الدراسات البحثيةالنظم السياسي

في جذور كوابح الثورة في تونس

اعداد : د. عبد القادر سوداني – جامعة صفاقس 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

حوصلة:

من الأكيد أن إندلاع الأعمال الإحتجاحية في نهاية سنة 2010 و بداية سنة 2011 كانت نتيجة لجملة من الإرهاصات التاريخية التي عرفتها البلاد التونسية منذ الفترة الحديثة و التي حددت مآل هذه التحركات الشعبية التي سمحت بدورها بتعرية الإنشقاقات الإجتماعية التي ضلت محجوبة لعقود طويلة ، لذلك إرتأينا في هذا العمل النبش في أسباب فشل كل أعمال الرفض التي قام بها لفيفا من السكان ضد الحكم المركزي .

إتخذنا ” الثورة ”  التونسية مطية لكشف الأمراض الإجتماعية للبنية السكانية في تونس خلال القرنين الثامن عشر و التاسع عشر مثل الفواصل العرقية بين المرفولوجيا الإجتماعية مثل التضاد بين أصيل- دخيل ، بلدي – أفاقي ، الساحل –الداخل ، بدوي – حضري… هذه الصراعات الإجتماعية كانت من الأسباب الهيكلية المانعة لتوحد السكان إزاء هدف جامع .

Résume

Il est certain que les protestations déclenches en Tunisie à la fin de 2010 et le début de l’année 2011 a été le résultat d’un certain nombre de précurseurs historiques connus dans le pays tunisien depuis la période moderne, et a identifié le sort de ces mouvements populaires, ce qui a permis à son tour, l’érosion des schismes sociaux qui ont perdu son identité et son unité depuis des décennies, nous avons donc décidé dans ce Le travail de un essaye pour savoir les raisons de l’échec de tous les actes de rejet de la population contre le gouvernement central.  J’essais de  découvrir les maux sociaux de la structure de la population en Tunisie

Au cours de la dix-huitième et dix-neuvième, comme les séparations ethniques entre les différentes morphologies sociales, ces conflits sociaux sont parmi Les raisons structurelles qui empêchent  l’union de la population.

Abstract

It is certain that the eruption of acts of protest at the end of 2010 and the beginning of 2011 was the result of a number of historical trends that the Tunisian country has known since the recent period, which determined the fate of these popular movements, which in turn allowed the erosion of social splits that have been blocked for decades. The work is a breakthrough in the reasons for the failure of all the acts of rejection by the population against the central government.

مقدمة:

مرت على تونس جلّ الحضارات المتوسطية من الفنيقيين و الرومان إلى الإسبان و الاتراك مرورا بالبيزنطيين و العرب وكانت كل حضارة تترك مخلفاتها اللامادية و تترك كذلك أخلاطا من البشر مما شكّل فسيفساء سكانية كانت عامل إثراء حضاري ولكن في الآن نفسه أحدث إنقطاعات عميقة بين المكونات البشرية للمجتمع التونسي، و قد ألقى هذا التنوع بآثاره على مسألة الحركات الإجتماعية إذ بدا السكان أكثر ميلا إلى السكينة من العنف وهذا ما يفسّر غياب الثورات العاتية في تاريخ تونس، فالثورة تندلع عندما  يتجاوز الصراع الرقابة الفوقية و آليات الضبط و الضغط ، فالعنف هو قبل كل شئ أداة سياسية تحافظ من خلالها جماعة ما على هويتها و كينونتها السياسية (1) لذلك تمكنت السلطة المركزية في تونس من فرض سيطرتها على إنحرافات الجماهير من خلال نبذ الإحتجاج بإسم الحرابة و الهمج و قطع الطرق و التكدي والخروج على الملة وهذا ما يفسر ضعف حضور الثورة الفرنسية في الفكر العربي الحديث لعدم الإرتياح للثورة و نتائجها و إفرازاتها (2) .

إن المتمعن في تاريخ تونس في الحقبة الحديثة يرى تواتر الازمات التي عصفت بالبلاد طوال القرن 19 من تعاقب سنوات القحط و المسغبة مما خلق أزمات لدى السلطة و السكان سواء بسواء فالسلطة باتت تجد صعوبات متزايدة في جمع الجباية وتلبية إستحقاقات تصريف الملك أما السكان فقد وقع إعتصارهم في شأنهم المعيشي مما حتّم الصراع بين الجانبين، لكن اللافت أن الغضب الشعبي بقي  محدود الأثر في حيثياته و تداعياته .

كلاستر ( بيار) و غوشيه ( مارسيل) في أصل العنف و الدولة، تعريب و تقديم علي حرب، دار الحداثة، الطبعة الأولى، بيروت 1985، ص 31.

  • جدي ( أحمد) الثورة الفرنسية في الفكر العربي الحديث ، المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية ، العدد 11-12، أكتوبر 1995، ص 221.

I ) فواصل  في البناء السوسيولوجي

  • صراع قبلي مناطقي

إن التبحر في البناء الاجتماعي في تونس يرى أن بونا، حضاريا و معيشيا  ، عميقا يفصل الكيانات السكانية عن بعضها ، فالتكوينية التاريخية للمجتمع التونسي تميزت بتعدد مشاربها وأصولها نتيجة تعدد العناصر الوافدة على البلاد الشئ الذي أحدث خلفيات حضارية ومعيشية متعددة إلى حد التباين ومن ثمة قعد المجتمع في تونس عن تشكيل رؤية موحدة لتطلعاته، فالصراع حمل في بداية العهد الحديث طابعا عرقيا بالإستهداف البربر و الأعراب من قبل الأتراك ولفيفهم فتعرض جبالية وسلات و الحامة و برقة و خمير وغيرهم إلى عقاب السلطة ثم و خلال القرن 19 بدأ المخزن في التعرض للمجموعات العربية العاتية مثل الهمامة و ماجر و بني زيد .

تجسمت أولى الفواصل السكانية إلى تلك الجدلية الخلدونية بين الحضر والمدر و الاختلاف الهيكلي بينهما (1) ، هذا الاختلاف الذي طبع جانب كبير من العلاقات المجتمعية مما جعل البدو يقبعون في هامش الديناميكية التاريخية فتعرضوا إلى العنف الرمزي والحسي مثل الفتاوى الدينية التي تستهدف البدو والأعراب والتي أبانت عن رفض الطائفة الحضرية للنمط المعاشي التقليدي  (2)، هذه الفواصل بين البدو والحضر جعلت البلاد تعرف كونتونات بشرية ضعيفة الاندماج فعند وفود الأتراك إلى تونس لم يجد العربان

لاحظ في هذا الشأن الفصل الثاني من الكتاب الأول في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبايل وما يعرض في ذلك من الأحوال. ابن خلدون ( عبد الرحمان بن محمد) المقدمة ، تحقيق كاترمير عن طبعة باريس سنة 1858، المجلد ألأول مكتبة لبنان بيروت 1996، ص ص 220-238.

  • غراب ( سعد) كتب الفتاوى و قيمتها الإجتماعية : مثال نوازل البرزلي، حوليات الجامعة التونسية، عدد 16، تونس 1978، ص ص 65-102…..كما تناثرت في أغلب مؤلفات إخباريي البلاط العبارات التحقيرية للبدو : أوغاد الجبل جفاة البوادي : ففي 21 ديسمير 1824 فرّ إلى جبل باجة رجل من حوانب الترك إسمه علي بن مصطفى معروف بتونس و إدعى أنه من ذرية علي باشا فإلتفت عليه أوغاد الجبل ، و إنظم إليه من يطلب الرزق بالفتنة و شنوا الغارات و قتلوا من دافع عن ماله. إبن أبي الضياف ( أحمد) إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان، تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية، الدار العربية للكتاب، تونس 2004 ، ج4 ، ص 154.

غضاضة في نصرة الإسبان نضير شروط اشترطوها دون مراعاة روابط الدين والانتماء ،أما البلدي فلا يهتم  بما وراء مدينته و لا يتصل بالبرانية إلا لماما حتى أن الوافد الجديد على تونس عليه أن يتأقلم سريعا سلوكا و لباسا بكيفية تبقي التونسي الأصيل متفوقا نموذجا (1).

انعكست هذه الاختلافات على مسألة مواجهة الاستحقاقات المجتمعية بعد عاد الإنقسام الذي سريعا ما يظهر عند كل حركة رفض ، فعقيدة المغانم و الأسلاب بقيت المحدد للإصطفاف السياسي فقد دفعت الإصلاحات التي باشرها محمد الصادق باي في إثارة الفئات الأرستقراطية  التي رأت أن إمتيازاتها باتت ترتج ورفضت خيارات البايليك في المساواة بينهم و بين العوام ، و هي في الواقع دفاع عن واقع قيمي يفاضل بين سكان المركز و بين سكان الهامش فتنشأ تبعا لذلك معايير للتفوق الإجتماعي قائمة على السلالة و العرق، و من أسباب الضعف في حركة 1864 هي عدم وجود حركة موحدة بين أهل البادية وأهل الحواضر (2)، غني عن البيان أن الإختلاف المطلبي كان صارخا بين عالمي المدينة و البادية، فالبدو كانوا رافضين للعسف الجبائي في حين كانت الفئة الحضرية ترنو إلى تغيير شامل في مؤسسة الحكم كما أن التوجس من بدونة الحركة جعل أغلب الحواضر تنزل صاغرة لحملة أحمد زروق .

لا غرو أن عنف المركز طال في أغلب الأحيان سكان البادية من خلال إتهامهم المتواتر بالفساد و التعرض لهم بالزجر(3) ، لم تنقطع  هذه العلاقة الصدامية بين السلطة والجماعات الأولية طوال القرن 19 مما يشي أنه رغم نجاح البايليك في التنفذ عبر جلّ مجالات الإيالة إلا أن ذلك لم يساهم في إنصهار

(1) خوالدية ( الضاوي) الأسر و الذوات التونسية في القرن 19 من خلال الإتحاف لإبن أبي الضياف، مطبعة دنيا ، الطبعة الثانية، تونس 2008، ص 104.

(2)سلامة ( بيس) إنتفاضة 1864، ص 246.

(3) بن طاهر ( جمال) الفساد و ردعه : الردع المالي و اشكال المقاومة و الصراع بالبلاد التونسية 1705-1840،تقديم محمد الهادي الشريف منشورات كلية الأداب منوبة ، تونس 1995،  ص 108…..كما أن إستهداف المجال القبلي من قبل أعوان السلطة يتجلى من خلال النسبة العالية من المساجين ذوي الأصول القبلية بمنطقة الإعراض ففي سجن برج قابس سنة 1874 نجد أن 79.06 %  من المساجين هم من الريفيين في مقابل 20.93%   . بوزيد ( الأمجد) السجن و المساجين بجهة الأعراض بين 1868 و 1881 من خلال وثائق الأرشيف الوطني، المجلة التاريخية المغربية، سنة 22، عدد 77-78، تونس 1995، ص 19.

الأطراف مع المركز، فالتباين بين البنية التكافلية للقبيلة و بين الطابع القمعي  للسلطة يطيل من أمد الصراع بين الجانبين، فقد لبث الصراع الإجتماعي صراع السهوب و الإلتوءات التضاريسية فالمجالات الصحراوية و الجبلية لبثت من أكثر الإرادات المقاومة ، لذلك كان سكان شعف الجبال و أقاصي الصحراء كانوا الأشد عرضة للعنف المخزني (1) فجبل وسلات الذي طاله عنف البايليك و إنتهى بإخلاء الجبل والإنتقام من سكانه (2)  كان العداء شديدا بين عالمين متباينيين عالم ذو طبيعة تقليدية و عالم أخر ينحو نحو الإرتباط بالمتوسط لذلك كانت البنى الإجتماعية تتغير بتغير التضاريس فالسكن في الجبال غالبا ما يكون موزعا و مشتتا حيث يرغم السكان على العيش منغلقين على أنفسهم فالجبال عالم يظل مقيما على هامش الحضارات التي هي صنيعة المدن و المناطق المنخفضة ( 3).

علاوة على التضاد بين القبيلة و الحواضر و الذي استفاد منه البلاط الحسيني في وأد الحركات الاحتجاجية نتيجة حسن استثماره للإنقطاعات المجتمعية التي حملت كذلك طابع الصراع المجالي بين الساحل و الداخل و الذي ألقى بتداعياته على كل فعل إحتجاجي.

يرتبط هذا الصراع المناطقي بتاريخانية التأثيث العمراني لمنطقة الساحل و التي عرفت خواءا  ديموغرافيا في الفترة الوسيطة و بدايات الفترة الحديثة  نتيجة إستهداف التخوم البحرية بالقرصنة و الرجم المدفعي فخيّر السكان الإستقرار في الفحوص و السهوب المتاخمة مثلما كان الأمر مع الأندلسيين عقب

(1) عدة مجموعات جبلية أصابها الشتات أو التشتيت و يكفي أن نذكر عمدون و برقو وكسرى في الشمال و مجموعات من جبال الحامة ودمّر و الجبل الابيض بالجنوب .المكني ( عبدالواحد) شتات أهل وسلات، دار سحر للنشر ، ص 6.

(2) حسبنا هنا الإشارة إلى أن بعض الرجال من جبل وسلات أصبحوا خدما للباي كما أن العديد من النساء الوسلاتيات مررن إلى ممارسة الخناء بمدينة تونس.            Larguèch ( A) La prostitution….., in marginales en terre d’islam, cères production, Tunis 1992, p p 34-35.

(3) بروديل ( فرناند) المتوسط و العالم المتوسطي ، ترجمة مروان أبي سمرا، دار المنتخب العربي للدراسات، بيروت 1993،  ص 52.

وفودهم من الأندلس (1) ، و قد ذهب البعض إلى أن أهل سوسة هم في الأصل عبيد لأهل القيروان (2) ثم وخلال تقادم العهد الحسيني رام البايات خلق علاقات زبونية مع المركز من خلال تأثيث الساحل بالجماعات الوافدة مثل المماليك و الأتراك و الطرابلسية و الإمتيازات التي غنموها جرّاء تحالفهم مع السلطة و بالتالي إرتقائهم في التراتبية الإجتماعية مع بقاء ذلك العداء الدفين بين الساحل و الداخل، حتى أن الساحل أصبح هدفا لغارات المجموعات القبلية (3) ،  و هذا ما يفسر بقاء الساحل مناصرا لحسين بن علي حتى أثناء انحساره إلى القيروان  ثم تميز هذا المجال إلى بالسكينة و الخضوع دونك في ذلك أن محمد خزندار بقي في قيادة الساحل بين 1839 حتى بداية الاحتلال، ثم كان إحجام سكان الساحل في الإلتحاق بتمرد 1864 و كان فشل الفريق رشيد في إخماد حركة الساحل سببا في عقابه و تزعمه لتمرد محمد العادل باي سنة 1867 (4) ، كما أن فرنسا و أثناء تحضيرها لمشروع احتلال البلاد التونسية كانت تخشى من مقاومة المنطقة الغربية لذلك أعدت إستراتيجية أولية في ست نقاط منها تنظيم قوة عسكرية من قبائل المخزن تحرس المنطقة الممتدة من تبسة إلى قابس و أما بشأن عزم الهمامة على المقاومة فيوصي بمحاصرتهم بالقبائل المعادية مثل بني زيد و الفراشيش و النمامشة (5)، وهو ما يعني أن فرنسا واصلت استثمار الفواصل الموجودة سلفا بين مجالات البلاد.

فبنوا ( الأندلسيين) سليمان وزغوان وطبربة ومجاز الباب و تستور . الخامس ( محمد بيرم ) القطر التونسي في صفوة الاعتبار لمستودع الأمصار و الأقطار ، تحقيق علي الشنوفي و عبدالحفيظ منصور و رياض المرزوقي ، بيت الحكمة ، الطبعة الأولى ، تونس 1989، ص 57….عند تفحصنا للتوزع البشري في مجمل مجالات البلاد نرى انه بين القرنيين 13 و 15 تميز منطقة الساحل بضعف الحضور البشري. راجع في هذا الشأن برونشفايك ( روبار) تاريخ إفريقية في العهد الحفصي من القرن 13 إلى نهاية القرن 15 م ، نقله إلى العربية حمادي الساحلي ، دار الغرب الإسلامي ، الجزء الأول ، الطبعة الاولى ، بيروت 1988.

  • الأندلسي ( محمد بن محمد) المعروف بالوزير السراج، الحلل السندسية في الأخبار التونسية، تحقيق محمد الحبيب هيلة، المكتبة العتيقة، تونس 1970، ص 288.
  • Pélissier (E) Description de la régence de tunis,edition bousslema,tunis 1980 , p 188.
  • التميمي ( عبدا لجليل) أضواء على شخصية العادل باي ، المجلة التاريخية ألمغربية عدد 6، سنة 1976، ص ص 86-87 .
  • عمايرية ( حفناوي) في تشكل الوعي الحديث بالريف التونسي من القبلية إلى الوطنية ، مجلة الحياة الثقافية، السنة 21، العدد 73، مارس 1996، ص 24.

شجعت السلطة الحسينية سياسة الاحتراب الاجتماعي بتجزئة المجاميع السكانية إلى وحدات دنيا غير قابلة للإندماج مما يسهّل على المركز السيطرة على المجتمع و القدرة على إحتواء حركات الرفض لأن الإنقطاعات الاجتماعية تجعل هذه الإحتجاجات مغرقة في المحلية ، كما زاد إنفصال النخبة عن العوام في عدم تشكيل فكر ثوري فالعامة هي من تقوم بالثورات ثم تجد النخبة نفسها مضطرة لمجاراة  الحراك الشعبي.

2) أزمة نخبة ، أزمة قيادة

في أروبا و عكس ما كان سائدا في الشرق فقد أدت الثورات الفكرية إلى تفوّق المثقف على الإكليروس و باتت للنخبة روابط تضامن عضوي مع المجتمع و بالتالي التحوّز على سلطة التأثير أما في الشرق فقد لبث ” العلماء” تابعين للقصر يأتمرون بآوامره و فقدوا بالتالي قدرة القيادة و بقوا متصلين بالبايليك دون سواه.

ما من بد أن البلاط الحسيني تمكن من إحكام مراقبته للمكان و الإنسان ونشر شبكة من التحالفات التي خدمت المركز و ساهمت في تمرير إستراتيجياته و تحقيق استحقاقاته ، و عوّل المركز على الدعم الذي لا يلين الذي لقيه من الزعامات المحلية و لكن عملية التحالف هذه قامت على أساس ما يحتكم إليه هؤلاء الأعوان من القدرة الدفوعية الزبونية و على قوة شوكة العشيرة وغيّبت قوة التأثير التي قد تتمتع بها الزعامات الحليفة في محيطها المحلي مما أفقدها صفة القيادة لإنحيازها الدائم لخيارات السلطة مثل الحديث عن إيجابيات الطاغية (1) مما جعل الحركات الاجتماعية غير قابلة للترشيد و الهيكلة نتيجة غياب أفكار توجّه سلوك العامة.

منذ بداية العهد الحسيني خلق البايات لفيفا من الأعوان و بذلك إستقطبت السلطة جلّ مراكز النفوذ

إمام ( عبدالفتاح إمام) الطاغية دراسة فلسفية لصور من الإستبداد ، مجلة عالم المعرفة، سلسلة ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب بالكويت، مارس 1994، ص 7.

مواطن القوة في المجتمع من عيون القبائل إلى ممثلي الإسلام الرسمي و الشعبي إلى الوجاهات الحضرية وبذلك أمست النخبة رافدا من روافد الحكم المركزي و فقدت تبعا لذلك إستقلاليتها التي تتيح لها المصداقية تجاه السكان.

مثّلت النخبة الدائرة الثانية حول الباي (1) فوجد البلاط الحسيني وفرة في القائمين بأمرها من البيروقراطية – الإدارية المركزية و المحلية – و الأوليقارشية العسكرية و الماركنتية القبلية و الحضرية وكانت كل الفئات تسعى للمحافظة على رفقة السلطان من خلال تلبية إحتياجاته المالية و محاصرة مواطن الإحتجاج  فكان إنتخابهم من قبل البلاط الحسيني بمثابة إلغاء لأوجه الإختلاف التي قد تنبثق من الفئات الخاصة  و بالتالي إندمجت في تبرير خيارات السلطة فوجدت إختلافات هيكلية بين العامة و الخاصة سواء في المعيش اليومي أو في الإهتمامات الفكرية (2) إذ أن النخبة التونسية لم تختلف عن العامة إذ ان السلطة هي من تقوم بإصطفاء أعوانها من بين العناصر القادرة على خدمته في حين وقع إستهداف العناصر التي لم تستقم طاعتها للمركز بالتهميش و التفقير مثلما كان الامر مع أعيان الوسالتية عقب ثورتي علي باشا مثل بلحسن الوسلاتي  و مصطفى بن متيشة و بعد ذلك مر الوسالتية إلى الخضوع بعد أن عجز الجبل عم تشكيل قيادات من رحمه بعد أن تم إستهدافها من قبل البايليك، أما عمر بن مبروك خليفة المنستير الذي ولئن لم يجاهر بالعصيان سنة 1864 فإن سلوكه السياسي إتسم بالإزدواجية و التلاعب و التردد (3) .

(1)Chater ( Khalifa) introduction à l’étude de l’establissement tunisien ; l’état makhzen husseinite et ses mutations , in cahiers de la méditerranée , N 49, 1994, p 7.

(2) لاحظ في هذا الشأن الثراء الفاحش الذي يعيشه خيرالدين في زمن إشتدت فيه الأزمة على السكان مما يعني أنه كان منفصلا عن الواقع الشعبي . فان كريكن ( جيرار سيباستيان) خيرالدين و البلاد التونسية  ، ص 179.

(3) في الحقيقة لا تمثل هذه الفئات وحدات إجتماعية متجانسة بل كانت تشقها خلافات و تناقضات عديدة غير أنها تشترك في إتباعها لسلوك إحتجاجي متفاوت الأهمية ومتعدد الأغراض و الدلالات. التايب ( المنصف) النخب و الحرب : دراسة في التراتب الإجتماعي و الإحتجاج السياسي في الساحل التونسي أثناء أزمة 1864، من مؤلف جماعي من البيزاكيوم إلى الساحل ، ص 85.in du bysacuim au sahel : itinéraire d’une région tunisienne, réunis par m’rabet A , université du centre du faculté des lettres et du sciences humaines de Sousse, édition l’or du temps , Tunis 1999.

كان مثار تردد النخبة الساحلية أنها وقعت بين سطوة السلطة و بين ضغط المحتجين و محلة أحمد الماشطة و الدهماني البوجي و قد وجدت الفئة الخاصة نفسها مجبرة على مهادنة المحتجين بعد أن عصفت الإصلاحات المتبعة ببعض إمتيازات  منذ إعلان الإعانة سنة 1856 عهد الأمان في السنة الموالية و معلوم أن العناصر الأرستقراطية عندما ترى ان وجودها مهدد و أن مصالحها لم تعد متطابقة مع مصالح الدولة فتسارع إلى مهاجمة الثقافة الجديدة مهاجمة منهجية مركزة (1) ، و هذا  ما يعني أن ما يستثير النخبة ليس المطالب الجماهيرية بقدر ما تدافع عن مصالحها التي إرتجّت نتيجة الإصلاحات التي أصابت تقليدية الإقتصاد المحلي و جعلته بيد الوسطاء و التجار الأجانب مما جعل نخبة المال  تعارض كل فعل إحتجاجي من شأنه أن يغير الوضع القائم لأن ذلك من شأنه أن يطيح بإمتيازاتهم،و هذا ما قد يفسر سيطرة فئة ” العلماء ” على النسبة العامة من أعوان السلطة (2).

كانت هذه النخبة تسعى لإعادة إنتاج نفسها في كل مرة ، و أمام تواطئ لفيف الماركنتية هرع البلاط إلى وازع الشعيرة الرمزية فقد لعبت الطريقة الرحمانية دورا محوريا في وأد تمرد 1864 من خلال الطريقة الرحمانية و خاصة علي بن عيسى بالكاف و مصطفى بن عزوز بنفطة دونك في ذلك أن إسماعيل صاحب

الطابع و علي بن غذاهم إلتقيا في زاوية عين الصابون في جويلية 1864 في طور سعي السلطة لإمتصاص الغضب الشعبي و محاولة تحييد الزعامات المحلية، أما أثناء حركة العادل باي سنة 1867 فسريعا ما خمدت بمجرد القبض على الفريق رشيد في جبال خمير  و هوما يعني أن النخبة كانت عاجزة عن

العروي ( عبدالله) ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية ، بيروت 1992، ص 157.

(2) حفيظ ( عبدالوهاب) صورة للحراك الإجتماعي و السياسي : حالة تونس خلال العهد الحسيني، مجلة الوحدة ، السنة الخامسة، العدد 57، تونس 1989، ص 38.

قيادة الفئات الغاضبة و عدم الذهاب بالإنتفاض إلى أقصاه .  و لا أدل على إغتراب النخبة عن حاضنتها الإجتماعية أن العامة كانت تبادر عند كل إنتفاض بمهاجمة الأعيان لأنها كانت تراهم جيبا وظيفيا و إمتدادا للقصر، ففي سنة 1833 غضب أهل القيروان من إقتحام الوزير شاكير صاحب الطابع من إقتحام مقام أبي زمعة البلوي و أجبروا الأعيان تحت وطأة السلاح على موافقة فعلهم ” و هكذا تداس السباع بأيدي الضباع ” (1) أما سنة 1864 تعرضت عائلة السهيلي للنهب و هي من العائلات المخزنية في جهة تالة (2) ،و قد أثبت ذلك أن النخبة كانت تعارض كل فعل إحتجاجي و قد إنعكس ذلك في خطاب كتاب البلاط الذين ربطوا الإحتجاج بالحرابة و الفساد و أن القائمين عليها هم من السفهاء و الأحداث ( 3) ، و بذلك وقع تغيب مصطلح الثورة من قبل نخبة القلم و إعتبار كل تحرك يستهدف السلطة بمثابة فعل محدود الأثر .

أدى إنفصال النخبة عن القاعدة السكانية إلى إفتقار المجتمع إلى من يحمل آلامه  إذ إقتصر دور الفئة العالمة على تمويه الإنهيار فرغم الأزمة الخانقة التي عرفتها البلاد التونسية خلال القرن 19 لم تخلف المصادر الأدبية صورة لهذه الأزمة فإبن أبي الضياف أشار إليها لكن ذلك لم يخلو من الموقف الرسمي كما أن الشاعر قبادو عارض ثورة 1864 و برر عمليات التنكيل التي تعرض لها السكان ( 4) قكان هم الدائرين في فلك البلاط هو إيجاد المشروعية لفعل المركز و تسويغ سياساته مهما كانت جائرة.

(II   الآفاق و المركز و الثورة

  • دولة الأعيان و فاعلية الامتيازات

بن الخوجة ( محمد) صفحات من تاريخ تونس ، تقديم و تحقيق حمادي الساحلي و الجيلاني بن الحاج يحي ، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى ، بيروت 1986، ص 68.

  • Cherif ( MH) Les mouvements paysans dans la Tunisie au 19 eme siècle , in revue de l’occident musulman et de la méditerranée, N 30, 1980, p 24.
  • إبن أبي الضياف ( أحمد) إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان ، تحقيق لجنة من وزارة الشؤون الثقافية ، ج 5، ص 168.
  • Ammaimia (Hafnaoui) Doléance et résistance dans le chant populaire dans la région de Gafsa 1860-1885, in revue du monde musulman et de la méditerranée, N 51, 1989, p 127.

قامت الدولة الحديثة على فعالية أجهزة القمع و ضرورة وجود فئات من رحم المجتمع تبرر السطو وتشرّع لإنحرافات الحاكم و في الآن نفسه يقدم لها الحاكم مزايا التجلة و الزعامة فتنشأ بذلك دولة الطبقة الغالبة التي تجتهد للمحافظة على إمتيازاتها من خلال دعم السلطة القائمة و الحمل على الاخطار التي قد تنشأ من غضب الفئات الإجتماعية الدنيا.

خلال القرن 18 إنحدرت فئة الأعيان أساسا من العنصر الحضري و خاصة من الفئات الدخيلة و مع إنحسار وفود هذه العناصر و ترسخ السلطة الحسينية بدأت في الإستعانة بالرموز المحلية لأجل مراقبة الديموغرافيا القبلية ، فمنذ القرن 18 ظهر بعض الأعيان من المناطق المخزنية و قاموا بدور الوساطة و إحتلوا مكان البلدي (1) ، و إختار المركز العناصر الأكثر مالا و شوكة داخل العشيرة حتى يستجيبوا للمطالب الجبائية للبايليك أما الأعيان الحضريين فقد إختصوا بتقديم الخدمات الإدارية في الجهاز السياسي للدولة كما إضطلعوا بتأمين الوجود المركزي في المدن ، وعند بداية توسع المركز في الأطراف كانت الحاجة أمسّ إلى الزعامات القبلية ،كما أن البدوي كان أكثر إنفتاحا و قابلية لتنفيذ أجندات السياسي عكس الحضري الذي كان سريعا ما ينكفأ على نفسه (2)  .

عملت الدولة الوطنية في تونس على المركزة الشديدة للسلطة سواء في بعدها المجالي أو في القائمين عليها الشئ الذي خلق لفيفا مستأثرا بالحكم في حين قام غالبية السكان بأعباء الملك دون المشاركة فيه و تمت تقوية السلطة بكوكبة من النسيج الإجتماعي فالتشديد على ضرورة تقوية الدولة بإستمرار دليل على انها

Chater ( Khalifa) les élites du pouvoir et de l’argent : le cas de la Tunisie aux 19-20 eme siècle, in cahiers de la méditerranée , N 46-47, 1993, p 158.

البلدي كان محافظا ومتمسكا بالتعليم التقليدي إصطدم بالتغيرات و الحداثة مع الاستعمار  فانكفأ على نفسه. Chérif  E) Mémoire d’un beldi , Cérès production , Tunis 1990, 32.)

ضعيفة بإستمرار (1) فالبلاط الحسيني كان يمثل بشكل أو بآخر تتويج للعنصر التركي و الكورغلي و قد وجد البايليك فئة مخزنية قدمت له الدعم الكفيل ببقائه، فقد تم سنّ مؤسسة القبائل الديوان كمفاضلة بين القبائل المخزنية و تم إستقطاب المجموعات العتيدة القادرة على تأمين السابلة و فرض الطاعة مثل عروش جلاص،  فاثناء ثورة علي باشا سنة 1728 بعث الباي حسين الحوانب إلى  جلاص و أولاد عون و الكعوب و القوازين ومن هم قريب من جبل وسلات فأقبلوا عليه طامعون فيما لديه وخاطب جلاص أنتم أحبابنا ومنّا و إلينا و عرش جلاص فهم عندي أعز الناس و غيرهم كراع وهم شعاري و غيرهم دثاري و أمر لهم بالكسوة الكاملة و فرّق عليهم الدراهم الوافية (2) ،  و هذا ما يعني أن الأعيان المحليين إضطلعوا بدور الستار الحاجب لكل انفلات فالمشايخ قاموا بمنع علي باشا من تشكيل قوة حليفة و بالتالي وأد الثورة في الجبل في مقابل تمتعهم بامتيازات مالية من الباي المنافح عن سلطته، و سنة 1795 بادر الكاهية رجب بونمرة إلى تدعيم مكانته لدى حمودة باشا من خلال القبض على حامد بن شريفة الذي إعصوصب بأولاد الفرجاني من أولاد مساهل بعد أن تغافل الباي في البداية عن هذا الإحتجاج و لما وقف بين يدي الباي قال له ” يا سيدي عريبي من أجلاف البادية جنّ و أتى به سعدك ” (3) ، و هذا ما يعني أن معارضة السلطة المركزية من قبل الأعراب يعدّ جنونا و خروجا عن الملة و هذا ما يفسّر معاقبة الباي لهذا العرش ببيلكة أملاكهم و إخلائهم إلى نواحي القيروان والحاضرة.

خلال القرن 20 برزت ظاهرة ” الصعاليك الثوار ” كإنعكاس لسيطرة الأعيان على الثروة القبلية مما أفرز وجود فئات غاضبة على توزيع الثروة و الإجحاف الضريبي الممارس بحق الفئات الدنيا العشوائية ،

(1)العروي ( عبدالله) مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الرابعة، بيروت 1988، ص 145.

  • بن يوسف ( محمد الصغير ) المشرع الملكي في سلطنة أولاد علي تركي ، تقديم و تحقيق أحمد الطويلي ، المجلد الأول ،المطبعة العصرية ، الطبعة الأولى تونس 1998، ص ص 78-79.
  • الإتحاف، نفس المصدر، ج 4، ص 31.

و قد بادر من له دين عند الأعوان أومن رفض خدمة الدولة سواء فرّ من الجندية أو إمتنع عن التزميل بإستهداف السلطة الممثلة في رموزها المحلية  في إشارة إلى غضبهم من المنظومة السياسية و خياراتها الإقتصادية التي منعت تراكم الثروة لدى المجتمع الأهلي  و ثار المهمشون كذلك على التراتب الإجتماعي الذي كرّسه المخزن من ذلك الامتيازات الجبائية التي تحصل عليها الأعيان و التي كانت تعتصر من الفئات العشوائية وتزيد من القطيعة بين الرأس السياسي و القاع الاجتماعي نتيجة المشاريع المفروضة على العروش (1) . هذا الأمر تواصل حتى في الطور المعاصر من تاريخ البلاد التونسية ( 2)  وهذا يشي أن فئة الأعيان تمكنت من ترسيخ وجودها الأمر الذي جعلها تعايش مختلف المنظومات السياسية المتعاقبة على البلاد التونسية ، دونك في ذلك أن سيطرة أهل الساحل على المجتمع بعد الإستقلال هي إعادة لسيطرة البلدية في الفترة السابقة (3) .

من الخيارات الإقتصادية التي ساهمت في تعميق الهوة بين العامة و الأعيان هي عمليات القطيعة التي أدخلتها الدولة أو الفاعلون الإجتماعيون بخوصصة الملكية و إلغاء نظام الخماسة و التنظيم التعاقدي و خلق الفلاح الجديد المتخرج من المدرسة و الإدارة كان مصيرها الفشل لأن هذا المشروع لم يستخرج طاقته من تقاليد المجموعة المعنية لأن السلطة إعتبرت العروش مجرد عجينة رخوة . حافظ ( ستهم) ملاحظات حول نموذج التنمية الفلاحية في تونس منذ الإستقلال، in Actes du colloque organisé en avril 1993, les transformations actuelles de la société humaine et sociale de Tunis, Tunis 1996, p 23.

  • حافظ بورقيبة على الأعيان الذي خدموا الإستعمار و واصل الإتكال عليهم مما جعل ” الدولة الوطنية ” تواصلا طبيعيا لما سبقها من الفترات: في خطاب السند في 10 جانفي 1956 قام بورقيبة بتثمين دور عروش الهمامة و طالب بعدم محاسبة ممثلي الدولة كالعامل و الخليفة والشيخ الذين كانوا أعوان الإستعمار و بقوا في مناصبهم. بورقيبة ( الحبيب) خطب، نشريات وزارة الإعلام ، المطبعة الرسمية ، ج1، تونس 1981، ص 226.
  • Chter ( khalifa) Les notables citadins en Tunisie au cours de l’ère colonial : le concept du beldi et ses mutations , in cahiers de la méditerranée , N 45, 1992, actes des colloques : bourgeoisies et notables dans le monde arabe 19 eme et 20 eme siècle , mai 1990et mai 1991, p 118

تماثلت  علاقات الأنتلجنسيا بالسلطة في شأن دورها السياسي و الحضاري ، هذه الأنتلجنسيا التي إعتمدت على تصورات أعادت إنتاج نفسها في كل مرة و الذي يبرر السلوك الإيذائي من قبل المخزن الذي ينكر قيمة الإختلاف نتيجة تباين التكوينية السكانية الممزقة في إرتباطاتها بين بلوتوقراطية أعوان السلطة وتشاركية العنصر المحلي، هذا التضاد كان المحفّز للحركات الإحتجاجية  فيقوم الأعيان بنشر التعمية وتمويه الإنهيار  بالإيهام بالتقدم في واقع التقهقر حتى يقع منع الدفق البشري عن بوادر الرفض إما بتأثيم الثورة أو محاصرتها و الإجهاز عليها و هنا يظهر الدور الردعي لأعوان السلطة.

  • نجاعة آليات الضبط و الضغط :

تمكن البلاط الحسيني من ربط شبكة من التحالفات التي سمحت له بمواجهة الحركات العاتية فقد تراوحت سياسة البلاط الحسيني بين إستراتيجية الزجر و التنفذ الناعم من خلال تفتيت المجال إلى وحدات دنيا و إشهار العقاب و تنضيد الموراد وفق درجة الولاء  .

عمل البايليك على تفتيت المجال والعباد عموديا و أفقيا بتقسيم السكان إلى فضاءات إدارية ضيقة ، فقد ساهم الأتراك في التأثيث العمراني لمنطقة الساحل و لم تعرف السباسب نفس القدر من الإهتمام (1) ، كما أن المتمعن لخريطة التوزع القبلي في تونس يرى أن الكثافة البشرية تتركز في الدوائر الجغرافية المحيطة بالقصر ثم تبدأ في الضعف كلما توغلنا في دواخل البلاد مما يعني أن حزاما آمنا من البشر وقع تركيزه حول مركز الحكم لأن تجزئة المجال تجعل من اليسير على السلطة مراقبته ، أما في الدواخل فقد إقتصرت السلطة على تدعيم العروش القوية ففي جهة الفراشيش تحالف المركزمع أولاد وزاز  بينما همّشت بقية العروش ، و إلى جانب سياسة التفتيت الإداري فقد إنتهج البلاط الحسيني  التجزئة الديموغرافية بتشجيع التناحر بين العروش مثل إستثمار  الخلافات المستمرة بين أولاد وزاز  من جهة و اولاد علي و أولاد ناجي من جهة

 

(1) Fougères (M) Une belle histoire humaine : Nomadisme et vie sédentaire en Tunisie orientale, in Annales d’histoire sociales, 3 eme année, N 3-4, 1941, p 164.

أخرى (1)، أما في جهة الجريد فقد خيّرت السلطة القيام بتحالفات تقليدية مع توزر و الحامة و كريز  و في الآن نفسه إستهداف نفطة و دقاش و سدادة ، الأمر الذي يسهّل على حكام المركز خضد شوكة النافرين عن سلطتهم نظرا لإنقسامهم على أنفسهم لتعدد أصول السكان (2).

أدى تدخل السياسي في الإجتماعي إلى إختراق البنية القبلية و ضرب الحياة البدوية ، فأصبحت الحياة البدوية مهددة بأن تصبح يتيمة بين عالمين بين ماضيها و عدم توفر آليات العيش السابق و ما يجب أن تصبح عليه و عدم الإستعداد لهذا التحول (3)، و لأجل فرض هذه التحولات الرامية إلى بسط الطاعة فسلك البلاط الحسيني سياسة عنيفة تجاه الأهالي و الذي نجد صداه لدى شاعر مجهول :

  •  طلبني سيدي الكاهية عشرة ريالات
  • دية ذمي مات ما عندكش ملصة
  • أعطيتو خمسة و البقية معروضات
  • ناقة و عشرة أنعاج منهم وحدة بقصة
  • بعثلي الشيخ صبايحي زاد قالي هات
  • أنت عاصي إنقلعك زي عرق الزرصة
  • وريالات الكاهية و يوميات

عرفت منطقة الفراشيش صراعا بين اولاد وزاز من جهة و أولاد ناجي و أولاد علي من جهة أخرى، فأولاد وزاز بها 9 فرق و 71 فخذ أما أولاد علي فبها 9 فرق و 39 فخذ اما أولاد ناجي فبها 5 فرق و 38 فخذ ، و في أولاد علي 21.25 ماشية : 12 ماشية للحاج قعيد بن سالم ومصطفى بن قضوم و صالح بن مراد و سليمان بن أحمد أي ما يعادل 56.37 من المجموع و البقية بأيدي كل عرش أولاد علي.الجدي ( أحمد) المجتمع و السلطة في تونس القرن التاسع عشر : الفراشيش 1861-1811، المجلة التاريخية المغربية، عدد 71-72، ص ص 367-371.

  • عيسى ( لطفي) الزاوية و المخزن ببلاد الجريد مقاربة لعلاقة الدولة بالأنساق الموازية لها، مجلة إيبلا، السنة 59، العدد 178،تونس 1996، ص 42.
  • Louis ( André) Nomades d’hier et nomades d’aujourd’hui dans le sud tunisien , collection mondes méditerranées dirigée par Bernard kayser, ouvrage publiée avec le concours du CNRS, edisud, Aix-en-Provence 1979, p 17.

إدفع و إلا موت يا عربي بالحمصة (1) .

لقد أطلقت السلطة أيدي أعوانها لإنزال العقاب بكل المجموعات العاتية مثل حملة زروق في منطقة الساحل رغم أن هذا المجال عرف بروابطه التليدة مع المخزن ثم إستهداف خيرالدين للهمامة تلك القبيلة الديوان مما يشي أن البايليك بات يحاصر الإحتجاج داخل فضائه الضيق و أن رافعات الحكم تمكنت من ترسيخ المضاد الحيوي للرفض.

لا محيص من الإقرار  بنجاح السلطة في تأمين وجودها و إستحقاقها  من خلال تشجيع الإنقسامات داخل القبيلة الواحدة بتدعيم عرش ضد عرش أخر مثلما حصل مع الهمامة إذ بادرت السلطة إلى التحالف مع أولاد عزيز ضد بقية العروش بتشجيع هذا العرش على ممارسة الإغارة ضد خصوم السلطة ثم ومع رغبة السلطة في النصف الثاني من القرن 19 في القطع مع المنظومة البدوية التي باتت لا تنسجم مع الإقتصاد المتوسطي و لا مع الإمبريالية الأروبية التي وجدت إمتدادتها في داخل البلاد (2) مما يعني أن فرنسا كانت ترمي إلى إعدام كل مظاهر المقاومة حتى لا تجد لأيا اثناء تنفيذ مشروعها و لا أدل على ذلك ما وقع سنة 1862 من تدخل فرقة من الجيش الفرنسي بإذن من الباي لإنزال العقاب ببعض مجموعات جبل خمير و هو ما يعني أن الشأن التونسي لم يعد تونسيا صرفا فالحركة الإحتجاجية التي حدثت سنة 1864 كانت في جانب منها نتيجة للصراع الفرنسي الأنقليزي و الذي إنعكس في تدخل القنصليين دي بوفال و وود في الأحداث الجارية و توجيه الحركة الشعبية وفق مصلحة هذه القوى الغربية.

خوالدية ( الضاوي) الهمامة أولاد بويحي في القرن 19 من خلال مكاتيب القياد، دت، ص 40.

  • أثناء الإحتلال الفرنسي لتونس ندد الأهالي بدريد التي إنصاعت لطلب الباي في ملازمة الصمت أمام الغزو الأجنبي بل لم يتوانوا عن تقديم الذبائح ” أكباش فحول” للجيش الفرنسي.  عمايرية ( حفناوي) في تشكل الوعي الحديث بالريف التونسي من القبلية إلى الوطنية ، مجلة الحياة الثقافية، السنة 21، العدد 73، مارس 1996، ص 24.

خاتمة:

لبثت الثورة – بما هي تعبيرة عن أوهام الفقراء و أحلام المهمشين في التخلص من الظلم   – من المفاهيم المربكة الخاضعة للأحكام البعدية ذلك أن موجة الإحتفاء بالتاريخ المحلي جعل الأحداث تعرف زخما بعديا  فقد تماثلت أغلب الحركات في أسبابها و نوابضها و كذا حيثياتها و إختلفت إستراتيجيات السلطة في التعاطي مع الإحتجاج من المطاولة و التعويل على الفواصل السكانية من خلال إذكاء الإحتراب الإجتماعي و تنضيد الموارد وفق الولاء هذه العوامل كانت كثيرا ما تحول دون إصطفاف المحتجين وراء تطلعات مشتركة دون أن نغفل قوة اللجم التي إحتكمت عليها السلطة المركزية بتسخير الرافعات المادية كالمحلة والرمزية كالدين ، فوسائط السلطة نجحت في ضبط الطاعة لمركز الحكم .

لا مندوحة أن الدين لعب دور الستار الحاجب لكل حركة عنفية بعد أن ندب عدم الخروج عن الحاكم في منزلة الإثم ، لقد تضافرت جملة من العوامل التي جعلت الثورة من قيمة متعارضة مع التكوينية  السوسيولوجية في أبعادها القيمية و الحضارية ، فالمجتمع يحمل في رحمه بذور فشل سعيه للتغيير نتيجة تعارض مرجعيات وتطلعات الفئات السكانية التي تمايزت سيكولوجيتها العنفية تجاه السلطة، فأغلب الحركات كانت وليدة الإعتصار الجبائي و بالتالي إرتباط الرفض بالمعيش اليومي دون فتح أفق للتغيير الكلي  و كانت السلطة  تراهن على قوة المخلب و الشوكة لوأد الإرادات المناوئة.

إن المتمعن في تاريخانية الرفض في تونس في الفترة الحديثة يرى أنها تميزت بالتواتر و الضعف في الأن نفسه فالسلطة في تونس كانت مترهلة و لم تجدد عقيدتها السياسية لذلك عرفت البلاد حركات إحتجاج تفاوتت مطلبيتها و نسق إتساعها لكن  غياب تصورات فكرية تقوم عليها هذه الحركات جعلها تراوح مكانها، فالثورة في عمومها كانت على الدوام توقا للتخلص من الواقع لكن غياب القدرة على التعبئة و التجدد أعوزتها الديناميكية الذاتية لمواجهة السلطة.

تحريرا في 19-8-2017

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى