fbpx
الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

أمن الطاقة في الإدراك الاستراتيجي الصيني

اعداد: د. سليـم كاطـع علـي

رئيس قسم دراسات الازمات – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ــــ جامعة بغداد

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ان سعي دول العالم لا سيما القوى الصناعية الكبرى للحصول على المواد الاولية يُعد هدفاً مهماً بالنسبة لها, إذ ان حيوية هذه المادة ( النفط ), وعدم القدرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي قد جعل الحصول عليها غالباً ما يصبح هدفا ملحاً من اهداف السياسة الخارجية للدول.

ومما زاد من اهمية النفط هو فشل المحاولات العديدة التي جرت وما زالت جارية من قبل الدول الصناعية, لتوفير طاقة بديلة للنفط كالطاقة الشمسية والطاقة النووية, وذلك لإرتفاع سعر تكلفة هذه البدائل, وعدم جاهزيتها لتغطية كل الاستعمالات التي يوفرها النفط.

وفي ضوء ذلك، فإن أهمية النفط لا تقتصر على كونه سلعة اقتصادية مهمة، إنما تتجاوز ذلك ليصبح ذا أهمية إستراتيجية من وجهة نظر القوى الفاعلة في النظام الدولي، وفي مقدمتها الصين، لأنه يمثل شريان الحياة الأساس للاقتصاديات العالمية المتقدمة. فالأولوية الممنوحة للاعتبارات الاقتصادية، والطلب المتزايد على السلع والخدمات، فضلاً عن تزايد الطلب على مصادر الطاقة، وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في المناطق التي تضم مخزونات كبيرة من الموارد الطبيعية، يؤكد أن التنافس على موارد الطاقة سيكون السمة المميزة للبيئة الإقليمية والدولية، ولذلك أولت الصين هذه المسألة أهمية كبيرة في مضمون أجندتها الاقتصادية للقرن الحادي والعشرين.

إذ تشير المعلومات المتوفرة بأنه في الوقت الذي وصل فيه الاستهلاك العالمي من النفط في عام 2008 إلى نحو (68،1) مليون برميل يومياً، فانه من المتوقع أن يرتفع إلى نحو (119،6) مليون برميل يومياً في عام 2020، ويرجح أن يرتفع حجم الاستهلاك إلى أكثر من (120) مليون برميل يومياً في عام 2025.

كما يشير التقرير الصادر عن وكالة الطاقة الدولية عام 1998, إلى أن العالم يمكن أن يواجه بحلول عام 2020 عجزاً يقدر بـ (19) مليون برميل في اليوم, وفي ضوء الندرة المتزايدة للإمدادات النفطية, لا يتوقع أن ترتفع القدرة الإنتاجية خلال المستقبل المنظور إلا في عدد محدود من الدول، تأتي دول الخليج العربي في مقدمتها. ويشير التقرير كذلك إلى أن الطلب العالمي على النفط سوف يستمر في الزيادة , لاسيما بعد تزايد الطلب الآسيوي على الطاقة استجابة للنمو الاقتصادي التي تشهده دول جنوب شرق آسيا, فالصين التي أصبحت منذ عام 1993 بلداً مستورداً للنفط، تشكل نسبة (9%) من الاستهلاك العالمي. أما اليابان فتعتمد على منطقة الخليج العربي في توفير (78%) من احتياجاتها من الطاقة, كما أن دول شرق آسيا الأخرى تعتمد على نفط الخليج بنسبة (59%) من استيراداتها من النفط.

إذ تشير بعض الاحصائيات بان احتياطيات النفط المثبتة لدى الصين،  بلغت في عام 2005 نحو (16) مليار برميل، وبنسبة تقدر بنحو (1،30%) من الاحتياطي العالمي، في حين بلغت احتياطياتها من الغاز الطبيعي نحو (2،35) تريليون متر مكعب، وبنسبة تقدر بنحو ( 1،31%) من حجم الاحتياطي العالمي.

وعليه فإن ضخامة حجم الاقتصاد الصيني، جعلها تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها أكبر دولة مستهلكة للنفط على الصعيد العالمي، ففي ضوء ما حققه الاقتصاد الصيني من معدلات نمو مرتفعة وصلت إلى نحو (9%) سنوياً، وفي ضوء تزايد حجم الاستهلاك الخاص بموارد الطاقة ولاسيما النفط ، وتزايد حجم السكان فيها والذي وصل إلى نحو (1,393,800,000) في عام 2014 ، فقد اتجهت الصين إلى زيادة معدلات الاستهلاك اليومي من النفط لتلبية الطلب المتزايد عليه، إذ بلغ حجم الاستهلاك الصيني من النفط في عام 2007 نحو (7،855) مليون برميل، وهو ما يشكل نسبة (9,3%) من إجمالي الاستهلاك النفطي العالمي.

كما تشير بعض التقارير بان الطلب الصيني على النفط سيستمر في الزيادة مع استمرار معدلات النمو العالية الحالية، إذ من المتوقع أن يصل إلى نحو (12) مليون برميل يومياً في عام 2020 والى (15) مليون برميل يومياً في عام 2030، مقارنة بنحو (10) مليون برميل يومياً في عام 2015.

فالصين التي جاءت من الصفوف الخلفية للاقتصاد العالمي، أصبحت واحدة من القوى الاقتصادية الواعدة، ليس من زاوية حجم اقتصادها فحسب، ولكن من زاوية فعاليته على الصعيد الدولي، من خلال دوره العالمي في مجالات التجارة والاستثمار، كما أن اقتصاد هذه الدولة يتجه لأن يصبح اقتصاداً صناعياً متقدماً، ومن المنطقي أن تعمل الصين على صياغة علاقات ذات أبعاد مختلفة مع الدول التي تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط، سيما وأن الصين أصبحت مستورداً كبيراً للنفط، وفي ضوء محدودية احتياطاتها النفطية، وضخامة حجم استهلاكها.

وقد دفع التطور والنمو الاقتصادي السريع الذي تشهده الصين خلال السنوات الأخيرة إلى البحث عن مصادر وإمدادات البترول والمواد الخام، وهذا ما انعكس بشكل واضح على التوجه الصيني تجاه منطقة الخليج العربي، إذ أن معدلات النمو المرتفعة في الصين دفعتها إلى ضرورة السعي نحو تأمين احتياجاتها من الطاقة (النفط والغاز) لتحقيق أمن الطاقة، لا سيما إذا ما علمنا بان الطلب الصيني على الطاقة اخذ بالازدياد، وأصبحت منذ عام 2004 ثاني اكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

لذلك تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن ما نسبته (70%) من واردات النفط الصينية سيأتي من الشرق الأوسط بحلول عام 2020، وتحديداً من منطقة الخليج العربي، وتحتل المملكة العربية السعودية المركز الأول في قائمة الدول المصدرة للصين بنسبة (21%)، ثم إيران في المرتبة الثانية بنسبة (16%) من حجم الواردات الصينية من النفط. ومن المتوقع أن يصل اعتماد الصين على نفط منطقة الخليج العربي إلى نحو (90%) من حاجة الصين بحلول عام 2020.

ولا شك أن إستراتيجية الصين التوجه نحو الخارج تعكس إحساس الصين بالضعف والهشاشة فيما يتعلق بإمكانية الوصول الموثوق إلى إمدادات الطاقة، وهو ما يفسر تدخل الدولة ودعمها المباشر في مجال تأمين إمدادات النفط، ولعل من أسباب ذلك:

أ. نظرا لانعدام الثقة الذي يسود أسواق الطاقة العالمية، والمنافسة القوية من قبل الشركات النفطية العالمية، ولا سيما الغربية، فإن الصين ترى انه ليس بالإمكان الاعتماد على السوق وحدها للحصول على إمدادات النفط ولا سيما أن إمدادات الطاقة تبدو معرضة لخطر الانقطاع بفعل عوامل عدم الاستقرار، وعليه فهناك قناعة صينية بان أفضل طريقة لضمان الحصول على إمدادات النفط هو التحكم الفعلي بتلك المصادر من المنتجين الرئيسين مباشرة والتوصل إلى اتفاقيات تعاون مع الدول التي للصين حصص فيها.

ب. خشية الصين من سعي الولايات المتحدة الأمريكية لفرض نفوذها القوي على أسعار النفط العالمي وتدفقاته بفعل هيمنتها الإستراتيجية على منطقة الخليج العربي، وسيطرتها البحرية على ممرات نقل الطاقة البحرية الحساسة، وهو ما يعني الضغط على الصين واستغلال ضعفها في مجال الطاقة.

ج. رؤية الصين بأنها خاضعة لهيمنة شركات النفط الضخمة والمتطورة تقنياً التي تنظر إليها على أنها تسهم في الدفاع عن المصالح الغربية، مستغلة ضعف القطاع النفطي الصيني.

وفي ضوء ما تقدم، فقد أصبحت نظرة الصين المعاصرة إلى أي منطقة من مناطق الطاقة الحيوية ولا سيما النفط تقوم وفق استراتيجية تعتمد على:

  1. التعامل مع المنطقة على أساس رؤية إستراتيجية صينية ذاتية، وليس نتيجة رد فعل على سياسات دول أخرى.
  2. التعامل مع المنطقة على أساس إنها تمثل:
  • مصدراً للطاقة.
  • سوقاً تجارية.
  • توظيفاً استراتيجياً لتنافس دولي أوسع.

ومما عزز من تلك الرؤية ان مفهوم أمن الطاقة اصبحأحد المفاهيم الأمنية التي بدأت تتشكل وتأخذ مكانها ضمن العديد من المتغيرات والمفاهيم التي تلت حقبة مابعد الحرب الباردة،إذ من خلال ملاحظة الصراعات الدولية الراهنة نجد أنأمن الطاقة أضحىشأنه شأن العديد من المحددات التقليدية الأخرى مثل الحفاظ على مكانة الدولة والتوسع وتأمين الحدود لا سيما بالنسبة للدول الكبرى.

وهكذا يتضح أن ضمان الوصول إلى مصادر الطاقة يُعد أمراً حيوياً وهاجساً سياسياً إستراتيجياً بالنسبة إلى القيادة الصينية، إذ تخشى الصين من أن يؤدي العجز في الطاقة المحلية، وتكاليف الطاقة المتصاعدة إلى تقويض النمو الاقتصادي للبلاد، مما يترتب عليه مخاطر حقيقية تنذر بزعزعة الاستقرار الاجتماعي، مما يمكن أن يعرض بدوره الاحتكار السياسي المتواصل للحزب الشيوعي الصيني للتهديد.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق