الدراسات البحثيةالمتخصصة

التنافس الروسي – الأمريكي في سوريا

العدد الثالث “يونيو – حُزيران” لسنة “2017 ” من مجلة العلوم السياسية والقانون

احدى اصدارات المركز الديمقراطي العربي

 

اعداد:  حيدر صلال –  باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية –  العراق

 

ملخص:

لكل من روسيا وأمريكا مصالح في الشرق الأوسط، فقد كانت ولا زالت القوتان تتنافسان وتخوضان الحروب بالنيابة للسيطرة على المنطقة، فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عمدت الإدارة الامريكية لتوسيع نفوذها في المنطقة، متّخذةً من ذلك احتلال العراق للكويت فرصة لها، إذ عملت أمريكا بالتعاون مع حلفائها الغربيين والعرب على إصدار قرارات من مجلس الأمن ضد العراق وفرض الحصار عليه، ووضع البلد تحت الفصل السابع من قرارات مجلس الأمن، وكان هدف أمريكا هو احتلال العراق مستغلة الفوضى وانكفاء الدولة الروسية على السياسة الداخلية بدلاً من الخارجية، وبهذا خطت الخطوة المهمة في التغلغل في دولة كانت إلى وقت قريب من الدول الحليفة للاتحاد السوفيتي، وحققت خطوتها باحتلال العراق عام 2003، بحجة أسلحة الدمار الشامل وتهديد السلم الدولي.

إلا أن المخطط الأمريكي لم يستمر بما هو مرسوم له، فمع انتهاء عهد الرئيس الروسي ( بوريس يلتسن)، وتسلم الرئيس الحالي (فلادمير بوتين) للسلطة في روسيا تغيرت المعادلة، وأصبحت روسيا تبحث عن مواقع نفوذها السابقة، فقد استطاعت روسيا وخلال عقد من الزمن أن تعيد قوتها العسكرية، إضافة إلى القوة الاقتصادية لما تملكه من ثروة النفط والغاز، خاصة وإنها الممول الرئيس للغاز لأوروبا، فقد بدأت تقف وتعارض توجهات أمريكا في الشرق الأوسط، وكانت روسيا من المعارضين لأي عمل عسكري ضد العراق أو إيران.

Abstract

The role of Russia after 2011 began to increase towards the active indulgence in international politics, specifically in the areas of international conflict, defying the American role in the management of conflicts, unlike in the nineties of the twentieth century, the result of international changes brought about by changes in the Middle East and North Africa will therefore have a negative impact on the Syrian crisis by prolonging the crisis for a longer period.

The research goes to clarify four things: 1 – the role of the Russian Federation in Syria 2 – the role of the United States in Syria 3 – the Russian – US competition in the Syrian crisis after 2011. 4- The future of the Syrian crisis.

أهمية البحث :

تأتي الأهمية المرجوّة لهذا البحث، من الانعكاسات السياسية في العلاقات الدولية على دول منطقة الشرق الأوسط إذ استند الدور الروسي في الصراعات الدولية الجديدة إلى تفاعل مقومات القوة الروسية الداخلية مع طبيعة البيئة الإقليمية والدولية الداعمة للدور الروسي، فتمكنت روسيا الاتحادية من الاستفادة من مقومات قوتها الإستراتيجية على الصعيد الداخلي إلى جانب نجاحها في إيجاد شراكات إستراتيجية مع القوى الإقليمية والدولية، أفضت إلى زيادة فاعلية دورها في الصراعات الدولية الجديدة، فكان دورها بمثابة اختبار لمستوى قوتها في النظام السياسي الدولي، وذلك يتضح من خلال فاعلية دورها في تطوير المنشآت النووية الإيرانية ومن ثم في المفاوضات الدولية مع القوى الكبرى، كما يظهر دورها الفاعل حيال الأزمة في سوريا، إلى جانب تعاظم دورها في صراعات مناطق الجوار القريب المتمثلة بجورجيا أو أوكرانيا, وفي المقابل هناك دور قوي لأهم قوة في العالم وهي الولايات المتحدة التي جهدت على تحجيم الدور الروسي الدولي واختلاق الفوضى في مناطق تعتبر متحالفة مع روسيا استراتيجياً، فنتج عنها تنافسٌ محموم بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية .

إشكالية البحث :

تكمن إشكالية البحث في دراسة وتحليل طبيعة الدور الروسي – الأمريكي في التفاعلات الدولية الجديدة وتحديداً في سوريا، إذ إن المتغيرات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة أفضت إلى انكفاء وتراجع الدور الروسي في النظام السياسي الدولي, ومن خلال ذلك فإن الإشكالية تبحث في هل أن ذلك التنافس غايته الحفاظ على المناطق الحيوية ام تغيير النظام السياسي الدولي ؟؟  وهل التنافس بين روسيا و أمريكا غايته التعاون ام الصراع ؟؟ ما هو مستوى الدورين الروسي – الأمريكي في الأزمة في سوريا ؟ وهل سيكون لذلك التنافس انعكاس على مستقبل الأزمة السورية ؟

 فرضية البحث :

تنطلق فرضية الدراسة من رؤية مفادها أن الدور الروسي في مرحلة ما بعد عام 2011 بدأ يتعاظم باتجاه التأثير في السياسة الدولية وتحديداً في بؤر الصراع الدولية متحدياً بذلك الدور الأمريكي في إدارة الصراعات ، بخلاف ما كان عليه الحال في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين، وذلك نتيجة المتغيرات الدولية التي أفرزتها التغييرات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لذلك سينعكس سلبا على الأزمة السورية من خلال إطالة أمد الأزمة إلى فترة أطول.

أولا : دور روسيا الاتحادية في سوريا

جاءت الأزمة السورية عام 2011، في محاولة من أمريكا لضرب أخر قاعدة ومركز استراتيجي مهم لروسيا في المنطقة، فقد تخلت روسيا ولأسباب عديدة بعضها داخلي وأخر خارجي عن نفوذها في اليمن الجنوبي، والعراق، وليبيا , ولم يبقى لها سوى سوريا، بالنظر إلى الروابط العسكرية بين روسيا وسوريا، وهي الروابط التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، حيث تعمل منذ فترة طويلة في ميناء طرطوس، وقدمت للدولة السورية، ما وصفه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كميات كبيرة من المعدات العسكرية، وخسارتها تعني نفوذ روسيا في المنطقة قد حكم عليه بالموت، لهذا فان إنزال قوات روسية في سوريا مقابل الإنزال الأمريكي في غرب العراق، هو محاولة روسية لقطع الطريق على أمريكا.[1]

أزمة سوريا اليوم أمست ساحة الصراع والتنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بصورة جلية، فمنذ بداية الأزمة السورية أخذت تزداد يوما بعد أخر ساحة الصراعات، وكعادة الولايات المتحدة لم تدخل في الأزمة بكل قوتها العسكرية والعددية والتقنية بل عمدت إلى التحرك من خلال حلفائها, وهنا يأتي الدور التركي هذه الدولة صاحبة الحدود الجغرافية الأطول مع سوريا، وتمكنت تلك القوتين (أمريكا – تركيا) من دعم القوى التي تقاتل النظام السوري في الداخل والقادم بعضها من الخارج على شكل أفراد وجماعات إعلامياً وعسكرياً و لوجستياً .[2]

أما روسيا ومنذ بداية الأزمة دعمت بقاء النظام السوري وعللت موقفها ذلك بعدم سماحها وخوفها من تكرار تجربة ليبيا التي تدخل حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة تركيا فيها واسقط النظام هناك وأنتج دولة متفككة يسودها التناحر وغيرها من التبريرات ، لذلك تميز موقف روسيا بالقوة والرغبة بدخول تحدٍ مع الغرب في الأزمة السورية ، أما الولايات المتحدة الأمريكية ونتيجة استحالة استنساخ الطريقة التي قاما بها في ليبيا أقدمت على طريقة أخرى لإسقاط النظام السوري وهي دعم المعارضة السورية , وسرعان ما تفرعت تلك المعارضة إلى جماعات سلفية متشددة ومعظمها وضع على لائحة الإرهاب متمثلة في : تنظيم النصرة , داعش , جيش الإسلام , جيش الفتح و الجيش الحر، لم تستطيع تلك التنظيمات المتشددة إسقاط النظام السوري بسبب الدعم العسكري الروسي والإيراني المتواصل لحكومة دمشق.[3]

كما لا يمكن إغفال الحرص الروسي على مواجهة التفرد الأمريكي، وسعيه لعالم متعدد الأقطاب، وقد وفرت الأزمة السورية فرصة للتعبير الفعلي عن قدرة السياسة الخارجية الروسية في قيادة الأزمة لمصلحتها، و أن القاعدة البحرية في سوريا (طرطوس) تُعد القاعدة الوحيدة لروسيا على شواطئ البحر المتوسط ، بالإضافة لقاعدة حميميم الجوية التي تستغلها القوة الجوية الروسية, وهاتان القاعدتان موجودتان عملا باتفاقية قديمة بين البلدين تعود لعام 1971 ، ولكن استمرارها كلف روسيا إعفاء لسوريا من ديون بلغت 9,8 مليارات دولار عام 2006 .[4] ينظر الشكل رقم (1)

تخوفت روسيا من فقدان قاعدتي (طرطوس وحميميم) في حال تخليها عن النظام السوري ، وفقدان سوق رائجة لمعدات التسليح الروسية، حيث تُعد سوريا إحدى الدول المهمة للسلاح الروسي، إذ شكل نصيب سوريا من تجارة روسيا العسكرية حوالي 7% عام 2010 ، والتي بلغت 700 مليون دولار، مما يجعل قيمة المبيعات العسكرية لسوريا خلال الفترة من 2006 – 2013 حوالي ثمانية مليارات دولار .[5]

الشكل رقم (1) قاعدة ( طرطوس وحميميم) سوريا

المصدر : عبد القادر رزيق المخادمي, القواعد العسكرية الامريكية الروسية وخاطرها على الامن الدولي, دار الفجر للنشر والتوزيع, القاهرة 2013, ط1, ص126.

وقد ساهم الدعم الروسي في منع التدخل العسكري الدولي في سوريا، حيث اعترضت على جميع قرارات مجلس الأمن الهادفة إلى إدانة أو فرض عقوبات على النظام السوري ، بالإضافة إلى الاتهامات الدولية باستخدامه السلاح الكيميائي ضد المدنيين في الغوطة الشرقية , من خلال تقديم مبادرة لنزع السلاح الكيميائي السوري [6].

في يوم الثلاثاء 4 نيسان 2017 , وقع هجوم كيميائي على خان شيخون في ريف إدلب التي تسيطر عليها قوات معارضة للحكومة السورية , يعتقد أنه من تنفيذ الحكومة السورية , و تختلف الآراء حول مصدر الغازات السامة بعد وقوع القصف؛ حيث تقول المعارضة السورية أنه تمّ استخدام غاز السارين في القصف والأعراض التي يعاني منها المصابين ترجح ذلك ، بينما فرضت وزارة الدفاع الروسية أن طائرات سلاح الجو السوري قصفت مستودعا للذخائر يحتوي على أسلحة كيميائية ومعملا لإنتاج قنابل تحتوي على مواد سامة، في حين رفضت فرنسا على لسان مندوبها لدى الأمم المتحدة “فرانسوا ديلاتر” الرواية الروسية , وفي يوم 7 نيسان 2017، قصفت الولايات المتحدة الأمريكية مطار الشعيرات العسكري ردًا على الهجوم الكيميائي.[7]

رفضت روسيا مجدداً مشروع قرار تقدمت به كل من فرنسا والسويد وبريطانيا ، بطلب رسمي إلى المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة و الرئيسة الدورية لمجلس الأمن السفيرة “نيكي هايلي” ، من أجل عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن الهجمات الكيميائية التي وقعت في إدلب , يتهم الحكومة السورية بشن الهجوم الكيميائي على بلدة “خان شيخون” بريف إدلب السورية ، والذي راح ضحيته مئات القتلى والمصابين, فيما أصدرت الخارجية الروسية بياناً تقول فيه : “إن موسكو لن تقبل أبدًا بمشروع القرار البريطاني والفرنسي حول الأسلحة الكيميائية في سوريا , وهذا المشروع يحمل طابعًا معاديًا لسوريا، ويمكن أن يجعل العملية التفاوضية غير ممكنة”.[8]

وفي جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 5 نيسان 2017 , تصاعدت حدة الأزمة السورية على المستوى الدولي , حيث قال “ماثيو رايكروفت” ، مندوب بريطانيا لدى الأمم المتحدة ، لمجلس الأمن أن الرئيس السوري بشار الأسد “أهان” روسيا لأنه “صنع مسخرة” من عملية السلام التي توسطت فيها مع بعض جماعات المعارضة المسلحة , وأن روسيا “تدافع عما لا يمكن الدفاع عنه” بدعمها الحكومة السورية , ورد “فلاديمير سافرونكوف” ، نائب مبعوث روسيا إلى الأمم المتحدة ، إن بلاده لم تر ضرورة لقرار جديد ودعت إلى تحقيق دولي “كامل وموضوعي”. [9]

وفي لقاء متلفز في يوم 12نيسان 2017 قال الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”: إن هنالك فرضيات عديدة بخصوص الكيميائي في خان شيخون منها ما يرجح أن يكون مسرحية أو أن الطيران السوري قصف ورشة لصناعة المواد السامة , و أن الوقوف على حقيقة ما جرى يتطلب “إعطاء جواب نهائي، فمن الضروري القيام بتحقيق دقيق لهذا الحادث ، ولا يوجد سبيل آخر”.[10]

لذلك نجد ان الدور الروسي في سوريا اشتمل على :

1- دعم الحكومة السورية عسكريا , من خلال الدخول المباشر كقوة عسكرية متمثلة بسلاح الجو الروسي , فضلا عن الإمدادات بالسلاح والعتاد والأجهزة العسكرية المتطورة وبالتعاون مع الحلفاء ( إيران , حزب الله اللبناني).

2- دعم الحكومة السورية سياسياً , بالتعاون مع الصين من خلال إيقاف القرارات الدولية وخصوصاً قرارات مجلس الأمن في ما يخص الشأن السوري , بواسطة حق النقض (الفيتو) .

3- الحرص على عدم سقوط النظام السوري قبل الأزمة وأثناءها, و يمثل عكس ذلك بالنسبة لروسيا بمثابة ضربة خطيرة لهيبتها الدبلوماسية في العالم .

4- دعم الحكومة السورية اقتصادياً , من خلال إعفاء جزءٍ كبيرة من الدين السيادي السوري وتقديم المعونات المالية بمشاركة إيران.

ثانياً : دور الولايات المتحدة الأمريكية في سوريا

اتجهت الولايات المتحدة في عهد الرئيس “أوباما” منذ بداية الأزمة السورية للدخول في تطورات الأوضاع بسوريا من خلال إتباع “استراتيجية تمكين المعارضة” لتكون بديلا عن الأسد، حيث كان يسيطر داخل الإدارة الأمريكية اعتقاد بأهمية الترتيب لمرحلة ما بعد الأسد، وكيفية تجنب تكرار سيناريو العراق، من خلال تجنب انطلاق عمليات انتقام طائفية قد تشهدها سوريا في حال سقوط الأسد , وتنفيذاً لتلك الإستراتيجية قامت الولايات المتحدة بتقديم مساعدات عسكرية محدودة للمعارضة المسلحة السورية، وتواجدت مجموعة من الاستخبارات الأمريكية في تركيا للتأكد من عدم وصول هذه الأسلحة للقاعدة .[11]

كما أصبح هناك حرص أمريكي في عدم تبني خيار التدخل العسكري في سوريا بسبب التجربة السابقة في كلٍّ من أفغانستان والعراق وليبيا، و إعراض الرأي العام الأمريكي، فضلاً عن معارضة كل من روسيا والصين وإيران .[12]

ولم تعترض الولايات المتحدة على تسليح من تسميهم “المعارضة السورية” من خلال كلٍّ من قطر والسعودية عن طريق تركيا , حيث تتواجد القاعدة العسكرية الأمريكية [13]

ومن الواضح أن التفضيلات الإستراتيجية في السياسة الأمريكية تجاه سوريا أصبحت تتمثل في أن الطريق الوحيد للخروج من هذا الصراع هو مفاوضات بين المعارضة والنظام ، ووافقت الولايات المتحدة بجهود الوساطة الروسية من خلال منتدى موسكو وجهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة “ستيفان دي ميستورا” ، وتحجيم التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود ضمن سوريا , مركّزةً الجهودُ في تدريب وتجهيز المقاتلين من المعارضة السورية على الأراضي الأردنية و التركية, على أن يتم استكمال هذا البرنامج في دول أخرى هي قطر والسعودية .[14]

تولّت الولايات المتّحدة وفرنسا قيادة التحرك السياسيّ الغربيّ في التعاطي مع الأزمة السورية ، إلّا أنّ ردودهما تميزت بالتباطؤ خاصّة في المراحل الأولى للازمة ، كما كانت تجاه معظم ثورات الربيع العربيّ , كانت إدارة الرئيس أوباما منشغلة تماما بموضوع إتمام الانسحاب من العراق والخروج من الأزمة المالية التي شلّت الاقتصاد الأميركيّ والغربيّ عموما، وعندما اندلعت الأزمة السورية، لم تُخفِ واشنطن خشيتها من انعكاس حال عدم الاستقرار في سورية على وضع قواتها في العراق ، لذلك كانت تفضّل تحقيق أكبر قدرٍ من الهدوء الإقليمي حتّى تتمكّن من إنجاز سحب قواتها، ما يفسّر تلكّؤها الدخول في الأزمة السورية لتغيير موازين القوى الإقليمية، على الرغم من الدعوات العديدة من داخل واشنطن والعالم العربيّ للقيام بذلك.[15]

شهدت الأزمة السورية حالة من التحيّز الإقليمي والدولي، ويعود ذلك إلى أنّ سورية تشكّل أهمية في توازناتٍ إقليمية دقيقة، فأيّ طرفٍ يسيطر على الملف السوري يكون قد غير ميزان القوى لمصلحته، حيث تقع سوريا على تخوم الملفّات الثلاثة الساخنة في المنطقة (العراق، ولبنان، وفلسطين)، وهي تؤثّر وتتأثّر بها بقوّة ، كما أن توازن قطبي منطقة الشرق الأوسط (تركيا، إيران) يعتمد على مصالح كل منهما، حيث تشترك تركيا مع سوريا بحدود دولية تبلغ حوالي 822 كلم , بينما تشترك إيران مع سوريا بمعاهدات استراتيجية ومصالح مشتركة تمثل العمق الاستراتيجي لكل منهما، ومثّل ذلك دافعًا أمريكياً لإدارة أزمتها والتقرب منها بحذر، بالإضافة لأسباب عديدة منها: الأزمة المالية العالمية حينها، وعدم الرغبة بالتورط في حرب مباشرة جديدة.[16]

إن الإنفاق العسكري الأمريكي قد أدى إلى دخول الولايات المتحدة في حالة من التردي الاقتصادي، وهذا الإنفاق نجم عن رغبة التوسع في العالم واتساع التزاماتها طبقاً لهذه الرغبة، إلى درجة لم يعد بإمكان الولايات المتحدة تحملها اقتصادياً، مما أصاب قدرات الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية بالضعف في الدخول بالنزاعات و الأزمات الدولية .[17]

وقد تراجع الملف السوري في نهاية 2015 على سلم أولويات الولايات المتحدة، مقابل اهتمامها بملفين آخرين هما الملف النووي الإيراني، ومكافحة الإرهاب من خلال قيادتها التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق.[18]

لذلك أصبح خيار “قيادة العالم من الخلف” تكتيكاً أمريكياً قابلاً للتطبيق،  وينطبق ذلك على إدارة الأزمة السورية “عن بعد” فبدلاً من التحشيد العسكري في الميدان، اصبح بالإمكان تحريك الحلفاء الأقرب ألى الأزمة وإدارتها من خلالهم، ويطرح الكاتب “ايمانويل تود”[19] نموذجاً لتفسير السلوك الدولي الجديد للولايات المتحدة واصفاً إياها بأنها لا تعاني من فرط القوة، و إنما انخفاضاً في قوتها ويقدم رؤيته بأن القوة الأمريكية في تراجع و أن مراكز القوة في العالم تتعدد فضلا عن التكتلات الإقليمية التي لا تجد جدوى من وجود مركزية للولايات المتحدة على المستوى العالمي.[20]

ويعد تكتيك “قيادة العالم من الخلف”, مرتبطاً بشكل طفيف مع استراتيجية الانكماش التي تتبناها الإدارات الأمريكية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة،  الهدف من ذلك هو تقليص الإنفاق العسكري والخسائر في المعدات والأفراد، لكنه يترك ثغرة تستغلها القوى المناوئة في ملئ الفراغ الناتج عن عملية الانكماش الأمريكي قد تتسبب في تمدد نفوذ تلك القوى في مناطق الصراع , انعكس ذلك على النفوذ الروسي داخل الأزمة السورية التي تعد مرتكزا أساسيَا للنفوذ والسياسة الخارجية الروسية داخل منطقة الشرق الاوسط، لذلك تهدف خطة القيادة من الخلف إلى عرقلة أية محاولات روسية، التوسع داخل المنطقة وملئ الفراغ الناتج عن تنفيذ استراتيجيه الانكماش الأمريكي .[21]

وبذلك نجد أن الدول المؤثرة في الأزمة السورية والتي تتماهى مع الجانب الأمريكي، لم تكن سوى أدوات تم استخدامها للتأثير في مسار الأزمة وإدارتها، كالسعودية وقطر وتركيا والأردن، من خلال التمويل والتدريب للمعارضة المسلحة،  أو إيواء المعارضة السياسية، بمعنى أخر ان توتر حدة الأزمة أو تهدئتها كان بمتناول الدول الكبرى أبرزها الولايات المتحدة الامريكية.

لذلك نجد ان دور الولايات المتحدة الامريكية  في سوريا اشتمل على :

1- استخدام ورقة الضغط الدولية في مجلس الأمن للتدخل الدولي في سوريا، خصوصاً في قضية الهجمات الكيمائية في سوريا ضد المدنيين .

2- الترتيب لمرحلة ما بعد الأسد، ووضع إستراتيجية تجنب تكرار سيناريو العراق في الحرب الطائفية .

3- دعم المعارضة السورية لوجستياً بالسلاح والعتاد والتدريب .

4- تصعيد حدة الأزمة السورية لفرض الشروط الامريكية , وانعكس ذلك على توتر العلاقات الثنائية مع روسيا .

ثالثاً : التنافس الروسي – الأمريكي في سوريا

التنافس الروسي الأمريكي في المنطقة لم يأتي من فراغ، أو من اجل إثبات الوجود فقط، بل له أسباب جوهرية مهمة، لها نتائج مصيرية على الدولتين، ومنها:

1- تعد المنطقة من أهم مناطق العالم لاحتوائها على أضخم المخزونات من النفط والغاز، وتحتوي على مخزون نفطي كبير جدا، وهي ممول رئيسي للنفط في العالم، اذ يصدر من منطقة الخليج ما يقدر ب(60%) من النفط العالمي، إضافة إلى احتوائها على مخزونات مهمة من الغاز الطبيعي، وخاصة في قطر, العراق وإيران، إذ إن خشية روسيا هو إن أي سيطرة أمريكية كاملة على المنطقة بما فيها سوريا، سوف يحرمها من موارد مالية مهمة تأتيها من خلال تصدير النفط والغاز عن طريق الأنابيب إلى أوروبا، إذ إن سيطرة أمريكا على سوريا يعني إن نفط وغاز الخليج سوف يصبح على أبواب الأوربيين وبأسعار تنافسية من خلال مد الأنابيب من الخليج عبر سوريا وتركيا ودول شرق أوروبا إلى باقي أجزاء أوروبا، وسوف تمتد سيطرة أمريكا على الأسواق النفطية الأسيوية، والتي اغلب دولها حلفاء لأمريكا، وهذا يعني إن الاقتصاد الروسي سوف يضرب في الصميم في حال سيطرة أمريكا على سوريا.[22]

2- موقع سورية المطل على البحر الأبيض المتوسط ويشترك بحدود مع إسرائيل ولبنان والعراق والأردن، يجعلها ذات أهمية إستراتيجية بالنسبة لروسيا، لن تسمح بسهولة بخسارتها، حيث أن سقوط الأسد يعني خسارة حليف مهم في الشرق الأوسط، وتعود اهتمام روسيا بالمنطقة إلى العهد القيصري وحلم الوصول للمياه الدافئة في الخليج العربي، إذ تعد بلاد الشام بصورة عامة، وسوريا بصورة خاصة صلة الوصل بين الغرب والشرق، لذلك ترى روسيا إن وجودها في سوريا هو مصيري لأجل إثبات وجودها عالميا، وإقليميا، وجعلها حلقة وصل بينها وبين باقي دول المنطقة.

3- أن سوريا هي آخر حلقات النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، لذا تحافظ روسيا وبكل قوة على الإبقاء على النظام السوري، وترفض بشدة سحب دعمها له، رغم الضغوط التي تتعرض لها من الغرب والدول العربية، الساعية إلى إنهاء الأزمة السورية سياسياً، إذ ترى روسيا إن أي هيمنة أمريكية مطلقة على المنطقة، يعني انحصار النفوذ الروسي داخل روسيا، وجعلها محاطة بدول اغلبها موالية للغرب وأمريكا، وبالتالي سوف يجعل أمنها القومي مكشوف لأمريكا، وسوف تحاصر روسيا بالقوات الأمريكية دون إن يكون لها فرصة مناورة خارجية، لهذا تحاول روسيا الإبقاء على تواجدها في سوريا لتكون قاعدة متقدمة للدفاع عن روسيا في حالة الخطر، ولو عدنا إلى الدرع الصاروخي الذي أرادت أمريكا نصبه في بولندا أو التشيك لوجدنا إن سبب فشله الرئيسي هو وجود أراضي روسية خلف هذه الدول وهي مقاطعة روسية في بحر البلطيق، مما يجعل من هذه المنظومة الصاروخية الأمريكية هدف سهل للصواريخ الروسية.[23]

4- محاولة روسيا العودة إلى نفوذها السباق في المنطقة وخاصة في العراق واليمن ، فخلال سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على أجزاء من الأراضي العراقية، وتخلي أمريكا عن دعم العراق في مواجهة التنظيم، لجأت الحكومة العراقية إلى روسيا الاتحادية التي زودت العراق بمختلف الأسلحة والطائرات المقاتلة، مما ساعد العراق على صد هجمات التنظيم، لذا تحركت أمريكا وبدعم مالي ولوجستي عربي إلى مساعدة التنظيم من أجل إحداث خلل في المنطقة، لإعادة احتلال العراق مرة أخرى، لذلك فإن نزول قوات أمريكية في غرب العراق ليس الهدف منه مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، بل منع الحشد الشعبي وفصائل المقاومة والجيش العراقي من تحرير هذه المناطق وان كان التحرير لابد منه فلزاماً على واشنطن إدامة أمد المعركة ، لان اغلب هذه القوات وخاصة فصائل المقاومة ترفض التعاون العسكري أو التواجد الأمريكي في العراق، وتدعوا إلى التعاون مع روسيا في مجال التسليح، كذلك وجود هذه القوات قرب الحدود السورية سيجعل من عملية إسقاط النظام السوري مستحيلة، وبهذا فان خشية أمريكا من أي تغلغل روسي في العراق، جعلها تعارض دخول أي قوات عراقية للأنبار اثناء تحريرها وتبالغ في رفض الحشد الشعبي دخول الموصل وتحريرها .[24]

كذلك إن تسارع الأحداث في اليمن والتدخل السعودي ضد الحوثيين، جاء بدعم أمريكي مباشر، لان الأحداث في اليمن كانت مهيأة لسيطرة الحوثيون على أجزاء كبيرة من اليمن، وكان اليمن أمام سيناريو وهو يمن موحد تحت سيطرة الحوثيون المدعومين من إيران حليفة روسيا الاقوى في المنطقة، أو تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب، وفي كل الحالات فان نفوذ روسيا سوف يعود لليمن كاملا او جزئياً، لذا دفعت أمريكا بالسعودية عوضا عنها للوقوف بوجه الحوثيين ، لأن استلامه للحكم سيكون ضربا لمصالح أمريكا في المنطقة.

5- التدخل الروسي في سوريا جاء رد فعل عن الأنباء التي تحدثت عن نية دول عربية كالسعودية وقطر بالاشتراك مع تركيا وأمريكا التدخل العسكري المباشر في سوريا بهدف معلن وهو قتال تنظيم الدولة الإسلامية، ويجري الاتفاق الآن لأن يكون هذا الأمر في مقابل إسقاط النظام السوري، لذلك بادر الجانب الروسي للتدخل العسكري المباشر في سوريا عام 2015 للتصدي لهذه التحركات المزعومة، إذ تمت تصفية قادة كبار من تنظيمات متشددة كتنظيم داعش والنصرة وحركات إرهابية أخرى , من خلال توجيه ضربات جوية مستعينة بقواعد روسية موجودة على سواحل سوريا بالبحر الأبيض ودخلت على خط المواجهة في سوريا بشكل ملحوظ وانقلبت المعادلة من مفاوضات “ضد” النظام السوري، الى مفاوضات “مع” النظام السوري المتقدم على العارض .[25]

6- إن روسيا دخلت سوق تصدير السلاح في الشرق الأوسط بكل قوة، وأصبحت منافس قوي لأمريكا في المنطقة، لهذا فان روسيا لا تريد إن تكرر خسارتها مليارات الدولارات من مبيعات السلاح إلى ليبيا عندما سقط نظام معمر القذافي، وهي لا تريد تكرار نفس الأمر في سورية، بالنظر إلى مبيعات الأسلحة الروسية الهائلة إلى سورية والتي بلغت 4.7 مليارات دولار بين عامي 2007 و2010، لذا تحافظ موسكو بكل قوة على استمرار النظام السوري وتقدم له كل وسائل الدعم لإبقائه فترة أطول.[26]

رابعاً : مستقبل الأزمة السورية

التنافس الروسي الأمريكي في العالم ليس بالجديد، وتواجد القوات الأمريكية وجها لوجه مع القوات الروسية هو الأخر ليس جديد على الساحة الدولية، فقد تواجهت القوتان في برلين بعد الحرب العالمية الثانية وفي كوريا خلال الحرب الأهلية، وخلال أزمة الصواريخ في كوبا، إلا إن الاعتقاد السائد إن الوضع مختلف هذه المرة عن سابقاته، لان الأزمة السورية استغرقت وقتا طويلا، كما إن هدف أمريكا هذه المرة يختلف عن أهدافها السابقة، فقد كانت في السابق تحاول تقاسم النفوذ مع “السوفيت سابقا” أما ألان فتحاول أمريكا إن تنفرد بالنفوذ في العالم، لا بل تحاول محاصرة روسيا نفسها، لذا فان التواجد الروسي في سوريا والمعارضة الأمريكية له، وتواجدها في العراق ودول الخليج، قد يقود إلى احد السيناريوهات التالية:

1- السيناريو الأول قد يحدث تصادم بين القوتين وقد تقود إلى حرب عالمية ثالثة : إذ إن دخول القوات الروسية في سوريا وان جاء في سياق محاربة تنظيم داعش الإرهابي، إلا انه جعل القوات الروسية الأمريكية وجها لوجه، مع وجود أهداف مختلفة خفية لديها من إسقاط النظام ودعم المعارضة وإنهاء النفوذ الروسي بالنسبة لأمريكا، إلى محاولة دعم النظام وبقاءه حفاظا على نفوذها ومصالحها بالنسبة لروسيا، كما لا ننسى إن اغلب المسؤولين الأمريكيين قد نددوا بالتدخل الروسي في سوريا، وإن التدخل الروسي في سوريا سوف يؤدي إلى دخول المزيد من العناصر المقاتلة ويزيد من الأزمة، كما إن نزول القوات الأمريكية في العراق مجددا في 2014، قد يكون للتحضير لأي مواجهة محتملة مع روسيا, سيما التصعيد الأخير بعد الضربة العسكرية الامريكية على مطار الشعيرات الذي ازّم الموقفين الروسي والامريكي في سوريا .[27]

2- السيناريو الثاني هو هزيمة تنظيم داعش الإرهابي في العراق : إن ما يجري من قتال في العراق ضد تنظيم داعش الإرهابي، ودخول فصائل المقاومة العراقية والحشد الشعبي بقوة في القتال ضد التنظيم الإرهابي، فان انتصار القوات العراقية والحشد الشعبي على التنظيم الإرهابي وتحرير الأنبار وصلاح الدين والموصل، سوف يقود في النهاية إلى خروج أمريكا من المعادلة العراقية، خاصة وان اغلب فصائل المقاومة العراقية تعارض أي دور أمريكي في العراق، وبالتالي سوف يعطي دعما قويا للنظام السوري في حربه ضد المجموعات المسلحة، لذلك فان أي هزيمة لتنظيم داعش في سوريا يعني هزيمة المشروع الأمريكي العربي فيها، وبالنتيجة سوف تعزز روسيا تواجدها في المنطقة.

3- السيناريو الثالث وهو هزيمة روسيا في سوريا: إن تواجد القوات الروسية في سوريا سيجعل منها هدف سهل، خاصة وان في سوريا أكثر من 400 مجموعة مسلحة مختلفة الولاءات، إضافة إلى الدعم الأمريكي العربي التركي لهذه المجموعات على قدم وساق، ففي الوقت الذي تفصل روسيا عن المنطقة الآلاف الكيلومترات ولا توجد لقواتها أي قواعد في دول جوار سوريا، فان القوات الأمريكية تتمركز في اغلب دول جوار سوريا , كالأردن وتركيا، التي لها تعاون مباشر مع المجموعات المسلحة، بل تدرب وتمول هذه المجموعات وجعلت من أراضيها منطلقا لهم، فضلا عن الدعم الخليجي بالمال والسلاح للمعارضة السورية ، كما ضغطت أمريكا على بعض الدول مثل بلغاريا وتركيا واليونان لمنع مرور الطائرات الروسية المتجهة إلى سوريا عبر أراضيها، بالمحصلة هذا يعني إن حصارا سوف يفرض على روسيا، وقد تجد القوات الروسية نفسها بين فكي كماشة الإرهاب، وقد تتعرض للهزيمة كما حدث في أفغانستان عام 1989، خاصة وان بعض أعضاء المعارضة السورية قد صرحوا بذلك، وأكدوا إن سوريا ستكون مستنقع للقوات الروسية.[28]

4- السيناريو الرابع : التوافق الأمريكي الروسي حول سوريا: (وهو الأكثر ترجيحاً) حيث أن الكثير من الأزمات بين أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقا وروسيا حاليا تم تجاوزها من خلال الحوار، فمن أزمة الحرب الكورية التي انتهت وبطريقة التوافق إلى وقف إطلاق النار بين الكوريتين وتكوين دولتين شمالية وجنوبية، والى أزمة الصواريخ في كوبا التي انتهت الأخرى إلى سحب السوفيت للصواريخ من كوبا مقابل تعهد أمريكا بعدم تهديد النظام الشيوعي في كوبا، لذلك إن التصعيد الحالي هو من اجل تحقيق المكاسب عند إجراء أي مفاوضات حول سوريا بين القوتين.

في رأي العديد من المحللين السياسيين ليس من مصلحة أمريكا أو روسيا الاندفاع إلى حرب كونية لا تبقي ولا تذر، لان المواجهة العسكرية بين القوتين سوف تكون نهاية العالم، كما إن أغلبية دول العالم إن لم تكن كلها لا توافق على إي تصعيد أو مواجهة بين القوتين العظمتين، لأنها ستتعرض للدمار، كما أن اندفاع روسيا القوي في سوريا وبهذا الحجم , جعل الغرب وأمريكا يدرك مدى جدية روسيا في محاربة الإرهاب المدعوم من الغرب، وان أي هزيمة للإرهاب على يد روسيا منفردة سيقوي موقفها عالميا ويضعف أمريكا والغرب ، كذلك أن الغرب لا يريد للازمة أن تؤثر على أسعار النفط المنخفضة، إذ إن أي توتر في المنطقة سيقود إلى ارتفاع أسعار النفط، وستكون روسيا المستفيد الأول منها، لذا دعت اغلب دول أوربا أن يكون الرئيس السوري (بشار الأسد) جزء من الحل في سوريا وهذا تغير غير مسبوق في الأزمة.[29]

كما إن الأحداث في سوريا والمنطقة ليس من الصعوبة حلها أو هي من الخطورة على مصالح الدولتين بقاؤها  بحيث تقود إلى حرب عالمية، حيث المفاوضات لا زالت جارية لحل الأزمة السورية، كما إن مسؤولي الدولتين على اتصال ولقاءات دائمة مع بعضهم للتباحث لحلها، وإن الأطراف العربية وتركيا وإسرائيل مع إصرارها على رحيل الأسد من سوريا، إلا أنها غير متفقة على الطريقة التي تقود إلى التغيير في سوريا، فإسرائيل رغم عدائها مع النظام السوري إلا أنها في النهاية وحسب التحليلات تؤيد بقاء نظام ضعيف في سوريا على رأسه بشار الأسد، لان التعامل مع قيادة واحدة أفضل من فوضى غير معروفة النتائج في سوريا، إضافة إلى تركيا التي تحاول تغيير النظام في سوريا ومجيء نظام تابع لها ضمن “سوريا موحدة”، وذلك لمنع إقامة كيان كردي جديد على حدودها الجنوبية، وإنها أخيرا غيرت رأيها حول سوريا والسبب هو حربها مع حزب العمال الكردستاني التركي واكتشاف المساعدات العسكرية الأمريكية لهذا الحزب، أما الدول العربية فهي الأخرى مشتتة بين راغب باستقرار الأوضاع في سوريا حتى مع وجود الأسد، وبين من يريد التغيير ولو على حساب تقسيم سوريا والمنطقة.

وبهذا فان روسيا وأمريكا تدركان جيدا إن أي توتر بينهما سوف لن يكون في صالح أي منهما، وان هناك العديد من دول المنطقة متربصة بهما، لذلك فإن الاعتقاد السائد هو التوافق على حل أزمات المنطقة بعد إن يصل كل طرف إلى مرحلة يعتقد إن تجاوزها خط احمر للطرف الأخر.

الخاتمة والاستنتاجات:

إن أزمات المنطقة لا يمكن حلها إلا عن طريق التوافق بين القوتين، الروسية والأمريكية، لأن استمرارها سوف يقود إلى تدخل دول أخرى تبحث عن نفوذٍ في المنطقة، فمن خلال مراقبة الأحداث في سوريا والعراق نرى أن دول الجوار وحتى دول العالم الأخرى لم تكن لها رؤية واضحة من أزمات المنطقة, فضلاً عن أن أساس التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا حول منطقة الشرق الأوسط لا يمكن حصره في مجال واحد فقط وهو الوصول إلى مصادر الطاقة التي تزخر بها المنطقة، بل هناك مجالات أخرى لا تقل أهمية عن الطاقة وتلعب دور مهم في رفع وتيرة التنافس بينهما في بعض الأحيان، والتي من بينها المجال الجيوبوليتيكي للمنطقة, و مجال تجارة السلاح .

وتتلخص الاستنتاجات الى :

  • أن تعامل كل من الولايات المتحدة وروسيا مع قضايا الشرق الاوسط يعكس وجود اختلاف واضح في التوجهات الإستراتيجية لكل منهما نتيجة تعارض مصالحهما في منطقة الشرق الأوسط
  • تنطلق الإستراتيجية الروسية من أن الشرق الأوسط فضاء قريب من حدودها الجنوبية و أن أي عدم استقرار فيه سيؤثر سلبا على العديد من دول الجوار وهو ما قد يهدد أمنها القومي، بالإضافة إلى كون هذه المنطقة تشكل منفذا مهما للوصول إلى المياه الدافئة.
  • الإستراتيجية الأمريكية تركز على ضرورة التواجد الدائم في منطقة الشرق الأوسط عبر أساليب مختلفة سواءً التواجد العسكري المباشر أو من خلال بناء تحالفات سياسية واقتصادية مع دول المنطقة، وذلك لتطويق روسيا ومنعها من التغلغل إلى ما تعتبره أمريكا مجالها الحيوي، أي أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت في الفترة الأخيرة متوجسة من العودة الروسية الجديدة والتي اعتبرتها مهددة لوجودها في الشرق الأوسط خاصة في ظل التقارب الإستراتيجي بين روسيا والصين، وبذلك اعتمدت الولايات المتحدة على توسيع التنافس ونقله إلى مناطق النفوذ الروسي خاصة في سوريا و أوكرانيا، وذلك بهدف إلهاء روسيا بالمشاكل و الأزمات حتى لا تتيح لها الفرصة لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والخارجية والعودة كطرف قوي ومنافس يهدد مصالحها في منطقة الشرق الأوسط .
  • في ظل ما تشهده سوريا من حرب اهلية بين الحكومة السورية ومعارضيها من مختلف الإيديولوجيات فقد برزت تناقضات وخلافات في المواقف الأمريكية الروسية تجاه الأزمة السورية، وذلك نتيجة لتصادم المصالح بين الطرفين, وقد برز التنافس بينهما بشكل واضح من خلال موقف كل منهما الداعم لأحد أطراف الأزمة السورية.
  • تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن سوريا هي قلب الشرق الأوسط ولابد من السيطرة عليها من أجل إقامة نظام عالمي يبقيها في الريادة ولا يسمح بصعود أي قوة منافسة لها ، كما أنها تدرك بأن من يسيطر على سوريا يمكنه التأثير على العراق وتركيا ومصر، والتي تشكل سوريا نقطة التقاء بينهم، ومن يسيطر على هذه النطاقات الجيوسياسية الثلاثة يمكنه التأثير بالشرق الأوسط.
  • إن ما يحصل في سوريا من تنافس بين الولايات المتحدة وروسيا ما هو إلا امتداد لتنافسهما الدولي الأشمل حول العالم.

قائمة المراجع:

اولاً : الكتب العربية والمترجمة

1- بافل باييف , القوة العسكرية وسياسة الطاقة : بوتين والبحث عن العظمة الروسية , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابوظبي، 2013.

2- حيدر علي حسين , سياسة الولايات المتحدة الامريكية ومستقبل النظام الدولي ,السياسة الامريكية الخارجية والعلاقات الدولية , دار الكتب العلمية-بغداد , ط2, 2014.

3- عبد القادر رزيق المخادمي, القواعد العسكرية الامريكية الروسية وخاطرها على الامن الدولي, دار الفجر للنشر والتوزيع, القاهرة 2013, ط1.

4- كاظم هاشم نعمة , روسيا والشرق الاوسط بعد الحرب الباردة , فرص وتحديات , توزيع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, الطبعة الاولى , بيروت 2016.

5- محمد ابو رمان , الاسلاميون والدين والثورة في سورية , مؤسسة فريدريش ايبرت , عمان 2013  .

ثانياً : المجلات السياسية والبحوث والصحف اليومية

1- خالد اسماعيل، قراءة في المشهد السوري، صحيفة بلادي العراقية، العدد 23، 29 ابريل 2012.

2- محمود شكري، خطر الانهيار : الازمة السورية و مصير المشرق العربي ، مجلة السياسة الدولية، العدد 190، تشرين الاول، 2012، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة- مصر .

3- معن طلاع , سياسة الفاعلين الدوليين في سورية , ورقة بحثية منشورة في 27 آذار 2015 .

ثالثاً : المراكز البحثية والتقارير

1- أبو الحسن بشير عمر , تداعيات استراتيجية الانكماش الامريكي في الشرق الاوسط , المركز الديمقراطي العربي, متوفر على الرابط : https://democraticac.de/?p=19244

2- المواقف الدولية المتبدلة والأزمة السورية ، مركز الشام للبحوث والدراسات، 2013.

3- حسني عماد العوضي , السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط ( 2011 – 2016 ) , مركز بيروت لدراسات الشرق الاوسط.

4- ربيع نصر واخرون. الازمة السورية: الجذور والاثار الاقتصادية والاجتماعية، تقرير صادر عن المركز العربي السوري لبحوث الدراسات، كانون الثاني 2013.

5- سوريا واحاديث التقسيم، تقرير من اعداد مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية، لندن، 20/5/2015.

6- محمد مجاهد الزيات , مسارات متشابكة :إدارة الصراعات الداخلية المعقدة في الشرق الاوسط , المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية – القاهرة , 2015.

7- مروان قبلان , المسألة السورية واستقطاباتها الإقليمية والدولية: دراسة في معادلات القوة والصراع على سورية , المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ,  مارس/ اذار 2015.

رابعاً : المواقع الالكترونية

1- اتفاق روسي أمريكي يقضي بتدمير الأسلحة الكيماوية السورية قبل منتصف 2014 , بي بي سي عربي , متوفر على الرابط : http://www.bbc.com/arabic/

2- الهجوم الكيميائي على خان شيخون , موسوعة الويكيبيديا , متوفر على الرابط : https://ar.wikipedia.org/

3- بوتين: الجواب النهائي عن استخدام الكيميائي في إدلب يكون فقط بعد تحقيق دقيق , موقع روسيا اليوم , متوفر على الرابط : https://arabic.rt.com/

4- جيرار ديب, هل سقطت روسيا في المستنقع السوري؟ التدخل الروسي في سوريا , متوفر على الرابط : http://elmarada.org/

5- روسيا ترفض مشروع قرار يتهم النظام بشن الهجوم الكيمياوي على إدلب , موقع راوداو , متوفر على الرابط : http://www.rudaw.net/arabic/world/050420174

6- روسيا تغوص في سوريا , لعبة الأمم , متوفر على الرابط : http://orient-news.net/ar/news

7- سورية تطوي ملف ديونها الخارجية , متوفر على الرابط : http://www1.adnkronos.com/AKI/Arabic/Business/?id=3.1.187498505

8- صدام بين روسيا والغرب بمجلس الأمن بشأن الهجوم الكيماوي في إدلب , بي بي سي عربي , متوفر على الرابط : http://www.bbc.com/arabic/middleeast-39500996

9- فادي الحسيني , سوريا بين نهاية داعش ووضع أوزار الحرب , متوفر على الرابط : https://democraticac.de/?p=45291 .

10- موسكو: هدف تدريب فصائل المعارضة السورية “المعتدلة” في تركيا مشبوه , متوفر على الرابط : http://www.idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=32286

11- موشيه يعلون: نحن في ذروة حرب عالمية ثالثة بسوريا , الجزيرة نت , متوفر على الرابط : http://www.aljazeera.net/

[1] ربيع نصر واخرون. الازمة السورية: الجذور والاثار الاقتصادية والاجتماعية، تقرير صادر عن المركز العربي السوري لبحوث الدراسات، كانون الثاني 2013.

[2] كاظم هاشم نعمة , روسيا والشرق الاوسط بعد الحرب الباردة , فرص وتحديات , توزيع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, الطبعة الاولى , بيروت 2016, ص118-120.

[3] سوريا واحاديث التقسيم، تقرير من اعداد مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية، لندن، 20/5/2015.

[4]  سورية تطوي ملف ديونها الخارجية , متوفر على الرابط : http://www1.adnkronos.com/AKI/Arabic/Business/?id=3.1.187498505

[5] بافل باييف , القوة العسكرية وسياسة الطاقة : بوتين والبحث عن العظمة الروسية , مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ابوظبي، 2013, ص62.

[6]  اتفاق روسي أمريكي يقضي بتدمير الأسلحة الكيماوية السورية قبل منتصف 2014 , بي بي سي عربي , متوفر على الرابط : http://www.bbc.com/arabic/

[7] الهجوم الكيميائي على خان شيخون , موسوعة الويكيبيديا , متوفر على الرابط : https://ar.wikipedia.org/

[8] روسيا ترفض مشروع قرار يتهم النظام بشن الهجوم الكيمياوي على إدلب , موقع راوداو , متوفر على الرابط : http://www.rudaw.net/arabic/world/050420174

[9] صدام بين روسيا والغرب بمجلس الأمن بشأن الهجوم الكيماوي في إدلب , بي بي سي عربي , متوفر على الرابط : http://www.bbc.com/arabic/middleeast-39500996

[10] بوتين: الجواب النهائي عن استخدام الكيميائي في إدلب يكون فقط بعد تحقيق دقيق , موقع روسيا اليوم , متوفر على الرابط : https://arabic.rt.com/

[11]  محمد مجاهد الزيات , مسارات متشابكة :إدارة الصراعات الداخلية المعقدة في الشرق الاوسط , المركز الاقليمي للدراسات الاستراتيجية – القاهرة , 2015 , ص39.

[12]  المواقف الدولية المتبدلة والأزمة السورية ، مركز الشام للبحوث والدراسات، 2013 ، متوفر على الرابط : http://www.shcrs.net/?op=A&id=158

[13]  محمد مجاهد الزيات , مسارات متشابكة , مصدر سابق , ص40.

[14]  موسكو: هدف تدريب فصائل المعارضة السورية “المعتدلة” في تركيا مشبوه , متوفر على الرابط : http://www.idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=32286

[15] مروان قبلان , المسألة السورية واستقطاباتها الإقليمية والدولية: دراسة في معادلات القوة والصراع على سورية , المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ,  مارس/ اذار 2015 , ص11.

[16] المصدر السابق , ص12.

[17] حيدر علي حسين , سياسة الولايات المتحدة الامريكية ومستقبل النظام الدولي ,السياسة الامريكية الخارجية والعلاقات الدولية , دار الكتب العلمية-بغداد , ط2, 2014, ص282-283.

[18] معن طلاع , سياسة الفاعلين الدوليين في سورية , ورقة بحثية منشورة في 27 آذار 2015 علي الرابط :

http://www.omrandirasat.org/

[19]– ايمانويل تود : فرنسي الجنسية متخصص بالعلوم الانسانية والاجتماعية والسياسية ويميل الى المدرسة الواقعية لديه مؤلفات عديدة يطرح فيها افكاراً حديثة, مثل : ما بعد الإمبراطورية: دراسة في تفكك النظام الأميركي , و حين يوشك الأكاديمي أن يصبح “عرّافا” .

[20] حيدر علي حسين , سياسة الولايات المتحدة الامريكية , مصدر سابق , ص285.

[21] أبو الحسن بشير عمر , تداعيات استراتيجية الانكماش الامريكي في الشرق الاوسط , المركز الديمقراطي العربي  , متوفر على الرابط : https://democraticac.de/?p=19244

[22] خالد اسماعيل، قراءة في المشهد السوري، صحيفة بلادي العراقية، العدد 23، 29 ابريل 2012.

[23] حسني عماد العوضي , السياسة الخارجية الروسية تجاه الشرق الأوسط ( 2011 – 2016 ) , مركز بيروت لدراسات الشرق الاوسط , ص45.

[24] محمود شكري، خطر الانهيار : الازمة السورية و مصير المشرق العربي ، مجلة السياسة الدولية، العدد 190، تشرين الاول، 2012، مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة- مصر، ص64 .

[25] محمد ابو رمان , الاسلاميون والدين والثورة في سورية , مؤسسة فريدريش ايبرت , (2013),عمان , ص7.

[26] فادي الحسيني , سوريا بين نهاية داعش ووضع أوزار الحرب , متوفر على الرابط : https://democraticac.de/?p=45291 .

[27] موشيه يعلون: نحن في ذروة حرب عالمية ثالثة بسوريا , الجزيرة نت , متوفر على الرابط : http://www.aljazeera.net/

[28] جيرار ديب, هل سقطت روسيا في المستنقع السوري؟ التدخل الروسي في سوريا , متوفر على الرابط : http://elmarada.org/

[29] روسيا تغوص في سوريا , لعبة الأمم , متوفر على الرابط : http://orient-news.net/ar/news

 حيدر صلال –  باحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية –  العراق

تحريرا في 1-6-2017

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى