوق الدولة، الناتج عن تعسف دولة ما في استعمال حقها بالشكل الذي يضر بالدولة الاخرى .

2- التدخل لحماية حقوق ومصالح رعايا الدولة:

للدول الحق في حماية رعاياها في الدول الاخرى و انها مكفلة بذلك إذا ما كان قانونها الداخلي يلزمها بذلك – وهو حالة أغلب الدول- ولكن تدخل الدولة لحماية مصالح وحقوق رعاياها غير مطلقة من كل قيد ، وباعتباران الدول تمتلك  نظماً قانونية ، فلا يجوز التدخل الا اذا كانت تلك النظم القانونية غير كافية لحماية رعايا الدول الاخرى وأمنهم ومصالحهم ، في حالة خرق حقوق الاجانب وعدم الحفاظ على أمنهم كبقية المواطنين ، أو تعرضهم لاعتداءات غير مشروعة ، عندئذ يحق للدول أن تتدخل لحماية حقوق ومصالح وأمن رعاياها .

3- التدخل الجماعي طبقاً لميثاق الامم المتحدة .

يرى الدكتور الغنيمي مشروعية التدخل الجماعي استناداً الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة التي تبيح التدخل إذا ما أقدمت الدولة المعنية –المتدخل في أمرها- على بعض الاعمال التي تكون من شأنها تهديد الأمن والسلم الدوليين ، أو في حالة قيام الدولة المعنية بالعدوان على دولة أخرى  .

وحالات التدخل الجماعي كثيرة آخرها كانت التدخل الدولي – قوات التحالف – في العراق بقواتها العسكرية . ويشكل التدخل الجماعي الذي يتم بقرار من المنظمة الدولية – الامم المتحدة – جائزاً

لاستناده على شرعية دولية ، لكن بعض حالات التدخل الجماعي يفتقد الى تلك الشرعية من المنظمة

الدولية الى ما بعد حين ، ثم تحصل الدول المتدخلة على غطاء شرعي لتدخلها من تلك المنظمة مما يشير بان الامم المتحدة نفسها تخضع في كثير من الاحيان الى الامر الواقع الذي يتخذه الدول القوية .

4– التدخل بناء على طلب :

يجيز الفقيه كونيديك التدخل إذا كان بناء على طلب ، أي دون أي ضغط ، ويجب

أن يأتي  الطلب حسب رأيه من طرف الحكومة الفعلية .

ويرى الفقيه الفرنسي شارل شومان ، ان الاعتراف للحكومات القائمة بحق الحصول على مساعدات عسكرية خارجية أمر لايتفق ومبدأ عدم التدخل ، لان الشرعية الدولية  لاتبقى دائماً الى جانب الحكومات القائمة ، ففي حالة حق الشعوب في تقرير مصيرها تحل الشرعية للشعوب ، لذلك لايجب مراقبة الشرعية القائمة من قبل الدول الاجنبية 10 .

5- التدخل ضد التدخل :

إذا ما تدخلت دولة في شؤون دولة أخرى يجب التفرقة بين حالة ما إذا كان التدخل مشروعاً أم غير مشروع ، فلا يجوز التدخل من قبل دولة ثالثة  إذا ما كان التدخل الأول تدخلاً  مشروعاً ، ويجوز التدخل إذا كان هناك أضرار بمصالح الدولة المتدخلة ، أو اضرار للصالح العام لجماعة الدول .

ومن الأمثلة على ذلك هو تدخل بريطانيا سنة 1826 في شؤون البرتغال لتمنع تدخل اسبانيا. وكذلك  تدخل بريطانيا وفرنسا سنة 1854 لتمنع تدخل روسيا في شؤون تركيا  .

6- التدخل من أجل حماية حقوق الانسان وتحقيق الحماية الانسانية يرى البعض من الفقهاء والشراح جواز التدخل  دفاعاً عن الانسانية في حالات الاضطهاد التي تمس حقوق الاقليات في دولة ما ، وان الاعتداء على حياتهم وحرياتهم وحقوقهم هو اخلال بقواعد القانون الدولي ومبادئ الانسانية ، وبالمقابل هناك من  يرى بان هذا الشكل من التدخل لا يستند على أساس قانوني .

المبحث الثالث:التدخل الدولي لحماية حقوق الانسان:

ان المعاملة الانسانية التي اكدت عليها الشرائع السماوية، وخاصة الاسلامية في نطاقها الواسع، في القرآن الكريم، والسنة النبوية ، ووصايا، وخطب الخلفاء لقادة الجنود، والتي شملت الأسرى والجرحى من العدو، وكذلك موارد الرزق، وأمكنة العبادة ، والاشخاص غير القادرين على المشاركة في القتال من الشيوخ ، والاطفال، وذوات الاحمال، وتوفير الحماية لهم ، شكلت اسساً لميلاد القواعد القانونية الانسانية ، رغم ان البعض من الفقه يرى ان ميلاد تلك القواعد يعود الى الغرب نتيجة للحروب التي نشبت في اوربا وأدت الى الكفاح من اجل انشاء مؤسسات دولية للعمل على تخفيف المعانات الانسانية من جراء النزاعات المسلحة. لكن ذلك كله كان يتوقف على الأطراف التي تنطلق من تلك المبادئ بموجب معتقداتها ، فتلتزم بها معتبرة تلك المبادئ ، قواعد ملزمة لها دون أن يكون هناك آلية تفرض على الأطراف المتصارعة الأخرى ، لعدم امكان عقد معاهدات تلتزم بها الأطراف المتصارعة المختلفة ، الى ان جاء ميثاق الامم المتحدة الموقعة من الدولة المنشأة لها، وانضمام الدول المستقلة تباعاً اليها ، حيث حظرت استخدام القوة أو الاقدام على العدوان، أو التدخل في شؤون الدول الأخرى11.

وكان مبدأ السيادة الذي حظي بموجب المادة م2 / ف 4/ من ميثاق الامم المتحدة على منع الدول الاعضاء في علاقاتهم الدولية من التهديد باستعمال القوة ، أو استخدامها ضد سلامة الأرضي، أو الاستقلال السياسي لأية دولة ، أو على أي وجه آخر لايتفق ومصالح الامم المتحدة ، وكذلك قرار الجمعية العامة رقم 2131 لعام 1965 الخاص باعلان عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحماية استقلالها وسيادتها.

وقد قدم السيد بطرس غالي ، الأمين السابق للامم المتحدة ، تقريراً بناءً على دعوة من مجلس الامن في بيانه المؤرخ في 31 كانون الثاني 1992 بين فيه انهيار الحاجز الايديولوجي الهائل الذي أثار على مدى عقود من الزمن، حالة من عدم الثقة والعداء، وتداعت أدوات الدمار الرهيبة التي لازمتها، وان قوى اكثر ديمقراطية وحكومات اكثر استجابة حلت محل الانظمة التسلطية 12.

وقد بين التقرير، ان العالم دخل مرحلة انتقالية تتسم بانماط فريدة من التقارب ، وثمة ترابطات اقليمية وقارية بين الدول، تتمخض عن سبل لتعميق التعاون والتخفيف من بعض السمات محل الخلاف في توجهات التنافس السيادية والقومية. ويتضاءل وضوح الحدود الوطنية بتقدم الاتصالات، والتجارة العالمية ، وبالقرارات التي تتخذها الدول للتخلي عن بعض امتيازاتها السيادية لصالح الترابطات السيادية المشتركة والاوسع…

وقد اوضح  التقرير المقدم من الامين العام ،  الفارق بين فترة الحرب الباردة والفترة التي تلتها، حيث بين بانه في ظل الحرب الباردة ورغم الانتهاكات الجسمية لحقوق الانسان، إلا إن سيادة الدولة كانت مانعاً من التدخل، لكن الفترة اللاحقة على الحرب الباردة كسرت ذلك الحاجز وألغت السيادة المطلقة للدول، بمعنى امكانية جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول .

ان فكرة حماية الانسان أو مواطني دولة ما، من الانتهاكات التي تمارسها السلطات الحاكمة تخضع للقانون الدولي لحقوق الانسان (حقوق الانسان وقت السلم )، بخلاف القانون الدولي الانساني، الذي يهتم بالانسان في النزاعات المسلحة، رغم ان كلا القانونين يهتمان بالشخص الانساني، كما ينبعان من الاصل المشترك ألا وهو القانون الدولي العام ، رغم تطورهما بشكل منفصل عن بعضهما. وقد تأكد الانفصال جلياً بين كلا القانونيين في الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان، فالاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام 1948 لم يتطرق الى احترام حقوق الانسان في النزاعات المسلحة. كما ان اتفاقيات جنيف لعام 1949 لم تتطرق الى احترام حقوق الانسان في وقت السلم بل  لحقوقه اثناء النزاعات المسلحة.

كما ان ميثاق الامم المتحدة لم يتعرض للقانون الدولي الانساني (حماية حقوق الانسان في النزاعات المسلحة) .

وباعتبار ان موضوع الحماية  والتدخل مرتبطان، لذلك ذهب اتجاه من الفقه الى ان التدخل الانساني بالقوة من قبل الامم المتحدة لم يكن وارداً قبل الحرب الباردة اعمالاً بأحكام المادة م 2 ف 4 من ميثاق الامم المتحدة ، كما ان الميثاق نفسه لم يتضمن امكانية التدخل واستخدام القوة لحماية حقوق الانسان .

قد كان التدخل في السابق أمراً مشروعاً لتوفير الحماية لمواطني الدولة أو الدول المختلفة. أما فكرة التدخل الدولي الانساني لحماية مواطني الدولة التي تنتهك فيها حقوق الانسان فحديث العهد، ومع ذلك وجدت اتجاهات ثلاثة فيما يتعلق بالتدخل الانساني لحماية حقوق الانسان :

1- اتجاه ينطلق من ضرورة التدخل في حالات معينة ، فيرى أصحابه ان التدخل الانساني هو “المساعدة باستخدام القوة، بهدف توفير الحماية لمواطني دولة ما إزاء المعاملة التعسفية والمتجاوزة للحد، والتي لم تراع تلك الدولة ان سياستها تفترض ان تقوم على أسس من العدالة والحكمة”  13.

2- اتجاه يرفض فكرة التدخل الانساني ، ويشدد على وجوب الالتزام بعدم جواز استخدام القوة لأي سبب كان فيما عدا حالة الدفاع الشرعي عن النفس. لكن البعض من أصحاب هذا الرأي يميز بين التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما ولو لاعتبارات انسانية ، وبين المهام الانتقادية لمواطنيها، أو للافراج عن الرهائن  .

3- أما الاتجاه الثالث فيرى ان التدخل الانساني هو” رد فعل ملازم للانتهاك الصارخ لحقوق الانسان ” 14.

ويرى انصاره جواز شن الحرب دفاعاً عن حقوق الانسان والحريات العامة التي تتعرض لانتهاكات

جسيمة. كما في حالات التطهير العرقي وابادة الجنس البشري أو القتل الجماعي .

المطلب الاول مشروعية التدخل الدولي لحماية حقوق الانسان :

ان التدخل الدولي لأسباب انسانية له انصاره الذين يدافعون عنه ليس لغايته، بل يرونها وسيلة لحماية الانسان ، وبرأيهم لم تعد علاقة الدولة مع مواطنيها أمراً داخلياً يمنع على الدول الاخرى من التدخل في أمرها بشأن القضايا المتعلقة بالأوضاع الانسانية. وتختلف الاوضاع الانسانية المزرية من دولة الى أخرى – رغم عدم جوازها – ففي بعضها تصل تلك الاوضاع الى حد الكوارث تمتد بآثارها الى دول أخرى، لذلك لم يعد الأمر في هذه الأوضاع يخص الدولة المعنية ، الامر الذي يكون من الواجب التدخل لوضع حد لتلك الانتهاكات الكارثية كالجرائم ضد الانسانية وإبادة الجنس البشري  .

يتبين مما سبق ان علاقة الدولة مع مواطنيها لم تعد أمراً داخلياً، خاصة إذا ما أدى سلوك الدولة نحو مواطنيها الى كوارث انسانية تمتد بآثارها الى دول اخرى ، ولهذا يبرر انصار التدخل الدولي لأسباب انسانية مشروعية التدخل ، ويرون ان قدسية المفهوم التقليدي للسيادة الوطنية الذي كان يشكل عائقاً أمام التدخل الدولي لحماية الانسان قد بدأ يتراجع أمام اهتمام المجتمع الدولي بتلك القضايا ، وبضرورة احترام السلطات في الدولة لحقوق الافراد وكذلك الاهتمام بقضاياه الانسانية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وإلا فان المجتمع الدولي سيكون مضطراً للتدخل تنفيذاً للمبادئ الواردة في ميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالاوضاع الانسانية ، وخاصة بعد أن أنتقل القانون الدولي الانساني من العرف الى التقنين والتدويل .

أولاً : تدويل قواعد حقوق الانسان :

كانت القواعد المتعلقة بحقوق الانسان تعتبر من صميم السلطان الداخلي للدول التي يحرم التدخل من اجلها في شؤون الدول الاخرى ،حيث نصت المادة /2ف7/ من ميثاق الامم المتحدة ، على عدم جواز التدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما. ورغم اعتبار مبدأ عدم التدخل من المبادئ الاساسية التي تعمل هيئة الامم المتحدة وفقها ، إلا ان استثناءً ورد في ميثاق الامم المتحدة بموجب الفصل السابع بشأن  تهديد الامن والسلم الدوليين أو الاخلال به أو حالة وقوع عمل من أعمال العدوان ،أن يدعو مجلس الامن المتنازعين ، للاخذ بما يراه ضرورياً أو مستحسناً من تدابير مؤقتة،أما إذا رأى مجلس الأمن إن التدابير المؤقتة والمنصوص عليها في المادة /14/ لاتفي بالغرض جاز له بطريقة القوات الجوية والبحرية من الاعمال ، ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي،أو إعادته الى نصابه .

ورغم ان المقصود به هو حالات تهديد السلم والامن الدولي للخطر إلا ان هذا لا يستبعد أن يكون التدخل مشروعاً لاجل الحماية الانسانية ، وخاصة إذا ما أدى سلوك الدول الى انتهاكات خطيرة قد تمتد تأثيراتها الى دول أخرى مما يهدد الامن والسلم الدوليين للخطر. كما ان عدم التدخل الذي ورد في مواد ميثاق الامم المتحدة لم يتم تحديده ، بل ترك ذلك للتطورات التي تحدث في مجال العلاقات الدولية. وبمرور اكثر من خمسون عاماً على نشأة الامم المتحدة الى يومنا هذا انتقل الكثير من الامور التي كانت تعتبر من صميم السلطان الداخلي للدول ، الى مجال الاهتمام الدولي،وأصبح التدخل لاجلها في

شؤون الدول مشروعاً ، وهذا ما نلاحظه في مسائل الاصلاحات الديمقراطية والارهاب وحقوق الانسان.

ورغم النص على ضرورة احترام حقوق الانسان في ميثاق الامم المتحدة الا انه لم ينشأ التزامات على عاتق الدول ، ما يستوجب احترامها ، كما لم يقرر عقوبات عليها في حالة انتهاكها   . لكن الاتفاقيات الدولية المبرمة واللاحقه على ميثاق الامم المتحدة بدءاً من الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة استطاعت أن تخفف من وطأة الانظمة التي أنتهكت وتنتهك حقوق الانسان ، كما استطاعت بموجب تلك الاتفاقيات أن تساعد الكثير من الشعوب التي عانت من سلوك الحكومات في انقاذهم من جرائم ابادة الجنس البشري وغيرها ، كما في جنوب العراق وشماله  عندما تعرض الشيعة ، والاكراد لجرائم الابادة   والجرائم ضد الانسانية ، بغض النظر إذا ما كانت المنظمة الدولية أو المنظمات الاقليمية قد نجحت في كل مساعيها  في مختلف الازمنة والامكنة أم لا.

 ثانياً- القانون الدولي  و مشروعية التدخل الدولي الانساني  :

1– ميثاق الامم المتحدة : 

وقع ميثاق الامم المتحدة في 26 حزيران عام 1945 في سان فرانسيسكو في ختام مؤتمر الامم المتحدة الخاص بنظام الهيئة الدولية .

وحسب ما جاء في الديباجة ، آل شعوب الامم المتحدة على انفسهم أن ينقذوا الأجيال المقبلة من ويلات الحرب ، كما أكدوا من جديد ايمانهم بالحقوق الأساسية للانسان وبكرامة الفرد وقدره ، وبما يكون للرجال والنساء حقوقاً متساوية ، كما وللامم الصغيرة نفس الحقوق التي للكبيرة 15.

كما وقد ركزت الديباجة أيضاً على الاحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات ، وغيرها من مصادر القانون الدولي ، وان يدفعوا بالرقي الاجتماعي قدماً ، وأن يرفعوا مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح .

ان ديباجة ميثاق الامم المتحدة ، لا يمكن فصلها عن مواده ، بل كلها جزء لا يتجزء ، بمعنى ان حقوق الانسان الاساسية ، والمكرسة في الديباجة ، هي صحته ومعيشته وأمنه وأمانه،  وهي كلها حقوقاً شخصية يلامس الانسان  والمجتمع ، وبهذا قد منع الميثاق على الدول الاقدام على ما يخالف ذلك ، فتلك الحقوق أصبحت معنية بها بموجب القانون الدولي .

وقد نصت المادة /1ف 3/ من الميثاق على تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والانسانية، وعلى تعزيز احترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية دون أي تمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين ، وكما لم يفرق بين النساء والرجال .

وقد حسمت المادة /4 ف 1/ بان العضوية في الامم المتحدة تكون للدول المحبة للسلام ، وتلتزم بما يتضمنه الميثاق ، وبهذا حمل الميثاق التزاماً على عاتق الدول الاعضاء ،عليهم تنفيذها ، دون أي مجال للتنحي عن التزاماتهم تلك ، وقد جاءت صياغة المادة المذكورة  بعبارتها الصريحة دون اي لبس أو غموض

وقد أوكلت المادة /10/ من الميثاق،  للجمعية العامة ، مناقشة كافة المسائل التي تدخل في نطاق الميثاق ، وباعتبار ان المسائل المتعلقة بالحقوق والحريات هي من صلب الميثاق ، لذلك تدخل في نطاق المناقشة وتوصي بها اعضاء الهيئة أو مجلس الأمن أو كليهما بما تراه مناسباً .

ولمجلس الامن ، بموجب الفصل السابع ، أن يتخذ ما يراه ضرورياً أو مستحسناً من تدابير مؤقتة ، ويجوز لمجلس الأمن أن يقرر التدابير التي لا تتطلب استخدام القوة ، مثل وقف العلاقات الاقتصادية والمواصلات بأشكاله المختلفة وقفاً جزئياً أو كلياً ، وقطع العلاقات الدبلوماسية ، أما إذا رأت ان تلك التدابير لا تفي بالغرض ، فلها أن تستعمل القوة لحفظ السلم والامن ، وكثيراً ما أصبحت ارتكاب الجرائم بحق الانسانية في دولة ما تهديداً للامن والسلم الدوليين ، خاصة في حالات امتداد تأثير تلك الجرائم الى الدول الاخرى ، مما استوجب تدخل الامم المتحدة لوقف تلك الانتهاكات باستعمال القوة .

وقد نصت المادة /55/ تأكيداً على إشاعة احترام ومراعاة حقوق الانسان وحرياته الأساسية بلا تمييز، كما أكدت على عملها في تحقيق مستوى أعلى للمعيشة ، وتوفير أسباب الاستخدام  المتصل لكل فرد والنهوض بعوامل التطور والتقدم الاقتصادي والاجتماعي .

وعاد الميثاق ليذكر الامم في المادة /56/  بتعهد جميع الاعضاء ، منفردين أو مشتركين ، بما يجب عليهم من عمل بالتعاون مع الهيئة لما جاء في المادة /55/  . وقد جاءت الاعلانات – الاعلان العالمي لحقوق الانسان – والاتفاقيات الدولية تكريساً لما جاء في الميثاق وتقريراً للحقوق والحريات .

2- الاعلان العالمي لحقوق الانسان .صدر الاعلان العالمي لحقوق الانسان عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 10 كانون الاول 1948على شكل مناداة ، كما ورد في الديباجة ” فان الجمعية العامة تنادي بهذا الاعلان العالمي لحقوق الانسان…” كما واعتبرت الديباجة ، الاعلان ، يشكل مستوى ينبغي ان تستهدفه كافة الشعوب والامم.

بمعنى ان يكون بما ورد في الاعلان ، من مبادئ ،أهدافاً على الشعوب والامم السعي لبلوغها . ولاجل ذلك البلوغ ، لابد من وجود  آليات ، للسير عليه حتى يتم ذلك البلوغ بهدف اسعاد البشرية من خلال العيش الحر والكريم للانسان 16.

وتلك الاليات ، من وجهة نظري ، تكمن في الاتفاقيات الدولية اللاحقة على الاعلان ، أما الاعلان نفسه رغم نشره للحقوق التي يجب ان يتمتع بها الانسان ، فلم تصبح هي المسعى ، بل توطيد واحترام ما ينص عليه من خلال التعليم والتربية ، واتخاذ اجراءات مطردة قومية ، وعالمية لضمان الاعتراف بها ، ومراعاتها بصورة عالمية فعالة .

3- اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها .اعتمدت هذه الاتفاقية وعرضت للتوقيع والتصديق ، أو للانضمام بقرار الجمعية العامة رقم 260 ألف ( د-3 ) المؤرخ في 9 كانون الاول 1948 ليبدأ نفاذه في 12 كانون الأول 1951 وفقاً لاحكام المادة /13/ حيث رأت الجمعية العامة وأعلنت ان الابادة الجماعية جريمة بمقتضى القانون الدولي، وجاءت المادة /1/ من الاتفاقية لتعلن مصادقة الاطراف المتعاقدة على اعتبار الابادة الجماعية ، سواء في أيام السلم أو أثناء الحرب ، هي جريمة بمقتضى القانون الدولي وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها .

وقد بينت المادة /3 /منها ، بان العقاب يشمل الفاعلين ، والمتآمرين ،والمحرضين، والذين يحاولون ارتكاب الابادة الجماعية ، وكذلك المشاركون في جرائم الابادة الجماعية .

ولم تستثنى الاتفاقية أحداً ، من الذين حددتهم المادة الثالثة ، من العقاب سواءً أكانوا حكاماً دستوريين ، أم موظفين عاديين ، أم أفراداً ، اي ان انزال العقوبة يشمل حتى رئيس الدولة اذا ما اتهم  بتلك الافعال .

وقد جاء عدم الاستثناء من العقوبة كي لا يفلت الحكام من العقوبة بدعوى الحصانة التي يتمتعون بها ، إضافة الى امكانية المحاكمة خارج الدولة المعنية لاعتبارات حسن سير عملية المحاكمة ، فكثيراً ما

تخضع المحاكمات الوطنية  في سيرها تحت تأثير أصحاب النفوذ ، مما يفقد القضاء استقلاليته فيفلت

الجاني من العقاب .

ويلاحظ من نص المادة /8/ عدم سريان الاتفاقية على الاطراف الموقعة فقط ، بل يشمل جميع الدول ، بدلالة قبول اجهزة الامم المتحدة لطلب أحد الاطراف المتعاقدة  ،من اتخاذ ما تراه مناسباً من التدابير لمنع وقمع أفعال الابادة الجماعية ، أو أي من الأفعال الأخرى ، المذكورة في المادة الثالثة .

وفي هذه الحالة لا تقوم  اجهزة الامم المتحدة باتخاذ التدابير بناءً على ان تلك الافعال تشكل تهديداً للسلم والامن الدوليين ، بل تتخذ التدابير باعتبار ان جريمة الابادة الجماعية قد وقعت وخاصةً اذا ما شكلت تلك الجريمة تهديداً للسلم والامن الدوليين، أواذا كان هناك تآمراً على ارتكابه ، أو تحريضاً ، أو محاولة ، بمعنى انه يجوز لأجهزة الامم المتحدة المختصة اتخاذ التدابير حتى قبل وقوع جريمة الابادة الجماعية ، أي انه من الجائز التدخل واتخاذ ما تراه الامم المتحدة مناسباً ، وقاية للجماعة البشرية من جريمة الابادة الجماعية التي تنتظره ، كون جريمة الابادة الجماعية تعتبر من أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره كما جاء في المادة /5/ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد من قبل مؤتمر الامم المتحدة الدبلوماسي للمفوضين المعني بإنشاء محكمة جنائيةدوليةبتاريخ 17 تموز 1998 تاريخ النفاذ 1 حزيران 2001 ، ولخطورتها تلك أصبحت واحدة من الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص محكمة الجنايات الدولية بجانب الجرائم ضد الانسانية – وجرائم الحرب – وجريمة العدوان. وتطابقت المادة /6/ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مع المادة /2/ من اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والمعاقبة عليها ، في توصيف الابادة الجماعية بانها تعني أياً من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية ، أو اثنية ، أو عنصرية ، أو دينية بصفتها هذه :

  • قتل اعضاء من الجماعة .
  • ب- الحاق اذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة .
  • ج- إخضاع الجماعة ، عمداً ، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً .
  • ء- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون انجاب الأطفال داخل الجماعة .
  • ه- نقل اطفال من الجماعة ، عنوة الى جماعة أخرى 17.

ولا يجب أن ينسى بان الاختصاص الزمني لمحكمة الجنايات الدولية بموجب المادة /11/   اختصاص النظر فقط فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام ، أي اعتباراً من 1 حزيران 2001 بموجب المادة /126/ .أما بشأن جرائم الابادة وجرائم ضد الانسانية المرتكبة قبل ذلك التاريخ فهي لا تخضع للتقادم الزمني بموجب اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الانسانية ، المؤرخ في 26 تشرين الثاني 1968 تاريخ النفاذ 11 تشرين الثاني 1970 .

فقد نصت المادة /1/ منها ، بانه لا يسري أي تقادم على الجرائم التالية بصرف النظر عن وقت ارتكابها :

  • جرائم الحرب .

ب- الجرائم المرتكبة ضد الانسانية ، سواء في زمن الحرب أو في زمن السلم ، والطرد بالاعتداء المسلح أو الاحتلال ، والافعال المنافية للانسانية والناجمة عن سياسة الفصل العنصري ، وجريمة الابادة الجماعية ، كما واعتبرت الاتفاقية في ديباجتها ان انتهاك حقوق سكان البلاد الأصليين الاقتصادية والسياسية من ناحية ، وسياسة الفصل العنصري ، جريمتان ضد الانسانية .

بالاضافة لميثاق الامم المتحدة والاعلان العالمي لحقوق الانسان والاتفاقيات الدولية المذكورة سابقاً ، هناك الكثير من الاتفاقيات الدولية الاخرى التي تناولت المسائل المتعلقة بحماية حقوق الانسان وحرياته الأساسية مثل :

  • 1- اتفاقية الحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي لعام 1948 .
  • 2- الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 .
  • 3- اتفاقية بشأن الحقوق السياسية للمرأة لعام 1952 .
  • 4- الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع اشكال التمييز العنصري لعام 1965.
  • 5- العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 .
  • 6- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 .
  • 7- الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها لعام 1976 .
  • 8- اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة لعام 1979 .
  • 9- اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام 1984 .
  • 10- اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 .

كما وهناك الكثيرمن الاتفاقيات الدولية المعنية بالحقوق والحريات الاساسية للانسان،لذلك لم تبق مسائل حقوق الانسان حبيسة الدولة ، ضمن حدودها الدولية، بل أصبحت تنتقل رويداً رويداً من الاختصاص الداخلي للدولة الى مجال الاهتمام الدولي ، بدءاً من تاريخ انشاء منظمة الامم المتحدة ، وسريان ميثاقها وابرام الكثير من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، والاعلانات الصادرة من المنظمات الدولية ، والاقليمية واجهزتها المتخصصة ، فأصبحت تلك المسائل تنظم وتحمى بموجب القانون الدولي ، وتشرف على تطبيقها واحترامها المنظمات والمحاكم الدولية ، مما أدى الى عدم امكانية الافراد سواءً أكانوا حكاماً دستوريين ، أم افراداً عاديين ، من الاقدام على انتهاك واهدار حقوق الانسان ، وحرياته الأساسية ، دون أن يفلتوا من الملاحقة القضائية ، وطنية كانت ام دولية .

ثالثاً – الامم المتحدة والتدخل الدولي الانساني . 

أ –   فترة ما قبل 1990 :لقد كانت جهود الامم المتحدة حثيثة منذ نشأتها في العمل على تحقيق المقاصد التي أنشأت من أجلها، وكانت نظرتها الى مسألة التدخل الدولي الانساني ليست على وتيرة واحدة، حيث أتخذت السياسة الدولية بانتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي منحىً جديداً،بدأت بها الولايات المتحدة الامريكية في ظل القطبية الاحادية وأصبحت المسائل المتعلقة بحقوق الانسان والديمقراطية ومحاربة الارهاب – التي بلغت أوجها بعد أحداث سبتمبر- على رأس مهام الدول القوية، وخاصة أمريكا، وجعلتها ذريعة للتدخل في شؤون الدول حتى ولو لم تحظى على موافقة المنظمة الدولية – الامم المتحدة- إلا فيما بعد . كما ان الامم المتحدة نفسها اتخذت لها مساراً جديداً بدءاً من نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينات من القرن الماضي حيث أعطت أهمية أكثر لمسائل حقوق الانسان وحرياته، وقد جاء ذلك على لسان الامين السابق للامم المتحدة السيد بطرس بطرس غالي في كلمته الافتتاحية أمام المؤتمر العالمي حول حقوق الانسان المنعقد في فيينا عام 1993 بقوله “إن المجتمع الدولي يوكل الى الدولة مهمة تأكيد حماية الافراد ولكنه حال خرق هذه الدول للمبادئ الأساسية التي وضعتها الميثاق ، فإن ذلك يوجب على المجتمع الدولي أن يحل محل الدولة حال فشل الاخيرة في التزاماتها”

كما ان تقرير السيد غالي الامين السابق للامم المتحدة الذي قدمه بناء على دعوة  مجلس الامن المؤرخ في 31 كانون الثاني 1992 جاء في البند الثامن والتاسع منه ما يلي: 

8- خلال السنوات القليلة الماضية ، انهار الحاجز الايديولوجي الهائل …. وتداعت أدوات الدمار الرهيبة التي لازمتها …

9- لقد حلت قوى اكثر ديمقراطية وحكومات اكثر استجابة محل الانظمة التسلطية …” .

حيث يبين الامين العام  تسلطية نظام الاتحاد السوفياتي وايديولوجيته التي أثارت على مدى عقود من الزمن،حالة من عدم الثقة والعداء . وقد تداعت الآن وانهارت أدوات الدمار الرهيبة التي لازمتها كما يبين في تقريره بان على الدول ان تتخلى عن بعض امتيازاتها السيادية لصالح الترابطات السياسية المشتركة الأوسع .

ففي هذه الفترة أي ما قبل 1990 كان تدخل الامم المتحدة بشكل فعلي يقتصر على اصدار القرارات والتوصيات دون أن تتدخل في شؤون الدول على أساس أعمال قواعد حقوق الانسان، وكانت تتمسك بضرورة موافقة الدول المعنية حتى تمكنها المشاركة في التدخل الانساني ، كما في تدخلها في نيجيريا حول اقليم بيافرا سنة 1967 لتقديم المساعدات الانسانية لضحايا الصراع المسلح بناءً على موافقة الحكومة الفيدرالية هناك 18.

وقد جاء في قرار الجمعية العامة رقم 103 بشأن عدم جواز التدخل بجميع انواعه في الشؤون الداخلية الصادر في 9 كانون الاول عام 1981 على ان ” واجب في الامتناع عن استغلال وشؤون قضايا حقوق الانسان كوسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول أو لممارسة الضغط على دول أخرى أو خلق عدم الثقة والفوضى خارج الدول ” ،مما يشير بان  التوجه نحو التدخل الدولي الانساني في شؤون الدول لحماية حقوق الانسان أصبح ملحاً وضرورياً في فترة ما بعد 1990.

ب –  فترة ما بعد 1990 : في معرض حديث للسيد غالي الامين العام السابق للامم المتحدة في مقابلته مع العربية بتاريخ الاحد 26/9/2004 قال : ” قبل نهاية الحرب الباردة كان من الصعب للامم المتحدة أن تتدخل في الشئون الداخلية للدول .لان دولاً أختارت النظام الديمقراطي الغربي،ودولاً أختارت النظام الشيوعي . وعندما انتهت الحرب الباردة وأصبح النظام السائد في مختلف انحاء العالم هو الديمقراطي ، حينئذ استطعنا أن نربط بين حقوق الانسان والديمقراطية ،على أساس ان حكومة غير ديمقراطية لا تستطيع أن تدافع عن حقوق الانسان ، وبالتالي انفتحت الى حد ما امكانية تدخل المنظمات الاقليمية الى جانب الامم المتحدة لكي تطلب الى جانب الدفاع عن حقوق الانسان،الدفاع عن النظام الديمقراطي ، على أساس ان النظام الديمقراطي هو الوحيد الذي يستطيع أن يحمي حقوق الانسان” 19.

وسأعرض هنا أمثلةً ثلاثة في سياق حديث السيد بطرس غالي :

1- العراق: ان الانتهاكات التي تعرض لها الشعب العراقي ، من اهدار الحقوق والاقصاء عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، وصل الى الحد الذي امتدت نتائجها الى الدول المجاورة ، و الى المجتمع الدولي ، وخاصة الانتهاكات بحق الشيعة والاكراد والتي ازدادت اكثر اثناء الحرب العراقية الايرانية ، وما تبعها من استعمال السلاح الكيميائي في الشمال ضد الاكراد والجنوب والوسط ضد الشيعة ، كما امتد الى الثروة المائية ، والبيئة الطبيعية من تسميم وتجفيف الاهوار، وجرف مزارع النخيل بهدف القضاء على شيعة العراق وعلى ثروة مناطقه ، الى أن أصدر مجلس الامن قراره رقم 688 المؤرخ في 5 نيسان 1991 والذي جاء فيه :

“أ- يدين القمع الذي تتعرض له السكان المدنيون،العراقيون في اجزاء كثيرة من العراق ، والذي شمل مؤخراً المناطق السكانية الكردية ، وتهدد نتائجه السلم والامن الدوليين في المنطقة .

ب- يطالب بأن يقوم العراق على الفور كاسهام منه في ازالة الخطر الذي يتهدد السلم والامن الدوليين في المنطقة، بوقف هذا القمع ، ويعرب عن الأمل في السياق نفسه في إقامة حوار مفتوح لكفالة احترام حقوق الانسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين العراقيين .

ج- يصر على أن يسمح العراق ، بوصول المنظمات الانسانية الدولية على الفور الى جميع من يحتاجون الى المساعدة في جميع أنحاء العراق، ويوفر جميع التسهيلات اللازمة لعملياتها” .

2- الصومال: كان من نتائج الحرب الاهلية التي اندلعت في الصومال بعد سقوط نظام سياد بري في 1991 مقتل ما يقارب /300/ الف شخص، وهجرة مليوني صومالي كلاجئين الى الدول المجاورة لها . فأصدر مجلس الامن القرار 733 في 23 كانون الثاني لعام 1992 معتبراً ان استمرار تلك الاوضاع يشكل تهديداً للامن والسلم الدوليين ، وطالب الى الامين العام للامم المتحدة، باقناع الاطراف المتحاربة بوقف اطلاق النار والسماح بوصول الاغاثات الانسانية ، وتضمن القرار بنداً بموجب الفصل السابع ، يفرض فيه حظراً شاملاً على توريد الاسلحة والمعدات العسكرية للفصائل المتحاربة ، بهدف تحقيق السلام والاستقرار .

كما واصدر قراراً آخر برقم 775 (1992) هدد فيه باستعمال سلطاته بموجب الفصل السابع من الميثاق ، كما اثنى فيه بجهود الامين العام على المبادرة التي اتخذها في الميدان الانساني ، وشعر بالقلق من ان استمرار الحال هذه يشكل – كما جاء في تقرير الامين العام – تهديداً للسلم والامن الدوليين ،ويطلب من الامين العام ، أن يتطلع فوراً بالاجراءات اللازمة لزيادة المساعدة الانسانية التي تقدمها الامم المتحدة ، ووكالاتها المتخصصة الى السكان المتضررين في جميع انحاء الصومال ، كما ويطلب من الامين العام ، أن يقوم بالتعاون مع الامين العام لمنظمة الوحدة الافريقية ، والامين العام لجامعة الدول العربية ، بالاتصال فوراً بجميع الاطراف المشتركة في ذلك الصراع ، والتماس التزامها بوقف الاعمال العدائية  لاتاحة توزيع المساعدة الانسانية والتشجيع على الالتزام بوقف اطلاق النار، والامتثال له والمساعدة في عملية ايجاد تسوية سياسية للصراع في الصومال ، ويحث بشدة جميع أطراف الصراع على أن توقف الاعمال العدائية فوراً، وتتفق على وقف لاطلاق النار وتعزيز عملية المصالحة  والتسوية السياسية في الصومال . وجاء في البند الخامس من القرار ، استعماله لسلطته بموجب الفصل السابع من الميثاق ، على أن تقدم جميع الدول فوراً من أجل تحقيق مقاصد اقرار السلم والاستقرار في الصومال ، بتنفيذ حظر عام كامل على تسليم أي نوع من انواع الأسلحة ، والمعدات العسكرية للصومال ، الى أن يقرر المجلس خلاف ذلك . كما واصدرالمجلس القرار رقم 794 في 3 كانون الاول 1992 جاء في البند /7/  منه ، ان مجلس الامن يؤيد توصية الامين العام الواردة في رسالته المؤرخة في 29 تشرين الثاني 1992 باتخاذ تدابير، بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، من اجل تهيئة بيئة آمنة لعمليات الاغاثة الانسانية في الصومال في أسرع وقت ممكن 20.

كما أصدر مجلس الامن القرار رقم 814 في 26 آذار لعام 1993 يسلم فيه بضرورة التحول الفوري والسلس والتدريجي لقوة العمل الموحدة الى عملية الامم المتحدة الموسعة في الصومال.

3- يوغسلافيا أصدر مجلس الامن قراره رقم 713 في 25 ايلول لعام 1991 . مبدياً فيه شعوره  ببالغ  القلق ازاء القتال في يوغسلافيا ، الذي يسبب خسارة فادحة في الارواح وأضراراً مادية ، ويساوره القلق،لان استمرار هذه الحالة يشكل تهديداً للسلم والامن الدوليين ، وإذ يشير الى مسؤوليته الرئيسية بموجب ميثاق الامم المتحدة عن صون السلم والامن الدوليين ، ويشير كذلك الى المبادئ ذات الصلة المجسدة في الميثاق ، وإذ يحيط علماً في هذا السياق بالاعلان الذي أصدرته في 2 أيلول  ،1992 الدول المشاركة في مؤتمر الامن والتعاون في اوربا بعدم قبول أي مكاسب أو تغيرات إقليمية داخل يوغسلافيا تأتي عن طريق العنف .

وقد قرر المجلس،في البند السادس،أن تنفذ جميع الدول على الفور،لأغراض اقرار السلم والاستقرار في يوغسلافيا ، حظراً عاماً وكاملاً على تسليم اية اسلحة ، او معدات عسكرية ليوغسلافيا ، حتى يقرر المجلس غير ذلك ، بعد التشاور بين الأمين العام وحكومة يوغسلافيا.

كما واصدر قراراً برقم 752 في 10 أيار 1992 جاء في البند /3/ منه ، مطالبة المجلس بالوقف الفوري لجميع أشكال التدخل من خارج البوسنة والهرسك،بما في ذلك من جانب وحدات الجيش الشعبي اليوغسلافي فضلاً عن عناصر الجيش الكرواتي،وان تتخذ جارات البوسنة والهرسك تدابيرعاجلة لانهاء مثل هذا التدخل،وان تحترم السلامة الاقليمية للبوسنة والهرسك .

كما طالب في النبد /4/ بوجوب سحب وحدات الجيش الشعبي اليوغسلافي وعناصر الجيش الكرواتي الموجودة الآن في البوسنة والهرسك أو خضوعها لسلطة حكومة البوسنة والهرسك أو تسريحها 21.

واكد في البند السابع من القرار،على الحاجة الملحة الى تقديم مساعدات انسانية ومادية ومالية،مع مراعاة العدد الكبير للاجئين والمشردين. وجاء قرار مجلس الامن رقم 757 في 30 أيار لعام 1992 ليطبق حظراً شاملاً على جمهورية يوغسلافيا (صربيا والجبل الأسود ) .حيث تصرف المجلس بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة وقرر أن تمنع جميع الدول ما يلي :

1- ان تستورد من اقاليمها أية سلعة اساسية ومنتجات يكون منشؤها جمهورية يوغسلافيا الاتحادية (صربيا والجبل الأسود ) وتكون مصدره منها بعد تاريخ هذا القرار . وكذلك قرر أن تمتنع جميع الدول عن توفير أية أموال أو أية موارد مالية أو اقتصادية أخرى للسلطات في جمهورية يوغسلافيا الاتحادية (صربيا والجبل الأسود ) أو لأية مشاريع تجارية أو صناعية أو المرافق العامة .

كما قرر أن تقوم جميع الدول بعدم السماح لأية طائرة باقلاع من اقليمها ، أو الهبوط فيه ، أو التحليق فوقه إذا كانت متجهة الى الهبوط في اقليم جمهورية يوغسلافيا (صربيا والجبل الاسود ) أو كانت قد أقلعت منه ما لم تكن تلك الرحلة بالذات كانت لاغراض انسانية 22.

كما قرر بتخفيف عددالموظفين في البعثات الدبلوماسية ليوغسلافيا و منع المشاركة في الانشطة الرياضية ، وتعليق التعاون التقني

وبهذه القرارات قد تم الاعتراف بانفصال البوسنة والهرسك من الاتحاد اليوغسلافي السابق وطبقت جميع انواع الحظر على الأخيرة باستثناء تقديم المعونات الانسانية للجميع.

رابعاً – ضمانات حماية حقوق الانسان . بعد انتقال المسائل المتعلقة بحقوق الانسان من سلطان الاختصاص الداخلي للدول الى الاختصاص الدولي،من خلال الاتفاقيات الدولية،وبارادات الدول ذاتها نتيجة اشتراكها وانضمامها الى تلك الاتفاقيات  والتزامها بنصوصها بدءاً من ميثاق الامم المتحدة،أصبحت تلك القواعد ملزمة للدول،تولدت عنها التزامات دولية بضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية للانسان،كما ان قبول الجهات المختصة في الامم المتحدة،كمجلس حقوق الانسان،التقارير من الدول حول مدى احترامها للحقوق والحريات الواردة في العهود والمواثيق الدولية،وقبولها واستقبالها للجان الدولية العاملة في مجال حقوق الانسان،لزيارة الدول ورصدها لاوضاع حقوق الانسان،ومنها زيارة السجون والتعرف على واقع المساجين،مما يدل على ان الدول قبلت بالتزاماتها حيال تلك المسائل،كونها أصبحت قواعد قانونية آمرة،تتعلق بالنظام القانوني الدولي،ومخالفتها تستوجب الملاحقة القضائية وانزال العقاب على مرتكبيها من خلال المحاكم الوطنية أو أمام محكمة الجنايات الدولية أو محاكم جنائية خاصة ، تنشأ خصيصاً لمحاكمة مرتبكي الجرائم التي نصت الاتفاقيات الدولية عليها،كالجرائم ضد الانسانية،وجرائم الابادة الجماعية،وجرائم الحرب وغيرها .

وقد تكرست الضمانات لحماية حقوق الانسان في :

1- اعتماد القوانين الوطنية لقواعد القانون الدولي لحقوق الانسان، حيث تبنت أغلب دساتير دول العالم  القواعد المتعلقة بالحقوق والحريات الاساسية التي وردت في المواثيق الدولية . وباعتبار الدستور في كل دولة هو القانون الاساسي،لذلك لا يجوز ان تسن القوانين التي تأتي في المرتبة الادنى منه بما يخالفه،وقد كفل نظام الرقابة على دستورية القوانين،عدم مخالفة القوانين للدستور،أو الغاء القوانين التي تصدر مخالفاً للدستور، مما يجعل – ولو نظرياً – الحقوق والحريات الاساسية مصانة من كل مخالفة

2- نظام قبول التبليغات والشكاوي والطعون الفردية ضد الانتهاكات المرتكبة بالحقوق والحريات الاساسية للانسان، والذي يقوم  مجلس حقوق الانسان – لجنة حقوق الانسان سابقاً – بدراستها وفحصها وتقديم التوصيات بشأنها وتحويلها الى الجمعية العامة للامم المتحدة .

3- دور الامين العام للامم المتحدة على تنفيذ المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان .

4- الحماية الجنائية الدولية والمتمثلة في المحكمة الجنائية الدولية ، ومحاكم الجنايات الخاصة والمنشأة لمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم ، وانزال العقاب عليهم .

المطلب الثاني –  شروط التدخل الدولي لحماية حقوق الانسان :

  • وجوب الاستناد الى قواعد القانون الدولي : لكي يكون التدخل الدولي لحماية حقوق الانسان مشروعاً لا بد وأن يستند الى قواعد القانون الدولي ، في شقه المتعلق بحقوق الانسان، ويتمثل تلك القواعد في الاتفاقيات الدولية،التي أقدمت الدول بارادتها الحرة في التوقيع والمصادقة عليها، أو الانضمام اليها لاحقاً، بما يولد من التزامات على الاطراف المتعاقدة التي يكون من الواجب تنفيذ تلك الالتزامات،حتى وإذا كان الالتزام يخرج بعض المسائل من الاختصاص الداخلي للدولة ، فالعقد الدولي الذي نشأ بين الدول ، لم ينشأ إلا ليحافظ على أمن المجتمع الدولي واستقراره ، وليحمي الانسان والاجيال القادمة من الانتهاكات التي ترتكب أو قد ترتكب ، ولا يتم ذلك إلا إذا قررت الدول المنضمة الى ذلك العقد بالتنازل – ضمنياً – عن بعض اختصاصاتها الداخلية والتي لم تعد تنازلاً عن سيادة الدولة على اقليمها من أرض وشعب وثراوات .

ومن أمثلة ذلك ، تدخل الجمعية العامة للامم المتحدة من أجل تنفيذ المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان،واصدار قرارها في / 22/ تشرين الاول 1949 المتعلق بانتهاكات حقوق الانسان في المجر وبلغاريا ورومانيا ، وقد انكرت الدول الثلاث،الاتهامات الموجهة اليها وعادت الجمعية العامة اكثر من مرة لتشيرالى انتهاكات الدول الثلاث،مما أدى بالدول الثلاث تلك الى الدفع أمام محكمة العدل الدولية بدعوى تجاوز الجمعية العامة سلطتها  بالتدخل في الشؤون الداخلية لإثنائها عن تبني المذهب الاشتراكي ، وقد رفضت محكمة العدل الدولية دفع الدول الثلاث مؤكدة انه تم تدويل مسائل حقوق الانسان، وانها لم تعد تدخل في صميم الاختصاص الداخلي للدول، وذلك بعد تناول هذه المسائل في اتفاقيات ومواثيق حقوق الانسان الدولية  .

2- التدخل عبر المنظمات الدولية :ومؤدى ذلك أن يصدر قرار التدخل من منظمة الامم المتحدة،والهيئات الدولية المخولة،بموجب الاتفاقيات الدولية،كون المنظمة الدولية مكلفةً بموجب المواثيق والاتفاقيات الدولية بحماية حقوق الانسان وحرياته الأساسية .

وان قبول مجلس حقوق الانسان، للشكاوي، والتبليغات، التي ترد اليها من الافراد، والدول ضحايا تلك الانتهاكات، قد يكون سبيلاً لتحرك تلك الوكالات المتخصصة أو مجالس ولجان حقوق الانسان، لرصد واستطلاع أحوال حقوق الانسان في دولة ما، ودراسة مجلس حقوق الانسان التابع للامم المتحدة

للتقارير الواردة اليها وفحصها ومن ثم ابداء النصائح والاستشارات، لتخفيف عملية الانتهاكات أو انهائها، وتحويل تلك التقاريرالى الجمعية العامة ،لاتخاذ ما تراه مناسباً ،لا يعني بان هناك عملية التفاف على الجمعية العامة من قبل أجهزة متخصصة،أو أفراداً ،أو دولاً من خلال شكاويها وتبليغاتها بهدف تشجيع المنظمة الدولية ،باصدار قرار التدخل في دولة ما للحماية الانسانية .

ان عملية رصد احوال حقوق الانسان في دولة ما من قبل الامم المتحدة أصبحت اكثر سهولة بتوافر الآليات العديدة التي تسهل من عملية الرصد، من نظام الشكاوي والتبليغات وضرورة تقديم الدول تقاريرعن أحوال حقوق الانسان فيها والانتشار الواسع لمنظمات حقوق الانسان الغير حكومية ،مما

يشير بان حماية حقوق الانسان من الانتهاكات سيكون أفضل من السابق،بالاضافة الى الاهتمام المتزايد من قبل المنظمات الدولية والاقليمية بمسائل حقوق الانسان . مما يستدعي عدم استفراد الدول منفردة بدعوى حقوق الانسان بالتدخل في شؤون دولة أخرى بارادتها المنفردة أو المشتركة مع دول أخرى لتسييس الحالة في دعمها لأحد الاطراف دون غيرها  .

3- حدود التدخل الدولي المشروع لحماية حقوق الانسان . ان قواعد القانون الدولي هي التي يجب على المنظمات الدولية الخضوع لها والتقيد بما ينص عليها الاتفاقيات الدولية من أهداف التدخل، والغرض منه ضمن الحدود المشروعة،بعيداً عن التحيز، والتمييز بين الأفراد والاطراف .

وقد علا نجم منظمة الصليب الاحمر الدولية،في تقديمها للمساعدة والحماية الانسانية دون اية اعتبارات سوى الحاجة ودون أي تمييز . وكي تسير عملية الحماية الانسانية من قبل دولة أو مجموعة من الدول مفوضةً من الامم المتحدة بحياد وموضوعية.

الخاتـمــة:

لقد كان عدم جواز التدخل في أول ظهوره مبدأً أعلنته فرنسا إبان نجاح ثورتها ، وتم ادراجه في الدستور الفرنسي لعام 1793 ومن ثم انتشر في القارة الاوربية والامريكية الى أن تقنن بعد إدراجه في المواثيق الدولية . فقد كان عدم جواز التدخل في بداية ظهوره

  • 1-  مبدأً تحول الى قاعدة قانونية في المواثيق الدولية وبذلك أكتسب قوته الإلزامية .
  • 2- تعميم قاعدة عدم جواز التدخل من خلال منظمة الامم المتحدة وذلك بالنص عليها في ميثاقها وتحريمها في الكثير من قرارات الجمعية العامة .
  • 3- رغم تحريم التدخل في الشؤون الداخلية للدول إلا ان الكثير من الدول استطاعت التملص من تلك القاعدة بحجج الحماية الانسانية .
  • 4- ان الغموض وعدم تحديد الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي للدول بدقة يجعل النزاع قائماً بين الدول والمنظمة الدولية – الامم المتحدة – بشأن الجهة صاحبة تعيين الشأن ، إذا ما كان الشأن داخلياً أم لا .
  • 5- تخلف الامم المتحدة عن مواكبة التطورالسريع في الكثير من المجالات ، وخاصة تلك التي تعتبر ممارستها شكلاً من أشكال التدخل ، كالأعلام الذي يلعب دوراً سيكولوجياً في إثارة الفتن أوتوجيه الهمم أو تثبيطها لصالح طرف في مواجهة الطرف الآخر

قائمة الهوامش:

1- بوكرا ( ادريس ) – مبدأ عدم التدخل في القانون الدولي المعاصر – المؤسسة الوطنية للكتاب – الجزائر 1990 ص22 .

2- ابو هيف (د. علي صادق) – القانون الدولي العام – الطبعة 9 – منشأة المعارف الاسكندرية 1971 ص 226 .

3- بوكرا (ادريس) المرجع السابق  ص 34 .

4- أبوالوفا (د. احمد) – الوسيط في القانون الدولي العام – الطبعة الرابعة – 2004 دار النهضة العربية القاهرة ص 362 هامش .

5- بوكرا (ادريس) المرجع السابق ص 94 .

6-  عمر (د. حسين حنفي) – التدخل في شؤون الدول بذريعة حماية حقوق الانسان ط 1 . 2004/2005 دار النهضة العربية القاهرة ص 18 .

7- قرار الجمعية العامة رقم2131 تاريخ 31 كانون الاول 1965 .

8- القرار رقم 2625 تاريخ 24 تشرين الثاني 1970 .

9- قرار الجمعية العامة A/RES/2734  تاريخ 16 كانون الاول 1970 .

10- قرار الجمعية العامة رقم 3314 لعام 1974 .

11-  القرار رقم 103 تاريخ 1977 .

12- ابو هيف (د. على صادق) – المرجع السابق ص 216-217 .

13- الغنيمي (د. محمد طلعت) – الغينمي الوجيز في قانون السلام – منشأة المعارف بالاسكندرية ،بلا تاريخ ص 311 .

14- الغنيمي (د.محمد طلعت) المرجع السابق214 .

15- فوشي – مشار اليه من قبل ابو هيف المرجع السابق ص 220 .

16- الغنيمي (د. محمد طلعت) – المرجع السابق ص 314 .

17- بوكرا (ادريس) المرجع السابق ص 229 .

18- تقرير الامين العام للامم المتحدة عن اعمال المنظمة – الدورة 47 – عام 1992 .

19- مركز زايد – المرجع السابق ص 18 مشيراً الى د. عزالدين فودة – الضمانات الدولية لحقوق الانسان – المجلة المصرية للقانون الدولي 1964 مجلد /20/ القاهرة .

20- عبدالله الشيخ (د. فتح الرحمن) – المرجع السابق ص 109 .

21- عمر(د. حسين حنفي)  – المرجع السابق ص 314 .

22- عمر (دحسين حنفي) -المرجع السابق ص 229 .

4.5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى