مقالات

غربة الدولة .. قطر على صفيح ملتهب

 

بقلم : د. إبراهيم حسن الغزاوي – خبير دولي في إعادة تهيئة المؤسسات وإدارة مراحل الانتقال

 محاضر القانون الدولي وحقوق الإنسان

على الرغم من التصاعد السريع بوتيرة النفور العربي والخليجي تحديدا من قطر وحكامها في الفترات الأخيرة… فقد كان لدي بصيص أمل واهي ألا تقع قطر في شرك العناد والتمادي في التغاضي والتعمق في المنابذة والضرب من تحت الأحزمة… لكنها للأسف قد وقعت …. وهاهي تقع مباشرة في مرمى عقوبات عربية قاسية ..تجعلها في سجن  مقيت استحقته قيادتها ..لكن بالقطع لا يستحقه شعبها …

نعم ….

وقعت قطر النافرة من واقعها الخليجي العربي في فخ العنجهية وتصور أنها لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها..وأن أي سياسة لها تستتبع من وجهة نظرها أن تنصاع خلفها كل الدول العربية … وعلى رأسها الدول الخليجية… دون أدنى تقدير لقوة قطر الحقيقية المتواضعة جدا في السياسة الاقليمية والعالمية…

والمتأمل للشأن القطري في الفترة الراهنة  سيصل حتما لعديد من النقاط المثيرة للاستغراب والتعجب ثم بعد ذلك للرثاء والأسف ..على دولة مهما بدر منها..هي دولة عربية إسلامية ..وأهلها هم شعب عربي بريء مما تقترفه أيدي حكامه الغير معلومي الهوية اليوم أكثر من أي يوم مضى…

أول تلك النقاط أن قطر الحكومة لم تنتهج اليوم ولا الأمس ولا في أي وقت من تاريخها القصير المريب سلوك الدولة الحديثة التي تحترم جاراتها من الدول والتي تستشعر وتحترم أدنى مستويات المراعاة لحسن الجوار ومبدأ حسن النية في العلاقات الدولية ..ناهيك عن كون هذا المسار لا يعكس قوة حقيقية على ارض الواقع ..تمكن قطر من مناطحة الجماعة الدولية الإقليمية حولها ….

فقد التزم حكام دويلة قطر نهجا فريدا في الاستخفاف بما استقر في عرف العمل الرسمي للدولة المحترمة..ومراعاة ابجديات العلاقات المنضبطة بين الدول … بالمناكفة السايسية المستمرة وتحرى سياسات خلفية تثير حفيظ جاراتها العربية ..منها على سبيل المثال العلاقات المريبة بين قطر وبين إيران .. وسياسة الغزل الرقيق بين قطر الخليجية العضو في مجلس التعاون الخليجي وبين إيران العدو الأول لكيان الدول الخليجية ومصدر التهديد الرئيسي لدول المنطقة..بالمعاداة الصريحة لسياسة خليجية متفق عليها ولا يشذ عن مسارها إلا قطر .. وكأنها تعيش في كوكب منفرد عن باقى جاراتها الخليجية في المجلس …

أما النقطة الثانية ، فهي تتعلق بغيبة إدراك مهينة لحاكم قطر ، سواء الرسمي الأمير  تميم أو غير الرسمي المختفى خلف الأستار ، أيا ما كان أو كانت ، ببديهيات معادلة القوة في مجموعة الدول الخليجية داخل مجلس التعاون ، وألف بائها أن قطر كدولة منفردة بعيدا عن مجلس التعاون ، تخسر معظم زخمها وتأثيرها الاقليمي والدولي ، إضافة لتغاضيها عن حتميات الواقع الجغرافي والاستراتيجي ، الذي يجعلها في حالة اعتمادية قوية على باقى أعضاء المجلس ، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية ، التي تشكل درة التاج في العمل الخليجي الموحد … صحيح  تظل حقيقة القوة الاقتصادية لقطر بادية، لكنها يشوبها العوار كل العوار إذا مورست سياسات تكرس هذه القوة لضرب أسس العمل الجماعي في أقرب دول العالم لقطر ، قربا ليس فقط جغرافيا ، ولكن اقتصاديا وثقافيا وإيديولوجيا وعسكريا وغيرها ..وهم مجموعة دول مجلس  التعاون الخليجي….

والنقطة الثالثة ، أنه رغم بوادر الحنق الخليجي للدول الفاعلة على رأسها السعودية والإمارات إضافة لمملكة البحرين ، وهو حنق تعمق وازداد وضوحا في الأيام الفائتة ، وجعل قطر دولة غريبة ومريبة لجاراتها الأقرب ، لم تتحرك لدى أصحاب القرار القطري أية عضلة من عضلات الحكمة أو التعقل ، لكي تردهم عن المضي في العناد، وتجاهل أقرب الدول لهم ، وهي مسألة شديدة الغرابة، تفصح عن التواضع المخل لعقلية من يدير الشأن القطري، وسطحيته ، وافتقاده، عمدا أو جهلا، لبديهيات الاستشعار بالمخاطر الوشيكة، وهي من أهم واجبات القيادة السياسية في حماية مقدرات شعبها، وعدم العبث بها في مؤامرات نزقة ورعناء ، لا تستنزف فقط اموال الشعب القطري بلا طائل ، ولكنها أيضا توغر صدور الأصدقاء وتستعديهم ، وتنفر الأقارب الأقربين منهم ….لمصلحة دعم أنشطة مشبوهة، اتفقت معظم دول المنطقة على تسميتها وتوصيفها  بكونها إرهابية ، ومع ذلك لم تستوعب قطر أي من ذلك…

أما النقطة الرابعة ، فهى في منطق إدارة الأزمة القطرية ، أزمة علاقاتها مع أقرب أهل الأرض لأهل قطر ، والتى عكست نزقا وتهورا وبلادة حس واستهتار مثيرا للشفقة ، من حكام قطر ، الذين أبدوا قدرا من اللا مبالاة وعدم الاكتراث بالإجراءات الأخيرة التي اتخذتها دول المجلس ومعها مصر والعديد من الدول الاسلامية ، بقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية وكل سبل التعاون وحصار قطر بريا وجويا وبحريا …وكل ذلك ولم يصل لهيب المشكلة لوجه الأخ تميم أو من يتخذ القرار له …

والنقطة الخامسة ، للتي بدأ منها نزيف عقل قطر وإدراكها للأمور تتعلق بتضحيتها ببلادة وتجرؤ لا تحسد عليهما ، بعلاقاتها مع أكبر دولة عربية ، وهي مصر ، والتي دأبت قطر منذ سنين ، على توظيف اموال شعبها في تأجيج نيران الفتن بها ، وتقوية الجماعات الإرهابية ودعمهم اللا محدود ….مما ساهم في بركان غضب على الصعيدين الحكومي والشعبي المصري تجاه حكام قطر، وهم يصرون على توظيف المال القطري في دعم الارهاب والتطرف والشذوذ عن الدولة في مصر ….وهي مخاطر جمة، التفتت الحكومة المصرية لها مبكرا، وتعاملت معها بحكمة وتأن مستمرين حتى اللحظة …. ومارست مصر كل الوسائل المنضبطة والمحترمة الرسمية لتنبيه حاكم قطر لمخاطر مساراته في المنطقة، وبعدها بذلت مصر جهودا متتالية وعميقة لتبصير الدول الشقيقة الخليجية وغير الخليجية ، بأن مواجهة الارهاب بشكل واقعي تبدأ من تغيير منحى الدوحة في تعاملاتها المريبة والمشبوهة مع كل روافد التطرف في المنقطة… صحيح أن الأمر قد أخذ وقتا حتى تدرك دول الخليج العربي مدى الشر والضرر من السياسات القطرية ..لكن الواقع يقول أن هذا الإدراك كان يجب أن يحدث مبكرا نسبيا ..لتجنيب المنطقة ومناطق الصراع فيها مزيدا من التأجيج  من استمرار سياسات وتآمرات قطر ضد الكيانات العربية الرسمية في كل مكان …

ولكن ..أما وقد بانت المواقف…ووضحت النوايا المدعومة بسلوك وتخطيط وتآمر …..فقد وجبت الوقفة ….

وهذا ما فعلته دول الخليج العربي ومصر…بوقف أي علاقة مع قطر ….

وبالقطع هذا ليس حلا للأزمة ..لكنه على الأقل اليوم بمثابة رسالة شديدة اللهجة لمن لديه قدرة على الفهم..أن القادم من الأيام على قطر لن يكون كالذي مضى..وأن الحصار المضروب اليوم عليهم ، هو حصارا استراتيجيا خطيرا سيدمى الحكومة القطرية في اسرع وقت …وبالقطع سيعود بالسلب على الشعب القطري البرىء ….

أتمنى من الحكومة القطرية أن تعيد حساباتها .لتدرك حجم الضرر الذي سببته لكل الدول العربية القريبة لها ….بدلا من عناد المخابيل الذي لازالت تمارسه من خلال ابواقها الإعلامية المقيتة، التى احرتفت تزييف الحقائق ..وبرعت في تصوير الشر خيرا والعكس ..في مهارة من يتفنن في خنق نفسه بنفسه ….

نعم …

قطر تخنق نفسها بنفسها …. وجعلت نفسها بنفسها في غربة عن أسرتها الخليجية الطبيعية ،  اللهم يسر لمن بيدهم الأمر هناك العودة للعقل والحضن العربي والخليجي…

فبعيدا عن هذا الحضن ..لا وجود لدولة ، ولا حتى لحارة اسمها قطر ….

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى