مقالات

جنان ومهابيل …. وهدم ما بقي من أمة العرب

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي – رئيس مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب

 

العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر…… ديكارت مرة سادسة … وعود إلى ابتداء….
وأنا متحيٍر لحد الارتباك والفزع مما يحاك لنا في المنطقة العربية ..
تقفز التساؤلات في مشاهد قاتمة الألوان أمام عيناي…. بعضها إجابته واضحة لنا وبعضها لا أملك لها ردا ولا إجابة …. أولها …. هذا الاحتدام الظاهري الذي برز فجأة في العلاقات المعلنة بين المملكة السعودية ومصر …. ولأن الواقع مدهش في غرابته…. فلا مفر منك أيها العقل المزعج لنا …. والسؤال هنا بديهي …لماذا السعودية ومصر تحديدا؟
والسؤال الذي يليه ..
وجزيرتي تيران وصنافير مسألة قائمة منذ عشرات السنين ….
فما هي أسباب إطلاق قنبلة تحديد وضعيتها والسيادة عليها في هذا الوقت تحديدا؟
وما هي التهديدات والمخاطر التي تغلي في قدر أحوال منطقة العرب هذه الأيام وتجعل من إثارة المسألة جموحا وعشوائية وعدم أدراك للشَرَك الماثل أمامنا في مصر والسعودية سويا؟
أما السؤال الأول …لماذا السعودية ومصر… فلا يجب أن يغيب عنا..من منظور الأمن القومي العربي …أن البلدين الكبيرين ..هما أقوى حلقتين باقيتين في عقد العمل العربي المشترك… ولو عدنا بالتاريخ قليلا للوراء… لوجدنا أن عقد العمل الجماعي العربي المشترك في حرب أكتوبر ..كانت تتسيد حباته دول رئيسية عربية كانت وقتذاك هي القوى الأكبر والأكثر تأثيرا ..وهي : مصر والسعودية وسوريا والعراق …. وبالقطع لا أغبن حقوق مملكة الأردن الحبيبة ولا كل الدول الخليجية الشقيقة وعلى رأسها الإمارات والكويت والبحرين ..ولا دول أفريقيا العربية القوية وعلى رأسها الجزائر والمغرب وتونس وليبيا … لكنني أعود للاعبين الأكثر إمساكا بأوراق اللعبة الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية والجغرافية ..مع الكيان الصهيوني ومن أوجده في قلب الأمة العربية …. لأجد مصر وسوريا والعراق عسكريا …والسعودية اقتصاديا وإسلاميا وجغرافيا
… نعم كانت الرباعية العربية وقتها هي أقوى مصدات العدوان ..وأكثر عوامل التفاعل العربي التي قادت العرب وقتها..وشكلت رأس حربة الصراع العربي الإسرائيلي … وقادتنا إلى انتصار أكتوبر اليتيم الذي أخضع الصهاينة للتفاوض بعدها .. لم ينس اليهود عامة ..ولا الصهاينة الإسرائيليين على وجه الخصوص الدرس …الذي كان واضحا وقتها..لا يجب أن يترك العرب ليجتمعوا…
… العراق أقحم في العراك مع الكويت ..سامحه الله صدام حسين … الذي مَكنْ الأمريكان والصهاينة من خلفهم من اقتحام منطقة الخليج بالمستعمرات الأمريكية … نعم ..شكلت جموحات صدام حسين منطلقا رائعا لوجود أمريكي مستدام في منطقة العرب الأهم اقتصاديا واستراتيجيا…
ووقعت العراق مثلما تقع حبات العرق المالحة من على جبين الأمة العربية…. وقعت العراق عندما اجتاحت بلد عربي شقيق هو الكويت ..وأوقعت معها بنية مشاعر الطمأنينة العربية -العربية ..فلم يعد الإخوة في الخليج يثقون في القوة العربية ..ولديهم الحق ..وقد استخدمت القوة العربية العراقية ضد أمنهم واستقرارهم … وكانت قوات أمريكا هناك..جاهزة ومستعدة …لتقوم بدور الحامي والصديق الوفي للعرب .. وبوقوع العراق ..وسقوط مستقبلها رهينة في يد برايمر ومن خلفه ….لتقع إلى ما شاء الله في سلطان نفوذ العسكر الأمريكان … وقعت أول حبات العقد الطليعي العسكري والاقتصادي العربي …. ثم مرت عدة سنوات ..ونحن نيام في المنطقة .. وغيرنا يقظين ..يخططون لنا ..ونحن نتلقى تخطيطاتهم ببراعة الطاعة العمياء ويسر واستكانة المهابيل المساطيل … حتى حان الدور على الدولة الثانية …. سوريا ….بدأت بتذمر فردي محدود ..تطور بسرعة شيطانية ليصل إلى حرب أهلية إقليمية عالمية ….أصبحت الأراضي السورية مرتعا لكل ثوار الدم وحاملي حقائب التطرف والتباغض الديني في كل دول العالم…وشيئا فشيئا..تحول الجيش السوري العربي إلى فتات وهم يحاولون أن يقاوموا سقوط الحكم والدولة …وأصبح الجيش السوري يقاتل عشرات الجماعات مابين معارضة سياسية ترعرعت في بلاد العم سام … ومعارضة دينية طائفية اختمرت في بلاد السنة وبلاد الشيعة معا ..وجماعات إرهابية ليس لها مآرب إلا الدماء والفرقة وتبلورت أفهامها للإسلام في السيف وقطع الرقاب …. الغريب أن المعارضة تذكرت فجأة أن الحكم في سوريا للعلويين وهم أقليه أصبح غير ديمقراطي… وتشابكت المسألة السورية شيئا فشيئا ..وتحولت القوة الكبيرة العربية إلى شركة مساهمة للعنف والدماء والتصادمات وحلبة مفتوحة للصراع الإقليمي والدولي ..واستبيحت سوريا لكل أجهزة المخابرات وعصابات تجارة المخدرات والاتجار في البشر إضافة لتحولها لسوبر ماركت دموي لتجارة السلاح …. سوريا ..القوة العربية العالية ..انتهت ….لتضاف إلى العراق
أما مصر …. والصورة أكثر وضوحا….ثورة ربيع عربي …حاولت أن تغتال القوى المصرية داخليا..وعلى رأسها الجيش والشرطة.. وتحت عباءة التحول الديمقراطي…تم العسف بالقانون … وفتح شلال التنافر والتضاد … لكن مصر تختلف … جيش مصر ليس طائفي..لكنه وطني ..وشرطتها متماسكة وقوية ..حتى بعد انتهاك مؤسساتها واستهداف أفراد وضباط جيشها وشرطتها … وقضائها..مصر ليست لقمة سائغة.. الجيش في مصر يقوى ..والشرطة تستعيد عافيتها وتقوى..والقضاء يقضي في ثبات بعكس ما تراه السلطة التنفيذية … في نموذج تيران وصنافير … ولو كان القضاء مسيساً ..لحاول نيل رضا السلطة بالحكم بما تراه ..لكنه حكم بما وقَرَ في وجدانه ..حتى ولو كانت المسألة لا تحسم قضائيا….ولها أبعاد أخرى …ناهيكم عن إجهاد مصر اقتصاديا ورمي العراقيل المتتالية في مساراتها في وقت بالغ الصعوبة … لتنجو مصر …. من مصير الهمجية الذي لحق بالعديد من دول الربيع العربي التي لم تستوعب دروس التاريخ في التماسك وقت الأزمات لتجنب خطر التهاوي والسقوط…..
ونجاة مصر ، مثل نجاة السعودية وباقي الدول العربية التي مازلت دول حتى الآن…قرينة بإدراكهم للمخاطر المحيطة..لأن محاولات النيل من مصر ومن السعودية وغيرهما…لن تنتهي …لأن مصر هي بيضة العرب …وفيها شَكَلتْ القاهرة العمق الاستراتيجي والشعبي والعسكري والحضاري..والتي كانت ومازلت منارة العرب مع دمشق وبغداد والرياض وغيرها من عواصم العالم العربي …
ولكن…سقطت بغداد …وسقطت دمشق … اثنتان من أهم قلاع المواجهة العسكرية والشعبية للعدو الصهيوني… فمن الذي بقي في حلبة الصراع ليشكل شوكة في حلق الوجود الإسرائيلي المستقر في منطقة الشرق الأوسط؟ بقيت القاهرة والرياض…..
فهل ستٌترك القاهرة والرياض ليتفقا؟
بالقطع من مصلحة إسرائيل ومن خلفها اللوبي اليهودي في كل العالم ..وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية محركا للسياسات الخارجية الغربية لتحقيق صالح إسرائيل ولو على جثث ملايين العرب ….
هنا نأتي على بيت القصيد …. تيران وصنافير…مسألة جدلية ؟ ولو… عمرها عشرات السنين ..نعم….
فلماذا الوقوع في شركها اليوم ؟
إلا لو كان المطلوب إلقاء طوبة خبيثة في مياه العلاقات بين القاهرة والرياض؟ لا بجب أن نقع ..سواء في المملكة العربية السعودية أو في مصر في هذا الفخ القبيح….. علينا أن نهدأ على المستوى الشعبي وألا ننساق وراء تراهات الوطنية الزائفة في غير موضعها … وألا تتحول المشاعر الوطنية ، حتى لو كانت بريئة ، لمعاول هدم في يد من يريد بنا الوقيعة…وأن نترك هذا الأمر لقادتنا السياسيين ليتعاملوا معه بكل الحكمة ..حتى لو أرجئ حسم الأمر لعدة سنوات تضاف إلى عشرات السنوات السابقة…. هنا ..فقط هنا لو عقلنا الخطورة..سنفوٍت على قراصنة الشر وأبناء الشيطان أن يفرحوا بنيران الفرقة تلتهم ما تبقى من قلاع المواجهة مع العدو الإسرائيلي في المنطقة…
هل نستوعب الدرس؟
أم نقع في فخ تيران وصنافير الذي لو وقعنا فيه لا قدر الله ..سيكون فخ جنان ومهابيل …جنان المشاعر ومهابيل الوقوع في شَرَك الوقيعة بين القوتين العظميين ؟
يجب أن تصمد الرياض والقاهرة …ففي رقابنا تعَلَق ما بقي من آمال العرب في البقاء العاقل ….

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى