الشرق الأوسطتحليلات

حقوق الإنسان – جدلية الكونية والخصوصية

اعداد : يوسف أسكور – ناشط مدني و باحث في الفلسفة السياسية وحقوق الإنسان – المغرب

  • المركز الديمقراطي العربي

 

بداية و نحن نخوض في موضوع كونية حقوق الانسان، وجبت الإشارة إلى أن إرهاصات ظهور مفهوم حقوق الانسان و المحاولات الأولى التي عبرت من خلالها الإنسانية عن سخطها على الأوضاع، و كانت بداية المطالبة بحقوق الأفراد، وسمت بميسم الخصوصية، الخصوصية الطبقية خصوصا، حيث المطالبة بالحقوق كانت رد فعل  يعبر عن رفض ضرب مصالح الطبقة البرجوازية، حديثنا هنا عن وثيقة الماغناكارتا، أول وثيقة قانونية لحقوق الإنسان في العالم، والتي كانت تعبيرا عن احتجاج المُلاك على احتكار رجال السلطة للأراضي و رؤوس الأموال، و التي على نهجها صارت المواثيق اللاحقة عليها نخص بالذكر إعلان الحقوق الإنجليزي 1688 و إعلان الإستقلال الأمريكي 1776 و الدستور الأمريكي 1787، ذلك أن هذه المواثيق لم تتم الإشارة فيها للإنسان بالمعنى النوعي، إنما فقط تمت الإحالة على فئة معينة من الناس[1].

بعدها وفي مرحلة متقدمة شكل الفكر الديني والعقدي في العصور الوسطى مطية لبلورة منزع إنساني حقوقي كوني. كما أن التأسيس الفلسفي لحقوق الإنسان ظل هو أيضا ملازما للتحولات التاريخية والفكرية، وبين هذا و ذاك رشح جدال فكري مهم بين المدافعين عن كونية حقوق الإنسان و عالمية إعلان الثورة الفرنسية، حيث أن كونية المفهوم والسعي لإدراك هذه الكونية جعلت الأصول والجذور التاريخية أمرا يضيع و يصعب الوقوف عنده، فجعل الحديث عن مفهوم حقوق الإنسان قبل الحداثة الفكرية أمرا صعبا، ذلك أن من يسعى لهكذا قول، فإنه يقوم ببناء تصور للماضي من خلال الحاضر وهو أمر يجعله بعيدا عن الصواب، فالشروط الفكرية والظروف التاريخية لظهور مفهوم حقوق الإنسان لم تتوافر إلا خلال فترة الحداثة، وأهم ما ساعد على بناء هذا التصور الكوني لحقوق الإنسان هو القيمة العليا التي ألصقت بالإنسان و جعلته مركز الكون، و به و من خلاله تستمد باقي الموجودات قيمتها وهو ما جعل الحق أمرا يقتصر على الإنسان، وهذا التصور القيمي للإنسان إنعكس بقوة في الجانب السياسي في مرحلة الفكر الحديث و خصوصا داخل مدرسة الفكر الحديث وبالتحديد مع هوبز الذي أنهى مع سيطرة الفكر القديم و الأرسطية، فصار القانون أمرا يلحق بالفرد وصارت الذاتية أمرا مؤسسا للمشروعية بعد إنفصالهما لردح من الزمن[2].

وهو ما برز بجلاء في النص الذي تبنى خطابا ذا نزعة إنسانية شمولية حديثنا عن الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن 1789. والذي يختلف عن سابقيه بطابعه الشمولي والتجريدي بل والتنظيري، وكأنه موجه للبشرية جمعاء، وذلك ابتداء من العنوان نفسه الذي يشار فيه إلى الإنسان بإبراز كلمة H مما سينعكس على النص كله تقريبا والجملة الأولى من البند الأول من هذا الإعلان تعكس النزعة الشمولية التي طالت معظم بنوده إذ تنص على أن “الناس يولدون أحرارا متساوين في الحقوق”[3].

مسألة الكونية الفكرية أم الخصوصية الثقافية، مسألة تحظى بقدر كبير من الأهمية، فبناء صرح فكري حقوقي كوني لا و لن يتم بتجاوز الخصوصية الثقافية نظرا لثقلها وأهميتها، وهو ما جر فلاسفة الفكر الحديث في القرن السادس عشر والسابع عشر إلى رحبة النقاش قصد بحث هذه المسألة، فتم رصد التطور الذي عرفه العلم في القرنين السادس عشر و السابع عشر(الرياضيات والفيزياء خاصة) والذي أفضى في القرن الثامن عشر إلى تطور مهم خصوصا مع نيوتن الذي طور نظرة آلية للطبيعة، فنظرية الجادبية العامة التي صاغها نيوتن في شكل قانون رياضي عقلي، جعل من نظام الطبيعة والنظام العقلي مظهرين لعملة واحدة، لايتم أحدهما دون الآخر، وأصبح مفهوم الطبيعة يعني لا الأشياء الجامدة المعروضة أمام الإنسان بل أصبح يعني النظام العقلي للأشاء بوصفه نظاما كليا يشمل كل مافي الطبيعة يما في ذلك الإنسان، بهذا أضحى الناس يطابقون بين ماهو طبيعي وماهو عقلي، بإعتبار أن مافي الطبيعة يخضع لنظام دقيق خضوع أجراء الآلة للآلة ككل، وبالتالي فهي قابلة لإدراك العقل وفهمه وبالتالي فهي قابلة لإدراك العقل وفهمه، وبالمثل فما يبدو مبررا في نظر العقل فهو طبيعي أي أنه متسق مع الطبيعة[4].

هذا التطابق بين ما هو عقلي و ما هو طبيعي، أسهم بشكل قوي في تغيير أنظمة التفكير، خصوصا و أن ما تم الخلوص له في كل من الرياضيات والفيزياء لم يكن ليؤثر فيه تغير المكان، وهو ما أفضى إلى بناء التصور الكوني في التفكير البشري، و الذي أُنزل على الفكر الحقوقي، فساهم بشكل قوي في بناء كونية حقوق الإنسان.

لتوكل للعقل بعد هذا مهمة الكشف عن الجانب الطبيعي أي المعقول في كل الميادين، والتخلي عن كل ما هو غير طبيعي، عن كل الإضافات التي تراكمت ضمن تصور الناس للأشياء نتيجة التقليد ودون إعمال العقل، وإذا كان القانون العلمي يجمع شتات الظواهر في علاقة كلية، ثابتة ومطردة هو المعبر عن حقيقة الطبيعة، فإن هناك في الحياة الإنسانية ماهو بمثابة طبيعتها وقانونها الكلي، إنها المثل العليا التي تتصف بالعالمية والتي هي واحدة عند كل الحضارات وفي كل البقاع.

وشكل الإطلاع على حياة المجتمعات البشرية فرصة لبداية السعي وراء إقامة تطابق بين الطبيعي والبدائي الفطري في الحياة البشرية، والسعي إلى معالجة الخلل و مباركة الصواب المساعد في بلوغ المطلب، ما أفضى إلى قيام تصورات لعصر ذهبي جُسدت فيه كل التصورات و وُحدت فيه الرؤى، فكان الناس على دين طبيعي قبلوه لأنه معقول في جوهره، لكن الكهنه تآمرو عليه بمعية الملوك في العصور التالية فأنتهوا به إلى الخرافة والأسطورة خدمة لمصالحهم، هذا العصر الذهبي هو ما أسماه الفلاسفة “حالة الطبيعة”، والتي يعتبر برهانا على سعي هؤلاء الفلاسفة لإدراك الكونية من خلال بحث ما يوحد الحضارات، حيث أن إفتراض كهذا هو رجوع بالبشرية إلى ما قبل كل تقسيم، حيث لا معنى للعرق أو اللغة أو أي شيىء قد يقيم تمييزا بين البشر، ما قبل أي تنظيم إجتماعي أو سلطة سياسية، الإعتبار فقط لبشرية البشر، وهو أمر يتوحد فيه البشر جميعهم، و في حالة الطبيعة يسري قانون الطبيعة، ما يجعلها حالة بعيدة عن الفوضى، لكن و لما كان ممكنا الوقوع في المحظور، وهو أن يحدث أن يتجرأ أحدهم على خرق القانون، الشيىء الذي ساهم بشكل مباشر في رسم الملامح الأولى لفكرة ” العقد الإجتماعي “، وهو أيضا تأسيس لكونية التعاقد الحقوقي، من خلال التأكيد على المشترك، والسعي لباء تعاقد يتنازل بموجبه عن حقوقه كافة للجماعة التي ينتمي إليها و التي تجسدها الدولة[5].

و في مقابل دعاة الكونية نقف عند المتشبتين بالخصوصيات الثقافية والرافضين قطعا لكل ما يجعل الثقافات المختلفة قالبا واحدا و وحيدا، و ينادون باحترام ثوابت و خصوصيات جميع الثقافات، مدافعين عن مسألة كون العالمية لا تعني تعميم خصوصية بعينها، على حساب إلغاء تاريخية القيم، وهي بذلك تفتح الأفق أمام ممكنات عدة قد تتحقق دون أن يستنفد المتحقق منها فضاء الممكن، وبهذا تكون تنقض المركزيات و ترفض دعائم النزعة التاريخانية التي تؤمن بوحدة المسار الزمني للشعوب[6].

تصور آخر يقف موقف المتسائل حيال النزعة الكونية، والمتحفظ إزاءها، مستندا إلى بحث ركائزها الإديولوجية، وتفكيكها و فض الهيمنة المركزية التي غالبا ما تستقر تحت غطاء ذي نزعة إنسانية[7].

هذا التباين في المواقف والذي يولد لدى المتلقي نزعة شكية قوية، تجعله يفكر ألف مرة قبل أن يصدر حكما، على وردية دعاوى النزعة الشمولية، ذلك أن كل ما يتصوره الفرد من فضائل قد تجنيها البشرية من هاته النزعة، حيث يصير الناس سواء، توحدهم مرجعية كونية واحدة. لكن يصح التساؤل بشأن هذه المرجعية، وهل هي وسيلة لتحقيق هيمنة حضارة على باقي الحضارات؟، فنكون حينها في أحْلَك أيام البشرية، حيث يستغل أسمى ما حققت لمآرب بخسة، فنكون مطالبين أكثر من ذي قبل إلى بحث سبل نحفظ بها ما حققته البشرية، والذي يشكل سر تقدمها و ضمان بقاءها، هنا يجب تثار الهمم، وتوجه الجهود لحماية وتحصين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي أعتبره ميثاق السلام العالمي.

[1] . سبيلا، (محمد): الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2010، ص.87.88.

[2] . ذكر في:  في التأسيس الفلسفي لحقوق الإنسان، نصوص مختارة، م، (سبيلا)، ع، (بنعبد العالي)، م، (العريصة)، دار النشر توبقال، الطبعة الأولى 2013، ص.7-8.

[3] . نفس المرجع، ص88.

[4] . الجابري، (م.عابد): الديموقراطية وحقوق الإنسان، كتاب في جريدة، العدد 95، ص.14.

[5] . نفس المرجع، ص.14.

[6] . ذكر في:  في التأسيس الفلسفي لحقوق الإنسان، نصوص مختارة، م، (سبيلا)، ع، (بنعبد العالي)، م، (العريصة)، دار النشر توبقال، الطبعة الأولى 2013، ص.9.

[7] . نفس المرجع، ص.7.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق