الدراسات البحثيةالمتخصصة

علم النفس السياسى وسيكولجية القادة والجماهير

اعداد الباحثة : إيناس صبري عبد المنعم – المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة الباحث :*

نتصف نحن البشر بخصال عديدة ومتباينة، فإن نظرت بعمق فستجد فينا الأنانية والقسوة وترى الكرم والنزاهة والطموح إضافة إلى الحماقة وغرابة الأطوار. إننا خليط معقد من الخير والشر، كما أننا نمثل معجزة التطور(1)، فيهتم علم النفس البشرى “العام ” بتفسير تلك الطبيعة الإنسانية واختلاف الطبائع البشرية من فرد لآخر وأثر البيئة المحيطة الخارجية بالبيئة النفسية الداخلية للفرد ،أما على مستوى العلاقة بين علم النفس الإنسان وعلم السياسة فسنجد أنه فروع هذا العلم تتنوع إلى نظريات سياسية وعلاقات دولية ونظم سياسية وسياسيات عامة وخارجية وتنظيمات وقوانين دولية وغيرها من الفروع المختلفة التي يتطرق إليها علم السياسة فيجب هنا أن نلقى نظرة عامة وشاملة على هذه المجالات لندرك أن الفاعل الأساسي في كل هذه التخصصات هو “الإنسان“، والتفاعلات المختلفة  من سلام وحروب أو تعاون وتنافر بين الدول والشعوب فهى تقوم على دوافع معينة تصدر من “النفس البشرية”، وبذلك يجب هنا أن نتسائل ما السبب في التصارعات القائمة بين البشر سواء صراع ديني أو عرقي أو سياسي ؟ ما السبب فى نشر العنف والجريمة والعداوة بين أفراد الشعب الواحد ؟وما السبب فى وجود دول متقدمة امبريالية معادية ودول نامية متخلفة ضعيفة ؟

هل الطبيعة والبنية السيكولوجية للقادة السياسيين و الساسة ورجال الدين هي التي تدفع للحروب وانهيار الأمم مثل هتلر أو موسوليني أو فرانكو أو أبو بكر البغدادي؟ ،هل تختلف أسباب قيام الثورات من شعب لآخر؟ هل العالم سيصبح أكثر جنونا وستندلع الحروب الدامية بعد صعود اليمين المتطرف وظهور نظرية “الدومينو” أو ظاهرة انتشار العدوى” من بعد فوز دونالد ترامب ؟ وهل العالم كان هادئا وأكثر سلاما من قبل هذة الظاهرة ؟ وكيف تطورت ظواهر العنف والتطرف والقتل والتخلف والفقر والفساد بين الشعوب بل بين أبناء الشعب الواحد ؟ وهل الثورات تغير كل شيء  إلا الإنسان (2) ؟

الحقيقة أن هناك العديد من التساؤلات التي قد تشغل المهتم بمجال علم النفس السياسي لمحاولة تفسير أسباب الظواهر المختلفة الراهنة فى المجتمع سواء على الصعيد المحلي أو الوضع العالمي أجمع ، وربط العلاقة الوثيقة بين النفس البشرية وبين السياسة والساسة والقادة والشعوب والظواهر السياسية المختلفة ،و تركز هذه الدراسة على توضيح الإطار العام لعلم النفس السياسي ومحاولة طفيفة لتحليل بعض الثورات السياسية مثل الثورة الفرنسية 1789م ،والدينية مثل الثورة الإيرانية  1979م ،من منظور سيكولوجي وتحليل بعض الشخصيات السياسية مثل هتلر و وأبو بكر البغدادي لتنتهي الدراسة بتحليل اتجاهات بعض القادة الإيرانيين مثل الأمام علي خامنئي والرئيس محمود أحمدي نجاد .

 

المبحث الأول : الإطار المفاهيمي لعلم النفس السياسي

علم النفس السياسي هو مجال أكاديمي متعدد الاختصاصات، يقوم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي وتعتبر العلاقة بين السياسة وعلم النفس ثنائية الاتجاه؛ فيستخدم العلماء علم النفس كمرآة لفهم السياسة, وكذلك السياسة مرآة لعلم النفس، ويعد هذا العلم مجال متعدد الاختصاصات، لأنة يأخذ مادته من مجموعة واسعة من التخصصات الأخرى، بما في ذلك علم الإنسان، وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية، والاقتصاد، والفلسفة، ووسائل الإعلام والصحافة بالإضافة إلى التاريخ (3) ، ويعرف مورتون دويتش*علم النفس السياسي بأنه: “دراسة تفاعل علم السياسة مع علم النفس، خاصة أثر علم النفس في السياسة”.

ويعرفه البعض الآخر بأنه: “استخدام الأساليب والمفاهيم والنظريات علم النفس في تحليل سلوك الجهات الفاعلة في العملية السياسية، وتفسير المواقف والقرارات السياسية باستخدام مصطلحات علم النفس”.

والسلوك السياسى هو عملية إدارة تهدف إلى تخفيف التوتر الاجتماعي وحل جماعي للمشكلات والصراعات والاستفادة من مساحات الإنفاق لاتخاذ قرار جماعى فالمجموعات البشرية التى تشكل المجتمع فى حالة تنافس وأحيانا صراع تهدف السياسة فيها إلى أدارة التنافس والصراع وخلق حالة من التعاون على الرغم من التباين تلك الحالة التى يشعر معها الجميع بتوازن دينامى واستفادة جماعية(4) .

يهدف علم النفس السياسي إلى فَهم العلاقات المترابطة بين الأفراد و المواقف التي تتأثر بالمعتقدات، والدوافع، والإدراك، ومعالجة المعلومات، واستراتيجيات التعلم، والتنشئة الاجتماعية وتشكيل السلوك ، وقد تم تطبيق النظرية النفسية السياسية ومناهجها في العديد من العمليات مثل: الدور القيادي، وتكوين السياسات الداخلية والخارجية، والحركات الجماعية والصراعات، والسلوك العنصري، وسُبُل ودافع التصويت، بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام في التصويت، و النزعة القومية، والتطرف السياسي والسلوك في العنف العرقي الذي يشمل الحروب والإبادة الجماعية ووفقاَ لهذا يدرس علماء النفس السياسي أسس، وديناميات، ونتاج السلوك السياسي باستخدام التفسيرات المعرفية والاجتماعية(5) ، وقد ظهر هذا التخصص الجديد في علم النفس لتحقيق مجموعة من الأهداف:

1_ تفسير الأحداث السياسية عن طريق وضع فروض حول اهتمامات البشر وفق طريقة علمية واختبارها، أي اعتماد أسلوب البحث العلمي في دراسة السياسة.

2_ وضع قوانين عامة لسلوك الفرد يمكن من خلالها تفسير وتنبؤ بسلوكه في الأحداث السياسية.

3_ فهم سلوكيات المجموعات وطرق تفكيرها وكيف تتخذ القرار.

4_ استخدام علم النفس في تحسين العملية السياسية مما يفيد الإنسانية عامة.

5_تحليل البنية السيكولوجية للقادة السياسيين والساسة والاتجاهات المختلفة للجماهير فى الثورات الشعبية العالمية وبيان أنماط السلوك البشرى للتعامل مع الأزمات والثورات والاحتجاجات .

6_البحث عن الإجابة المنطقية للتساؤلات التي تشغل الباحث في علم النفس السياسي .

ولا يقتصر مجال علم النفس السياسي على تفسير الظواهر السياسية الكبرى برؤية سيكولوجية فقط بل يتعمق هذا المجال في فهم وأدراك كل العوامل التي تؤدى إلى هذه الظاهرة  ،ومن بعض توجهات السيكولوجية السياسية كما صنفها الدكتور محمد عبد الفتاح المهدي والتي قد تشغل دراسة الباحث في هذا العلم :

  • سيكولوجية السلطة .
  • سيكولوجية الاستبداد .
  • سيكولوجية التعذيب .
  • سيكولوجية الجماهير .
  • دينامية العلاقة بين الجماهير والسلطة .
  • سيكولوجية المعارضة والتطرف والعنف والفساد .
  • سيكولوجية القادة وبعض الشخصيات السياسية المؤثرة فى المجتمع السياسي والأجتماعي .”كما سنتعرف فى المبحث الثانى”.

والخلاصة ، أن علم النفس يهتم أساساً بدراسة النفس البشرية وما يكوّنها من عناصر، في محاولة جادة لفهم تلك النفس بكل ما فيها من غرائز وطباع، نزعات وميول، بواعث ودوافع، وعي ولا وعي، نظراً لأن السلوك الإنساني يتوقف، في معظمه، على التركيبة السيكولوجية للإنسان، فرداً ومجتمعا كما ركز علماء النفس كثيراً على علم نفس الفرد مثل: سلوك قادة بعينهم، سلوك مواطنين أفراد كمنتجين ومشاركين مثلاً، كما ركزوا على السلوك الجمعي سواء أكان ذلك على مستوى الجماعة أم الأمة. لقد امتدت الدراسات السيكولوجية للأفراد إلى ما وراء دراسات السيرة الذاتية لقائد بعينه أو استبيان آراء المواطنين ومواقفهم كي تتضمن محاولات تنظيرية أكثر بحيث تقيم صلة وصل بين سمات الشخصية والتوجهات الإيديولوجية، كما هي الحال بالنسبة إلى الشخصية الاستبدادية الفردية، فيما تضمن علم نفس السلوك الجمعي مسائل تمتد من الأشكال العرقية وغير العرقية لهويات الجماعة وصولاً إلى احتكاك الثقافات المتعددة بعضها بالبعض الآخر والمسائل المتعلقة بقضايا الحروب والتطلع إلى السلام.‏

لقد كان اللب الحقيقي لعلم النفس، منذ أن نشأ، هو تحليل نفسية الفرد والاهتمام بالنفس البشرية ككينونة قائمة بذاتها لكن مع اتساع دائرة علم السياسة وتطور علم نفس السياسة، بات لا بد من الانتقال إلى الاهتمام بالجماعة ودراسة علم النفس الجماعي (6) .

المبحث الثاني:التحليل السيكولوجى لبعض الثورات والقادة والشخصيات السياسية  

يختلف المنظور والتحليل النفسي من فرد لآخر وذلك طبقا لبعض العوامل الداخلية “البيئة النفسية الداخلية ” والعوامل الخارجية “البيئة الخارجية المحيطة ” ونظرا لأن الطبيعة البشرية معقدة ولا يمكن تفسيرها بسهولة فبالتالي لا يمكن أن نضع قواعد ثابتة وموحدة للتحليل النفسي للقادة والشعوب فتختلف العوامل السابق ذكرها من جماعة لأخرى ومن فرد لأخر ،فمثلا تختلف العوامل النفسية المسببة في اشتعال الثورة الفرنسية 1789 م والثورة الكوبية 1959م والثورة الإيرانية 1979م و ثورات الربيع العربي 2011،  وكذلك تختلف البنية السيكولوجية السياسية لبعض الزعماء مثل الرئيس الأوغندي عيدي أمين المعروف بتصرفاته المختلة مما أثر في البيئة السياسية لمواطنيه في حقبته ، وهتلر الذي أراد احتلال العالم ،وأبو بكر البغدادي مؤسس أكبر جماعة إرهابيه تسعى للخراب والدم “داعش” ،و غيرهم من الشخصيات السياسية التي أثرت تأثيرا واضحا في العالم مما دفع مهتمى علم السياسية للبحث عن الأسباب والعوامل التي شكلت دوافع هؤلاء من وجهة نظر سيكولوجية نفسية .

  • اولا :التحليل النفسى لقيام بعض الثورات .
  • الثورة الفرنسية 1789م :
  • “أن ما تأتي به الثّورات من الحوادث الظاهرة هو نتيجة نشوء خفيٍّ وقع في النفوس شيئًا فشيئًا، وإلى أن البحث الدّقيق في إحدى الثورات يتطلب فحص البقعة النفسية التي نبتت فيها مبادئ هذه الثورات” (7).

كان المجتمع الفرنسي تعانى من سيطرة ثلاثة طبقات رئيسية، تسيطر على الحكم وتستحوذ على حصة الأسد من العائدات الاقتصادية للبلاد، وهما الملك وحاشيته، وطبقة الأرستقراطيين، وطبقة رجال الدين. وكان هذا المجتمع مرتبا على شكل هرم طبقي، على رأسه الملك وحاشية الملك ثم طبقة الأرستقراطيين الذين يسمون أنفسهم بالنبلاء، ثم رجال الدين الذين اصطلح عليهم بالإكليروس، وهؤلاء الثلاثة كانوا يستنفذوا ويسيطيروا على الأوضاع العامة للبلاد ومداخلها، أما في الواجهة الأخرى فتأتي بعدهم الطبقة الثالثة التى تتكون من الطبقة البورجوازية وفي قاعدة الهرم الاجتماعي نجد الفلاحين والعمال والحرفيين وغيرهم، ضمن طبقة لم تكن تتوفر على أي حقوق اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، فقد كان لطبقة الأرستقراطيين ورجال الدين ميزات عن بقيه عامة الشعب، من بينها أنهم لا يدفعون الضرائب، كما كان لديهم نفوذا قويا فوق سلطة القانون حيث لا تطبق عليهم قوانين العقوبات واستطاعوا الإفلات منها.

و يتناول الكاتب جوستاف لوبون الجانب النفسى للثورة الفرنسية فى كتابه روح الثورات فقد أرجع أن المؤثّرات النّفسية للثّورة الفرنسية تتشعب إلى عناصر نفسية واجتماعية ودينية، وكل واحد منها تابع لمنطق خاص، فعندما تغلغلت الثورة الفرنسية اضمحل عمل العقل، وحلّ مكانه الوجدان والعاطفة، وربما كان العامل الديني من أهم تلك المؤثِّرات، فلا يمكن إدراك الثورة الفرنسية إلا إذا اعتبرنا تكوِينها مثل تكوين الثّورات الدينية كثوْرة الإصلاح الديني كثورة مارتن لوثر* مثلًا ،ولم تكن الثّورة الفرنسية بمعزِل عن الظلم بالرغم من رفعها لمبادئ وقيم إنسانية، فشأنها شأن كل الثورات خاصة الدينية،فميراث الثورة الفرنسية يمكن اختزاله في ثلاثة أشياء هى الحرية والمساواة والإخاء، وهي مبادئ ما زال الكثير من السّاسة يستعملونها في خطبهم ومحاضراتهم.

ويمكن تحليل نفسيات الشعوب أيام الثورات، وهي خصائص نفسية مشتركة لكل الثورات بكل أنواعها: 1- تحول الشخصية 2- الحقد 3- الخوف 4- الحرص والحسد والزهو 5- الحماسة، أما النفسيات التي تسود الثورة، فهي كثيرة بدءاً من النفسية الدينية، إلى النفسية اليعقوبية، وهو مصطلح أشار اليه لوبون للدلالة على تيار كان يزعم استخدام العقل أيام الثورة الفرنسية، إضافة إلى النفسية الثورية، والنفسية المجرمة، فكما أن هناك نفسيات متعددة، فإنّ هناك بالمقابل خصائص متعددة تطبع روح الجماعات في الثورات، ولعل أهم هذه الخصائص تغلب اللاشعور الخاضع لأحكام منطق خاص يسمى منطق الجماعات، وسرعة الانفعال والتأثر(8).

  • الرواية العالمية Tale of Two Cities “قصة مدينتين ” للأديب الانجليزى تشارلز ديكنز:

وقد تناولت هذه الرواية التحليل السيكولوجي لأحداث الثورة الفرنسية  وتعد من أعظم الروايات التي تناولت الثورة الفرنسية وقربت من خلال أحداثها ارهاصات الثورة الفرنسية والأحداث التي تلتها من الهجوم على سجن الباستيل، ولعل من أبرز شخصيات الرواية هى شخصية مدام ديفراج التى كانت تحقد على الأرستقراطيين وربما يوضح ذلك مدى المعاناة والحقد الطبقى الذي تم بثه فى نفوس الطبقة العاملة الفرنسية تحت القمع الأرستقراطي ،وهنا عند التركيز على التحليل النفسي للعداء المشتعل في نفس هذه السيدة سنجد أنه يكمن وراءه أسباب قمعية مارستها الطبقة الأرستقراطية ضد عائلتها وباقي الطبقات الكادحة التى شهدت ويلات الظلم من النبلاء ،وينتقل الكاتب إلى تحليل أخر وهو الحالة النفسية التي أصبح عليها الشعب الفرنسي بعد أحداث الثورة التي سميت فى الرواية “بعصر الأرهاب ” فقد كانت المقصلة “وهى الآلة المستخدمة فى قطع الرؤوس آنذاك ” تقوم بنحر مئات النبلاء والأرستقراطيين هذا الذى فسره الكاتب بأن الشعب تحول من مرحلة الكبت السياسي والظلم والمعاناة إلى انفراج خول لهم ممارسة العنف والقتل والتخريب وهو حال أي  شعب بعد اندلاع الثورات الشعبية (9) .

  • الثورة الإيرانية 1979 م:

     “أننا نعمل علي تصدير ثورتنا إلي مختلف أنحاء العالم ،لأنها ثورة أسلامية ،فمادامت صرخة “لا أله إلا الله محمد رسول الله ” لا تدوى فى أنحاء المعمورة فالصراع موجود وحيث وجد الصراع ضد المستكبرين فى أي نقطة في العالم ،فنحن موجودون”(10) .

يقال عادة أن الثورات تندلع عندما تتهدد آمال الشعوب وتطلعاتها ولا تعود الأنظمة الحاكمة قادرة على تلبية مطالب الجماهير وتشق الثورات طريقها إلى النصر عبر صراعها مع واقع النظام الحاكم الذى يرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع الدولى القائم لتطفو إثرها إلى السطح مسألة تصدير تجارب الثورة إلى البلدان المحيطة والمجتمع الدولي بأسره (11)،ويصدق هذا القانون العام على الثورة الإسلامية في إيران فما أن تم إسقاط نظام محمد رضا بهلوي حتى أخذ موضوع تصدير الثورة يتأثر بشكل جاد نظرا للسمات العميقة التي اتسمت بها هذه الثورة وفى ظل هذه الأجواء وجدت الأفكار ،التي تقترب قليلا أو كثيرا في شكلها من أيدولوجية الثورة ،طريقها إلى الظهور والانتشار واكتساب معالمها المحددة (11) .

وقد أخذت الثورة الإيرانية معظم الناس على حين غرة  فقد كانت الحكومات والجماهير تكتفي بأن تنظر إلى هذا البلد على أنه ” جزيرة من الاستقرار ” وسط منطقة يشوبها العنف وتتسم بالتفجر – وذلك هو الوصف الذي استعمله الرئيس الأمريكي السابق “جيمي كارتر ” ، وعلى ذلك فإن الاضطرابات التي أدت إلى إقصاء الشاه عن عرشه ، وقيام نظام إسلامي بعده بقيادة عدوه اللدود ” آية الله الخميني ” ، لم تكن ظاهرة منعزلة . وإنما كانت وببساطة ، آخر فصل في عملية تاريخية طويلة تعود جذورها إلى الميراث القومي والديني للشعب الإيراني ، تفجرت ثم أخمدت ، أثناء الأزمة التي نجمت عن قيام الدكتور ” محمد مصدق ” بتأميم صناعة البترول عام 1950:1953 ، وعند ذلك أخذت شكلا سريا إلى أن انفجرت بشكل نهائي عام 1978 :1979 من خلال هذا الشكل الأخير الذي عبر عن الثورة ، أصبحت شيئا يتخطى دلالاتها المحلية ، إذ أنها تضمنت العديد من العناصر التي تهيمن على العقد الذي بدأناه : وهي : البعث الإسلامي ، ومشكلة الطاقة ، والتوزيع الجديد لثروة العالم ، والتنافس بين القوتين الأعظم  كل هذه العناصر تضافرت لتحول منطقة الخليج إلى مركز الجاذبية في العالم . ولا شك أن ما حدث في إيران قد ترك أثرا علي العالم كله ، وقد لا يكون من قبيل المبالغة أن نطبق على إيران نفس كلمات نابليون التي أطلقها على مصر ذات مرة من أنها ” أكثر البلاد أهمية ” (12).

وتمت محاكمة مئات من أنصار الشاه و تم إعدامهم، و هرب آخرون من البلاد، وتم عكس سياسة الاتجاه للغرب في إيران والخميني، الذي كان قد عاد إلى إيران بـانتصار في فبراير 1979، ترأس عملية إقامة جمهورية إسلامية.

ومن هنا وبعد سرد بعض الأحداث التاريخية التى سبقت وتبعت الثورة الإسلامية فى إيران يمكن أن نضع أطار تحليلي نفسي لعوامل قيام هذة الثورة فطبقا لتقسيم غوستاف لوبون فى كتابه روح الثورات يمكن تصنيف الثورات الى ثلاثة أنواع ثورات سياسية وثورات علمية وثورات دينية ، فيقول لوبون إن مصدر المعتقدات سياسية كانت أو دينية ،مشترك، وهي خاضعة لسنن واحدة، أي أنها لا تتكون بالعقل، وكثيرًا ما تتكون خلافًا لما يقتضيه العقل ،وتنشأ الثورات السياسية عن معتقدات تأصلت في النفوس، ولكنها قد تنشأ عن أسباب أخرى تجمعها كلمة الاستياء، فمتى عمَّ هذا الاستياء تألف حزب قادر على مكافحة الحكومة، ويقتضي أن يتراكم الاستياء ليكون ذا نتائج، ولهذا لا تكون الثورة في الغالب حادثة لم تلبث أن تنتهي حتى تعقبها ثورة أخرى، بل هي حادثة مستمرة أسرعت في نشوئها قليلا .

وفى تطبيق الثورة الإيرانية يمكن أن نقول أنها من الثورات السياسية الدينية التي نشأت نتيجة لهذا الاستياء الشعبي ووجود قائد متزعم لهذه الثورة تغلب عليه النزعة اليمينية الدينية فمن أقواله “النهضة الأسلامية لا تعرف الحدود وسنعمل على نشر دينينا فالرسول الكريم لم تقتصر رسالته على الحجاز أو الدول العربية بل للعالم أجمع “(13).

  • سجينة طهران “قصة نجاه امرأة داخل السجون الإيرانية “:

فكما سردنا أحداث فيما بعد الثورة الفرنسية 1789 م وما نتج عنها من عنف ونهب وقتل واعتقال من قبل الثوار والشعب للنبلاء والأرستقراطيين ،يتكرر الحال ايضا فى الثورة الأيرانية بل أصبحت حالة اللاستقرار والفوضى هى السمة الطبيعية لمرحلة ما بعد أي ثورة ،وهنا تصف رواية “سجينة طهران” وهى تندرج تحت ما يسمى أدب السجون الذى يساهم فى تفسير الحالة النفسية للسجناء السياسيين، حيث تصف هذة الرواية العالمية حالة السجناء السياسيين الإيرانيين فيما بعد ثورة آية الله الخميني 1979 م .

في الأيام الأولى للثورة الإسلامية على يد آية الله الخميني، اعتقلت مارينا نعمات في طهران مساء يوم 15 كانون الثاني عام 1982 في العاصمة الإيرانية طهران، وهي في السادسة عشرة من عمرها، ثم أرسلت فيما بعد إلى سجن (أيفين) في جناح للسجناء السياسيين المحكوم عليهم بالإعدام بسبب جرائمهم السياسية. لم تكن مارينا نعمات ناشطة سياسية ، ولكنها احتجت حينما كانت طالية في المرحلة الثانوية، حينما قرر أحد المدرسين تدريس الثقافة الإسلامية في حصة الرياضيات بدلا من مادة الرياضيات نفسها، عندئذ قال لها مدرسها: “إذا لم تستسيغي الحصة فبإمكانك أن ترحلي”. خرجت مارينا من الصف وتبعها معظم الطلبة. ونتيجة ذلك ، تم اعتقالها وأرسلت مارينا إلى سجن (أيفين). ورغم ذلك، أنقذت في اللحظة الأخيرة من الإعدام، وأطلق سراحها من السجن بعد أن مكثت فيه سنتين، بعد أكثر من 20 عاما ، قررت نعمات أن تكشف ما حدث معها في سجن (أيفين) في كتاب، كان عنوانه مذكرات “سجينة طهران”.

وقد بيعت حقوق مذكراتها لأكثر من 21 دولة، وهي تقدم في الكتاب لمحة نادرة عن حياة السجناء السياسيين في إيران، تصف مارينا كتابها بالقول: “كتابي ليس سياسيا”، ولكنه في نهاية المطاف وصف بأنه سياسي، وهو عبارة عن مذكرات ووصف لما حدث لها ، حينما كانت مراهقة، تجهل ما يجري معها، ولم تدرك في بادئ الأمر ما كان يجرى لها، وقد وجدت نفسها في وضع غريب، وضع السجينة فقط لانها قالت لا فى حين يقول الباقون نعم .

واختيار هذة الرواية تحديدا لم يكن من قبيل المصادفة بل كان لنجاحها فى تغطية المعاناة التى واجهها السياسيون بعد الثورة الإسلامية والنتائج التى تمكن الباحث فى علم النفس السياسي من استخلاصها عن الأحداث ، فبعد الثورة الشعبية الإيرانية  ١٩79، التي قام بها اليساريون والليبراليون والعلمانيون والمثقفون والعلماء والمدنيون في إيران، ونجحت في الإطاحة بشاه إيران المستبد، أملًا في بناء إيران أكثر تحررا وتحضرا وديمقراطية وتصديرا للعلم، قفزت التيارات الدينية على الثورة، كالعادة، وجاء آية لله الخميني ليركل بقدمه الديمقراطية التي أجلسته على الكرسي،و لفظت الديمقراطية، وحلَّ محلها حكم الفرد، والتحدث باسم السماء، والتغلغل المتسارع في مفاصل الدولة من مؤسسات حيوية وإعلام وتعليم وقضاء وجيش وشرطة، ثم التصفية الجسدية للانتفاضات الشعبية العديدة التي ثارت على القمع، ثم دهس القانون بالقدم، بعد إقصاء المعارضة، بل اعتقالها وتعذيبها وقتلها في أحد أشهر سجون التاريخ وأبشعها؛ سجن إيفين، الذي لا تقلُّ شهرته عن الباستيل الفرنسي، وأبو غريب العراقي، وباجرام الأفغاني، ومعتقل جوانتانامو الأمريكي في كوبا(14) .

  • السينما والفن وعلم النفس السياسي :

من المعروف أن الثقافة المتمثلة فى الفن والأدب والسينما والمسرح من العوامل الأساسية المؤثرة فى القوى الناعمة Soft Power  لأي دولة , وأيضا في علم النفس السياسي تهتم الدراسات المختصة بهذا العلم بالسينما والأدب لما لهم من دور كبير يساعد على التحليل النفسي للبيئة السياسية والطبيعة النفسية للمواطنين ، وبعد سرد أحداث رواية سجينة طهران للسجينة مارينا نعمت والكاتبة فاطمة ناعوت لابد أن نتطرق للسينما الإيرانية ودورها في وصف بعض الأحداث التي مرت بها إيران بعد الثورة الإسلامية 1979 م .

تمكن النظام الإيراني خلال الأعوام الماضية من تطوير أدوات إعلامية متعددة، بهدف تحسين صورة إيران خارجيًّا، وتعزيز الدعم الشعبي للنظام في الداخل، خاصة بين قطاعات الشباب الذين يميلون للتمرد على السلطة، ومحاولة تغيير الثقافة المجتمعية السائدة، نتيجة التأثير الطاغي للعولمة وثورة المعلومات والاحتكاك المتزايد بالثقافة الغربية، وفي هذا الإطار، ركزت الدراسة المعنونة “المنبوذون: بداية “الترفيه الجديد” في صناعة الأفلام المؤيِّدة لنظام الجمهورية الإسلامية في إيران”، والتي قامت بإعدادها نرجس باجوفلي (باحثة مشاركة بمعهد واتسون، جامعة براون بالولايات المتحدة)، على توظيف النظام الإيراني ومؤيديه للأفلام السينمائية للدفاع عن القيم والمواقف السياسية للنظام الإيراني في مواجهة الانتقادات المتصاعدة 15.

ولا يمكن القول إن اعتماد النظام الإيراني على الإعلام لبث الرسائل الأيديولوجية أمر جديد فمنذ قيام ما يُسمى “الثورة الإسلامية” في إيران عام 1979، وهناك اهتمام باستخدام الأشرطة المسجلة والملصقات الثورية وملصقات قتلى الحرب العراقية الإيرانية، والأفلام الحربية أو ما يُطلق عليها “سينما الدفاع المقدس” لدعم أهداف الثورة. فالنظام الإيراني يدرك منذ البداية أهمية دور الإعلام في عملية بناء الدولة، ومناهضة القوة الناعمة الأمريكية، وهو ما أطلق عليه النظام “حرب الأفكار”.

ومن أشهر الأفلام الإيرانية التي اهتمت بها دراسات تحليل علم النفس السياسي :

  • الفيلم الأمريكي Argo :

منذ عرضه الأول دخل “Argo” قائمة الأفلام المعادية لإيران, تدور قصة الفيلم حول حادثة اقتحام السفارة الأمريكية عام 1979، وكيفية قيام جهاز المخابرات الأمريكية CIA بتحرير مجموعة من الأمريكيين من يد ثوريين إيرانيين بعدما سيطروا على السفارة الأمريكية في طهران, نجح الإيرانيون في اتخاذ العديد من الأمريكيين كرهائن وتمكن ستة دبلوماسيين من الهروب إلى المقر الرسمي للسفير, ظهر خيار واحد لتوني منديز العميل المختص في مهمات الإنقاذ لإخراجهم من إيران وهو إنشاء مشروع فيلم زائف وتهريب الأمريكان كطاقم إنتاج لهذا الفيلم, بمساعدة من المخابرات الأمريكية وهوليوود نجحوا في الهروب في وقت عرفت فيه قوات الأمن الإيرانية الحقيقة وهاجمتهم حتى إقلاع طائرتهم, الفيلم من بطولة وإخراج بن أفليك, وحصد جائزتي أوسكار عام 2012.

  • الفيلم الإيراني الملكة وانا Queen and I :

أخرجته الإيرانية ناهد بيرسون سرفيستاني, امرأة شاركت في الثورة الإيرانية وانتقلت إلى باريس حيث تعيش “فرح”, تابعت ناهد في فيلمها حياة فرح بهلوي زوجة شاه إيران وإمبراطوريتها, وأجرت المخرجة لقاءات نادرة مع امرأة لا تقبل الحديث عن حياتها, قالت فرح إنها تناولت المهدئات على غير عادتها كي تغادر إيران دون بكاء إلى منفاها عام 1979, التقت المخرجة مع الإمبراطورة السابقة وحاولت التعرف للفرق بين منفي الملك والشعب, تعرض الفيلم الوثائقي لأحداث انقلبت بها إيران على حاكمها في ثورة إسلامية, ورغم خلاف المخرجة مع حكم الشاه إلا أنها حاولت عرض حياة امرأتين في المنفي بنفس الظروف رغم اختلاف المستوى الاجتماعي والآراء السياسية.

  • ثانيا التحليل النفسي لبعض الشخصيات السياسية :

وفى هذا الجزء يكمن هدف الدراسة ألا وهو تفسير وتحليل الشخصية السياسية من منظور نفسي وأبعاد قد ترجع للطبيعة النفسية الداخلية أو للعوامل النفسية الخارجية التي قد تؤثر في الشخصية فى مراحل تطوره المختلفة وهنا يستعين الباحث بشخصيتي من أكثر الشخصيات المؤثرة فى المجتمع الدولي والبشرية جمعاء .

  • أدولف هتلر :

“إن ما يستدعي الكره، هو ذلك الجزء من الذات المتعرِّض للإهانة والإذلال. الجزء الخاص بالدموع والشقاء، فهو الذي يُفصِحُ عن الحقيقة التي نودُّ كتمانها.”*

كانت والده هتلر تحبه للغاية وتحيطه بالرعاية والمحبة الزائدين عن الحد لكن والده كان قاسيًا، لم يكن يحب هتلر أو أيا من إخوته، كان يضربهم جميعًا عندما يكون سكرانا بشكل دائم، وفي مرحلة ما كان هتلر هو أكثر الأطفال نصيبًا من الضرب والسخرية، كان أدولف الصغير يهرب من أبيه السكير، ويقف على تله صغيرة ويوجه خطابات للا شيء، متخيلًا وجود جماهير تحت التله تسمعه وتنصت إليه ،وكان أدولف الصغير يتحدى أباه، فيفشل في الدراسة متعمدا و في الثالثة عشر من عمره توفي والده، ولكن أدولف لم يتغير أبدا وظل يرسب ويرسب في دراسته.. ثم بدأت بعد وفاة أبيه مرحلة أخرى محورية.

مع بدأ الحرب العالمية الأولى كان هتلر في الخامسة والعشرين، دخل هتلر الحرب في الجيش الألماني، أعطتهُ الحرب ملاذا من بؤس حياته المتفشى والحزين، أصيب هتلر في عينيه في الحرب، وأثناء تعافيه علم الخبر الحزين باستسلام ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، صب هتلر حينها جام غضبه على اليهود، الذين اعتبرهم سببًا في هذه الهزيمة المنكرة (15).

ودع هتلر حلمه الفني حيث كان يحلم بأن يكون رسام مشهور وله العديد من اللوحات ولكنه لم يوفق فى هذا المجال لكنه لم يودع الشهرة، ولم يترك نفسه تحت تأثير ضربات والده المهينة، أو تحت تأثير فشله الرهيب في أن يصبح فنانًا، وأصبح الشخصية الأكثر وحشية  في العصر الحديث ،الصغير أدولف الذي كان يقف فوق التله ويلقي خطاباته للا شيء، أصبح يلقي الخطابات للأمة الألمانية يتابعه الملايين عبر العالم، ويخافون منه (16).

  • أبو بكر البغدادى ” الرجل الذى حلم بعالم دموى وحققه “:

مسيرة المجاهدين سوف تستمر حتى تصل إلى روما .*

  

كان إبراهيم البدري الملقب بأبي بكر البغدادي، طفلًا لأسرة دينية، والده محفظ قرآن بسيط، يصفهُ بحث ويليام مكانتس، الباحث في مركز سياسات الشرق الأوسط في معهد بروكنجز: «كان منطويًا، قليل الكلام، وبالكاد يسمع صوته عندما يتحدث. والجيران الذين عرفوه عندما كان مراهقا يتذكرونه كشخص خجول لا يختلط بالآخرين. وحتى عندما كان الناس يصطدمون به خلال مباريات ودية في كرة القدم ، وهي رياضته المفضلة، كان يظل محتفظا بهدوئه ولا يبدو عليه أي انفعال» ، كان أبو بكر صارمًا منذ صِغَره فيما يتعلق بـ تطبيق الشريعة وفق تصوراته، فقد منع بعض جيرانه في أحد الأفراح أثناء شبابه من الرقص لأنه كان يرى أن هذه مخالفة صريحة للشريعة.

حلم البغدادي بعالم مثالي، لكنه دموي للغاية، لا يؤمن بوجود أي آفاق أخرى غير أفقه، ورغم أنّ علماء الإسلام يؤكدونَ دومًا أنّ «الاختلاف بين العلماء والفقهاء رحمة»، إلا أن أبا بكر لا يقبل الخلاف أبدا (17).

وحين الاطلاع على حياة البغدادي سنجد في نشأته منذ الصغر وفى تركيبته النفسية الداخلية بعض العوامل التي أثرت في تشكيل تلك الشخصية العدائية وربما يكون هناك العديد من المؤثرات النفسية الخارجية التي أثرت أيضا، ربما تأثره بأحد المتشددين أو ربما تعرضه للعنف من جهة ما فبثت العداء في نفسه .

المبحث الثالث : التحليل النفسي لبعض القادة السياسيين في إيران

وبعد العرض السابق للظروف التي أدت إلى قيام الثورة في إيران، يأتي المبحث الثالث في هذا الفصل ختاما لتحليل الظروف التي أحاطت ببعض القادة السياسيين بعد الثورة الإسلامية 1979 ، واختيار الباحث للمرشد الأعلى على الخمنئي ومحمود أحمدي نجاد وهما من أكثر القادة والرؤساء في إيران تأثيرا في المشهد السياسي، لا يرجع فقط  للدور الذي لاعباه كلاهما فى السياسة الخارجية الإيرانية وإنما لأن لكليهما شخصية معقدة تستوجب التأمل والتحليل .

 

اولا :على خامنئى “1981م :1989م  “:

تعد جذور الخامنئى المتواضعة ونشأته الدينية نموذجية للنخب السياسية والدينية في الجمهورية الإسلامية وقد ولد الخامنئى في أسرة من ثمانية أولاد فى عام 1939 من أب اذربيجاني الأصل وعالم دين وكان للخامنئى مثالين أعليين فهو يتذكر دخوله معترك السياسة وساحة الجهاد في عمر صغير واستلهمه من رجل دين متشدد اسمه نواب صفوي وهو ناقد لاذع لحكم الشاه والقوي الامبريالية على حد سواء ،وقد كان الصفوى من أوائل الدعاة إلى الثورة الإسلامية والحكم الإسلامي وقد جرى ربطه بشكل مباشر أو غير مباشر بمقتل عدد من المثقفين العلمانيين والمسؤوليين الحكوميين وأعدمته الشاه فى العام 1955 ،هنا يمكن أن نأخذ فى عين الاعتبار أن الخمنئى قد تأثر فى صغره برجل دين متشدد مما أثر عليه بشكل كبير وشكل فكره المتشدد بعد ذلك  .

وبعد عدة سنوات عندما صار فى العشريين من العمر ،صار الخامنئي تحت وصاية الأمام الخميني الذى بات أستاذه السياسي طوال حياته وفي ذلك الوقت لم يكن الخميني معروفا جدا في إيران غير أن وقوفه في وجه الشاه وتحديه له جعلاه مشهورا في أوساط الشباب وقد خلفت هذه التجربة بالغ الأثر في نفس الخامنئي وعندما نفى الشاه الخميني إلى العراق فى العام 1963 ظل الخامنئي طالبا هو والكثيرون معه ينشرون تعاليم أستاذهم غير التقليدية حول الحكم الإسلامي(18) ،وهنا أيضا يمكن أن نعتبر أستاذه الخميني المؤثر الثاني على تشكيل البيئة النفسية للخامنئي فى فتره الشباب.

ولقد أمضى الخامنئى سنوات عدة في الاعتقال وعانى التعذيب والسجن الانفرادي ونفى إلي منطقة نائية من البلاد (سيستان) حتى اندلاع الثورة الإسلامية فى 1979م ويرجح من يعرف الخامنئي أن جذور عدائه لإسرائيل والولايات المتحدة إنما ترقى إلي هذه الفترة حيث تعرض للتعذيب على يد شرطة السافاك المعروف عنها تلقيها التدريب من وكالة الأستخبارات المركزية والموساد الإسرائيلي ، فقد ساعد الدعم العسكري الذي قدمته أمريكا في إنشاء جهاز السافاك العسكري، وهي الأداة التي كانت تقمع معارضي الشاه وتصفيهم ، كانت نواة جهاز السافاك ولدت قبلها بعدة سنوات عندما بدأ الجندي الأمريكي (نورمان شوارتسكوف) بتدريب أعداد كبيرة من الجنود الإيرانيين في عام ١٩٤٢ بأوامر من الشاه (19)، وهنا يمكن أن نحصر السبب الرئيسى الثالث وهو اعتقاله وتعذيبه على يد السافاك والذى  كان له أثر واضح فى تكوين البيئة النفسية المتشددة للخامئنى .

لقد أثرت معارضة الخامنئي الشديدة للشاه وولاؤه للخمينى فعندما سقط الشاه وانتصرت الثورة كلف الخمينى الخامنئي بشغل مناصب عدة في الحكومة الثورية الجديدة فأصبح وزيرا للدفاع ثم المشرف علي قوات الحرس الثوري ثم إمام جمعة طهران .

وبالتتابع مع الأحداث نجا الخامنئى من عدة محاولات أغتيال نذكر منها قيام مجموعة معارضة متشددة تسمى “مجاهدى  خلق ” عندما انفجرت عبوة ناسفة في مسجل صوتي في مؤتمر صحفي له مما أثر على تخريك يده اليمني حتى الآن ،وقد قامت الحركة بتوجيه ضربة أخرى للخامنئي أدى إلى مقتل أكثر من 100مسؤؤل بمن فيهم الرئيس محمد على رجائي “وهو ثاني رئيس إيراني بعد أبي الحسن بني الصدر” ، وقد شكلت الحادثة فرصة للخامئني للترشح للرئاسة ولكنه في بداية الأمر اعتذر عن الترشح نظرا لسوء احواله الصحية وعدم قدرته على ممارسة دور الرئيس بالشكل المطلوب ،ولكن ردت عليه النخب الثورية قائلة “لهذا السبب نحن نعرض عليك هذا المنصب ” ، ليصبح أول رجل دين يتبوأ منصب الرئاسة فى إيران

ويعرف عن الخامنئي عدم السماح لأحد بانتقاده فانتقاد الوالي الفقيه أحد الخطوط الحمراء في السياسة الإيرانية بل عقوبته شبه مضمونة بالسجن وليست عائلة الخامنئي بالمعفية من هذا فقد ضربت قوات “الباسيج” الموالية للولي الفقيه أخاه الأصغر رجل الدين الإصلاحي هادى الخامنئي ضربا قاسيا بعدما قام بالقاء خطبة انتقد فيها سلطات الولي الفقيه(20) .

بالنسبة للخامنئي يعد الإسلام والعدل وجهين لعملة واحدة وأهم مكونين للمجتمع والحكم والسياسة الخارجية في إيران وهو يشير إلي العدل باعتباره “الشعار الأساسى والهدف السامي للثورة الإسلامية وجمهوريتنا الأسلامية “،وفى محاضرة للخامنئي أمام جمع من الكهنة المسيحيين القادمين من اوروبا لزيارة إيران يشرح الولي الفقيه كيفية استقطاب الجمهورية الإسلامية لمؤيديها فيقول :

للشباب ميل طبيعي للدين والروحانية لكن علينا ايضا أن نحاول استقطابهم أكثر فأنا كرجل دين ،تعلمت بحكم التجربة أن هناك سبل تزيد ن جاذبية الدين للشباب وسأشاركك هذه التجربة ،فأنا أعتقد أنه كلما دافع الدين عن المستضعفين ودعا إلي العدل كلما زادت جاذبيته للشباب بما أن الشباب في كل مكان من العالم يدعون إلى الحركات الهادفة إلي تحقيق العدل ،فنبيكم عيسى كافح من أجل العدل طوال حياته ونبينا أيضا أمضي حياته بالكامل محاولا إحقاق الحق ،واذا أثار رجال الدين المسيحيون والمسلمون موضوع العدل فانه حتما سيلفت الانتباه(21).

وبالتالي ومن خلال هذا السرد المختصر عن حياة الأمام الخامنئي يمكن تلخيص العديد من العوامل النفسية التى شكلت شخصية الأمام الفقيه “الخامنئى ” في ثلاثة عناصر رئيسية نذكر منها:

  • تأثره فى صغره برجل دين متشدد يدعى نواب صفوي وكان له دور واضح فى التهيئة النفسية للتشدد والولاء للدين الإسلامي وحكم الشريعة .
  • تأثره بأستاذه ومثله الأعلى الأمام الخميني ،واستمراره فى نشر تعاليمه حتى بعد قيام الشاه بنفيه للعراق.
  • اعتقاله وتعذيبه في السجون الإيرانية علي يد السافاك التي تم تدريبها بواسطة الموساد الإسرائيلي وقوات جهاز الاستخبارات الأمريكية .

ثانيا :محمود أحمدي نجاد”2005 م:2013 م”:

ولد الدكتور محمود أحمدی نجاد في عام 1956 م في قرية ارادان من توابع مدينة “كرمسار”جنوبي طهران، وقد سكن في مدينة طهران مع أسرته منذ السنة الأولى من عمره وأمضى مراحل دراسته الإبتدائية والمتوسطة والثانوية في هذه المدينة. وأحرز المرتبة 132 في الاختبار العام للقبول في الجامعة في عام 1975 م حيث بدأ دراسته العليا في قسم هندسة تخطيط المدن في جامعة العلم والصناعة.

وفي عام 1986 م تم قبوله في مرحلة الماجستير في تلك الجامعة بالذات ثم إنضم في عام 1989 م إلى الهيئة التدريسية لكلية هندسة تخطيط المدن في الجامعة نفسها. وفي عام 1997 م نجح في الحصول على شهادة دكتوراه هندسة التخطيط للشحن والنقل من الجامعة ذاتها. والدكتور أحمدي نجاد لديه إلمام باللغة الانجليزية و خلال سنوات تدريسه في هذه الجامعة و تأليفه للمقالات وكتابته العديد من الأبحاث العلمية قام بالإشراف على العشرات من أطروحات الماجستير والدكتوراه الأخصائية في مختلف مجالات هندسة تخطيط المدن والطرق والشحن والنقل. وقبل انتصار الثورة الإسلامية شارك الدكتور أحمدي نجاد باعتباره طالباً جامعياً حينذاك في الإجتماعات الدينية والسياسية وتعرّف علی الأجواء السياسية في المجتمع. وبعد انتصار الثورة الاسلامية وبالنظر إلى حضوره في الجامعة، يُعتبر الدكتور أحمدي نجاد من مؤسسي الرابطة الإسلامية لطلاب جامعة العلم والصناعة في إيران. وخلال الحرب المفروضة شارك الدكتور أحمدي نجاد في ميادين الحرب التي فرضت على الجمهورية الإسلامية من قبل نظام صدام حسين وخاصة فی مجال الهندسة القتالية كأحد متطوعي التعبئة واستمرّ في أداء مهماته حتى نهاية فترة الدفاع المقدس ضد المعتدين (22).

ربما كان وصول محمد أحمدي نجاد لمنصب الرئيس عام ٢٠٠٥ متوقعًا إلى حد ما بسبب وعوده التي قطعها لأهالي القرى من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود أثناء حملته الانتخابية. حيث كانت السنوات الأخيرة لمحمد خاتمي ممثل الإصلاحيين مخيبة لنسبة كبيرة من الإيرانيين، خصوصًا الفقراء،فخاتمي لم ينجح في مساعيه السياسية كإصلاح القضاء، ولم يهتم كثيرًا بتطوير الاقتصاد.

كان المرشح المنافس لأحمدي نجاد في انتخابات ٢٠٠٩ هو الإصلاحي مير حسين موسوي الذي تقلد منصب رئيس الوزراء خلال فترة رئاسة المرشد الأعلى الحالي الإمام على خامنئي، حيث كان آخر رئيس وزراء إيراني قبل أن يتم إلغاء المنصب. كانت معظم التوقعات تصب في صالح موسوي للفوز بالرئاسة، لكن النتائج صدمت الجميع مما دعا موسوي وداعميه لاتهام اللجان المسؤولة عن صناديق الاقتراع بالتزوير والتلاعب بالأصوات. لكن الرد حينها جاء من المرشد الأعلى مطالبًا باحترام النتيجة، ومؤكدًا بأن التلاعب لم ولن يتم باعتباره مخالفًا لتعاليم الإسلام (23) .

خلال أيام قليلة بعد فوز نجاد تجاوزت أعداد المتظهرين مئات الألوف فيما تم تسميته بالثورة الخضراء، وتعد أكبر مظاهرات شهدتها إيران منذ ثورة عام ١٩٧٩ الشعبية وكانت أيضًا المرة الأولى التي تسقط فيها هيبة المرشد الأعلى في إيران، حيث طالب عدد من المتظاهرين بإسقاط أحمدي نجاد وعلي خامنئي على حد سواء (24).

(1) يوفال هراري ، “العاقل: تاريخ مختصر للبشرية” ،القدس ،الجامعة العبرية .

(2) كارل ماركس ،  البيان الشيوعى ،1848 .

(3)  د. محمد عبد الفتاح المهدى ,علم النفس السياسى رؤية مصرية عربية ،مكتبة الانجلو المصرية ،القاهرة ,2007 .

* دكتور علم نفس فى جامعة كولمبيا .

(4) د.محمد عبد الفتاح المهدى ،المرجع السابق .

(5)  فان جينكين ،” لمحة عامة عن التاريخ الثقافى لعلم النفس السياسى” ،ص 22:3، نيويورك ،1988.

(6) عبد الكريم ناصيف ،سيكولجيا السياسة ،جريدة الأسبوع الأدبي، دمشق ،2007 .

(7) جوستاف لوبون ،روح الثورات والثورة الفرنسية ،المطبعة العصرية ،الفجالة ،القاهرة ،1934 .

(8) جوستاف لوبون،المرجع السابق ،صفحة 72 .

* راهب ألماني، وقسيس، وأستاذ للاهوت، ومُطلق عصر الإصلاح في أوروبا بعد اعتراضه على صكوك الغفران.  نشر في عام 1517 رسالته الشهيرة المؤلفة من خمس وتسعين نقطة تتعلق أغلبها بلاهوت التحرير وسلطة البابا .

(9)

(10) الأمام الخمينى ،فى ذكرى انتصار الثورة 1980 م .

(11)  بدون اسم كاتب ،تصدير الثورة كما يراه الخمينى ،مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخمينى ،الشؤون الدولية ،طهران على الرابط :

http://arabic.irib.ir/Monasebat/E-khomeini/book-pdf/Tasdir-alsoura.pdf

(11) المرجع السابق ،ص 3 .

(12) محمد حسنين هيكل ،مدافع آية الله قصة إيران والثورة ،دار الشروق ،القاهرة ، 2008 .

(13) من حديث على خامينى لطلبة سعوديين مقيمين فى أيران ولقائه بأحد الصحفيين اليابانيين 1979 .

(14) مارينا نعمت ،فاطمة ناعوت ،سجينة طهران ،دار كلمات عربية للترجمة والنشر ،القاهرة ،2013 .

*أدولف هتلر ،مذكراته فى كتاب كفاحى .

15 منى أسامة محمد ،تسيس السينما ،رسالة دكتوراه ،كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ،جامعة القاهرة ،2017.

(15)  نانسي هيوستن ، أساتذة اليأس “النزعة العدمية فى الأدب”،هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث ،الامارات ،2012 .

(16) عبد الرحمن ناصر ،”هذا العالم لم يحبنا” ،ساسة بوست ، 2016 على الرابط :

http://www.sasapost.com/this-world-does-not-love-us/

* ابو بكر البغدادى .

(17) وليام ماكنتس،ابو بكر البغدادى ،مؤسسة بروكينجز للدراسات،واشنطن ،2015 ،على الرابط :

http://csweb.brookings.edu/content/research/essays/2015/thebeliever.html

(18) كريم سجدبور ،فى فهم الأمام الخامنئى رؤية قائد الثورة الإسلامية الإيرانية ،مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ،2008.

(19) ستيفن كينزر ،أتباع الشاه ،كلمات عربيه للترجمة والنشر ،ط 1 ،القاهرة ،2011.

(20) كريم سجدبور ،فى فهم الأمام الخامنئى رؤية قائد الثورة الإسلامية الإيرانية ،ص9 ،مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي ،2008.

(21) على خامنئى ،أجتماع مع أسقف النمسا ،2001 .

(22) الموقع الرسمى لجمهورية أيران الإسلامية ،على الرابط الالكترونى :

http://president.ir/ar/

(23) عبد الرحمن البخارى ،إيران التى لم نعرفها ،صحيفة التقرير ،2014 ،على الرابط :

http://altagreer.com/إيران-التي-لم-نعرفها-سرد-تاريخيّ-للأحد/

(24) باربرا فلاناغان، تطور إيران ،واشنطن ،2013 .

رسم 2

رسم 1

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق