الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

نظام الحكم في العراق بين البرلماني والرئاسي

بقلم : أ- م – د احمد غالب محيي – استاذ العلوم السياسية في جامعة النهرين / بغداد

  • المركز الديمقراطي العربي

 

لقد اثبتت التجربة التاريخية بأن البلاد التي تعصف بها رياح التغيير، او التي تمر في ازمات اجتماعية عنيفة تبات تعاني من حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتصبح عرضة للتقلبات التي تطال جميع اركان الدولة ومفاصلها، لا سيما السلطة وكيفية توزيعها وتداولها بين اعضاء النخبة الحاكمة.

في العراق، ومنذ سقوط نظام البعث عام 2003 والبلد يمر بلجة ازمات متتالية كانت سببا او ربما نتيجة للواقع السياسي المتردي والمتمثل بوجود نخب سياسية متصارعة ومؤسسات سياسية متهالكة في ظل غياب الحد الادنى من الاتفاق على المشتركات السياسية، إذ ظهر مؤخرا خلاف حول شكل نظام الحكم مع تصاعد الدعوات المنادية بتحويله الى (رئاسي)، بالرغم من اقرار الدستور بأن نظام الحكم في العراق (برلماني اتحادي تعددي).

بادئ ذي بدئ، علينا التمييز اولا بين مصطلحين كثيرا ما يتم التداخل بينهما، وهما شكل رئاسة الدولة وشكل نظام الحكم.

المصطلح الاول يشير الى شخص الحاكم فيما اذا كان ملكا فيكون النظام (ملكي)، او رئيسا فيكون النظام (جمهوري).اما شكل نظام الحكم فيشير الى الية توزيع السلطة بين السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية.

فإذا كان نظام الحكم قائما على اساس التوازن والتعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية فحينئذ نكون امام نظام (برلماني). اما اذا كان النظام قائما على الفصل المطلق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية (عضويا ووظيفيا) مع ارجحية كفة السلطة التنفيذية على التشريعية فإنه سيكون نظاما رئاسيا.

في حين يشير نظام حكومة الجمعية (النظام المجلسي) الى هيمنة السلطة وتركزها بيد الهيئة التشريعية بحيث تكون السلطة التنفيذية بمثابة هيئة تابعة لها. اما الصنف الاخير من هذه الانظمة فهو (شبه الرئاسي) او (المختلط) والذي يجمع بين خصائص كلا النظامين الرئاسي والبرلماني.

بخصوص النظام البرلماني (المطبق حاليا في العراق) فإنه يقوم على جملة مرتكزات اهمها وجود رئيس دولة غير مسؤول (سواء أكان ملك او رئيس)، أي ان منصبه بروتوكولي في الغالب والسلطة التنفيذية الفعلية متجسدة بشخص رئيس الوزراء.

كما يقوم هذا النظام على التوازن والتعاون بين كلا السلطتين (التشريعية والتنفيذية) من حيث وجود وزارة مسؤولة سياسيا امام البرلمان وللاخير حق سحب الثقة منها، مقابل امتلاك الحكومة حق حل البرلمان.

اما النظام الرئاسي، فركيزته الرئيسية الفصل المطلق (ولو من الناحية النظرية) بين السلطتين التشريعية والتنفيذية مع وجود رئيس جمهورية (منتخب بالضرورة)  من قبل الشعب.

وفي هذا النظام لا تكون للسلطة التنفيذية مسؤولية امام البرلمان، كما لايمتلك الاخير حق سحب الثقة من الحكومة كما هو الحال عليه في النظام البرلماني.

وبالنسبة للوزراء، فأنهم يكونوا بمثابة موظفين تنفيذيين تابعين لرئيس الجمهورية، إذ ان الاخير له الكلمة الفصل واليد الطولى في اتخاذ القرارات باعتباره المسؤول التنفيذي الاعلى في البلاد.

بينما يشير نموذج (شبه الرئاسي) او (المختلط) والذي وجد تطبيقه في فرنسا (دستور عام 1958) الى وجود نوعين من المؤسسات وهي مؤسسات السلطة التنفيذية التي تتكون من (رئيس الدولة) و(رئيس الحكومة) ، ومؤسسات السلطة التشريعية (البرلمان)، على إن ثنائية السلطة التنفيذية في هذا النظام تختلف عن النظام البرلماني من حيث ان رئيس الجمهورية يتم انتخابه مباشرة من قبل الشعب بالاقتراع العام المباشر(منذ التعديل الدستوري لعام 1962)، ولكن دون ان يلغي ذلك سمات النظام البرلماني، فهو يقترب من النظام البرلماني في مسألة ثنائية السلطة التنفيذية، إذ ان هناك (رئيس دولة) و (رئيس وزراء) ، و يكون مجلس الوزراء مسؤول مسؤولية سياسية امام البرلمان، ويستطيع البرلمان ان يجبر مجلس الوزراء على الاستقالة بكامل اعضائه اذا ما صوت البرلمان على حجب الثقة عنه، في حين ان للسلطة التنفيذية حق حل البرلمان اذا ما نشب خلاف بينهما.

من جهة اخرى، يقترب هذا النظام من النظام الرئاسي في عملية الانتخاب لرئيس الجمهورية بالاقتراع الشعبي العام، إذ يتمتع رئيس الجمهورية بسلطات واسعة وصلاحيات استثنائية وقانونية كفلها له الدستور.

اما بالنسبة لرئيس الوزراء، فدوره مكمل لدور رئيس الدولة بحكم وضعه الاداري والدستوري الذي منحه دور ونفوذ في رسم سياسة القطاعات الحكومية المختلفة وإن لم يكن على القدر نفسه من الصلاحيات الدستورية الممنوحة لرئيس الجمهورية.

عودا على بدء، ومن خلال هذا الاستعراض المفاهيمي لانظمة الحكم، ننتقل الان لتبيان وتحليل امكانية تطبيق (النظام الرئاسي) في العراق بعد تزايد الدعوات المطالبة به، ومن ثم نعرج على نظام الحكم الانسب الذي يمكن اعتماده.

ولكن قبل ذلك علينا توضيح جملة من الامور فيما يخص النظام الرئاسي وإمكانية تطبيقه في العراق من خلال التالي:

1.ان الدعوة الى تبني (نظام رئاسي) لا يعني ابدا الغاء وجود (البرلمان) ودوره في الحياة السياسية، فالبرلمان مؤسسة قائمة في جميع الانظمة السياسية في العالم حتى في اكثرها استبدادية وتسلطا، كونه المعبر عن الارادة الشعبية والممثل لارادة الامة، اما تسمية (برلماني) فانها ليست مشتقة من وجود البرلمان او عدمه، انما جرى العرف على تسمية هذا النظام بهذا الاسم.

كذلك فان (البرلمان) هو احد اعمدة النظام الرئاسي (فالكونغرس) في الولايات المتحدة الامريكية (مهد النظام الرئاسي) هو مؤسسة فاعلة ومؤثرة في الحياة السياسية، وله من الصلاحيات القانونية والدستورية ما يتيح له لعب هذا الدور وان كانت تلك الصلاحيات هي اقل من الصلاحيات الممنوحة لشخص رئيس الجمهورية.

2.انطلقت بعض الدعوات المنادية بتبني (النظام الرئاسي) بدل البرلماني من منطلق (حل البرلمان) و(حل مجالس المحافظات) لإنهاء ما اطلق عليه (مهزلة مجلس السراق العراقي)، وهنا لا بد من التاكيد على ان معظم انظمة العالم ان لم نقل جميعها يكون فيها الانفاق المالي واقرار الموازنة العامة للبلاد من صلب عمل السلطة التشريعية (البرلمان)، وبالتالي فإن الخزين المالي لا يمكن ان يصرف او يتم تقسيمه بين قطاعات الدولة الا من خلال مؤسسة (البرلمان)، ما يضعف حجة الداعين الى تبني هذا الشكل من الانظمة.

3.صحيح ان النظام الرئاسي يقوم على اساس الفصل المطلق (العضوي والوظيفي) بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، الا انه هناك من الناحية العميلة عدة طرق للتدخل بين السلطتين، فعلى سبيل المثال لا تعتبر المعاهدات الخارجية المبرمة من قبل رئيس الجمهورية نافذة الا بعد مصادقة مجلس الشيوخ عليها ، مقابل ذلك يمتلك رئيس الجمهورية حق النقض (توقيفيا) للقوانين المشرعة من جانب الكونغرس حتى يتم تمريرها بموافقة ثلثي اعضاء الكونغرس على القوانين المرفوضة من جانب الرئيس.

اذا، وحتى في هذه الحالة يكون للبرلمان دور يحد نوعا ما من سلطة رئيس الجمهورية ويجعل من عمله مع السلطة التشريعية بمثابة صفقات يتم تمريرها بالتراضي.

4.من المتعارف عليه بان احد اهم مزايا النظام الرئاسي هو انه يعمل على توفير الاستقرار الحكومي.لكن ذلك برأينا لا ينطبق على الحالة العراقية وذلك لوجود سبب رئيس مرتبط بطبيعة النظام الانتخابي الموجود والقائم على فكرة التمثيل النسبي وليس على الأغلبية .

فنظام التمثيل النسبي يتيح وصول كتل صغيرة واحزاب قزمية الى قبة البرلمان، ما ينتج حالة من عدم الاستقرار الحكومي حتى في اكثر النظم الديمقراطية عراقة، لا سيما اذا كانت المؤسسات السياسية ضعيفة غير قادرة على استيعاب تلك التعددية، في حين ان نظام التمثيل بالاغلبية  لا يسمح في الغالب الا بصعود حزبين رئيسين يكون احدهما في السلطة والاخر في المعارضة.

لذلك،فأن تبني النظام الرئاسي مع بقاء النظام الانتخابي على حاله لا يؤتي اكله بالنسبة للداعين الى تبني النظام الرئاسي كشكل من اشكال الحكم.

5.من خلال استقراء التجربة التاريخية للنظم الرئاسية التي طبقت في دول عالم الجنوب نلحظ بأن هذه النظم قد اتجهت نحو الاستبداد والتسلطية، واخذت سلطات الرئيس الحاكم تتمدد على السلطات الاخرى، ما انتج نظما استبدادية ودكتاتورية خرقت مبدأ الفصل بين السلطات.

وليس العراق ببعيد عن عن هذا الواقع وتلك البيئة، لا سيما وان ثقافة الاستبداد وارثه لا تزال عالقة في الوعي الجمعي العراقي، وبالتالي فأن النظام الرئاسي سيكون مقدمة لإعادة انتاج الدكتاتورية، وخصوصا ان الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي يشجع على إعادة احياء الدكتاتورية من جديد، فأرتباط كل قطاعات الحياة (اقتصاد،رياضة،فن،….الخ) بجسد الدولة يعزز من هيمنتها وسطوتها ويعزز من سلطة “الرئيس القائد” بأعتباره العصب الرئيس الممول لمختلف قطاعات الحياة.

6.واخيرا، فإذا كان الداعين لتبني نظام الحكم الرئاسي هو رد فعل لتردي (مؤسسة البرلمان) وتراجع الاداء البرلماني، فإن ذلك لا يعفي السلطة التنفيذية من تحمل جزء من مسؤولية هذا التدهور، فلقد اوضحت تجربة السنوات السابقة بان تخبط الحكومة في سياستها، وغياب الخطط الاستراتيجية في معالجة المسائل المهمة، فضلا عن افتقادها للرشادة والعقلانية في اتخاذ قراراتها السياسية كانت هي احد اهم اسباب ذلك التدهور ولا يقع العبئ بكامله فقط على كاهل البرلمان.

ولو افترضنا جدلا، بأن البرلمان هو المسؤول الاول عن ذلك التدهور –فالتساؤل هنا- من اين جاء هذا البرلمان؟ الم يكن هو تجسيد لارادة الناخبين الذين ارادوا وصول هذه النخبة الى قبته، وبالتالي يجب على الناخبين ايضا تحمل جزء كبير من هذه المسؤولية كونهم هم الذين جاؤوا باولئك النواب، لا سيما الذين اعيد انتخابهم لاكثر من دورة واحدة.

وحتى لو تم حل البرلمان واللجوء الى انتخابات جديدة، فماذا سيفرز البرلمان الجديد في ظل حالة الاحتراب الطائفي والقومي والتشظي الهوياتي، وفي ظل وجود ثقافة سياسية متدنية ووعي ضيق لا زال يعلي راية القبيلة والطائفة والمنطقة والجهة على راية الوطن؟.

في اعتقادي سنبقى ندور في حلقة مفرغة وسوف لن تنتج تلك العملية سوى مزيدا من الازمات في ظل هذه المعطيات ايا كان شكل نظام الحكم برلماني او رئاسي.

اما من يعول على “الرئيس القوي” بالنسبة لانصار النظام الرئاسي، فنود القول بأن جمهور الناخبين هو نفسه، والثقافة السياسية السائدة هي نفسها، والاعتبارات الضيقة (الطائفية،القومية،الجهوية) هي نفسها، وبالتالي فالرئيس” المفترض ” سيكون في الغالب ممثلا لجهة او طائفة او مكون معين ولكن هذه المرة بأنتخابات مباشرة وبصلاحيات اوسع ما يعمق من حدة الانقسامات الموجودة افقيا وعموديا، وسيتم عد كل خطوة يقوم بها الرئيس على انها استهداف للطرف الاخر، او على الاقل سيتم تفسيرها بهذا الاتجاه.

ما الحل:

في اعتقادنا ان الحل لا يكمن في البقاء على النظام البرلماني الحالي الذي اضعف كثيرا من دور الحكومة والسلطة التنفيذية، ولا في النظام الرئاسي المقترح الذي سيكون مشروع رائج للدكتاتورية ومساوئها فضلا عن العيوب التي تم ذكرها سابقا، انما الحل يكمن في تبني نظام (شبه رئاسي) (مختلط) يقوم على المزج بين متطلبات التحول الديمقراطي الذي يمر به البلاد حاليا من جهة ،وعقلنة الحياة السياسية من جهة اخرى.

فوجود رئيس جمهورية منتخب مباشرة كما في النظام الرئاسي مع احتفاظ النظام البرلماني بسماته سيتيح تحقيق التوازن بين السلطتين.

كما ان وجود منصب رئيس الوزراء المكمل لمنصب رئيس الجمهورية سيضبط من تحركات الاخير وسيمنعه من الاستفراد بالسلطة والتفرد بالحكم كونه ليس الجهة الوحيدة المسؤولة عن التنفيذ وان كان يتمتع بصلاحيات واسعة في هذا الشأن.

فضلا عن ذلك، فإن خضوع الحكومة لسلطة البرلمان ومسؤوليتها امامه لدرجة هناك امكانية سحب الثقة منها، مقابل حق الحكومة في حل البرلمان سيضمن الية متوازنة لجميع الاطراف وسيصبح كل طرف رقيب على الاخر بالطرق القانونية والدستورية ما يقود البلاد الى بر الامان وهو ما يصبو الجميع الى تحقيقه.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق