مقالات

موسم الزيارة الى الخليج

بقلم : الباحث السياسي – محمد كريم الخاقاني

 
في خطوة عدت بالتأريخية ،قام كل من زعيمي ايران وتركيا بزيارات متقاربة في توقيتها ،مختلفة في اهدافها ،الى دول الخليج العربي،فلكل منهما غايات ورؤى متباعدة في ظل تنافس مثير بدأت تظهر اثاره على العلن ،فأيران ونتيجة انغماسها كليا في الشأن السوري واليمني فأنها تريد تحقيق نجاح فيهما بأعتبارها قوة اقليمية في الشرق الاوسط لتؤكد تحكمها بملفي البلدين في سعي دؤوب نحو توصيل رسالة مفادها لكل القوى الاقليمية وبالخصوص تركيا والسعودية بأنها موجودة في خريطة الاحداث ولا حل بدونها ،وعلى الرغم من الخلافات السياسية بين ايران والسعودية وعلى خلفية احداث اعدام الشيخ النمر من قبل السلطات السعودية مطلع عام 2016،الامر الذي تم الرد عليه بأحراق السفارة والقنصلية السعودية والاعتداء على افرادها مما ادى الى تشنج في العلاقات مع ايران ،لذلك تسعى ايران وفي ظل تلك الظروف، استثمار نجاحها في ملفها النووي وبأتفاقها مع الدول الكبرى الى بروز وتأكيد قوتها سواء كانت العسكرية منها أو السياسية والاقتصادية لفرض اجنداتها على دول المنطقة ،فهي تساهم وبشكل فعال في الازمة السورية بوقوفها الى جانب بشار الاسد في تأكيد للتحالف الاستراتيجي الذي يربطها مع سوريا ومنذ قيام الثورة الاسلامية في عام 1979،وذلك من خلال جعل سوريا قاعدة للطموحات الايرانية والمتمثلة بأطلالة على البحر الابيض المتوسط ،فسوريا تعتبر المنطقة الرابطة ما بين ايران ولبنان ومنذ عقود خلت ،ومن المناسب هنا ان نحلل الزيارة وفقا لمتغيرات اوضاع المنطقة ،اذ يمكن القول ان المنطقة تغلي بصراعات لا اول لها ولا اخر سواء كانت تلك الصراعات دولية ام اقليمية ،لذا نجد ان حلولها استعصت على الحل وخصوصا في سوريا واليمن بسبب تضاد المواقف واختلاف المصالح ،وعليه فأن تركيا وايران وفي خضم صراع وتشابك بينهما حول تقاسم نفوذ المنطقة ،فكليهما يعتبران من القوى الاقليمية الاقوى تأثيرا فيها ،ففي سوريا ،نجد ان القوات التركية اقتحمت منطقة الباب الاستراتيجية وذلك لقطع طريق تقدم القوات الكردية والمدعومة امريكيا نحوها في خطوة عدت من قبل اطراف النزاع انها مثلت ثقلا استراتيجيا وتحويطا لكل تحركات القوات النظامية السورية والكردية معا ،وهي بذلك تلوح بأستخدام نفوذها عبر الفصائل المسلحة والتي تأتمر بأمرتها لتكون ورقة ضغط في مفاوضات قادمة جديدة بعد استانة واحد واثنين والتي جعلت منها قوة لا يمكن تجاهلها وافردت لها حدود قوة تناور فيه من خلال جعلها مع روسيا ضامنتين لأتفاقيات وقف اطلاق النار بين الطرفين ،يعني ذلك كله استبعاد او لنقل تجميد الدور الايراني وبموافقة روسية اذ كانت بوادر اختلاف في المواقف بين روسيا وايران قد ظهرت في اعقاب اعتزام الروس دعوة الولايات المتحدة لحضور مفاضات استانة واحد والذي بدأ غير مرحب به من طرف ايران التي رأت عدم دعوتها للمناقشات وعلى الرغم من ذلك ،ارادت روسيا فرض رؤيتها للموقف السوري من خلال توزيع ادوار جديدة وهذه المرة لتركيا ،الحليف الابرز لها في هذه المرحلة ،فأنطلقت تركيا بعملية عسكرية تقدمت بها نحو الباب السورية لتكمل السيطرة على مناطق حدودية تريد منها مستقبلا ان تكون مناطق امنة وعازلة والتي لقيت بذلك التجاوب الامريكي عليها لتؤسس خارطة جديدة بين اطراف ازمة سوريا وذلك بتوافق امريكي روسي تركي واستبعاد ايران من المعادلة الجديدة ،لذا ارادت ايران ان تستدير هذه المرة نحو قربها الجغرافي وخصوصا في دول الخليج ومنها الكويت وعمان للخروج بمواقف داعمة وساندة لها بأعتبارهما من دول محايدة في طبيعتهما لذا فهي اقرب لأيران من بقية دول الخليج الاخرى،وعلى الرغم من التوترات والتجاذبات هنا وهناك ولاسيما بعد انضمام عمان للتحالف السعودي الذي انشأته بعد احداث ما يعرف بالانقلاب على الشرعية فيها ولاسيما بعد اتهام السعودية المباشر لأيران وضلوعها في تدبير الانقلاب وتقديم الدعم لجماعة الحوثي .
ان تلك المتغيرات دفعت ايران الى مراجعة سياستها والعمل على احداث نقلة نوعية في خططها الرامية الى موازنة تطلعاتها الاقليمية في ظل تنامي الصعود التركي وبدعم ومساندة القوى الدولية الابرز في الساحة السورية وهما الولايات المتحدة وروسيا ،لذلك كانت الزيارة الايرانية في مجملها تفضي الى حصول التقارب الايراني الكويتي العماني وتنسيق المواقف وذلك بالاعتماد على دلالات التأريخ الذي يربطهما معا .
ان تلك الزيارة تأتي في خضم تطورات في البيئة الدولية وتمثلت بتغيير في الادارة الامريكية والتي انتهجت اسلوب التصعيدمع ايران في الحملة الانتخابية لها وبعدها ولاسيما بعد اقرار ترامب لقرار منع رعايا دول تصفهم الولايات المتحدة بداعمي الارهاب ومن ضمن تلك الدول ،ايران،لذا وفي ظل هذا العامل وكذا الحال مع تطورات الازمة السورية وتراجع نسبي للدور الايراني في ظل التقارب الروسي التركي وبدعم امريكي ،لذلك لابد من تغيير في الاستراتيجية المتبعة بهذا الشأن ،فعملت ايران على انتهاج طرقا بديلة لتقريب وجهات النظر ولاسيما مع تلك الدولتين ،بينما نرى تركيا على الصعيد الاخر نجدها تتقدم بخطوات قد تعيد بريقها الذي كانت قد اظهرته بعد عام 2003وفي عهد حزب العدالة وانتهاجها سياسة مغايرة تماما لتلك التي كانت سائدة منذ اعلان الجمهورية في بدايات القرن العشرين ولغاية عام 2002،لذا فهي لا تقبل بأقل من دورا مركزيا في قضايا المنطقة وعليه ومن هذا المنطلق نجد انها بارعة في استغلال الفرص بما لديها من خبرة في هذا المجال ،فلقد عملت على ترطيب اجواء العلاقات مع روسيا في اعقاب حادثة الطائرة الروسية والتي اسقطتها بمقربة من حدودها بحجة انتهاكها لاجواءها ،ونرى من خلال ذلك وبشكل جلي وبوضوح تام ان تركيا وروسيا اصبحت تشكلان عامل موازن مع ترتيبات ما بعد مرحلة اوباما والذي اتسم بالابتعاد وفسح المجال لروسيا .
ان ابعاد الزيارات المتقاربة في توقيتها وخصوصا لدول الخليج من قبل القوى الفاعلة في المنطقة هو دليل على ان المقبل من الايام يحمل الكثير من المفاجأت لكليهما.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى