مقالات

مصر تنتقل…هل بدأ الجهاد الأكبر؟

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي – رئيس مركز دلتا مصر للبحوث والتدريب

 
عندما قامت ثورة يناير ، كانت هناك أسباب حقيقية وأخرى غير حقيقية للثورة لدى معظم قطاعات الشعب المصري… والشعوب هي مايسترو مسيرات الحياة في التاريخ وليس الحكام ..أو حتى الأنظمة….
نعم الشعب هو السيِد في معادلة الحياة للبشر..حتى لو كان يُحكم بالحديد والنار تحت حكم شموليْ…. فخنوع الشعوب يصنع الدكتاتور … هكذا يقول لنا التاريخ …
ولأننا في مصر – شعبا وحكومة وحكام – قد شاركنا بشكل مباشر وغير مباشر في مصائرنا حتى وصلنا لما وصلنا إليه فيما قبل ثورة 25 يناير…. فنحن جميعا أيضا سنظل – بحكم واقع الحال وطبيعة المسئوليات والأدوار- جزءا من المعادلة الراهنة والقادمة في موازين الحياة المصرية ….لكن الوضع اليوم مختلف ….
نعم الوضع يختلف لأننا مررنا بثورتين متتاليتين …25يناير و30 يونيو … ووضعية الثورات وتكييفها لا يخضع لأهواء هذا الفريق أو ذاك لكن واقع حال الشعوب هو الذي يحكم المسارات والتحركات ..حتى لو حاول البعض تزييف الحقائق وقلب الموازين ..لأغراض انتماءات طائفية أو عرقية أو دينية أو أيديولوجية….
ما علينا …. لنعود إلى الثوابت في حياتنا ..حتى ننأى بأنفسنا عن جدليات التسميات العقيمة ونزاع الأيديولوجيات القائمة على تنازع المصالح الخاصة…
لقد سبق لي أن كتبت عشرات المقالات وتناولت في عشرات اللقاءات المرئية ، معظمها في تليفزيون الدولة والشعب ، عن محورية مكافحة غول الفساد في العمل الحكومي المصري….
ونبهت مرارا أن حرب الرئيس ضد الفساد هي حرب مقدسة ، وهي الحرب الأهم التي يجب أن يركز عليها حتى يتمكن من تحقيق وعوده الانتخابية التي قطعها على نفسه..وكثير منها اليوم أصبح حقائق بعضها تام الحدوث وبعضها في سبيله إلى التحقق …لكن ظلت حرب الفساد غير ظاهرة في مسارات العمل الرسمي المصري حتى عهد قريب….
ولأننا نرصد الواقع بالموضوعية..ولا يجب أن نهلل لانجازات قد يراها البعض نسبية ..فقد تلكأت قليلا قبل أن اكتب مقالتي هذه…لأنني أردت التريث لأرى هل ما تم مؤخرا من مجهودات رقابية متتالية لكشف العطب ومحاكمة الفاسدين ، هل كانت مصادفة أم أنها تحولت إلى خطة واقعية تستمر …
ولا أستطيع اليوم أن أنكر غبطتي من توالي مجهودات الرقابة الإدارية …وهي توقِع يوما بعد يوم بغيلان الدم والمال..الذين ضبَعُوا في أوردة المال المصرية ، واستباحوا دماء الغلابة ومحدودي الدخل….ونهبوا في ثبات الجبارين وقدرة العابثين غير المبالين بآلام الناس ومشكلاتهم …أقوات الغلابة والمعدمين ، في قسوة قلوب الشياطين وغيبة ضمائر البشر….
والفساد ..ليس فقط فساد المال والرشوة ….فهذا فساد بالقطع لكنه ليس كل الفساد…
فتجاهل مصالح المواطن البسيط ..ومعاملته غير الكريمة في دواوين الإدارة هو فساد….
وتعطيل مصالح الناس …بحجة الإجراءات حتى يحبط الناس ويقنتوا من كفاءة الدولة إداريا ..هو فساد
والتمييز بين المصريين وفقا لأمزجة الموظف ، هذا يجاب طلبه وهذا يضرب بطلبه عرض الحائط هو فساد…
واقتطاع ساعة للفول والطعمية والشاي لعمل الاصطباحة الشهيرة..وترك الناس على الشبابيك تنتظر انتهاء الوليمة العامرة …فساد…
وذهاب الموظف لصلاة الظهر وترك مصالح الناس لحين إتمام سيادته للصلاة والسنة والتراويح الظهرية …فساد …
وقيام الموظفة بتقطيع الخضروات لعمل الغداء في بيتها …ضاربة عرض الحائط بالناس حولها …فساد….
ووجود عدة موظفين في مكتب واحد ..لا يفعلون شيئا إلا قراءة الجرائد والحديث عن بعضهم البعض وعن المكافآت والرواتب الهزيلة التي يتقاضونها …والمواطن الغلبان دايخ عليهم وهم لا يعبئون حتى برد التحية عليه..ناهيك عن تعطيل مصالحه..فساد….
واستغلال الموظف لسيارة العمل لشراء حاجات بيته من السوق وتوصيل أولادة للمدارس والنوادي جهرا نهارا…فساد…
وتعيين أبناء كبار العاملين في جهات ثرية ليتقاضوا مرتبات كبيرة ..وترك غيرهم ممن هم أكفأ منهم ..فساد….
وتعيين أبناء فئات معينة في قطاعات معينة ووظائف معينة تكاد تكون حكرا على أبناء العاملين فيها ..فساد…
وانصراف الموظفين الساعة 1 ظهرا بحجة لحاق العربية أو الباص ,..وترك أعمالهم غير تامة أو منجزة ..فساد …
وتحكيم صغار الموظفين في مسارات الاستثمار ..على حنفية الموافقات ..ليعقدوا الإجراءات أو يعوقوا المسارات الإدارية ..ويطفشوا المستثمرين …فساد…
وخلع بلدورات الشوارع وتغييرها قبل أن يمر عليها عام أو عامين ..لمجرد استغلال البند في الميزانية …فساد …
وغيرها وغيرها من صور الفساد المنتشرة..والت يلمسها المواطن العادي صباح مساء….
والمشكلة الكبرى وزراء استمرار تلك السلوكيات ,,,أنها تشيع اليأس بين المواطنين المحترمين .. في الوقت الذي تجريء المخالفين على المخالفة …والخاسر الأكبر من فعالية دورة العمل الإداري المعطوب هي الدولة المصرية ..وأهم مكوناتها هو المواطن المصري البسيط…فيبدأ في الغضب و يتراكم لديه إحساس الإحباط والقنوت من التفات الحكم لمشكلاته وإحساس ذوي السلطان بآلامه …. وهذا الغضب المشروع ربما يستغل بصورة غير مشروعة في إثارة القلاقل وإشعال حرائق الغضب والحنق بين الجموع …
هنا يجب أن يكون للرئيس وقفة…
لماذا الرئيس ….
لأنه هو المكلف من جموع الناس بالإدارة ..ولأنه محط الثقة من الملايين الذين انتخبوه ….ولأنه ولي الأمر شرعا وقانونا ..وهو مسئول أمام الله تعالى قبل أن يكون مسئولا أمام كل مواطن مصري…
ولأنني أردت من سرد نماذج شائعة للفساد الإداري.. أن اعرض رؤية بانورامية للموضوع…. حتى ندرك صعوبة الحرب على الفساد..لأنها ليست ببساطة أن تقوم الرقابة الدارية مشكورة بعدة قضايا متلاحقة ..لمرتشين نهبوا ملايين أو حتى مليارات من قوت الغلابة…
الأمر أكبر من الرقابة الإدارية…. التي يجب أن نشد على أيديها وهي تضع قبضة القانون والعدالة في لهيب الخراب الإداري المعشش في نفس البعض قبل أن يعشش في دهاليز العمل الحكومي ….
ولأن هناك الحكومة ..ووزرائها على قمة العمل الإداري لكل وزارة….وفي كل وزارة أجهزة محاسبة داخلية ..ومئات المسئولين عن ضبط العمل داخل كل وزارة..أين هؤلاء؟
على كل وزير ..وكل مسئول كبير ….أن يجرد نفسه لهذه الحرب …فالرئيس لن يستطيع بمفرده أن يكون محاسبا لكل تلك الغابات المتشابكة من العمل الحكومي…وأن يكون كل وزير على رأس اولولياته محاربة الفساد في وزارته….ومن لا يثبت جديته أو فعاليته في ضبط وزارته …فكيف نتوقع منه أن يكون ناجحا في أنشطة تلك الوزارة؟
الحرب ضد الفساد ..أهم بكثير من الحرب ضد الإرهاب..رغم كونها ليست بديلا عنها …لأن الفساد من أهم روافد الإرهاب ….ويأس البعض من عدل الحكم …. وهنا ستعود الحرب ضد الفساد بكل الايجابيات في الحرب ضد الإرهاب ….
المسئول الذي يقبع في وزارته غير مدرك لأنشطة الشيطان فيها ..ليس فقط عليه أن يرحل ..لكنه يجب أن يحاسب لتفريطه في قسم التنصيب بالحفاظ على مقدرات المجتمع ..وهو هنا خائن للأمانة ….
ومن نقاط الضوء الأخضر التي تبعث على السرور ..الأخبار الصحفية اليوم عن قيام وزير قطاع الأعمال بإنهاء خدمة 520 مستشار يتقوا نحو 50 مليون جنيه سنويا … في العشرة أشهر الماضية… أهلا وسهلا بيقظة المسئولين الكبار …وأرفع القبعة تقديرا واحتراما لكل مسئول وجد في نفسه الجرأة والقدرة على أن يعمل القانون والصالح العام على وزارته …فصالح الوطن أهم وأقوى وأعز من صالح البعض ,,,
مرحبا بكل جهود المسئولين الوطنيين ..التي تحتاجها مصر اليوم ..وبشدة ..لإشاعة روح التفاؤل والعدل والثقة في اعتدال منهج الحكم ….
وكلمة أخير…
يا سيادة الرئيس …
حان الوقت اليوم لكي تضرب وبكل قوة وحسم القانون والوطنية وصالح البسطاء ودعم الملايين الذين علقوا في رقبتك المسئولية ….
نعم ..أن تضرب ..وعلى رأس ويد الكبير قبل الصغير… فالكبير الفاسد عندما تضرب رأسه بالقانون سيرتدع ألف كبير غيره وعشرات الآلاف من الفاسدين الصغار …. فليس هناك كبير أمام القانون وأمام العدالة وأمام واجب الرئيس أمام المواطن البسيط الذي ويق فيه وفي عدله وفي وقته وفي نزاهته وفي قدرته على النهوض بالبلاد من وهدتها …..
مرحبا بالحرب على الفساد…. وهي الطريق الأقرب إلى الاستقرار والجدية والتنمية الحقيقية والتطوير الملتزم في كل قطاعات الدولة والمجتمع …
كل عام وانتم بخير ….

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى