مقالات

ثوابت السياسة في الدولة .. قطر والمقامرة

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي

خبير دولي في إعادة تهيئة المؤسسات وإدارة مراحل الانتقال – محاضر القانون الدولي وحقوق الإنسان

 

لم أتفاجأ كما تفاجأ الكثيرون غيري بالتطورات الأخيرة على صعيد العمل السياسي القطري …وإن كانت التطورات الأخير فجة ومثيرة … ولنحاول بلورة ما يحدث في السياسة القطرية، وترجمة تلك السياسات المرتبكة على أفضل ما يكون التناول..لعلني أجد فيها منفذا واحدا يبرر هذا المنحى المحير جدا لدولة عربية خليجية …

فالمتتبع لسياسة قطر في السنوات الماضية يجد العديد من المسارات التي تستلزم قدرا من التدقيق وتثير كثيرا من التشكك والريبة، وقد احتضنت المارقين من مصر ، والمعادين للدولة المصرية والشعب المصري، وموقفها المؤيد بكل غرابة لجماعة صنفها المصريون أنها إرهابية  ..ربما نصل منها لخيوط توصلنا للربط ما بين تلك السياسات المرتبكة …

وأول ما يلفت انتباهي في سياسة قطر أنها منفصلة تماما عن تقديرها الموضوعي لمسألتين في غاية الأهمية..أولهما حجم الدولة الواقعي ، وهو أمر معنى بتقدير العمق الاستراتيجي للدولة..وتقديرها لذاتها بشكل مرتبط بالواقع…وليس مرتبط بالخيالات الحرة لمسئوليها..أما المسالة الثانية ، وهي لا تقل أهمية عن الأولى ، فهي تتعلق بحسن تقدير الدولة لواقعها الجغرافي والبيئي الإقليمي المحيط بها.. ويلتصق بالثاني قدرة الدولة على بلورة مسارات منفردة بعيدة عن واقعها الإقليمي المتشابك، حتى لو أدى بها هذا الخروج للتصادم مع الآخر …مهما كان هذا الآخر.. ..

والحقيقة أنني سبق أن تناولت العلاقات المصرية القطرية في غير مقال..وكنت دوما أميل إلى تحرى الأعذار لحكام قطر في بعض السياسات غير الواضحة، وكنت أميل أيضا لعدم الصدام المباشر مع المنحى القطري الرسمي في التعامل مع الشأن المصري تحديدا..أملا في هدوء فورة الانفعالات لديهم..وأن يفرض الحق والأصول والواجب والعقل قراراته على متخذ القرار القطري..وكنت ومازلت أقدر وأشيد بكون قطر الرسمية حاضنة لمئات الآلاف من المصريين العاملين هناك..في كرامة وراحة وسعة ..وأن موجات المد والجزر السياسية لم تنل من التعاطي المنضبط والمحترم من قبل الأخوة في قطر ، تجاه العاملين المصريين هناك..وأن توتر الأجواء السياسية بين قطر ومصر لم يأتي بنتيجة سلبية على مسارات التعامل مع المصريين هناك..ومازلت أقدر لهم ذلك ..

ولكن …

في الفترة الأخيرة حدثت العديد من التطورات المزعجة في الأداء السياسي الرسمي لدولة قطر..ليس فقط قبل مصر ..ولكن حتى قبل اقرب حليفاتها من دول مجلس التعاون الخليجي… وهنا يجب أن نتوقف … فمجلس التعاون الخليجي هو الحاضنة الأكبر والأقوى والأكثر ديمومة لقطر الدولة الصغيرة مساحة وسكانا  وقدرات متنوعة مقارنة بشقيقاتها ألكبر من حولها…وكذلك هو المظلة الأمنية والشعبية الأكثر قربا وارتباطا بالدولة القطرية وبالشعب القطري..وليس هناك أي مبرر على الإطلاق لأن تقوم الحكومة القطرية بأية مغامرات تعرض فيها علاقاتها بالدول المجاورة لها من مجلس التعاون الخليجي للمخاطر..لكنه قد حدث …

وبشكل لا يعكس أي منطق .. اللهم إلا منطق العداء للخليج ودوله والميل لترجيح كفة من يناصبوننا العداء اليوم .. ولا يعكس حتى قدرات الدولة لقطرية في معايير القوة السياسية والعسكرية والشعبية المقارنة بغيرها من دول المجلس ,ناهيك المملكة العربية السعودية..بكل ما تمثله من زخم سياسي وشعبي واقتصادي وخليجي وعالمي، وهي قلب المجلس والقوة الأكثر فعالية به، وهي أيضا كانت دوما المظلة الأكثر استيعابا للطموحات العربية الخليجية في الاستقرار والتطور والتنمية…ثم ناهيك عن مصر الدولة الكبرى العربية ….التي ليس هناك أي منطق من تعقل أو بصيص حكمة أو تبرير يسوغ للأخوة القطريين بالحكومة، أن يصطدموا بها ..فالمسافة الواقعية بين قطر ومصر من كل الأوجه هي مسافة بعيدة وبادية الوضوح، وما كان ينبغي على  حكومة قطر أن تتمادى مرات ومرات في إلقاء الأشواك المباشرة وغير المباشرة في مسار العلاقات القطرية المصرية…

ولكنه قد حدث..

والواقع أن فلسفة الاستمرار الآمن والسلم السلس لأي كيان سياسي تحت مسمى الدولة..تتبلور حول قدرته على إدراك نفسه ، وإدراك ما حوله…وهي أمور تشكل في نتائجها تقييم وتقويم مسارات العلاقات بين الدولة وغيرها من الدول..فهناك الأعراف والدبلوماسية والقانون الدولي والقانون الوطني وهناك حدود اللياقة وأعراف التبادل وتقاليد الاقتراب والابتعاد بنعومة السياسة وليس بخشونة بلطجية الشوارع الجانبية الذين يسيرون وفي كل خطوة لهم يستعدون بها الرائح والغادي …

والحق أني قد استشعرت تغييرا وشيكا في منظومة السياسة القطرية مؤخرا..عندما بدأت بوادر تغير مسارات العلاقات الأمريكية تجاه قطر، بعدما تكررت اجتماعات لجان الكونجرس مؤخرا، وتعددت تصريحات أعضاؤه وسفراء وكبار مسئولين أمريكيين سابقين في المنطقة، وكلها كانت توجه رسائل تحذيرية لقطر..بأن تتوقف عن دعم الجماعات الإرهابية التي تهدد الأمن القومي الأمريكي..

وقتها ..علمت أن في الأمور أمور ستبين في الأيام التالية..

وما هي إلا أيام وتم اجتماع القادة العرب والمسلمين مع الرئيس الأمريكي ..وكانت الرسالة شديدة الوضوح باحتشاد الجميع ضد الإرهاب..وتوجيه رسائل معلنة وضمنية ضد من يدعم الجماعات الإرهابية والمتشددة..صحيح لم يسم أحد قطر بالاسم..لكن التسمية لم تكن صعبة وكل أصابع الاتهام المدعومة بالمعلومات والسياسات المعلنة وغير المعلنة تشير إلى ضلوع قطر في أنشطة لم تعد مقبولة لا خليجيا ولا مصريا ..ثم ولا حتى أمريكيا ..وهنا أنا توقعت الوقفة الكبرى …

فأمريكا بالنسبة لقطر هي المحرك وحجر الزاوية في السلوك والتخطيط والمسار…وقد استوقفتني تصريحات بعض كبار المسئولين السابقين الأمريكيين ..أنه إذا لم تتوقف قطر فإن أمريكا ستقوم بنقل قاعدتها العسكرية لمكان آخر…وما استفزني هو هوان شأن قطر لدى الأمريكان ..وأنهم يهددونها بنزع الحماية عنهم..وهكذا دوما كانت خاتمة الارتماء في أحضان القوى العظمى على حساب الدول الشقيقة والثوابت الوطنية العربية ..وبان هوان شأن قطر أمام الجانب الأمريكي وأنهم مهما قدموا وخدموا وخططوا ونفذوا للأمريكان ما يرغبون ..هم في النهاية مجرد ورقة شجر ..لها أوان أن تسقط ..لأن مصلحة أمريكا في اتجاه آخر اليوم….و وا أسفاه على الكرامة العربية القطرية وهي يعبث بها على الهواء ..ممن سبق لقطر أن خسرت العديد من الدول العربية، في محراب عبادتها للقوة العظمى….. وقدمت الحكومة القطرية للأسف الشديد ..لحوم بلاد عربية شقيقة قربانا لنيل رضا الحبر الأعظم في معبد العنجهية والقوة والسيطرة على العالم والمنطقة ..دونما أي حساب لوضع قطر الإقليمي وارتباطها الجغرافي والإيديولوجي والاقتصادي  والشعبي بالدول الخليجية …وبالجماعة العربية الأكبر..فلا شيئ يستحق عندها أي قيمة طالما أمريكا راضية عنها…

أما دول المجلس ..على رأسهم السعودية ..فهم اليوم أصبحوا على مرمى واضح تماما من حقيقة التوجه القطري تجاههم…وهو أمر تمنيت كثيرا ألا يكون صحيحا ..لكن التصريحات التي صدرت عن كبار المسئولين القطريين مؤخرا كانت صادمة وغريبة وخارج سياق التجمع العربي الخليجي في كل توجهاته ..وخاصة بعد أيام قلائل من مؤتمر ناجح ومجهود رائع للمملكة العربية السعودية..للم الشمل العربي والإسلامي ..وإقامة جبهة عربية موحدة تعيد التوازن بين مقامات القوة العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبين أمة العرب… في شكل منضبط يحفظ للعرب كرامتهم ويبقيهم على صفحة مياه السياسة لهم قرار ولقرارهم احترام …لتشكل السعودية مع مصر القوة العربية الكبرى ذراعي قوة عربية تقاوم مقدمات السقوط والتفكك التي حدثت للعديد من الدول العربية في الفترة السابقة..

شكرا للملكة العربية السعودية على عربية المسار …وشكرا للإمارات العربية والكويت والبحرين … على عمق الفهم والاستيعاب للمخاطر المحدقة بالعرب .. ولعلنا نستفيق بسرعة للمخاطر المحيطة بنا ونعمل جميعا على السير قدما للأمام …وخاصة أن مصر تستعيد وبقوة يوما بعد يوم عمقها العربي القومي والإقليمي..وهي في مرحلة أعادة بناء جادة لاقتصادها وكافة أوجه الحياة فيها ..بكل جدية ونجاح ويقين..

أما قطر …فلعلها بعدما تلقت هذا الفيض من الحنق الخليجي والمصري والاستهجان العربي عامة ..تثوب إلى مسارات العقل ..وتعيد تقدير سياساتها …وخير لها أن تفعل ..للعودة لحضن العرب ..بدلا من التغريد بكل لغات العداوة لكل مصلحة عربية وخليجية … وهي مقامرة خاسرة بكل المقاييس…أتمنى ألا تستمر قطر فيها …فالشعب القطري الشقيق لا يستحق ذلك من حكامه …

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى