الدراسات البحثيةالنظم السياسي

الفوضى الخلاقة و أثرها على التوازن الاستراتيجي العالمي:رؤية في إشكالية عنونة المستقبل

اعداد : د.علي بشار بكر اغوان – كلية العلوم السياسية جامعة النهرين

  • المركز الديمقراطى العربي

 

ليس من السهل بمكان عزل البيئة الإستراتيجية الإقليمية و مفاعيلها و متغيراتها و توابعها و توازناتها الفرعية غير المستقرة في كثير من الأحيان ، عن البيئة الإستراتيجية الدولية و مفاعيلها و دلالات توازناتها العالمية ، لذا فأن ضرورات البحث في مفاعيل التوازن الاستراتيجي العالمي بدلالات الفوضى الخلاقة تفرض علينا ان نبحث و ان نسبر غور مفاعيل التوازن الاستراتيجي الإقليمي بنفس الدلالات المذكورة في أعلاه ، لذلك ليس سهلاً استشراف مستقبل ظاهرة تتعلق بالإستراتيجية الأمريكية عالميا و إقليميا ، بسبب تعدد المتغيرات و العوامل التي تربط هذه الإستراتيجية ببعضها ، التي لا يمكن للباحث فهمها والتنبؤ بها بسهولة ممتنعة من دون معرفة معمقة بالفكر الاستراتيجي الأمريكي وعلاقته بعملية صناعة القرار داخل الإدارة الأمريكية .
فقد قيم خبراء الإستراتيجية الأمريكية من مفكرين وأكاديميين وصناع قرار ومختصين ،تكتيك الفوضى الخلاقة حين طبق على العراق بعد احتلاله ، وقد وجدوا بأن تطبيق الفوضى الخلاقة في العراق قد حققت مبتغاها الى حد واضح ، بعد أن تحققت أهم الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في العراق وأدخلته في دوامة صراع واحتقان طائفي وعرقي ، وهيأت فرص تقسيمه أو على اقل تقدير إضعاف وحدته على المدى المتوسط و تطمح الآن الإدارة الأمريكية باختبار هذا التكتيك ونقل تجربة العراق وإعادة توظيفها من جديد على مستوى الشرق الأوسط (1) ، وذلك بسبب توافر عوامل تطبيق هذا التكتيك في كثير من دول المنطقة سواءً من ناحية التعددية المذهبية أو القومية أو الدينية أو وجود خلافات ومشاكل بعضها كامن وبعضها ظاهر وفعال ولكن لا يصل لدرجة الاقتتال والدخول في مواجهات مباشرة تهدد وحدة الدول وتفكيكها وتجزئتها الى مقاطعات قومية وعرقية ومذهبية (2) .

ومن ثم فإن الإدارة الأمريكية ولاسيما بعد حالة التغيير التي أطاحت بأربعة أنظمة في منطقة الشرق الأوسط في مطلع العام 2011 ، وضعت المنطقة تحت الاختبار و انتظارها لاقتناص أي فرصة يمكن توظيفها للدفع باتجاه الاستفادة من تجربتها بهذا المجال في العراق على مستوى الشرق الأوسط وفق آليات مختلفة ومتعددة كالديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي والى أخره من المصطلحات المفرغة من مضامينها (3).

لذا ينبغي الإشارة قبل الولوج في تعريف الفوضى الخلاقة ، بأنه لا يوجد معنى اصطلاحي علمي محدد يتفق الباحثون والمتخصصون جميعهم عليه في الشؤون الإستراتيجية ، وان جميع من ذكر مصطلح الفوضى الخلاقة لم يذكره بتجريد عن الشرق الأوسط أو المنطقة العربية،و ان جميع التعاريف الاصطلاحية التي سوف تذكر هي اجتهادات من قبل الباحثين أنفسهم ، والجميع اجمع على أقران الفوضى الخلاقة بالشرق الأوسط ، اذ لا تخلى الأدبيات التي تحدثت عن الفوضى الخلاقة من ذكر عبارة المنطقة العربية والشرق الأوسط ، لذا فأن فكرة الفوضى الخلاقة تقوم على فلسفة سياسية تفترض وجود خطر داهم من عدو مجهول يتهدد الأمن القومي الأميركي في كل لحظة ، و تقوم على افتراض الا يكون التهديد بالضرورة، حاصلاً بالفعل من دولة أو من منظمة إرهابية لكي تخاض ضده الحرب الوقائية، وإنما يكفي أن يتم تصوره من جانب مراكز التخطيط الإستراتيجي في البيت الأبيض و البنتاغون للمبادرة إلى تلك الحرب(4) .

و يعود اول استخدام لمصطلح الفوضى الخلاقة الى ثمانينيات القرن الماضي،حين تحدثت عنه رئيسة الوزراء البريطانية السابقة (مارغريت تاتشر)لوصف الحرب العراقية الإيرانية واحتمالات امتداداتها الإقليمية لدول أخرى التي يمكن ان تشكل حالة من حالات الفوضى التي تعمل بعد ذلك على استقرار الإقليم ، ثم استخدمه الرئيس الأمريكي السابق (رونالد ريجان) في نفس الوصف حين ذكر ان احتمالات حدوث انتقال الفوضى للمحيط الإقليمي للشرق الأوسط واردة جراء استمرارية الحرب العراقية الإيرانية ، وقد شجعت السياسات اللبرالية الجديدة ومع سقوط الكتلة السوفيتية المرتبطة بهذا المفهوم ، على تبني موجة من المصطلحات ، تزايد استخدامها من قبل السياسيين والأكاديميين،لذا يمكن تعريف الفوضى الخلاقة بأنها حالة سياسية إنسانية يتوقع ان تكون مريحة بعد مرور مرحلة فوضى متعددة الإحداث(5).

وعلى وفق رؤية (كوندليزا رايس) فان مفهوم الفوضى الخلاقة تعنى التخلي عن مفاهيم الأمن والاستقرار حتى ولو أدى ذلك إلى إسقاط العديد من الأنظمة الحليفة والموالية للولايات المتحدة وتحت دعوى الإصلاح والديمقراطية ، اذ تطالب رايس فى خطتها الجديدة بترك التفاعلات التي تموجت بها هذه المنطقة لتحدث أثرها حتى ولو أدى ذلك إلى سيادة الفوضى التى ربما تنتج فى النهاية وضعاً أفضل من وجهه نظرها (6) ، ولم يبتعد كثيراً (مصطفى البكري) في شرحه لمعنى الفوضى الخلاقة حين قال(ان الفوضى الخلاقة تعني تفعيل التناقضات الراهنة في البلدان العربية والدفع بهذه التناقضات حتى لو أدت الى إسقاط النظم الحليفة والموالية للولايات المتحدة الأمريكية بسبب ان هذه النظم قد تآكلت شعبياً فاستبدالها بهذه الطريقة وجلب نظم أخرى تقوم بنفس المهام هو إحدى أهم الأهداف التي تريد تحقيقها الإدارة الأمريكية من هذا الفعل)(7).

ويرى الكاتب والأكاديمي المصري الخبير في الشؤون السياسية العربية حسن نافعة ، أن القصد التظليلي الكامن في مصطلح الفوضى الخلاقة ، لا يقل قوة وضوحاً عن نظيره السابق مصطلح الغموض البناء،الذي سبق اختباره في مرحلة الحرب الباردة والصراع بين القطبين ، وأن إنتاج وإطلاق مصطلح الفوضى الخلاقة لا يعني سوى شيء واحد ، وهو أن مرحلة جديدة من مراحل تطور الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط بدأت ، وهي إستراتيجية تضمر في باطنها دائماً ما لا يستطيع ظاهرها ان يفسر(8) ، ولذلك يمثل مصطلح الفوضى الخلاقة،احد اهم المفاتيح التي أنتجها الفكر الاستراتيجي الأمريكي في التعامل مع القضايا العربية ، اذ تمت صياغة هذا المصطلح بعناية تامة ، من قبل النخب الأكاديمية وصناع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فعلى خلاف السائد في مجال التداول العربي لمصطلح الفوضى الخلاقة المثقل بدلالات سلبية ،من ابرزها عدم الاستقرار، أضيف إليه مصطلح أخر يتمتع بالايجابية وهو الخلق أو البناء،ولا يخفى على احد،حنكة المقاصد الكامنة في صلب هذا المصطلح ، بغرض التضليل وتمويه الرأي العام العربي والعالمي (9).

و من جهة ثانية يشير البعض الى ان الفوضى الخلاقة تعني فوضى عارمة واضطرابات للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتفكيكها وتشويه اخلاقي وفكري للقيم السائدة ، عبر الوسائل الفكرية والإعلامية والعسكرية والاقتصادية والضغوطات الدبلوماسية (10)،انطلاقاً من ان فرضية مكافحة الإرهاب التي تروج لها الولايات المتحدة هي بحد ذاتها شكل من اشكال الفوضى العالمية ، عن طريق الهيمنة السياسية الدولية ، وهو أيضاً شكل أخر من أشكال الفوضى ،أما نشر الديمقراطية والدفاع عنها فهو أسلوب أخر للفوضى عبر الفوضى البناءة والاصلاح السياسي بدلالة الفوضى غير المنظمة (11).

وهناك من يفسر مصطلح الفوضى الخلاقة التي شكلت إحدى أهم وأبرز منجزات الفكر الاستراتيجي الأمريكي،إنما تعني في حقيقتها السعي الإستباقي نحو تفكيك وإعادة تركيب كل المواقع والجغرافيات المفترض أنها تشكل مصادر تهديد لأمن ومصالح أميركا في العالم(12)،وهناك من يرى ان الفوضى الخلاقة تعني بمضمونها بأنها فعل تغييري او هي ثورات تغييرية ، وليست خطة لصناعة الفوضى وترك الأمور لتفاعلاتها لإثارة الاضطراب او حتى الاقتتال الأهلي الداخلي لمجرد انهاك المجتمعات وتركها تأكل ذاتها ، وإنما يتعدى الأمر ذلك ، لان هذا العنف ربما يتوجه نحو الخارج من جديد ليهدد امن ومصالح الولايات المتحدة ولو بعد حين ، أي ان هذه الفوضى يجب ان تخضع لتحكم ، وهكذا هي فعل قام ويقوم علي أكتاف قيادات وكوادر محلية من فئات تحديثية او هكذا حاولت ان تظهر بهذا المظهر لتقود عمليات التغيير او ثورات التغيير وفق هذا التكتيك (الفوضى الخلاقة) ، وتدافع عنها بوصفها عملا ثوريا تقدميا، وهي تبنته كاملا بوصفها صاحبة المصلحة في التغيير (13) .

وقدر تعلق الأمر بموضوع (إدارة الفوضى او التحكم بالفوضى) ، فأنه يمكن لمفهوم التحكم بالفوضى أن يتخذ أشكالاً عديدة ، ألا أنها تهدف دائماً إلى السيطرة على الحركة (حركة الفوضى)،وهذا التحكم يعمل على تطبيق الفوضى (بنظام) وفق برنامج من أجل جعل الفوضى تتحرك بطريقة أو بأخرى للتحكم بنظامها ، ويمكن التصرف بطرائق مختلفة ، تبعاً للأهداف المرسومة ، فقد يكون التحكم بغرض الإبقاء على نظام الفوضى داخل مجال الفوضى وقد يكون التحكم بغرض نقل النظام من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار أو العكس إما نهائياً أو مرحلياً ، ومن احد أهم الطرائق البارزة في نظام تحكم الفوضى وهو التحكم المرحلي في تطور نظام الفوضى ، وتكون ميزة هذا التحكم بأنه يبقي على النظام (المجتمعات او الدول او أي منظومة تخضع لهذا البرنامج) تحت السيطرة، اذ تهدف هذه الطريقة الى (14) :

1. إبقاء النظام(المجتمع مثلاً)داخل مجال الفوضى أي يحافظ على خصائصه الدينامكية والفوضوية فعندما يتم تحريك هذا النظام(المجتمع) باتجاه ما،الأمر الذي يجعل النظام (المجتمع) المتحكم به يتطور بطريقة مرحلية و متوقعة ومرغوبة، ي ان كل مرحلة لها خصائصها مع أبقاء نظام الفوضى تحت السيطرة.
2. يجب ان يكون التحكم دائماً ممكناً على وفق برنامج التحكم الذي يجب أن يعمل على النظام (المجتمع) بمعزل عن الوقت الذي يراد تشغيله خلاله .
3. الانتقال من مرحلة الفوضى الحرة إلى مرحلة الفوضى المتحكم فيها يجب أن يكون سريعاً عبر تطبيق برنامج التحكم مع ضرورة ابقاء النظامين تحت السيطرة .
4. التحكم بالفوضى يجب أن لا يكون تدميرياً بصورة مباشرة (وانما تدريجياً) : يجب المحافظة على الخصائص الديناميكية للنظام (المجتمع) من دون القضاء عليها أو تغييرها تغيراً جوهرياً ، وذلك لابقاء ثغرات لإعادة تفعيل اي مرحلة من مراحل التحكم في المجتمع في حالة الفشل بالتطبيق ، بمعنى انه اذا ما تغييرت المجتمعات جذريا فهذا يعني ايضا تغيير جميع أدوات التحكم معها الأمر الذي يؤدي الى إعداد بناء برامج جديدة لدراسة هذه الأنظمة وإيجاد ثغراتها من جديد لكي تصبح عملية التحكم ناجحة وفعالة ، أي ان الغرض ليس التدمير النهائي بوساطة الفوضى وإنما تدمير أشياء والإبقاء على اشياء أخرى .

على هذا النحو فإن ما تقدمه الفوضى الخلاقة على مستوى الشرق الأوسط من نتائج ستكون بمثابة تجربة أمريكية ثانية بعد العراق ، وهذه التجربة هي التي سترسم معالم مستقبل تطبيق تكتيك الفوضى الخلاقة على النطاق العالمي ، إذ ستكون الانتقالة هذه المرة نحو المحيط الاستراتيجي العالمي (15) ، من خلال الاستفادة من سلبيات و ايجابيات تطبيق تكتيك الفوضى الخلاقة في العراق وعند تطبيقها في دول أو أقاليم أخرى ، وان النتيجة التي ستصل إليها الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط ، هي التي ستحدد معالم تطبيق تكتيك الفوضى الخلاقة على النطاق العالمي(16) ،لذا سيتم البحث هنا في موضوعة الفوضى الخلاقة و اثرها على التوازن الاستراتيجي الإقليمي وأهم فرص تطبيقها الإقليمية المستقبلية إضافة الى البحث في موضوعة الفوضى الخلاقة و اثرها على التوازن الاستراتيجي العالمي و احتمالاتها المستقبلية من وجهة نظر توظيف تكتيك الفوضى الخلاقة في المستقبل على المستوى الإقليمي والعالمي ، والتطرق الى أهم المحفزات والمعوقات التي من الممكن أن ترافق هذا التكتيك بقصد الاستفادة منها عند التطبيق في دول أو أقاليم أخرى مستقبلاً على النطاق العالمي .

على ذلك هناك علاقة طردية موجبة بين الصعود الإسلامي للحكم في الشرق الأوسط كمحفز ودافع و بين استمرار توظيف هذا التكتيك إقليمياً و من ثم تأثيرها على شكل التوازن الاستراتيجي الإقليمي ، هذا من ناحية، أما من جانب آخر وفيما يتعلق بتأثير الفوضى الخلاقة على التوازن الاستراتيجي العالمي فانه يعتمد و بشكل رئيس على نقل هذا الأنموذج من المحيط الإقليمي و استمرار توظيفه عالمياً ، لان طبيعة العلاقة ما بين القوى الصاعدة والولايات المتحدة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين هي التي ستحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعمل على رسم ملامح التوازن الاستراتيجي العالمي و تحديد ضرورات أو عدم ضرورات استمرار احتمالات توظيف الفوضى الخلاقة على نطاق دول و أقاليم أخرى من العالم وتعميمها أو الاكتفاء بالأنموذج الإقليمي الشرق أوسطي .

المبحث الاول : الفوضى الخلاقة و أثرها على التوازن الإقليمي الشرق أوسطي
تشهد منطقة الشرق الأوسط و منذ فترة ليست بقصيرة ، حالة من الحراك التي أثرت و بشكل كبير على طبيعة تكويناته و توازناته الإستراتيجية ، فقد انهارت أنظمة سياسية و صعدت أخرى و قاومت أخرى الحراك و لا تزال عملية المخاض جارية لولادة شرق أوسط جديد تزعم الولايات المتحدة انه سيكون أفضل حالا من العهد السابق قبل عام 2011 ، هذه العملية أطلقت عليها الإدارة الأمريكية في إحدى المشاريع المسربة من قبل موقع وثائق ويكلكس (بإعادة هندسة الشرق الأوسط وفقاً للرؤية الأمريكية) ، هذه الرؤية الأمريكية نبعت من دراية عميقة و إدراك كبير لأهمية هذه المنطقة كمعطى في الإستراتيجية الأمريكية ، لذا فأنه ليس من السهل بمكان الحديث في تفاصيل الإستراتيجية الأمريكية دون تحديد الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة في هذه المنطقة من ثم الكشف عن أهم مقوماته و مرتكزاته التي نشأ عليها (17) ، و أيضاً المعرفة المعمقة بالأهداف الثانوية (المرحلية) أو التكتيكية التي تشكل تفاصيل الهدف الرئيس ، وقدر تعلق الأمر بموضوع الفوضى الخلاقة و أثرها على التوازن الاستراتيجي العالمي و الدلالات الإقليمية و مفاعيلها ، فالكثير من الباحثين (في الولايات المتحدة أهمهم ناثان شارنسكي و روبرت كوهين) يشيرون الى نقطة مهمة وهي الربط بعلاقة ما بين صعود الإسلام السياسي للحكم في منطقة الشرق الأوسط وما بين احتمالات استمرار توظيف الفوضى الخلاقة على هذا النطاق و من ثم تغيير التوازن الاستراتيجي الإقليمي و اتجاهه الى بلورة نوع جديد لم تألفه المنطقة على مر تاريخها ، إذ إن أصحاب هذا الرأي يشيرون الى وجود علاقة طردية موجبة ما بين تولي الإسلام السياسي للحكم وما بين فرص استمرار توظيف الفوضى الخلاقة و من ثم تغيير شكل التوازن و صورته و انتقاله من حالة الى حالة مغايرة على ما كان عليها في السابق قبل عام 2011، انطلاقاً من أن الإسلام أساساً ينقسم الى مذاهب وهذه المذاهب تنقسم أيضاً الى فرق عديدة ، ومن الصعب بمكان أن تحتوي هذه القوى الإسلامية بعضها بسهولة بحسب توظيف الفوضى الخلاقة و جعلها إحدى أدوات تغيير التوازن الاستراتيجي الإقليمي (من وجهة نظر أمريكية) من ثم ستحصل منازعات على السلطة و ستدخل المنطقة في دوامات صراع سياسية و غير سياسية تصاحب بحالة من عدم الاستقرار في جميع متعلقات الحياة العادية و التي تبرز انعكاساتها الإستراتيجية على أداء الدول الاستراتيجي إقليميا و هذا يدل على اختلال التوازن القديم و بداية عهد جديد للتوازن الاستراتيجي الاقليمي في منطقة الشرق الأوسط(18) .

و يجمع الكثير من المختصين والمعنيين والمراقبين لمنطقة الشرق الأوسط حول قضية صعوبة التنبؤ بالإحداث واستشرافها و دراسة مساراتها فيما يتعلق بهذه المنطقة الإقليمية ، فقد تلونت وتقلبت الإحداث وتغيرت صور التفاعل الإقليمية والدولية في هذه المنطقة في غضون اقل من شهر واحد لاسيما بعد موجات التغيير بداية عام 2011(19) ، وبقدر تعلق الأمر بالتوازن الاستراتيجي الإقليمي و اثر الفوضى الخلاقة على منطقة الشرق الأوسط في ظل التغيير عام 2011، يستشرف معظم الباحثين أن انتهاء بعض الأنظمة السلطوية والقمعية وسقوطها يمهد لقيام نظم حكم إسلامية تقوم على أسس التبادل السلمي للسلطة،وان السبيل الوحيد للوصول للحكم هو آليات العمل السلمي المدني والتنظيم الحزبي السياسي الديمقراطي(20) ، وهذه الطريقة في الحكم تريح الولايات المتحدة الى حد ما،بعد مرحلة عصيبة مرت على الإدارة الأمريكية في حربها العالمية ضد الإرهاب (الإسلامي المتطرف من وجهة نظر أمريكية) من ما يتيح لها من تشكيل ملامح التوازن الاستراتيجي الإقليمي و تحديد ماهيته و دلالاته و عنونته بإطار جديد هو اطار الديمقراطية و الشرعية و الأنظمة المنتخبة شعبياً و المقبولة جماهيرياً .

و يمكن ملاحظة هذا الأمر عن طريق انفتاح الإدارة الأمريكية تجاه الإسلاميين في الشرق الأوسط بعد وصول الرئيس اوباما للحكم للمرة الثانية ، لكن النقطة المهمة هي : هل أن الإدارة الأمريكية ستدعم هذه الأنظمة الإسلامية وتعمل على إنجاحها ، أم أنها ستكتفي بإيصالها للحكم وتقوم بعد ذلك بإفشالها وتقيدها عبر تفعيل بعض القوى الداخلية (المعارضة) – كما حدث في مصر من دعم للمجلس العسكري وسحب لصلاحيات الرئيس المنتخب قبل سقوط مرسي- لكي تفشل القوى الإسلامية ومن ثم تصبح القناعة لدى شعوب المنطقة بأن الحكم الإسلامي فاشل وان الإسلام قد فشل في تحقيق طموحاتها ، فالقليل من الشعوب تعي أن الإسلام لم يفشل وإنما مطبقي الإسلام هم الذين فشلوا ، ومن ثم سيزيد هذا الأمر من حدة الأزمات البنيوية الداخلية لتنتقل من أزمة نظام وحكم غير قادر على ضبط الأمور الى أزمة اجتماعية (دينية) و ازمة دولة بمؤسساتها كرد فعل على فشل الحكم الإسلامي ، وهذا الأمر سيمهد للدخول في دوامات عنف وفوضى عارمة بين قوى رافضة للحكم الإسلامي وقوى أخرى سوف تتحول من تأييدها للحكم الإسلامي الى رفضه ، وقوى ثالثة مؤيدة للحكم الإسلامي ، من ثم إعادة رسم ملامح التوازن الاستراتيجي ما ترغب تحقيقه الولايات المتحدة الأمريكية من شكل جديد لطبيعة العلاقات و شكل تفاعلها في الشرق الأوسط (21).

على ذلك يمكننا الانطلاق في محاولة إيجاد إشكالية ضبط العلاقة بين الفوضى الخلاقة كمتغير جديد في المعادلة الاقليمية و بين اثرها في بلورة وصياغة تفاعل استراتيجي من نوع جديد يمكن عنونته و تأطيره تحت عنوان التوازن الاستراتيجي الاقليمي الشرق اوسطي عبر توظيف الفوضى الخلاقة مستقبلاً على النطاق الإقليمي من خلال ما تشهد منطقة الشرق الأوسط من انعطافة خطيرة في مجال إعادة تشكيل وهيكلة النظم السياسية الحاكمة التي من المفترض إن تؤسس بدورها لإعادة تكوين الدولة بشكل عام ، فقد تجاوزت الدول التي تغيرت فيها الأنظمة السياسية الحاكمة مرحلتها الأولى وهي عملية إسقاط رؤوس الأنظمة الحاكمة ، ولم يُبقي عليها بحسب التصنيفات التقليدية في النظم السياسية إلا ثلاث مراحل ، كان أولها إسقاط النظام ومن المفترض أن يكون ثانيها هو الانتقال الى الديمقراطية وثالثها تثبيت الديمقراطية و رابعها نضوج هذه الديمقراطية (22).

فبحسب دراسة أجراها معهد كارنغي الأمريكي تشير الى أن مئة نظام من عام 1970 لغاية عام 2000 شهدت هذه المراحل ، 20% منها فقط وصلت للمرحلة الرابعة وهي النضوج الديمقراطي ، وتراجعت 5% منها إلى النظام الدكتاتوري القمعي، مع بقاء 75% منها قابع في المرحلة الانتقالية الثانية والثالثة وهي مرحلة الفوضى وعدم الاستقرار و كثرة الأزمات الداخلية والخارجية بسبب عدم وجود رؤية إستراتيجية واضحة المعالم لمرحلة ما بعد تغيير النظام ، فإن احتمالات عودة الأنظمة القمعية أو انتقالها للمرحلة الثانية أو الثالثة ودخولها في أزمات وحالة فوضى واردة في بعض الدول العربية التي حدث فيها التغيير مطلع العام 2011،مع عدم ترجيح احتمال الانتقال للمرحلة الرابعة(النضوج الديمقراطي) في المدى القريب او المتوسط (23) ، لكن هذه الاحتمالات تعتمد على الكثير من العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر في مدة كل مرحلة من مراحل الانتقال من الدكتاتورية للديمقراطية ، فأبرز المؤثرات أو العوامل الداخلية المؤثرة تكمن في ثقافة الشعوب وتطورها ومدى وعيها ومكونتها الديمغرافية والأسس الإيديولوجية السائدة في المجتمع (24).

وبقدر تعلق الأمر بالشرق الأوسط والجزء العربي منه ، فإن احتمالاته المستقبلية واستمرار توظيف الفوضى الخلاقة فيه من قبل الإدارة الأمريكية تشير الى بقاء النظم السياسية في المرحلة الثانية (التحول نحو الديمقراطية) و من ثم فأن إطراف التوازن الإقليمي الفاعلين ستكون الدول التي لم يحدث فيها اي عصف للتغيير بعد عام 2011 و هي( تركيا و إيران و إسرائيل) ، من ثم سيكون هناك أطراف أخرى للتوازن اقل تأثيراً على ملامح الإقليم من ناحية رسم ملامحه وليس من ناحية انتقال الفوضى منه رغم ان بعضها كان ذو اثر واضح و كبير على صيرورة التفاعلات داخل الإقليم قبل عام 2011 و هي (مصر و سوريا و العراق و قطر و السعودية )(25) .

و من نافلة القول ان شعوب المنطقة من الناحية الاجتماعية تعد شعوب غير مؤهلة وغير ناضجة سياسياً -أكثر من 40 % أمي في الوطن العربي- لكي تباشر وتطبق الأنموذج الديمقراطي وتمر بالمراحل الأربعة بسلاسة وسهولة ، فلا يوجد دولة عربية لديها تاريخ جيد في ممارسة الديمقراطية،لان البيئة الشرق أوسطية غير مؤاتية لممارسة الديمقراطية ، وان جميع دول المنطقة التي تحسب بأنها ديمقراطية قابعة في المرحلة الثانية والثالثة – عدا حالة تركيا التي خاضت أشواط طويلة في هذا المجال لتصل الى ما هي عليه الآن (26).

وذلك بسبب التخلف الذي تشير إليه إحصائيات الأمم المتحدة فيما يتعلق بالشعوب الشرق أوسطية ،التي تصل الى درجات عالية من الأمية والتخلف، فهناك دول أكثر من ربع سكانها لا يعرفون القراءة والكتابة وربعها الآخر لم يكمل التعليم الثانوي ، والربع الثالث منه أكمل التعليم الجامعي ولكن ليس على أسس عصرية متطورة كإتقان العمل على الحاسوب أو المهارات الأخرى ومعرفة اللغات الأجنبية والربع الرابع منها وهو الربع المتعلم بدرجة ما بين المتوسطة والجيدة فإنه إما أن يرغب بالهجرة خارج البلد أو أنه يعمل في مجال غير اختصاصه أو لا يعمل أساساً(27).

من ناحية أخرى وقدر تعلق الأمر باحتمالات استمرار دخول المنطقة في حالة فوضى واضطراب فإن مؤتمر هرتزيليا الذي عقد في عام 2011 (28) استجابةً للتحديات الجديدة التي تواجهها (إسرائيل) في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ، رجح هذا الاحتمال الى حد ما (احتمال الفوضى) ، فالخريطة السياسية الشرق أوسطية ترجح صعود القوى و الأحزاب السياسية الإسلامية سواءً أكان هذا الصعود بصورة طبيعية(انتخابات واستحقاقات دستورية كالتغيير في المغرب والجزائر والأردن )أو بصورة غير طبيعية (كالتغيير الذي حصل في العراق وبعض الدول العربية بعد عام 2011).

وقد أشار بعض الباحثين(الإسرائيليين)المشاركين في المؤتمر الى أن المنطقة تسير باتجاه الاسلمة السياسية ، التي تتخذ الجانب المعتدل منه (الإسلام المعتدل) الذي بدوره سوف يحارب الإسلام المتطرف ، من ما يعني الدخول في أزمات جديدة لم تكن تعرفها المنطقة وهي احتدام الصراع بين بعض القوى الإسلامية التي كانت تحارب في خندق واحد أبان حكم الأنظمة التي سقطت بعد عام 2011 ، وما حدث في مصر من انشقاقات داخل صفوف جماعة الأخوان المسلمين يعد مثالا واضحاً لذلك (29) ، وبالانتقال الى النماذج الكثيرة التي حصل فيها حالة تغيير غير طبيعية ، فتعد مصر أنموذجاً ناضجاً و واضحاً للقوى الإسلامية التي حققت نجاحات ساحقة فيما يتعلق بالانتخابات البرلمانية والرئاسية وبجميع الفصائل الإسلامية السلفية والإخوان ، فقد استحوذ التيار الإسلامي على مقاعد برلمانية تؤهله لقيادة الدولة وأدارة شؤونها داخليا وخارجيا وتعديل دستورها بما تمليه عليها أسسها الإيديولوجية الدينية ، لكن الظروف التي أحاطت بهذا الانتصار و التخبطات الكبيرة التي لم يستطع الرئيس السابق محمد مرسي تجاوزها ، أدت الى انهيار هذا النصر مع اول اختبار تعرض له حين نزل الشعب الى الساحات العامة و اسقطه بدعم واضح من المؤسسة العسكرية التي نصبت نفسها حامي لشرعية الشعب و مطاليبه (30) .

وبالانتقال الى المشهد المستقبلي العام للمنطقة و شكل التوازن الاستراتيجي الإقليمي له ، فالمغرب تسير باتجاه حكم إسلامي عن طريق ما حققته القوى الإسلامية في الانتخابات التشريعية عام 2011 ، والجزائر أيضاً تنضج فيها من جديد قوى إسلامية تحاول الاقتراب من التجارب الحديثة و المجاورة لها لاسيما ان تجربة الجزائر عميقة فيما يخص وصول الإسلاميين للحكم عام 1994 ومن ثم إقصائهم بإلغاء الانتخابات (31) ، هذا من جانب ، اما من جانب اخر ، فقد حققت القوى الإسلامية في تونس كبداية أولى لعملية ممارسة الديمقراطية بعد تغيير نظام زين العابدين بن علي،أول نجاح إسلامي في المنطقة بصعود القوى الإسلامية للبرلمان ومن ثم لرئاسة الجمهورية (32) ، وبالانتقال لباقي دول المنطقة فأن (إسرائيل) على سبيل المثال تشهد تحولاً باتجاه تقوية اليمين المتطرف لحزب الليكود الذي يعتمد على أيديولوجية دينية بحته في تعامله مع طبيعة الأحداث، وفيما يتعلق بسوريا ، فإذا ما سقط النظام فان البديل الناضج والأكثر احتمالاً سوف يكون البديل الإسلامي (الإخوان المسلمون السوريون)،ذوي الخبرة القديمة فيما يخص معارضتهم للنظام وأساليب الحكم والدعم الإقليمي(33).

واللافت للنظر حول ظاهرة (تدين النظم السياسية الحاكمة للمنطقة أو أسلمتها)، فأن هذا الأمر جاء بعد التلميح الأمريكي حول قضية الصعود الإسلامي عبر الإعلان الدائم من قبل الإدارة الأمريكية إنها لن تقف بالضد من رغبات شعوب المنطقة ، وإنها ستدعم هذه الشعوب فيما يتعلق باختيارها لحكامها لاسيما بعد عام 2011 ، وهذا يعطي دلالة واضحة على عن رغبة الولايات المتحدة الأمريكية لعنونة توازن استراتيجي إقليمي جديد للمنطقة وفقاً لمعادلة تتم بلورتها و صياغة مالأتها الإستراتيجية (أي إنها أعطت الضوء الأخضر للقوى الإسلامية المعتدلة بعد عملية تصفية الجماعات المتطرفة الأخرى وإسقاطها سياسياً لكي تلجئ هذه الأخيرة الى أسلوب المعارضة و بالتأكيد ستكون المعارضة المسلحة و هذا ما ترغب الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقه وهو الاقتتال الداخلي بين الفرقاء السياسيين)، اذ لم يعد لها قاعدة جيدة يمكن ان توصلها الى الحكم في عشر سنوات ماضية من إحداث 11 أيلول 2001 ، لغاية حالة التغيير 2011 ، التي تمكنت من خلاله الإدارة الأمريكية فتح قنوات حوار وتفاهم مع الأطراف الإسلامية المعتدلة و التي صعدت نتيجة لاستحقاقات شعبية على ارض الواقع ، فقد حددت الخطوط العريضة للتعامل مع قضايا المنطقة وأهمها قضية الصراع العربي(الإسرائيلي) بما يتماشى مع تحقيق مصالح الجميع بصورة رئيسة (34) .

وتتلخص وجهة النظر الأمريكية حول صعود القوى الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط بكل ما قاله الرئيس الأمريكي بارك اوباما واستعارته لآيات قرآنية بخطابه في القاهرة قبل سقوط مبارك ، وعبر عباراته التي كان يتداولها في خطاباته حول الإخوة بين الإسلام والمسيحية واليهودية و وحدة الأديان ، فضلاً عن تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلاري كلنتون التي نصت على أن الولايات المتحدة الامريكية لن تقف بالضد من إرادة شعوب المنطقة التي ترغب بالحكم الإسلامي المعتدل الذي يقوم على ممارسة السلطة باليات ديمقراطية عصرية تكفل التبادل السلمي والمنظم للسلطة،والولايات المتحدة ليس لديها مانع في ذلك وقد أعطت الضوء الأخضر لوصول هذه القوى الى السلطة عبر دعمها ومساعدتها بعد مرحلة دموية منذ 2001 وما صاحب ذلك من (حرب امريكية شاملة على الإرهاب) لكن ما لا تفهمه هذه القوى السياسية التي صعدت الى منصات الحكم بعد عام 2011 ، ان الذي جرى و وجودهم في الحكم هو جزء من التفاعلات الإستراتيجية الإقليمية التي تشكل التوازن الاستراتيجي الجديد وفق رؤية الفوضى الخلاقة للمنطقة (35).

ومن جهة ثانية وقدر تعلق الأمر بموضوع احتمال استمرار توظيف الفوضى الخلاقة مستقبلاً في الشرق الأوسط و صياغة عنوان جديد لشكل التوازن الاستراتيجي الإقليمي بدلالات الفوضى الخلاقة فأن المنطقة (كما سبق الإشارة له) تشهد تصعيدا دينياً – يمثل أفضل بيئة لعمل تكتيك الفوضى الخلاقة – من نوع جديد تحاول فيه الإدارة الأمريكية بناء توازن مذهبي في المنطقة تمهيداً لصدام حضارات إسلامي كما يشير إليه (مارك.ل.هاس)عبر خلق الفوضى على النطاق الإقليمي ستساعد على بلورة شكل جديد من اشكال التوازن الاستراتيجي ، كما فعلت ذلك على مستوى ضيق في العراق ، ومن ثم تعمم هذه الطريقة بالتعامل مع الشرق الأوسط ، إذ ينطلق هاس من فكرة أن الولايات المتحدة ستعمل على تغذية التناقضات المذهبية على مستوى شامل في الشرق الأوسط ، تعميماً لما حدث في العراق لكي تجعل المنطقة تدخل في صراعات مذهبية دون إغفال الدلالات القومية فيما يتعلق بالقوميات غير العربية ذات التوجه الانفصالي (36).

لذا فأن جوهر الفكرة يقوم على أن طريقة التعامل مع المنطقة ستكون عبر تفعيل تناقضات تهدد المنطقة وتماسكها واستقرارها ، أي ان الولايات المتحدة هنا تسعى لخلق وتغذية صراع إسلامي إسلامي لكي تفكك الإسلام من جهة و تفكك المنطقة من جهة ثانية وتحقق سيطرة وهيمنة (إسرائيل) إقليميا ، وبعيداً عن الجزء العربي من الشرق الأوسط وموجات التغيير التي جرت في مطلع العام 2011 ، يكمن ربط حالة التوازن الاستراتيجي الإقليمي مع استشراف احتمالات استمرار توظيف الفوضى الخلاقة مستقبلاً في دول أخرى غير عربية من الشرق الأوسط كإيران على سبيل المثال(37)،ففي إيران نظام تعاني منه الإدارة الأمريكية منذ مرحلة طويلة وقد زادت معاناة هذه الإدارة لاسيما بعد وصول ايران الى مراحل متقدمة من برنامجها النووي ، الأمر الذي يحد من الخيارات العسكرية للولايات المتحدة في تعاملها مع البرنامج النووي الإيراني وذلك لخطورة هذا الفعل على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة (38).

لذا فإن احتمال توظيف الفوضى في الداخل الإيراني وإثارة المشكلات لاسيما فيما يتعلق بالأقليات في مناطق عدة من إيران كالأكراد في شمال شرقي إيران أو العرب في الأهواز و حتى الأقليات الأخرى من المسيحيين و الزردشتيين والاذاريين واللور والبلوش والتركمان والجيليك الموجودين في إيران أمر وارد جداً و له انعكاساته الواضحة على دلالات شكل و بلورة التوازن في الشرق الاوسط ، إذ أن الإدارة الأمريكية تعي تماماً أن النظام الإيراني استطاع تحقيق هذا التماسك المجتمعي عن طريق نظام صارم ، سواءً في مرحلة حكم الشاه العلماني أو عند قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 (39) ، وهذا يؤشر ان لإيران نقاط ضعف كثيرة ممكن تفعيلها وتوظيفها لإشاعة الفوضى وتفشي ظاهرة عدم الاستقرار الداخلي سواءً العسكري أم المدني،فالمعارضة الإيرانية على سبيل المثال تتلقى الدعم من قبل اطراف دولية أهمها الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين ، وان تفعيل دور المعارضة وتوسيع هامشية الحركة لها يمكن إن تسبب في بلورة بيئة فوضوية تهدف لإسقاط النظام في إيران، ومن ثم اضعافه عن طريق اشاعة الفوضى ، ناهيك عن وجود رغبات شعبية(فضلاً عن المعارضة) في الداخل الإيراني تسعى لإحداث هذا التغيير (40) ، لهذا تذهب بعض الآراء الى أن موجات التغيير التي شهدها الشرق الأوسط في مطلع العام 2011 من الممكن أن تمتد الى ايران لغرض إسقاط النظام فيه ، فآلية التعامل مع الحالة الإيرانية للإدارة الأمريكية في المستقبل ، من الممكن جداً أن تعتمد هذا التكتيك للحد من التحدي الإيراني لمصالح الولايات المتحدة و(إسرائيل) في المنطقة ، لتكون الكفة الراجحة في المنطقة هي كفة (إسرائيل)(41).

المبحث الثاني:
الفوضى الخلاقة و أثرها على التوازن الاستراتيجي العالمي (إشكالية العنونة)
تروج الولايات المتحدة الأمريكية الى فكرة مفادها أن العالم سوف يشهد نوعاً من أنواع الفوضى العارمة إذا ما انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مفاجئ من أداء دورها في القيادة العالمية ، سيما أنها لمراحل طويلة كانت لوحدها تمثل الشرطي العالمي الى أن وصلت مرحلة لم تعد قادرة على احتواء التحديات العالمية الكبرى ، هذا الامر يدعو الولايات المتحدة و كل من يريد ان يكون فاعلاً رئيساً في طبيعة التوازنات الاستراتيجية الجديدة على المستوى الدولي (الدول) و على المستوى العالمي ( دول و منظمات و شركات عابرة للحدود) ، فقد بزغت في العقد الأول من القرن الحادي و العشرين تحديات جديدة على مستوى العالم ، لم تستطع الولايات المتحدة استيعابها و احتوائها لوحدها ، الامر الذي ارغم الفكر الاستراتيجي الامريكي على البحث و التقصي عن مخارج و مالأت جديدة تبقي الولايات المتحدة الأمريكية أطول مدة ممكنة تتربع على عرش الهرمية الدولية بصورة عنوانها الهيمنة أو بصورة اخرى اقل من الاولى و عنوانها الشراكة تحت القيادة الأمريكية الجديدة ، فأشركت بعض حلفائها ومنافسيها (بصفة طوعية كأوربا وبصفة إلزامية كالصين) في إدارة الشؤون الدولية ، الامر الذي جعل شكل التوازن الاستراتيجي العالمي يحتاج الى نمذجة و عنونه جديدة تختلف عن مرحلة الهيمنة الصلبة التي لم تدم الا سنوات قليلة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي مباشرة حتى عام 2005 و بداية الاندحار الأمريكي في العراق و أفغانستان ، وعلى ذلك تكمن تفاصيل الفوضى الخلاقة و اثرها على التوازن الاستراتيجي العالمي و مفاعيله في أن الولايات المتحدة تدعي بأنها الدولة الحاملة لميزان القوى الاستراتيجي العالمي وان جميع اللاعبين الدوليين ينضوون تحت القيادة الأمريكية ، وإذا ما حدث خلل في ذلك فان البيئة الإستراتيجية العالمية ستئول الى نوع من الفوضى التي سوف تشهد بعد ذلك انبثاق نظام دولي جديد يختلف في طبيعة تحالفاته و تعاملاته ما بين الدول العظمى والكبرى والمتوسطة والصغرى (42).

فالعالم الآن يدخل عصر جديد وهو عصر موت الإيديولوجيات العالمية وعدم وجود أنموذجين أو ثلاثة من الإيديولوجيات تتفاعل فيما بينها لكي تخلق الإبداع والتفوق والتنافس للوصول الى الأفضل كما كانت عليه الحالة في مرحلة الحرب الباردة ، وما أدت إليه تفاعلات الأيديولوجية الشيوعية والأيديولوجية الرأسمالية من تطورات يمكن ان يقال فيها أنها شبه إجبارية لكل من القطبين العالميين لكي لا يحدث خلل كبير في طبيعة قوة الدوليتين(43) ، على هذا النحو ، يتسع اطار تأثير الفوضى الخلاقة على التوازن الاستراتيجي العالمي عبر ما استطاعت الولايات المتحدة من تحقيقه في بيئة الشرق الأوسط الإستراتيجية و التي تعد ركيزة أساسية بالإضافة الى أقاليم ومناطق أخرى مثل إقليم وراسيا و الصين على سبيل المثال الدولة الأكثر خطراً على مكانة الولايات المتحدة المستقبلية ، و التي تؤثر في تشكيل معالم و ملامح التوازن الاستراتيجي العالمي ، فعبر أنموذج الفوضى الخلاقة الذي من المحتمل و بشكل كبير ان يطبق في أقاليم أخرى على النطاق العالمي من قبل الولايات المتحدة و هذا الأمر يعتمد وبشكل كبير على تجربتي العراق أولاً ومن ثم تجربة الشرق الأوسط غير المكتملة لحد الآن ثانياً ، لذا أن مستقبل استمرار توظيف هذه الفكرة يعتمد بالدرجة الأساس على طبيعة الفعل الاستراتيجي الأمريكي على النطاق الشرق أوسطي ،إذ أن منطق الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الأحداث محلياً أو إقليميا أو دوليا أو عالمياً ، يبنى على تجارب سابقة للولايات المتحدة في منطقة أخرى أو في نفس المنطقة أو لتجارب قوى أخرى، فتكتيك الفوضى الخلاقة على النطاق العالمي هو فكرة جزء منها قريب لفكرة(فرق تسد) التي كانت تتبعها الإمبراطورية البريطانية لمرحلة من مراحل وهيمنتها على الشرق الأوسط(44) ،و من المحتمل أن تطبق الولايات المتحدة تكتيك الفوضى الخلاقة على النطاق العالمي لأسباب عديدة أهمها هو توسيع رقعة الصراع وانتقالها من الشرق الأوسط الى العالم بشكل عام، فالفوضى الخلاقة سوف تكون إحدى آليات التعامل الأمريكي الدولي مع القوى الدولية الصاعدة التي تهدد مكانة الولايات المتحدة لاسيما أن الولايات المتحدة تعاني من أزمة تقدم ونمو(ليس تراجع) مقابل تسارع نمو وتقدم مكانة الدول الصاعدة كالصين وروسيا والاتحاد الأوربي والهند (45).

ونقلاً عن صحيفة الديلي سكيب ، يحلل المفكر الاستراتيجي الأمريكي و وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر الأوضاع في الشرق الأوسط بعد موجات التغيير العربية ، ويقول (إن إشاعة الفوضى الخلاقة على نطاق واسع وعالمي يمثل المرحلة الثانية من الإستراتيجية العالمية التي تحولت إلى خطة يتم الشروع في تنفيذها الان على أرض الواقع في الشرق الأوسط ،وهذا الامر يمهد الى اعدة تشكيل التوازن الاستراتيجي العالمي و هيكلة فواعل والقوى الدولية لذاتيتها و مقدراتها عبر عنونه نفسها على قدر قدرتها و قوتها ، وإذا كانت المرحلة الأولى من هذه الإستراتيجية قد جرت تحت شعار الحرب على الإرهاب، فإن المرحلة الآتية ستجري تحت شعار الحرب على الاستبداد مع إبقاء فكرة توظيف الديمقراطية كبوابة للولوج الى خلق الفوضى التي تستهدف إسقاط (ألأنظمة الفاسدة)،وإدخال إصلاحات سياسية بعيدة المدى على العالم العربي)(46).

ومن جهة أخرى يقول(توماس بارنيت )(إن الاستجابة لتوسيع دائرة فهم الفوضى الخلاقة وتعميم التجربة في المستقبل على النطاق العالمي راجع إلى أنها لم تعد مجرد طرح نظري فحسب ،ولكنها أصبحت جزء من إستراتيجية ناجحة في العراق وتنتظر نتائجها التي تم قياس نجاحها بشكل نسبي في الشرق الأوسط التي يجري تنفيذها بالكامل على أرض الواقع في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا ، عبر وسائل تكنولوجية متطورة للغاية ، وسحر وبريق أدوات غسل الأدمغة الحديثة ، ومن خلال البنج الإعلامي اليومي المحلي والأمريكي، وبوساطة مضخات أمريكية وأوروبية ضخمة لتوفير الأموال التي تقدم بلا حدود لمنظمات المجتمع المدني والهيئات والمنظمات الحقوقية وغيرها ، ولبعض الساسة ولكل من يسعى لتحقيق حلم أمريكا بقيادة العالم والسيطرة عليه(47) .

لهذا ذهبت بعض الآراء الى ان احتمالات تطبيق وتوظيف تكتيك الفوضى الخلاقة مستقبلاً على النطاق العالمي تعتمد كثيراً على معطيات ونتائج هذا التكتيك في الشرق الأوسط ، إذ إن هدف هذا التكتيك على النطاق الشرق أوسطي هو تقسيم الدول وتجزئتها الى مقاطعات ودول قومية وعرقية للسيطرة على مواردها ، عبر آليات اللعب على وتر القوميات والأديان والطوائف(48)، لكن هذا التكتيك إذا ما طبق على النطاق العالمي فلن يكون بنفس الآليات والأدوات التي وظفتها الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط ، وحتى الأهداف نفسها تختلف من نطاقها الإقليمي عن نطاقها العالمي(49) ، فتهدف الإدارة الأمريكية من تطبيق هذا التكتيك الاستراتيجي عالمياً الى تحجيم الدول الصاعدة الجديدة وإيقاف نموها واستنزافها لكي تستهلك نفسها وقوتها ، ومن ثم الحفاظ على مكانتها العالمية ، لان الولايات المتحدة نفسها وكما يؤكد اغلب مفكريها المؤيدين والمعارضين للسياسات التي تنتهجها ، تدرك تماما أن هيمنتها وتحكمها بالشؤون العالمية الى زوال (50).

ولكن هذا الزوال يمكن تأخيره وتعطيله ومن ثم إطالة عمر الهيمنة الأمريكية أو على اقل تقدير الشراكة تحت القيادة الأمريكية على العالم عبر ما ينتجه العقل الأمريكي من أفكار تعمل على تقويض قوة الدول الأخرى ، فأن توظيف الفوضى الخلاقة عالمياً ونشرها ونقلها يمثل احد أهم المعوقات التي من الممكن جداً ان تستخدمها في مناطق أخرى على نطاق المحيط الاستراتيجي العالمي ، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة ، فالدول الأخرى تمتلك استراتيجيات مقاومة لما تريد أن تفعله الولايات المتحدة ، هذه الاستراتيجيات العكسية قد تقوض وتفشل تكتيك الفوضى الخلاقة (51) ، لهذا و عندما أطلق ماو تسي تونغ ، مقولته المعروفة عن الوضع العالمي(الفوضى تسود العالم ، فالوضع جيد)(52) ، بمعنى أن بإمكان أعداء الولايات المتحدة الأميركية أو أعداء الدول الكبرى التي يفترض أن تكون مسيطرة على العالم أن يستفيدوا من حالة الفوضى العالمية اذا ما وقعت(53).

وعلى هذا الأساس فإن مستقبل خلق وتوظيف الفوضى في الشؤون العالمية بحسب هذا المنطق ليست حكراً على الولايات المتحدة ولا القوى المسيطرة عالمياً ولكن من الممكن أن (تصنع او تتسبب) دولاً صغيرة او حتى كيانات وتنظيمات غير دولية فوضى تستطيع من خلالها الولوج لتغيير طبيعة بيئة إستراتيجية معينة و تؤثر على طبيعة التوازن الاستراتيجي العالمي ذاته ، او كبح جماح قوة دولية كبرى،(وأحداث 11 أيلول2001 ، تمثل في تجلياتها مثالاً واضحاً على قيام كيان غير دولي بفوضى عارمة هزت الأمن القومي الأمريكي ومن ثم وصلت تداعياتها الى الشؤون العالمية بشكل عام)(54)،ولكن الشيء المميز في الولايات المتحدة بصورة رئيسة، والدول الكبرى بشكل نسبي أنها حين تقوم بخلق فوضى إقليمية او عالمية في المستقبل، فإن الوضع على الرغم من عدم السيطرة عليه بشكل كامل إلا انه يمكن للولايات المتحدة الدولة الصانعة لهذه الفوضى ان تديرها ولو بشكل نسبي وتوظف المتغيرات التي تنتج عن هذا العمل ، وهذا ما يميز الولايات المتحدة من بقية الكيانات التي من المحتمل ان تتبنى تكتيك الفوضى الخلاقة المضادة لمواجهة تكتيك الفوضى الخلاقة الأمريكية(55) .

ويذهب رأي أخر الى أن الولايات المتحدة أذا ما استمرت بتوظيف الفوضى الخلاقة في المستقبل على نطاق عالمي شامل ، فأن ذلك ينبع من تراجع دور الولايات المتحدة ومكانتها العالمية ، ويعلل أصحاب هذا الرأي الى أن توظيف وابتداع فكرة الفوضى الخلاقة في العراق كانت بسبب الخسائر الأمريكية التي تكبدتها في العراق على النطاق العسكري(56) ، ومن ثم فأن الآلة العسكرية الأمريكية من الصعب أن تقوم باحتلال العالم بأكمله وتباشر ببث الفوضى الخلاقة ، بسبب أن نفقات الحرب على العراق وحدها أدت الى دخول الولايات المتحدة في أزمة مالية عالمية احد أسبابها الرئيسة الحرب على الإرهاب بعد 11 أيلول 2001، فضلاً عن أن الولايات المتحدة وفي هذا الوضع تحديداً فقدت أجزاء كثيرة من مقوماتها وأدوات تنفيذ إستراتيجيتها.وكل ذلك يعود الى سبب رئيس وهو الإنفاق الفلكي الكبير على موازين التسلح والشؤون العسكرية وإغراق الولايات المتحدة في حروب أوقفت من تقدم الولايات المتحدة تزامناً مع تقدم وتطور ونمو قوى إقليمية كبرى بزغت على الساحة الدولية كشريك في مناطق وحالات وكمنافس في مناطق أخرى ، لهذا فإن منطق استمرار توظيف فكرة الفوضى الخلاقة سوف يعمل على تقويض القوى الصاعدة او على اقل تقدير إشغالها وإيقاف نموها او الحد منها ، عن طريق زعزعة الاستقرار الداخلي ومن خلال توظيف المشاكل والأزمات الكامنة داخل الدول البازغة او في مناطق أخرى خارجها تحسب على دائرة نفوذها ، ومن ثم فإن هذا الأمر سوف يستنزف ويستهلك قدراتها(57).

ويذكر نعوم تشومسكي في مقال له منشور في موقعه الرسمي (أن الولايات المتحدة الى الان تعاني من هزيمتها العسكرية في العراق ، وهزيمتها مع الناتو في أفغانستان ، مع انهيار نظامها المالي والنقدي ، الذي سيتبعه ركود اقتصادي حتمي يؤثر على قدرتها الإنتاجية والإنفاقية ، من ثم ان الولايات المتحدة بحاجة الى المزيد من القروض ، و بحاجة لسحب قواتها المقاتلة وحتى المتمركزة في العالم لتخفيف الأعباء ، وبحاجة الى سلم أهلي داخلي سيكلفها أعباء جديدة لإنهاء الأزمات اقتصادية الحادة كما نشاهدها اليوم ومحاولة الالتفات لازمات الداخل الاجتماعية والطبقية والعرقية )(58) ، وكل ما سبق يعني تخلي الولايات المتحدة عن دورها العالمي والالتفات الى أزماتها الداخلية عبر إعادة توجيه نفسها وإستراتيجيتها بالتخلي عن توظيف بعض التكتيكات وأهمها الفوضى الخلاقة إقليمياً ودولياً ، لأن مثل هكذا أمور ستجعل من الولايات المتحدة أسيرة لحلم استعادة الهيمنة لكن من دون فائدة ، ويضيف تشومسكي( فكم من إمبراطورية عظمى سقطت وانهارت وتجزأت الى دول عديدة ، لكن هذا الأمر لا يحب سماعه من هم في الإدارة الأمريكية ، لذا فالعودة في الوقت المناسب الى الداخل الأمريكي أفضل من العودة في وقت تكون الولايات المتحدة على حافة التفكك والانهيار)(59).

ومن ناحية أخرى ، هناك من يقارن بين طبيعة الهيكلية الدولية و شكل التوازنات الدولية و مفاعيلها وما ستؤول إليه طبيعة النظام الدولي ، سيما في الوقت الراهن و ما يعيشه العالم من تغييرات زادت من تعقيد تفاعلات اللاعبين الدوليين فيما بينهم ، إذ أن البيئة الدولية الآن لم تعد كما كانت عليه في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها (60)، فقد تغيرت طبيعة التعامل بين الأطراف و الفاعلين والدوليين وظهرت قوى من غير الدول أثرت وبشكل كبير على زيادة التفاعلات الدولية و من ثم على شكل التوازن الاستراتيجي العالمي في عالم اليوم ، فلم تعد الدولة والمنظمات الدولية هي الفاعل الرئيس في العالم إنما صار هناك فواعل تؤثر على سلوكيات وتحركات دول عظمى كالمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات العالمية على اختلاف توجهاتها (61)، لذا فأن هذه المتغيرات بجملتها أثرت وبصورة واضحة على دور الولايات المتحدة وفاعليتها في احتواء الشؤون الإقليمية والدولية كما كانت تفعل في مرحلة الهيمنة والانفراد العالمي ، إذ أصبح الآن للولايات المتحدة شركاء يفرضون أنفسهم في أية قضية تطرح على البيئة الإقليمية والدولية (62).

لذا لن تكون النتائج الإستراتيجية لهذه التحولات محدودة كما أعلن البعض بتراجع الدور الإمبراطوري للولايات المتحدة فحسب ، بل إن مستقبل الولايات المتحدة نفسها على المحك و بالتالي شكل التوازن الاستراتيجي ايضاً على المحك هو الأخر ، فقد أعلن أكثر من مسؤول أوروبي ومسؤولون صينيون وروس، أنه لا يجوز بعد اليوم ترك قيادة الاقتصاد العالمي بيد الولايات المتحدة(63)، وهذا يعني نهاية الإمبراطورية المالية ، وعليها القبول بالشراكة الصينية الأميركية والشراكة الروسية الأمريكية و الشراكة الأوربية الأمريكية ، فلا وجود بعد اليوم لاستقلالية كبيرة في اتخاذ القرارات الدولية بالنسبة إلى الولايات المتحدة (64) ، و على هذا النحو فإن من الطبيعي أن ينعكس كل ذلك على أداء الولايات المتحدة في إطارها العام وعلى مشاريعها وعلى طرق تنفيذها عن طريق تكتيك الفوضى الخلاقة – أو اي تكتيك آخر- وتوظيفها في مناطق أخرى غير الشرق الأوسط ، و هذا ما يشجع الولايات المتحدة الى تصدير الفوضى الخلاقة الى مناطق و أقاليم اخرى حول العالم للحفاظ على توازنها الاستراتيجي العالمي لأطول مدة ممكنة ، و لعل الولايات المتحدة تجد في الفوضى الخلاقة و توظيفها عالميا مخرجاً لعنونة أدائها الاستراتيجي و فك إشكالية المستقبل و الخروج من هذا المأزق(65).

و بناءاً على ما تقدم يمكننا القول كخلاصة نهائية لإمكانية تشكيل توازن استراتيجي إقليمي و عالمي بدلالة الفوضى الخلاقة يقوم على حقيقة إن الفوضى الخلاقة طبقت في العراق بعد إسقاط النظام فيه بحرب أدت الى احتلاله من ثم إحداث ثغرات كبيرة بين مكونات شعبه و الدفع باتجاه تقسيم هذا البلد وفقاً لهذه المكونات الدينية والطائفية والقومية ، في حين جاء تطبيق الفوضى الخلاقة في بقية بلدان الشرق الأوسط بأسلوب مختلف ، إذ إن الهدف من التطبيق هنا هو إسقاط الأنظمة من دون حرب واحتلال لأي بلد من ثم إحداث التقسيم ، وليس كما حدث في العراق ، بمعنى أخر ، ان الفوضى الخلاقة أدت دورين في الشرق الأوسط بدل الدور الواحد وهما الإسقاط والتقسيم من دون الدخول او التدخل العسكري عدا حالة ليبيا ، وهذا يعني وجود خصوصية لكل حالة على الرغم من تكرار التجربة في بيئة جيواستراتيجية إقليمية متشابهة نسبياً ، من ما يعني أيضاً ان انعكاسات التجربة العراقية من ثم الإقليمية الشرق أوسطية ليست بالضرورة ستأخذ نفس الاتجاه والدلالات عندما توظف هذه الفكرة عالمياً .

المصادر:
1. Joseph Compana ,the pain of reformation : spenser , vulnerability , and the ethics of masculinity , first edition , forham univ press , U.S.A. , 2012 , P.P 29 – 30 .
2. ريهام مقبل ، مؤتمر نحو نظام عربي جديد ، ، مجلة السياسة الدولية ،القاهرة ، العدد 185 ، المجلد 46 ، يوليو 2011 ، ص176
3. علي جلال عوض ، الارتباك : تحليل اولي للدور التركي في ظل الثورات العربية ، مجلة السياسة الدولية ،القاهرة ، العدد 185 ، المجلد 46 ، يوليو 2011 ، ص 60 .
4. محمود حيدر ،الفلسفة السياسية للمحافظين الجدد : إيديولوجية الفوضى الخلاقة ، مجلة الدفاع الوطني اللبنانية ، العدد 318 ، 1/7/2005 ، بحث منشور على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)على الرابط الاتي : http://www.lebarmy.gov.lb/article.asp?ln=ar&id=8293
5. ايمن احمد رجب ، الاقتراب من حالة عدم اليقين (الفوضى الخلاقة) ،مجلة السياسة الدولية ،ملحق اتجاهات نظرية،المجلد 46 ، العدد 185، يوليو ، 2011 ، ص 8 .ص 8 .
6. مصطفى البكري ، الفوضى الخلاقة ام المدمرة :مصر في مرمى الهدف الامريكي ، مكتبة الشروق ، مصر ، ط1 ، 2005 ، نقلاً عن عرض الكتاب على موقع نيل وفرات ، شبكة المعلومات الولية (الانترنت) على الرابط الاتي : http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb59102-5059061&search=books .
7. عبد الأمير بدران ،الفوضى الخلاقة وعصر الانتظار ، منشورات مركز الشهيدين الصدرين للدراسات والبحوث ، النجف الاشرف ، العدد 227 ،2011 ، ص 5 – 11 .
8. نبيل البكري ، الفوضى الخلاقة : مزيدا من المصطلحات مزيدا من الفشل ، مجلة العصر الالكترونية ، العدد 39 ، سبتمبر 2009 ، ص 76 .
9. شريف عبد العليم ، رؤية جديدة لشرق أوسط جديد ، ط 1 ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، 2012 ، ص 81 .
10. طالب حسين حافظ ، تطور الإستراتيجية الأمريكية في العراق 2003 – 2007 ، جامعة بغداد ، مركز الدراسات الدولية ، مجلة دراسات دولية ، العدد 36 ، 2008 ، ص 234 .
11. وائل محمد اسماعيل ،رقعة الشطرنج الشرق اوسطية ، ط1 ، دار الرواد المزدهرة ، بغداد ، 2011 ، ص 174 .
12. محمود حيدر ، مصدر سبق ذكره ( شبكة المعلومات الدولية).
13. Peter t.leeson , efficient anarchy, polishing by business media , London , first edition . p.13.
14. نقلا عن موقع مركز الدراسات الإستراتيجية ، فرنسا ، بحث منشور بعنوان presentation du controlee . شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الاتي : http://vivienmallet.net/chaos/controle.php

15. Ervin Laszlo , chaos point 2012 : the world at the crossroads , first edition , piatkus books , U.S.A. , 2012 , P 87 .
16. Gregory Mobley , the return of the chaos monsters : and other back stories of the bible , first edition , wm . b .Eerdmans publishing , U.S.A. , 2012 P 34 .
17. Evgeny Morozov , The net Delusion : The dark side of international freedom , first edition , public affairs , U.S.A. , 2012 , P 37 .
18. Ibid , p 37 .
19. سيان ل . يان ، نقلاً عن بحث منشور على موقع مجلة الفورن بلسي بعنوان : Understanding the Resilience of Monarchy During the Arab Spring ، ابريل 2012 ، على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الاتي : http://www.fpri.org/enotes/2012/201204.yom.monarchy-arab-spring.html.
20. المصدر نفسه ، (شبكة المعلومات الدولية).
21. المصدر نفسه ، (شبكة المعلومات الدولية) .
22. Tarik Sabry , arab Cultral studies : mapping the field , first edition , I.B.Tauris , U.S.A., 2012 , P129.
23. Alexander T.J.Lennon , Democracy in U.S. Security Strategy : from promotion to support , institute of carengy ,U.S.A., 2012, P 57 .
24. Ibid , p60 .
25. Mark Hitchcock, Op.cit p,P78 .
26. Yakub Halabi , Us Foreign policy in middle east : from crises to change , first edition , Ashgate publishing Ltd , U.S.A., 2009 , P 9.
27. Ibid , p15.
28. Lbid , p 22 .
29. مؤتمر هرتزيليا : هو مؤتمر يعقد سنوياً في (اسرائيل) منذ عام 200 الى حد الآن ، يناقش قضايا مختلفة تتعلق بالشؤون الإسرائيلية الداخلية والخارجية ، ويحظره العديد من المشاركين غير (الإسرائيليين) ويتم جمع الرؤى والطروحات في نهاية المؤتمر وجعلها على شكل تقرير يلخص جميع الافكار التي طرحت خلال مدة عقد المؤتمر ، أي ان هذا المؤتمر يطرح ويناقش قضايا مستجدة وازمات ويقدم حلول يمكن ان تتبناها الحكومة الإسرائيلية نقلا عن :سعيد عكاشة ، مؤتمر هرتزيليا : نقاشات اسرائيلية حول تداعيات الصعود الاسلاميين بالمنطقة العربية ، نقلاً عن موقع مجلة السياسة الدولية على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الأتي : http://www.siyassa.org.eg/NewsContent
30. المصدر نفسه (شبكة المعلومات الدولية).
31. صاموئل تودروس ، نقلا عن موقع مجلة فورن بولسي ، دراسة منشورة بعنوان : The Muslim Brotherhood and Washington: Courtship and Its Discontents ، ابريل 2012 ، على موقع مجلة فورن بولسي على شبكة المعلومات الدولية(الانترنت) على الرابط الاتي : http://www.fpri.org/enotes/2012/201204.tadros.muslim-brotherhood.html.
32. صاموئل تودروس ، مصدر سبق ذكره ، (شبكة المعلومات الدولية) .
33. مارس فيشر ، نقلاً عن موقع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية ، مقال بعنوان : In Tunisia after Arab Spring, Islamists’ new freedoms create new Muslim divide ، 25/3/2012 ، على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الأتي : http://www.washingtonpost.com/world/in .
34. ماريا فانتبيه ، خيار التدخل التركي في سوريا ، دراسة منشورة على موقع منظمة كارنغي بتاريخ 15 اذار 2012 ، على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الأتي : http://carnegie-mec.org/publications/?fa=show&id=47526.
35. Peter Berger and Gordon Redding , the hidden form of capital : spiritual infancies in societal progress , first edition , anthem press , U.S.A., 2011, P 201 .
36. Ibid , p159 .
37. Mark L.Haas , the clash of ideologies : Middle Eastern politics and American Security , first edition , Oxford University press , UK, 2012, p .p 45 – 50 .
38. ربما سائل يسأل لماذا ايران بالتحديد وليس تركيا او السعودية ، فيجيب الباحث الى ان ايران تمثل تحدياً انياً لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة رغم الاتفاق الامريكي الايراني في الكثير من القضايا ، وفيما يتعلق بالسعودية وتركيا ، فأن احتمالية توظيف هذا التكتيك مستقبلاً ضعيف لاسباب اهمها ان كل من السعودية وتركيا تقوم بدورها الاقليمي كما هو مطلوب منها وفي جميع الاحوال لا تمتلك هذه الدول نوايا حقيقية في امتلاك برنامج نووي من الممكن ان يهدد مصالح الولايات المتحدة في المنطقة ، لكن لا يستبعد الباحث على المدى الطويل تفعيل مثل هكذا مشاكل في هذين البلدين اذا ما تغيرت طبيعة المعادلة الاقليمية وتغييرات حسابات الولايات المتحدة والية تحقيق مصلحتها العليا .
39. Jalil Roshandel and Nathan Chapman Lean , Iran , Israel , and the U.S.A. : Regime security VS .political legitimacy , first edition ABC – CLIO , U.S.A., 2011 , P 114 .
40. Ibid ,P 120 .
41. Rudi Matthew , Persia in Crisis : Safavid decline and the fall of Isfahan , first edition , I.B.Tauris , U.S.A., 2011 , P 253 and next .
42. Jenifer corr morse , scholastic book of world record 2012 , first edition , scholastic inc , U.S.A. , 2012 , P247 .
43. World bank , world bank group , world development indicators 2012 , first edition , world bank publications , vein , 2012 , p 115 .
44. Alexander Bruce , 2012 Science or superstition (the definitive guide to the doomsday phenomenon ) , first edition , the disinformation company ,U.S.A., 2012 , P 207 .
45. Daniel J.gansle , 2012 : Day of reckoning ,first edition , institute of Daniel j.gansle , U.S.A . , 2011 ,p238 .
46. نقلاً عن تصريح لهنري كيسنجر منشور على موقع صحيفة الديلي سكيب اللندنية بعنوان(“If You Can’t Hear the Drums of War You Must Be Deaf”) ، 18/2/2012 ، على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) الرابط الاتي : http://www.dailysquib.co.uk/world/3089-henry-kissinger-if-you-can-t-hear-the-drums-of-war-you-must-be-deaf.html.
47. نقلا عن حمدي عبد العظيم ، المال والسياسة : التمويل الخارجي للتفاعلات الانتقالية داخل الدول العربية ، ، مجلة السياسة الدولية ،القاهرة ، العدد 186 ، المجلد 46 ، اكتوبر 2011 ، ص 72 -77 .
48. نقلاً عن : دراسة منشورة لعبد الرحيم مراد بعنوان ثورات الفوضى الخلاقة : خريطة الشرق الاوسط الجديد سايكس بيكو 2 ،في موقع وكالة شام نيوز بتاريخ 2211/2011، على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الاتي : http://shamtimes.net/news_de.php?PartsID=1&NewsID=1842#.T5ktun2AGPc.facebook.
49. Marshall Cavendish, Global chaos , first edition , institute of marshal Cavendish , .U.S.A. , 2011 , P40.
50. Mark Haley , 101 things you should know about 2012 : Countdown to armageddonor a better world , first edition , Adams Media , .U.S.A., 2011 , P 194 .
51. Immanuel Wallenstein , the decline of American power , first edition , new press , U.S.A., 2011, p 283.
52. Chimerical Empire project ,the sorrows of empire : militarism , secrecy , and the end of the republic , first edition , Henry holt and company , U.S.A., 2005 , P 142 .
53. Ibid , p 142.
54. Derek Cholet , American between the wars , first edition , Read how you want .com , U.S.A., 2011 , , P 504 .
55. Ibid , p 504 .
56. Charles W.Kegley , and Shannon L.Blanton , World politics : tend and transformation , 2012- 2013 edition , first edition, cengage learning , U.S.A., 2012 , P 495.
57. Ibid , p 496 .
58. نقلا عن نعوم تشومسكي ،الطريق الامبراطوري : الانحدار الامريكي الى المدى المنظور ( (2 ، موقع نعوم تشومسكي على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) على الرابط الاتي : http://www.chomsky.info/articles/20120215.htm
59. نقلا عن : المصدر نفسه (شبكة المعلومات الدولية).
60. Winter nie and William dowell , In the shadow of the dragon, first edition , AMACOM , U.S.A.,2012 p 59 .
61. Ibid , p59
62. Ibid , p59
63. Christophe Herrmann and jorg Philipp terhechte , European Yearbook of international economic law , first edition , S and D limited U.S.A., 2012 ,p 144
64. Ibid, p144.
65. Ibid , p144.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق