fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

التاريخ المفاهيمي والسياسة: نظرة حول مفهوم الديمقراطية

Conceptual History and Politics: Is the Concept of Democracy Essentially Contested

اعداد الباحثة : ضحى هلال – المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

يعد المقال إحدى المحاولات لمعرفة ماهية مفهوم الديمقراطية عبر التاريخ، وكيف تطور المفهوم وفقاً للتغير الزماني والمكاني من عصر لآخر ومن ثقافة إلى اخرى. وأشار الكاتب إلى ان مفهوم الديمقراطية هو اثيني بالأساس، حيث وُلدت الديمقراطية، ويحاول الكاتب من خلال المقال ان يوضح إشكالية إذا ما كان المفهوم معياري ام وصفى وما التناقضات الداخلية والتعارضات التي يحتوى عليها المفهوم.

وبالحديث عنمفهوم الديمقراطية نجد أنه في الاصل ما هو إلا محاولة لفهم الواقع السياسي في السياق الزمني والتاريخي الخاص به، ومن هنا يتضح سبب قابلية المفهوم للتغير والتحديث عبر العصور والأزمنة. ويشير الكاتب إلى الأطر والمنظورات الجديدة التي يعكسها الواقع على المفهوم ومن خلال هذه التغيرات في المفهوم يظهر عدد من الإشكاليات الجديدة كما الحال بين: الديمقراطية المباشرة والممثلة، المفهوم المعياري والوصفي، وبعض الإشكاليات الأخرى التى ستتم مناقشتها من خلال هذا العرض.

يشير الكاتب إلى ان هناك خمس تناقضات وتعارضات داخل مفهوم الديمقراطية وتنحصر في: الأبعاد الأفقية والراسية للديمقراطية، العلاقة بين عدد الأشخاص المشاركين في صنع القرار ومدى كفاءة هذا القرار وتأثيره على العملية الديمقراطية، قيام الديمقراطية على مبدأيّ الحرية والمساواة وما إذا كان يوجد تعارض بينهم من عدمه، نوع العلاقة بين الفرد والجماعة ومدى إعلاء المصلحة العامة لكل منهم، التفكك في مفهوم الديمقراطية من خلال تطوره عبر العصور.

وأخيراً، عرض الكاتب العلاقة بين التاريخ المفاهيمي والسياسة المفاهيمية والصراع بين المنظور الوصفي والمعياري والأشكال المختلفة للأنظمة الديمقراطية، وفي هذا الصدد قد بين هيدالغو التعارضات في البناء المفاهيمي للديمقراطية. وفي نهاية المقال اجاب الكاتب على عدة تساؤلات حتمية يفرضها تطور المفهوم مثل كيف يؤثر التطور التاريخي على مفهوم الديمقراطية؟ وهل التاريخ المفاهيمي يحاول فهم المنظورات المعيارية للمفهوم أم انه لا يتعدى كونه مجرد سياسة مفاهيمية؟

وفي نهاية المقال يضع هيدالغو إجابة للإشكالية التي اثارها من خلال طرحه لأفكاره ومنظوراته وفي النهاية خلص إلى ان مفهوم الديمقراطية ليس هو المتنازع عليه بالأساس، ويرجع ذلك لاحتواء المفهوم على العديد من الاختلافات والتناقضات في داخلة مما اعطى للمفهوم امكانية التطويع حسب الزمان والمكان.

الأفكار الواردة في المقال:

1-يوجد في مفهوم الديمقراطية العديد من الأفكار المتعارضة وكان مفهوم الديمقراطية يستخدم بالأساس لفهم القاعدة الفعالة التي تحكم الشعب ومن هنا قام المفكرين بتطويع هذه القاعدة لمعرفة مدى قدرة المحكومين على اختيار وانتخاب حاكميهم. مما يؤدي إلى تفعيل مبدأي الحرية والمساواة.

2- هناك استخدام واسع للمفهوم مما أدى إلى انه اصبح هناك فيض من الاختلافات والتعارضات داخل المفهوم ذاته واصبح يمكننا القول ان هناك العديد من الديمقراطيات مثل الليبرالية والجمهورية، التمثيل المباشر والتوافقي وما إلى ذلك. بل وظهر أيضاً ديمقراطيات حديثة مثل الديمارية–وهي الحكم بشكل فوضوي- والديمقراطيات الشعبية وحتى الديمقراطيات الغير سوية. مما أدى إلى في النهاية إلى اتساع المنظور لمفهموم الديمقراطية وتمدده ليشمل كل التغيرات الزمانية والمكانية.

3-    وفقاً لإبراهام لينكولن انه يوجد خلط في المفاهيم بين الديمقراطية ونسبة التمثيل في الاستفتاءات والانتخابات لذلك لا يمكننا تجنب الخلط ان “حكومة الشعب، من الشعب، ومن أجل الشعب”.

4-    وفقاً لجملة دبليو جالي التقليدية ان الديمقراطية شأنها شأن الفن والعدالة فهى من المفاهيم “المتنازع عليها بالأساس” فهي تفتقر إلى التعريف المتفق عليه وبالتالي يوجد اختلافات في تفسير المفهوم، لذلك يجب البحث عن أفضل تفسير لمفهوم الديمقراطية وهل يقوم التاريخ المفاهيمي بالإسهام في تفسير المفهوم من عدمه؟ يتضح ان الجواب هو انه قد يساعد التاريخ المفاهيمي في الحصول على المنظور المعياري الأمثل لتفسير الديمقراطية، وذلك من خلال النظر إلى الأطر التاريخية التي توفر العناصر المعيارية اللازمة لدراسة مفهوم الديمقراطية والفصل بين التاريخ المفاهيمي كأفكار وبين انه يقوم بتوضيح افضل التفسيرات للديمقراطية.

5-    في اثينا -حيث وُلدت الديمقراطية- كانت أول المبادئ للديمقراطية هما الحرية والمساواة. وكان يجب على كل فرد ان يقبل الآخر وبالتالي يقبل الحاكم وهذا الحاكم مقيد بالقوانين وتصويت الشعب له.

6-    كان هيرودوت هو أول مؤرخ ذكر مفهوم الديمقراطية ولكن الأصل في المفهوم يرجع إلى الأشتقاقات من كلمات يونانية قديمة في اثينا. وتم اشتقاق اللفظ من عدة كلمات مثل القانون والملكية والأوليجاركية وهذه المصطلحات تبلورت حينما تراجع دور النبلاء في صالح تقدم دور المواطنين في اثينا القديمة.

نستنتج مما سبق ان مفهوم الديمقراطية اولاً واخيراً جاء لكي يفسر الواقع السياسي في أثينا القديمة. وتم التعرف على سمات الديمقراطية من خلال النظام السياسي في مدينة اتيكا الاثينية حيث وجدت العبودية وتهميش دور النساء والاجانب ومنعهم من حق المواطنة. وهذا بالضرورةادى إلى الحاجة لنظام حكم افضل من القائم، واختلف المفكرين القدامى مثل سقراط وافلاطون وارسطو وزينوفون حول ماهية نظام الحكم الأفضل ونظراً لتلك الاختلافات اصبح الحل هو وجود دستور مختلط.

على النقيض لم يهتم الرومان بالديمقراطية بل اتخذوها فقط كشئ تكميلي وجعلوا القانون هو اساس الحكم وكان ذلك في العصور الأولى للمسيحية. وهذا بالأخير لم يمنع ارستيدز وكاسيوس ديو من محاولة إضفاء الشرعية على مفهوم الديمقراطية.

7-    كان نظام الحكم السائد في اوروبا خلال العصور الوسطى هو الحكم الثيوقراطي وكان الدين يسيطر على كل جوانب الحياة بما في ذلك المناحي السياسية، ولكن هذا لم يمنع بعض المفكرين بمحاولة إحياء المفهوم مثل القديس توما الاكويني وانجل بيرت ومارسيليوس. وتزامن صعود الحركة البروتستانتينية ضد الكنيسة الكاثوليكية مع ظهور نظرية العقد الاجتماعى ولكن هذا لايعني التغير السريع في مفهوم الديمقراطية.

8-    مفهوم التمثيل كان لفترة من الوقت غير ملائم حيث انه يتعارض مع حكم الشعب وجاء توماس هوبز مؤيداً لنظام التمثيل ومعاضاً لفكرة الديمقراطية المباشرة، وعلى النقيض اعلى جان جاك روسو من قيمة الديمقراطية وسيادة الشعب ولكن في النهاية اتفق الاثنان حول ان الديمقراطية هي حكم الشعب لنفسه–في حين كان هذا وضع سئ بالنسبة لهوبز ووضع مرغوب به ومرجح بالنسبة لجان جاك روسو-.

9-    من خلال هذا السياق التاريخي نجد ان الديمقراطية لم تظهر خلال الثورة الفرنسية، ولكن الجمهورية هي التي تم النداء بها وذلك لأن الجمهورية تمتد لتشمل الاقتصاد والسوق وليس الحكومة الممثلة فحسب. ويرجع ذلك إلى ان مفهوم الديمقراطية المعتاد هو حكم الشعب لنفسه وبالرغم من التصريحات الإيجابية للثوار عن الديمقراطية إلا انه جاء حكم اليعاقبة ليثير الشكوك نحو الديمقراطية ويشوه المفهوم الخاص بها وتحديداً في المانيا وانجلترا.

10-    انتصار مفهوم الديمقراطية يرجع لسببين:

  • الانتهاء من الخلاف القائم حول مفهومي الديمقراطية والتمثيل.
  • اصبح المفهوم يشمل انواع الدول والحكومات وتحديد شكل المجتمع بناءاً على ذلك.

وفرق ماركس بين الديمقراطية الزائفة والديمقراطية الشرعية مشيراً إلى ان الديمقراطية الزائفة ما هي إلا فوضى اما الديمقراطية الشرعية هي الديمقراطية الحقيقية والتي تتمثل في النواب المنتخبون واشار إلى إمكانية الخلط بين التمثيل السياسي والديمقراطية، وقام توكفيل بالتركيز على التقدم التاريخي للديمقراطية في فرنسا واشار إلى دور الديمقراطية في دحض الإقطاع الأوروبي وإعلاء قيمة المساواة الإجتماعية.

11-    سرعان ما اصبحت نظرة ارجستون ايجابية تجاه السياسة وذلك بعد الثورة الفرنسة وبدأ في التوصل لحل لمنع الخلط بين مفهومي الديمقراطية والتمثيل كمصطلحات متناقضة، كما اشار كانت إلى الفرق بين هيكل الحكومة (ديمقراطية، استبدادية) وهيكل الإمبراطورية (ملكية، جمهورية).

12-    اصبح مفهوم الديمقراطية اكثر اتساعاً وشمولاً وحداثة والنظريات الخاصة بالديمقراطية اصبحت تدرس من خلال منظور معياري لكي يتماشى مع الواقع الإجتماعي والديمقراطي بل ومتابعة تطور النظم الديمقراطية في كل بلد بل في كل قارة وذلك وفقاً لنيتشيه وسوريل وباريتو. لذلك كان من الأحرى ان يتم التعريف بأنواع الديمقراطيات إذا كانت مستبدة ام ليبرالية ام اشتراكية ام شمولية وهكذا، بينما في فرنسا وبعض البلدان الأخرى اكثر ارتباطاً بالجمهورية التقليدية اما النظام الليبرالي ساد في امريكا الشمالية والجنوبية بينما ساد في اوروبا الغربية النظام البرلماني.

بعد نجاح الديمقراطية كنظام دستوري واجتماعي، اصبح للممارسات السياسية دور في وضع عدد من النظريات التجريبية و“هذه النظريات تشترك في كونها إسهام لتحليل ووصف وتوقع للعمليات السياسية” وذلك بسبب السيطرة للنموذج التجريبي في العلوم الاجتماعية واثبات ان المفاهيم الديمقراطية ما هي إلا مُثل عليا ومنظورات تفتقر للمنهجية. ومن هنا يجب القول انه ليس من الصحيح إغفال مفاهيم الديمقراطية الغير معروفة. وفي النهاية يمكن ان نجد بعض النظريات التي تتضمن أُطر معيارية وتجريبية داخل النظام السياسي والإجتماعي العالمي والأمر الجلىّ الذي اصبح حتمياً هو ان المؤسسات والمجتمعات الديمقراطية في الواقع تحتوي على افكار نقدية ومعيارية هامة ومعنى ذلك ان الإشكالية هنا لاتقتصر في النموذج الأفضل للديمقراطية بل تمتد إلى العواقب التي تفرضها العولمة من خلال السياق.

13-    لا توجد دولة اليوم تستطيع ان تزعم انها غير ديمقراطية او انها معادية للديمقراطية وذلك وفقاً للكم الهائل من النظم السياسية والاجتماعية المختلفة، كذلك اصبحت الشرعية التي يستمدها الحاكم من الشعب هي اساس الديمقراطية وذلك بغض النظر عن وجود انتخابات حرة وحقوق الأفراد وسيطرة الشعب على السطلة الساسية. ولتحديد النظام السياسي داخل الدولة يجدر بنا النظر إلى رؤية المؤسسات السياسية ومدى توظيف الديمقراطية بها. وهنا تظهر الإشكالية في كيفية تحديد نظام الدولة إذا كان ديمقراطي ام لا، وكانت تلك القضية هي التي تم الجدال عليها من جانب الليبرالين والاشتراكيين.

14-    تعد التفسيرات المختلفة للديمقراطية إحدى الأسباب التي تثير الشك حول إمكانية استغلال الأنظمة الاستبدادية للديمقراطية واتخاذها ذريعة للهيمنة، ومفهوم الديمقراطية متغير ومتطور باستمرار وذلك لأنه يعكس التغيرات التي تطرأ على المجتمع في كل زمان ومكان. لذلك ومن الواضح ان المفهوم يحتوي على عدد من المفارقات والتناقضات وقد حصرها هيدالغو في خمس اختلافات رئيسية:

  • سيادة الشعب وتمثيله هي البديل للديمقراطية وذلك لأن الديمقراطية ضد فكرة حكم الأقلية، ومفهوم الديمقراطية من المفترض ان يتحول إلى الممارسة الفعلية في الحياة السياسية. ولكن في النهاية يظل الاختلاف بين التمثيل والديمقراطية دون الوصول إلى تعريف محدد. ذلك وقد حاولت الديمقراطية المستحدثة ان تميز بين المنظورات الأفقية والرأسية ومع ذلك فإن الفرق بين السلطة العليا والشرعية التي اسفلها ليست بالضرورة ديمقراطية واشار إلى ذلك توكفيل وماكس فيبر.
  • المنافسة بين مدى صلاحية الديمقراطية في عمليات صنع القرار وما إذا كان الأفضل الإعتماد على الجودة ام الكمية. وتكمن الإشكالية في تحديد ماهية القرار السياسي وصلاحيته وهل فقط المؤشر على صلاحية الديمقراطية هو التصويت ام ان هذه الأغلبية ستخطئ في تقدير الموقف وبالتالي القرار. لذلك جاءت النظرية الديمقراطية بوضع محددات لصناع القرار مثل الدستور او الدين او حقوق الانسان. وقد اكد روسو وكليسين ان المحددات في حد ذاتها هي ضد الديمقراطية ومن هنا جاءت الإشكالية. ولكن وضع هذه الأُطر والمحددات لازمة لكي تمنع الاغلبية من اتخاذ قرار غير رشيد. لذلك تبقى وستظل تلك المحددات خيار رشيد للديمقراطية.
  • مبدأيّ الحرية والمساواة هما أساس الديمقراطية ولكن عادة ما يحدث صدام بينهما حيث يشير غوته إلى ان “المشرعون او الثوار الذين يعدون بالحرية والمساواة في نفس الوقت هم مرضى نفسيين او مشعوذين”وذلك لأن المساواة لابد وان تتحقق بالقمع وبالتدريج تظهر إشكالية ان البعض سوف يصبحون اكثر مساواة من البعض الآخر، هناك تساؤل آخر حول تحديد الحرية المفضلة من جانب الشعب وهي اما انها سلبية وتسعى فقط إلى السعادة الخاصة باالفرد –وايد الليبراليون هذا النوع من الحرية مثل بينيامين واسفيا برلين- او انها إيجابية وتعمل على تأمين مشاركة الشعب في وضع الوقوانين –ويؤيد الديمقراطيون هذا النوع من الحرية من مثل بينجامين باربر وجان جاك روسو- وهناك ايضاً مفكرين حاولوا الجمع بين النوعين مثل كانت وهابرماس.
  • قديماً كانت المصالح العامة تعلو الخاصة اما في الديمقراطية الحديثة ظهر نوع جديد من العلاقات بيت الفرد والجماعة. ولكي تتحقق الوحدة السياسية يجب ان يحدث تجانس اجتماعي وقد ظهر العديد من المفاهيم مثل “الدولة والأمة والإثنية والعدالة والتسامح والأخلاق وما إلى آخره” وهذه المفاهيم ما هي إلا محاولة لوضع حل مؤقت لهذا الجدال ومن خلال السياق يتضح لنا ان هناك تعارض بين الوحدة السياسية والصراعات الإجتماعية. واخيراً تبقى إشكالية تحقيق التوازن بين مصالح الفرد والجماعة إحدى التحديات المستمرة للنظرية الديمقراطية.
  • يوجد تفكك في مفهوم الديمقراطية ذاته لذلك يمتد هذا التفكك إلى تفسير تجانس المؤسسات الديمقراطية على انها نتيجة للخلافات الأخلاقية والثقافية والاجتماعية. حيث تعطي العادات والتقاليد لكل مجتمع السمة الخاصة به وذلك وفقاً لمونتسكيو وتوكفيل. لذلك وجب على الديمقراطية ان تمدنا بالمعايير المحددة لمعرفة الديمقراطية في هذا المجتمع ولكن هذا ايضاً لا يتعدى كونه احد الحلول المؤقتة، لأن عند دراسة وتحليل المجتمعات يجب الأخذ في الاعتبار ان الديمقراطية عملية متطورة ومختلفة ويمكن ان تبدو لنا غي مألوفة في بعض المجتمعات. وفي النهاية وجب علينا القول ما إذا كان لتطبيق الديمقراطية مايبرره من عدمه.

في النهاية يتضح لنا ان تعريف الديمقراطية ما هو إلا امر معياري نظراً لانه يختلف من جماعة إلى اخرى ومن دولة إلى اخرى وبذلك فإن انواع السياسات االمتبعة ماهي إلا نتيجة لهذا القرار المعياري.

 

15-    نظراً للاختلافات والتعارضات في مفهود الديمقراطية اصبح هناك العديد من الصفات الخاصة سواء وصفية او معيارية لكي يتم التعرف على مفهوم الديمقراطية مثل: “الاستبدادية والتعددية والليبرالية والاشتراكية والاتحادية والانتخابية والوراثية والبرلمانية” وما إلى آخره. ولكن هنا يجب القول بأن هناك بعض الصفات تبدو كمؤشر لمعرفة نوعية الديمقراطية في هذه الدولة اذا كانت اكثر ديمقراطية ام اقل ديمقراطية مثلاً عندما نشير إلى المفاهيم الاستبدادية والإنغلاق والوراثية والحزب الواحد إذن نحن هنا بصدد ديمقراطية معيبة اما اذا اشرنا إلى المفاهيم البرلمانية والرئاسية والاتحادية والانتخابية إذن نحن هنا بصدد ديمقراطية حقيقية.

16-    نتيجة للصراع بين المنظوري الوصفي والمعياري نجد ان الخمس تناقضات السابقة تتمثل في الفرق بين: “السيادة الشعبية مقابل التمثيل والكيف مقابل الكم والحرية مقابل المساواة والفردية مقابل الجماعية”  ومن هنا نجد ان كل هذه الانشاءات المفاهيمية ما هي إلا وصف تجريبي يشمله منظور معياري على المستويين النظري والعملي.

17-    نجد الديمقراطية القديمة والحديثة مرتبطة ببعضها البعض من حيث التعارض في المفاهيم الخاصة بالحرية والمساواة والفردية والجماعية، واخيراً فإن الديمقراطية النخبوية تعتمد على الكيف اما الجمهورية والديمقراطية المباشرة تعتمد بالأساس على الكم.

18-    نتيجة للتعارضات في البناء المفاهيمي نجد ان لوصف النظام الديمقراطى يجب ان يكون هناك على الأقل صفة واحدة وايضاً النظم الديمقراطية تحتوي على اوجه تشابه واختلاف، وهذه الاختلافات ليس فقط في القرارات المعيارية ولكن ايضاً التعارضات الداخلية لمفهوم الديمقراطية ويجب علينا ان ندرك انه نحن هنا لا نكون بصدد الوصف ولكن التقييم وكل فرد يفعل ذلك وفقاً للمعايير والمنظورات الخاصة به.

19-    التعارض في البناء المفاهيمي ما هو إلا السعى وراء معرفة القرارات المعيارية في حد ذاتها التي تعمل على تفعيل شرعية النظام الديمقراطي وما إلى ذلك. وبالتالي فإن التاريخ المفاهيمي ماهو إلا محاولة للكشف عن السياسة المفاهيمية في الديمقراطية. من خلال ماسبق نجد ان مفهوم الديمقراطية ليس هو المتنازع عليه بالأساس وذلك لأن الاختلاف هو صفة متأصلة في الديمقراطية وذلك لكي يستوعب المفهوم لكافة الأحداث والحقائق التاريخية المختلفة على مر العصور.

20-    يشير راينهارد مهرينج إلى ان المقارنات المنهجية هي مزيج بين علم السياسة وعلم الجتماع والتاريخ ولذلك فإن التاريخ المفاهيمي يحتوي على المنظور المعياري للمفاهيم المحددة، في النهاية يحتوي هذا المفهوم على العديد من المنظورات الأساسية وان التاريخ المفاهيمي للديمقراطية يجب ان يحتوي على معايير زمانية ومكانية متنوعة. ومما سبق نستنتج ان التاريخ المفاهيمي للديمقراطية لا يتعدى كونه جزء من التاريخ الديمقراطي.

في النهاية نجد ان حقيقة الديمقراطية انها “رحلة لم تنتهي”  وهذا يؤدي إلى الحفاظ على ماهية المفهوم وجعله قيد الاستخدام والتطبيق العلمي. وبهذا نستخلص ان التساؤل الرئيس     لا يتمحور حول الدستور الأفضل ولكن حول الديمقراطية الفُضلى.

التقييم:

جاء المقال ليناقش لإشكالية هامة وهي ما إذا كان مفهوم الديمقراطية هو المتنازع عليه بالأساس، ونجح هيدالغو من خلال المقال وسرد افكاره في الإجابة على هذا التساؤل، واوضح ان ليس المفهوم هو الذي يتركز حوله الجدل ويرجع ذلك إلى ان الاختلاف هو صفة متأصلة ومتلازمة للمفهوم وذلك لكي يستيع ان يشمل كل الاحداث والتغيرات التاريخية عبر الأزمنة.

وبالحديث عن قدرة استيعاب مفهوم الديمقراطية للاحداث والتغيرات التاريخية في مختلف العصور والاماكن نجد انه من الواضح ان المقال تحدث عن ذلك من منظور واقعي لانه بالفعل ومن خلال الأدلة يتمدد المفهوم حسب التغيرت في العصور، وليس ذلك فحسب بل التغيرات الثقافية والاجتماعية ايضاً.

بالرغم من ان الهدف من كتابة المقال هو عمل مسح تاريخي شامل لمفهوم الديمقراطية منذ الوقت الماضي وحتى تلك اللحظة، إلا انه اغفل بعض الاحداث التريخية التي اثرت على الديمقراطية ومفهومها مثل الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من انظمة غربية ديمقراطية ليبرالية وليدة.

ذلك ولم يقتصر تأثير مفهوم الديمقراطية على الحياة السياسية، بل امتد لشمل ايضاً المنحي الاقتصادية و ظهور الافكار الخاصة بالاقتصاد ولكن في إطار النظرية السياسية للديمقراطية فمثلاً اصبح يوجد شركات للقطاع الخاص ومنظمات غير حكومية وتجلى دور الشركات المتعددة الجنسيات في خلال العقدين الماضيين. وبالتالي اغفل هيدالغو ايضاً الآثار الاقتصادية الناتجة عن تطور مفهوم الديمقراطية، وما لتلك الآثار من مؤثرات على الحياة السياسية فأصبح لرجال الأعمال واصحاب رؤوس الأموال دور كبير في وضع السياسات الخاصة للدول.

ومما سبق يتأكد لنا ان الديمقراطية بالفعل –كما ذكر هيدالغو- ان ما يتم تحديد الديمقراطية ودورها وفقاً للمعايير والمنظورات الخاصة بكل فرد في كل زمان ومكان، وحيث ان مفهوم الديمقراطية مرن وقابل لإستيعاب كل التغيرات التاريخية اذن تطور بدوره ليشمل الحياة الاقتصادية.

جاء المقال متناقضاً في بعض الجزاء، فتارة يفسر مفهوم النظم الديمقراطية على انها افضل النظم وهي التي تؤدي الحكم الرشيد الذي يتصف بالعقلانية وتارة اخرى يثير شكوك القارئ حول مدى كفاءة النظم الديمقراطية في تحقيق آمال وطموحات شعوبها، وبذلك فهو لم يفرد المميزات على حدى او العيوب على حدى مما وضع القارئ في حيرة حول تفسير المفهوم.

التوثيق:

(1) اوليفير، هيدالغو، (2008)، Conceptual History and Politics: Is the Concept of Democracy Essentially Contested? ، Contributions to the History of Concepts، العدد الرابع، ص ص 178-201، متاح على: http:// www.jstore.org/stable/23730897، تاريخ الإطلاع: 29/10/2014.

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق