الاقتصاديةالدراسات البحثية

الجريمة الاقتصادية في نظام قانون العقوبات المصري وشروط تطبيقه

إعــداد الباحث : سيد طنطاوى محمد سيد – المركز الديمقراطي العربي

خطة البحث:

الفصل الأول: قانون العقوبات الاقتصادي وشروط تطبيقه.

المبحث الأول:  تعريف قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية

  • المطلب الأول: تعريف قانون العقوبات الاقتصادي.
  • المطلب الثاني: تعريف الجريمة الاقتصادية.
  • المطلب الثالث: الطبيعة المميزة للجريمة الاقتصادية

المبحث الثاني:  شروط تطبيق العقوبة في الجريمة الاقتصادية

  • المطلب الأول: شروط تطبيق العقوبة في الجريمة الاقتصادية
  • المطلب الثاني: المختص بتحريك الدعوي في الجريمة الاقتصادية

الفصل الثاني: نطاق الجريمة الاقتصادية وأركانه

المبحث الأول: النطاق المكاني لقانون العقوبات الاقتصادي

  • المطلب الأول: مبدا إقليمية قانون العقوبات الاقتصادي
  • المطلب الثاني: مبدأ الشرعية في قانون العقوبات الاقتصادي

المبحث الثاني: أركان الجريمة الاقتصادية

  • المطلب الأول: الركن المادي في الجريمة الاقتصادية
  • المطلب الثاني: الركن المعنوي في الجريمة الاقتصادي

مقدمة:

حينما نتحدث عن الجريمة الاقتصادية فإننا نقصد في البدء عالم الاقتصاد كبيئة خاصة لظهور ونمو الجريمة فيه ، ولا شك بأن عالم الاقتصاد تطور بتطور الحضارة البشرية ، فقديمًا كان الاقتصاد يبنى على الزراعة لذا كانت الجرائم الاقتصادية في ذلك الوقت محورها الزراعة وهو ما نجده في أقدم التشريعات التي عرفتها البشرية ” شريعة حمورابي “.

ثم تطور الاقتصاد بتطور الحضارة في عصر النهضة الصناعية الذي كثرت فيه الاختراعات الصناعية التي نقلت التطور الحضاري إلى التقدم والنمو ثم وصلنا إلى عصر النهضة الحديثة حيث ثورة التكنولوجيا والفضائيات والحاسب الآلي واستخداماته وبالتالي ظهرت أنواع أخـرى من الجرائم الاقتصادية التي لم تكن معروفة من قبل والتي لا يصاحبها بالضرورة عنف ما ، بل ظهر أن مرتكبي هذه الجرائم نوعية مختلفة تهدم نظرية “لومبروزو” من أساسها حول شكل الإنسان المجرم ، إذ صرنا نشاهد مجرمين من طراز آخر أفخم من ذوي الياقات البيضاء وأذكى من أعتى المجرمين الذين قرأنا عنهم أو صادفناهم في حياتنا العملية فلقد ساعدت الحروب والازمات فى نمو قانون العقوبات الاقتصادى ولاسيما منها الحررب العالمية الاولى ففى خلال هذة الحرب صدرت نصوص قانونية عديدة جرمت بمقتضاها بعض الانشطة الموجهه ضد نظام التموين بالحبوب الغذائية كما ان الازمة التى عرفها العالم بدء من عام 1929سجلت هى الاخرى تاثيرها الهام على نمو قانون العقوبات الاقتصادى فقانون العقوبات الاقتصادى بطبيعتة يهدف الى حماية السياسة الاقتصادية ومظهر هذة السياسة التشريعات الاقتصادية التى تصدرها الدوله لذلك يكون تعريف القانون الاقتصادى من المسائل المهمة والاوليه اللازمة لتعريف قانون العقوبات الاقتصادى ولعل ابرز ميدان ظهر فية هذا التطور هو ميدان العلاقات الاقتصادية فالقانون والاقتصاد نوعان وفرعان من قانون الاجتماع والدولة الحديثة لم تعد تستطيع أن تغض البصر عن التدخل فى الاقتصاد حتى ولو كانت تستلهم الحرية الاقتصادية كمبدأ اساسى وعلاقة الاجرام الاقتصادى بعلم الاقتصاد لصيقة حيث يعتبر الاجرام الاقتصادى جزءلايتجزأ من الاقتصاد وبالتالى المخالفات  الاقتصادية لا تعتبر شكلا من اشكال الانحراف  ولكنها متجذرة فى الاقتصاد نفسة  والسوق تعتبر المسئولية الاولى عن التصرفات غير الشرعية ومصطلح القانون الاقتصادى يمكن أن يثار فى كل المجتمعات  بغض النظر عن درجة تطورها .

وبغض النظر أيضا عن كيفية تنظيمها لنشاطها الاقتصادى لانة مرتبط بعلاقة طبيعية هى علاقة القانون بالاقتصاد وهى علاقة تعاون بين فرعين للعلوم الاجتماعية (القانون فى خدمة الاقتصاد) و(الاقتصاد فى خدمة القانون) فاقانون يكون فى خدمة  الاقتصاد عندمات يصحح القصور  الذى يعترى النظريات  الاقتصادية فحرية المنافسة  مثلا  تتطلب تنظيميا قانونيا والا كانت النتيجة الحتمية  وجود مراكز احتكارية وبالتلى  أنتكاس المنافسة الحرة والاقتصاد يكون فى خدمة القانون عندما يساعد على الفهم الواعى للانظمة القانونية وبيان حقيقتها  وايضاح ما يحدث لها من تغيير فى التطبيق قد يصل الى درجة افراغها من محتواها رغم بقاء نصها واطارها الخارجى  الذى يبدو وكأنة ثابت مستقر

أهمية الموضوع :

يكتسب قانون العقوبات الاقتصادي أهمية دراسته من الآثار التي تسببها الجرائم الاقتصادية على النمو الاقتصادي والقطاع الضريبي و الإنفاق الحكومي وكذا تأثير هذه الجرائم على سوق الأوراق المالية فقد ظهرت فكرة قانون العقوبات الاقتصادي مع بداية الحرب العالمية الأولى، فخلال هذه الحرب عرف العالم نظام التسعير للمواد التموينية وتوزيعها بالبطاقات أثناء الحرب. وكنتيجة للحرب تعرضت اقتصاديات الدول للتصدع وأدت بها الحرب إلى فقدانها جزء كبيرا من وسائل الإنتاج ومن قوتها العاملة.
هذه الحالة اقتضت على الدول أثناء وبعد الحرب إدخال تعديلات على النظام الاقتصادي اقترنت هذه التعديلات بثورة سياسية واجتماعية في بعض الدول، فظهر للوجود النظام الاشتراكي في روسيا، والفاشي في ايطاليا والنظام النازي في ألمانيا.
فجاء قانون العقوبات الاقتصادي من أجل حماية التشريعات الاقتصادية التي تبنتها هذه الدول بعد الحرب.
ولم تكن الحرب وحدها السبب في تقيد الحريات الاقتصادية، فقد يلجأ إلى هذا الإجراء أيضا في زمن الأزمات الاقتصادية، فكانت الأزمة المالية لسنة 1929 في الولايات المتحدة الأمريكية سببا آخر في تبلور قواعد قانون العقوبات الاقتصادية، فاضطرت حينها الكثير من الدول إلى سن تشريعات لحماية النقد وتنظيم و التجارة ومحاربة البطالة.
وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية 1939 تأثرت الدول المحايدة بما يحدث فاضطرت إلى سن تشريعات اقتصادية للحد مما يحدث وتجلى ذلك مجموعة تشريعات تتعلق بالرقابة على النقد والتجارة الخارجية وكذا الحد من ارتفاع الأسعار و توزيع الإنتاج والسلع الاستهلاكية بالبطاقات.
ولأن آثار الحرب العالمية الثانية لم تقتصر فقط على الدمار بل خلفت آثارا سياسية واجتماعية إذ استقلت كثير من الدول المحتلة و البلدان التي كانت تحت الوصاية، فجنحت الكثير منها إلى الأخذ بالنظام الشيوعي، حيث عمدت دول أخرى في المرحلة إلى الأخذ بالتوجيه الاقتصادي، فعلى سبيل المثال لم يقتصر التأميم على الدول الشيوعية، بل تعدى إلى دول تدين بالحرية الاقتصادية كفرنسا وبريطانيا، هذه التحولات كلها ساهمت في ازدهار أحكام هذا الفرع الجديد أن قانون الأعمال، ألا وهو قانون العقوبات الاقتصادي.

المطلب الأول : تعريف قانون العقوبات الاقتصادي

أن الحديث عن تعريف قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية أمر سابق لأوانه في ظل انقسام الفقه بين اتجاهين بخصوص وجود هذا القانون من عدمه، لذلك تقتضي منا دراسة مفهوم قانون العقوبات الاقتصادي التطرق إلى هذه الجدلية الفقهية أولا فتعريف قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية ثانيا.

أولا/ الجدل الفقهي حول وجود قانون العقوبات الاقتصادية :

انقسم الفقه إلى قسمين فيما يتعلق بوجود قانون العقوبات من عدمه، فكان جانب من الفقه منكر لوجوده وآخر يؤكد وجوده.

فالمنكرون لوجود قانون العقوبات الاقتصادي هم التقليديون من الفقه، ينكرون بالأساس وجود الجريمة الاقتصادية وحجتهم في ذلك أن المشرعين اصطنعوا هذه الجرائم وابتدعوها من أجل حماية أنظمتهم الاقتصادية، وأن هذه الجرائم الموصوفة بالجرائم الاقتصادية لا تنطوي بذاتها ولا تمس القيم والأخلاق الاجتماعية في المجتمع كما هو الوضع في الجرائم التقليدية الاخرى .

أما المؤيدون لوجود قانون العقوبات الاقتصادي وهم المعاصرون من الفقه، يرون وجود هذا القانون لوجود هذه الجرائم في الحياة الواقعية وكونها حقيقة ملموسة في الوقت المعاصر، وما استحداث قانون العقوبات الاقتصادي إلا لمواجهة هذه الجرائم .

وإننا إذ نؤيد هذا الرأي القائل بوجود قانون العقوبات الاقتصادي للدلائل الواقعية التي تؤكد فرضية وجود هذا القانون، ومنها ما ذهب إليه القضاء الفرنسي من خلال محكمة النقض الفرنسية لعام 1949، والتي جاء في قرارها هذا تعريف للقانون الاقتصادي، كما أن المشرع المصري قد سايره في ذلك في مشروع قانون العقوبات الاقتصادية المصري في المادة 150 منه، حيث جاء فيها أن :” الجريمة الاقتصادية هي كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقواعد المقررة لتنظيم إنتاج وتوزيع واستهلاك وتداول السلع والخدمات.

كما أن المشرع السوري خصه بقانون يحمل هذا الاسم وهو قانون العقوبات الاقتصادي، أما المشرع الجزائري فقد نظم الجرائم الاقتصادية والعقاب عليها بالأمر رقم 66-180 الصادر في 1966 ، وهو أمر يهدف “… إلى قمع الجرائم التي تمس بالثروة الوطنية والخزينة العامة والاقتصاد الوطني … وهذا حسب نص المادة الأولى من هذا الأمر، قبل أن يلغى العمل به بدءاً من سنة 1975.

لقد وجد قانون العقوبات الاقتصادي بهدف حماية السياسة الاقتصادية ويتجلى مظهر هذه السياسة الاقتصادية في التشريعات التي تصدرها الدولة والمتعلقة بالاقتصاد، لذلك فإن تعريف القانون الاقتصادي مسألة أولية لإعطاء تعريف لقانون العقوبات الاقتصادية.

وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من القانون والاقتصاد هما فرعان من فروع قانون الاجتماع، كما أن الإجرام الاقتصادي له علاقة لصيقة بعلم الاقتصاد حيث يعد الإجرام الاقتصادي جزء لا يتجزأ من الاقتصاد نفسه، فالمخالفات الاقتصادية متجدرة في الاقتصاد، ولعل هذه الأخيرة أحد الأسباب التي جعلت من الدولة الحديثة لا تستغني عن التدخل في الاقتصاد من خلال ما تصدره من تشريعات تهدف إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية المحددة في السياسة الاقتصادية للدولة.

إن الحديث عن القانون الاقتصادي ” كمصطلح ” يمكن أن يثار في كل المجتمعات بغض النظر عن درجة تطور هذه المجتمعات،وبغض النظر عن كيفية تنظيمها لنشاطها الاقتصادي لأن الحديث عن القانون يرجع بالأساس إلى العلاقة الطبيعية هي بين القانون والاقتصاد المتمثلة في علاقة التعاون بين فرعي العلوم الاقتصادية.

ولقد عرفت محكمة النقض الفرنسية القانون الاقتصادي بأنه مجموعة النصوص التي تنظم إنتاج وتوزيع واستهلاك وتداول السلع والخدمات.

أما عن تعريف قانون العقوبات الاقتصادي: فإنه يتعلق بمدى ارتباط فكرة الجريمة الاقتصادي بالنظام الاقتصادي للدولة، لذلك أختلف الفقه حول تحديد نطاق هذا القانون بين اتجاهين، اتجاه ضيق، وآخر واسع.

  • الاتجاه الضيق(الليبراليون): يرى أصحاب هذا الاتجاه بأن قانون العقوبات الاقتصادي يرتبط ارتباطا وثيقا بالقانون المتعلق بالمنافسة و الأسعار.
  • فقانون العقوبات الاقتصادي: هو مجموعة القواعد القانونية الموضوعية والإجرائية التي تؤمن حرية التعامل الاقتصادية وحماية الأفراد من التعسف في استعمال هذه الحرية الاقتصادية فيما بينهم والتي تهدف إلى أداء الدولة لسياساتها في مجال الإنتاج وتوزيع الأموال وكذلك ضمان دورها في استخدام هذه الأموال وتوزيع هذه الخدامات.
    وبالتالي فحسب هذا الاتجاه يعد جريمة اقتصادية، كل فعل أو امتناع عن فعل يخالف قواعد المنافسة وتحديد الأسعار.
  • أما الاتجاه الموسع (الاشتراكيون): فيعرفون قانون العقوبات الاقتصادي بأنه القانون الذي يعالج صور التجريم والعقاب المتخصصة لضمان عدم مراعاة قواعد القانون الاقتصادي.
    فحسبهم، هو قانون يعاقب على الأفعال التي تتعارض مع السياسة الاقتصادية التي ترسمها الدولة وتسعى لأجل تحقيقها.

أي أنه مجموعة القواعد الموضوعية والإجرائية التي تنص على صور التجريم والعقاب المخصصة لضمان تنفيذ السياسة الاقتصادية للدولة، فهو يعاقب على أي اعتداء يقع على النظام الاقتصادي باعتباره يتعارض والسياسة الاقتصادية للدولة .

أما الجريمة الاقتصادية فيعرفونها على أنها: كل عمل أو امتناع يقع بالمخالفة للقواعد المقررة لتنظيم أو حماية السياسة الاقتصادية للدولة.

وتختلف السياسة الاقتصادية بحسب اختلاف النظام الاقتصادي الذي تتبعه الدولة .وقد ظهرت فكرة قانون العقوبات الاقتصادي مع بداية الحرب العالمية الأولى، فخلال هذه الحرب عرف العالم نظام التسعير للمواد التموينية وتوزيعها بالبطاقات أثناء الحرب. وكنتيجة للحرب تعرضت اقتصاديات الدول للتصدع وأدت بها الحرب إلى فقدانها جزء كبيرا من وسائل الإنتاج ومن قوتها العاملة.

هذه الحالة اقتضت على الدول أثناء وبعد الحرب إدخال تعديلات على النظام الاقتصادي اقترنت هذه التعديلات بثورة سياسية واجتماعية في بعض الدول، فظهر للوجود النظام الاشتراكي في روسيا، والفاشي في ايطاليا والنظام النازي في ألمانيا .

فجاء قانون العقوبات الاقتصادي من أجل حماية التشريعات الاقتصادية التي تبنتها هذه الدول بعد الحرب.

ولم تكن الحرب وحدها السبب في تقيد الحريات الاقتصادية، فقد يلجأ إلى هذا الإجراء أيضا في زمن الأزمات الاقتصادية، فكانت الأزمة المالية لسنة 1929 في الولايات المتحدة الأمريكية سببا آخر في تبلور قواعد قانون العقوبات الاقتصادية، فاضطرت حينها الكثير من الدول إلى سن تشريعات لحماية النقد وتنظيم و التجارة ومحاربة البطالة.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية 1939 تأثرت الدول المحايدة بما يحدث فاضطرت إلى سن تشريعات اقتصادية للحد مما يحدث وتجلى ذلك مجموعة تشريعات تتعلق بالرقابة على النقد والتجارة الخارجية وكذا الحد من ارتفاع الأسعار و توزيع الإنتاج والسلع الاستهلاكية بالبطاقات.
ولأن آثار الحرب العالمية الثانية لم تقتصر فقط على الدمار بل خلفت آثارا سياسية واجتماعية إذ استقلت كثير من الدول المحتلة و البلدان التي كانت تحت الوصاية، فجنحت الكثير منها إلى الأخذ بالنظام الشيوعي، حيث عمدت دول أخرى في المرحلة إلى الأخذ بالتوجيه الاقتصادي، فعلى سبيل المثال لم يقتصر التأميم على الدول الشيوعية، بل تعدى إلى دول تدين بالحرية الاقتصادية كفرنسا وبريطانيا، هذه التحولات كلها ساهمت في ازدهار أحكام هذا الفرع الجديد أن قانون الأعمال، ألا وهو قانون العقوبات الاقتصادي.

المطلب الثاني : تعريف الجريمة الاقتصادية

يمكن تعريف الجريمة الاقتصادية بأنها « فعل أو امتناع ضار له مظهر خارجي يخل بالنظام الاقتصادي والائتماني للدولة وبأهداف سياستها الاقتصادية، يحظره القانون ويفرض عليه عقاباً ويأتيه إنسان أهل لتحمل المسؤولية الجنائية». وهناك من يرى أنها كل فعل أو امتناع من شأنه المساس بسلامة البنيان الاقتصادي، كما تعبر عنه القواعد الآمرة للنظام الاقتصادي المشمولة بالجزاء الجنائي و الجريمة لغة مشتقة من مادة (جرم ) والجريمة أي الذنب ، وتجرم عليه أي أدعى عليه ذنبًا لم يحمله ، ويقول الله سبحانه وتعالى ” ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ” ، و(أجرم) : ارتكب جرمًا ، ويقال : أجرم عليهم وإليهم: جنى جناية. أما اصطلاح الجريمة وفقًا لتعريفها في القانون فيستعمل للتعبير عن سلوك مخالف للقانون الجزائي مستحقًا للعقاب لوقوع المخالفة على حق – سواء لفرد أو للمجتمع – يحميه القانون ، لذلك عرّف فقهاء وشراح القانون الجنائي الجريمة بأنها فعل أو امتناع عن فعل يؤدي إلى الضرر بالغير ويعاقب عليه القانون، ولكن بشأن الجريمة الاقتصادية ظهرت تعريفات عديدة للجريمة الاقتصادية ، ولكن هناك رأي فقهي يرى أن الجريمة هي الجريمة ولا داعي للمسميات المختلفة ، إذ أن من الجرائم العادية ما يكون له آثار اقتصادية مثل السرقة والرشوة والاختلاس والتزوير.

والنصب والاحتيال والغش والتهرب الضريبي ، إشهار الإفلاس بالتدليس وكل المماطلات الخاصة بسداد المديونيات وغيرها العديد من الصور المختلفة للجرائم المالية والتي تؤثر على اقتصاد الدول ونحوها وتفوق مخاطر الجرائم الاقتصادية أي نوع آخر من الجرائم وذلك لان آثارها قد تشمل أجيالا، وحياة آلاف من البشر، فإنهاك اقتصاد الدولة أو الشركات والمؤسسات الكبرى يؤدي إلى كوارث مالية واجتماعية تهدد حياة العاملين فيها وضياع لمدخراتهم ومصادر دخلهم، كما أن التلوث في البيئة البحرية والأرضية يؤدي إلى الإضرار بحياة الإنسان والثروات النباتية والحيوانية مما يؤدي إلى موته أو انتقال الأمراض القاتلة إليه، ومن جانب آخر فإن الممارسات غير المشروعة التي تقوم بها الشركات الكبرى متعددة الجنسيات وسيطرتها على الاقتصاد الوطني والدولي زادت من خطورة الجرائم الاقتصادية مما حدا بكثير من الدول والمنظمات إلى التنبيه والعمل على التصدي ومكافحة الجرائم الاقتصادية بمختلف الوسائل والأساليب.

في ظل العولمة وهيمنة التجارة العالمية على الأقطار كافة وبسبب عوامل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية التي يشدها العالم وستترتب عليها بلا أدنى شك أنواع جديدة من الجرائم الاقتصادية وستنشط الجريمة المنظمة التي تشمل أنماطا وأنشطة منحرفة هي بحد ذاتها جرائم اقتصادية خطيرة، ففي المسح الذي أجرته الأمم المتحدة عام 2012 عن اتجاهات الجريمة المنظمة التي تضمنت عدداً من الجرائم الاقتصادية كغسيل الأموال وتهريب المخدرات واختراق قطاع الأعمال المشروع والإفلاس بالتدليس والغش والفساد ورشوة الموظفين العموميين وجرائم الحاسب الآلي وسرقة الملكيات الفكرية والاتجار غير المشروع في الأسلحة وفي النساء والأطفال والاتجار غير المشروع في الأعضاء البشرية وسرقة المقتنيات الفنية والثقافية والغش في التأمين، ومع التقدم السريع والثورة التكنولوجية الهائلة سوف تظهر أنماط وصورة جديدة للجرائم الاقتصادية .

إلا أن ابرز أنواع الجرائم الاقتصادية التي يمكن أن تشكل أخطارا جسيمة في ظل العولمة جرائم غسيل الأموال، والتي تعرف بأنها «أي نشاط أو عملية من شأنها إخفاء المصدر غير المشروع الذي اكتسبت منه الأموال»، وذلك بهدف تمويه السلطات لجعله يبدو وكأنه دخل مشروع، ويقدر حجم الأموال التي يتم تبييضها أو غسلها في العالم بنحو تريليون دولار عام 2013، الأمر الذي يوضح جلياً مدى تهديده للاقتصاد الوطني والقضاء على المشروعات الشريفة التي تعمل في المجتمع والقضاء على القيم الأخلاقية عن طريق الرشوة والفساد الإداري، علاوة على ان أموال الاقتصاد الوطني تصبح ملوثة .

وتتخذ جرائم غسيل الأموال طرقاً وأنماطا متعددة ومتشعبة لتغطية أنشطتها الإجرامية، وتزداد خطورتها بعد استغلالها للتقنيات الحديثة من شبكة الانترنت والحاسب الآلي الذي سهل انتقال الأموال وحركة البيع والشراء دون رقابة والاجهزة الامنية والمصرفية وهناك من الفقهاء من عرّف الجريمة الاقتصادية بأنها كل فعل غير مشروع مضر بالاقتصاد القومي إذا نُصّ على تجريمه في قانون العقوبات ، أو في القوانين الخاصة بخطط التنمية الاقتصادية الصادرة من السلطة المختصة .

وليس من الصعب في بعض البلدان أن نحدد الجرائم الاقتصادية فالمشرعون قد حددوها بدرجة كبيرة من الوضوح ، ففي فرنسا صدر في 30 يونيـه .

سنة 1945 قانون بعنوان ” ضبط الجرائم الماسة بالتشريع الاقتصادي واتخاذ الإجراءات بشأنها ، وفي هولندا صدر بتاريخ 22 يونيه 1950 تشريع نموذجي لقانون العقوبات الاقتصادي ، وفي ألمانيا (الغربية وقتئذ ) نص على الجرائم الاقتصادية في قانون العقوبات الاقتصادية الصادر في 9 يوليو 1954وقد تم تعديل هذا القانون عدة مرات ، وهكذا صدرت عدة قوانين في الاتحاد السوفيتي القديم وبلغاريا وغيرها من دول الكتل الشرقية في منتصف القرن الماضي، وفي هولندا في 22 يوليو 1950كان قد صدر قانون خاص بالجرائم الاقتصادية ، وانتشرت قوانين مشابهة في كل من قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفي المنطقة العربية لم تعرف قوانين خاصة بالجرائم الاقتصادية إلا كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا والأردن ، بل في بعضها قوانين باسم قانون الجرائم الاقتصادية تحديدًا ،ويوجد من شراح القانون والفقهاء الذين سموا الجريمة الاقتصادية باسم آخر وهو ” الجرائم المالية ” ولكنهم اتفقوا على نفس التعريف مثل الدكتور هيثم عبد الرحمن البقلي في كتابه ” الأحكام الخاصة بالدعوى الجنائية الناشئة عن الجرائم المالية – دار النهضة العربية بالقاهرة ، 2005″.

بينما هناك دول ذات الاتجاه الفردي تعرف الجرائم  الاقتصادية بأنها ترمي إلى حماية العلاقات الاقتصادية القائمة على المنافسة الحرة . ومثال ذلك القانون الذي أصدرته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1890 والمعروف باسم قانون “شيرمان” Sherman Act  وهو يعتبر – من حيث المبدأ والتعديلات التي أدخلت عليه – كل عقد أو اتفاق يرمي إلى خلق تكتل اقتصاديTrust”   ” أو احتكار “Monopoly” أو إلى تقييد التجارة بين الولايات أو مع الدول الأخرى ، غير مشروع.

وقد اتفق الفقه الجنائي تحديدًا على أن الجرائم الاقتصادية ذات مخاطر عالية أكثر من أي نوع آخر من الجرائم – لماذا ؟

لأن الجرائم الاقتصادية ذات تأثير ممتد لأجيال متعددة وذات تأثير واسع على  أكبر كم ممكن من الناس ، وهي ذات تأثيرين كبيرين اقتصادي واجتماعي – كيف ؟

لتأثيرها الاقتصادي على الدولة واقتصادها وماليتها والتأثير الاجتماعي بتهديدها حياة وأموال الناس من جهة أخرى .

ويقصد بالإجرام الاقتصادي: الأفعال الضارة الاقتصادية والتي يتولى القانون تحديدها لحماية مصالح البلاد الاقتصادية .. فثمة نصوص تهتم بحماية النظام الاقتصادي في مجال الأنشطة المختلفة ومن أهمها حماية الأموال العامة والخاصة من العبث أو امتلاكها خلسة أو حيلة أو عنوة، وتحقيق أرباح غير مشروعة ، أو بتوجيه سياسة الدولة لتحقيق مصالح ذاتية ومن بين تلك الجرائم الضارة بالمصلحة العامة استغلال الوظيفة العامة لتحقيق أغراض شخصية عن طريق الرشوة والتربح واستغلال النفوذ لتحقيق مصالح ومنافع وميزات شخصية.

ولما كان القانون الجنائي يهتم بحماية المصالح الأساسية للمجتمع الإنساني فإن من أهم هذه المصالح حماية المال من جرائم الاعتداء عليه سواء كان المال عامًا أو خاصًا. وباستقراء نصوص التشريعات الاقتصادية تتضح سياسة المشرع تجاه حماية المال العام من العبث بوصفه جرمًا جسيمًا، وتطبيقًا لذلك فقد نص المشرع على جرائم اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر والاستيلاء عليه بأي صورة أخرى ، ومن بينها أيضًا تقاضي عمولات عن صفقات أو غير ذلك من الأفعال، وقد فرضت عقوبات جسيمة لمنع العبث بالمال ، ومن أهم الجرائم الاقتصادية جرائم الفساد واختلفت النظم السياسية في شأن محاسبة المسئولين السياسيين وكبار الشخصيات في حالة انحرافهم بالمسئولية المنوطة بهم وفساد ذممهم .. إذ تجنح بعض النظم إلى الاكتفاء بالتطهير أو الجزاء الإداري والإقالة في حالة شئون الاتهام بالانحراف والفساد .. بينما تأخذ دول أخرى بنظام الجمع بين العقوبة الجنائية والجزاء الإداري مهما كان مركز الجاني الوظيفي وذلك إعمالاً لمبدأ ” سيادة القانون” الذي يعتبر أصلاً من الأصول التي تقوم عليها الديمقراطية.

المطلب الثالث : الطبيعة المميزة للجريمة الاقتصادية

التفرقة بين الإجرام التقليدي والتجريم القانوني: –

تقوم هذه النظرية علي تصنيف الجرائم في التشريعات الجنائية المعاصرة إلي نوعين متمزين تماما من حيث األساس والجوهر :

الطائفة الأولي : تسمي بالجرائم األجتماعية أو التقليدية او التلقائية أو األصلية وهي أنواع السلوك المنطوي بذاته علي العدوان وأنتهاك القيم واألخالق األجتماعية الثابتة والحرمات التي يحرض المجتمع علي صيانتها مثل: القتل العمد وسائر جرائم األعتداء علي النفس وأغتصاب األناث وهتك األعراض والسطو والنهب والاعتداء علي الأموال.

الطائفة الثانية : هي الجرائم القانونية إذ أن القانون وحدة هو الذي يخلقها خلقا بغرض التهديد بالعقوبات قدرا التي يقررها لها حتي يضمن كافيا من الحماية لألنظمة المختلفة التي تحدثها الدولة في المجاالت السياسية واألقتصادية والمالية واإلدارية والصحية.

 وتنقسم تلك الطائفة إلي نوعين أيضا من الجرائم وهم :

الطائفة الأولي : الجرائم التنظيمية : مثل: جرائم الصحافة والنشر والرأي عموما وكل مافيه مخالفة ألوامر القانون ونواهية في مجاالت التنظيم اإلداري والعمراني والصحي وسائر الشئون اإلجتماعية .

الطائفة الثانية : الجرائم الوقائية الصرف: مثل: الجرائم الخاصة بحماية تدابير مكافحة المخدرات وتنظيم أستعمالها واألتجار فيها .

وتلحق هذه الطائف طائفه أخري من الجرائم تسمي بالجرائم األعتبارية: وهي الناشئة من تجريم القانون لحاالت ال اَثر فيها للجريمة ولو كانت تنظيمية أو حتي وقائية مثل : حالة التشرد وحالة السلوك المشتبة فيه.

وتري هذه النظرية أنه ال صلة علي اإلطالق بالجرائم القانونية الصرف او مايقال له التجريم القانوني نظاما من نظم سياسة الدولة ومن طبيعة النظام أنها بظاهرة اإلجرام فالجرائم القانونية في مجموعها تشكل مفروضه علي المجتمع وهذه الخاصية مناقضة لصفة التلقائية التي تميز الجرائم اإلجتماعية التقليدية الن كال من الجريمة والعقاب عليها. القانون هو الذي يصطنع • وتلحق طائفة الجرائم القانونية بنوعيها طائفة تسمي بجرائم المخالفات: ال تزيد عن أن تكون مجرد عدم أمتثال ألمر أو نهي قانوني مثل : جرائم تهريب النقد والتهريب الجمركي عموما والعديد من الجرائم األقتصادية والمالية األخري .

ويفصح أنصار هذه النظرية عن ان هناك طائفة من الجرائم تسمي بالجرائم المختلطة وهي التي تمت كال من الطائفتين الكبيرتين ( الجرائم التقليدية والتجريم القانوني ) : وهم يضيفونها إلي هذه الطائفة بصفة إلي أو تلك بحسب ما يغلب علي طبيعتها فهم يضمون إلي الجرائم التهديدية ,جرائم القتل , األصابات غير غير عمد مع أنه قد يبلغ الأمر من الإهمال الفاحش أو الإضرار الجسيمة حدا تقترب به الجريمة من مراتب الجنايات الكبري كذلك فإن جرائم الخيانة والتجسس التي تهدد سالمة الدولة بأسرها تحتسب في جانب اإلجرام السياسي.

  • النتائج المترتبة علي التفرقة بين الإجرام التقليدي والتجريم القانوني ومنه الجرائم الاقتصادية؟

هي أن الإجرام التقليدي هو فقط الذي يتطلب الخطأ فيه أما التجريم القانوني فال مجال ألثارة فكرة الذنب أو الخطأ فيه وعدلها من الجزاء أو العقاب .

ومن العبث محاولة البحث عن عالقة أيا كانت بين هذه الجرائم وفكرة الخطأ حتي في صورته غير العمدية.

والعقوبة هنا ال يبررها سوي مخالفة النصوص القانونية وليس له أية صلة مع قسوة الردع الجنائي. – كما أنه ال مجال للعدالة الجنائية فيها فوظيفة القاضي تقتصر علي مجرد التثبت من إدانة المتهم ثم تقدير العقاب التهديدي الذي يستحقه في حدود ما قرره القانون لكل جريمة فوظيفة القضاء هنا حسابية مادية صرف مجردة عن أي هدف أخالقي .

وواضح أن هذه النظرية تستند في أساسها إلي التفرقة التي قال بها جاروفالو أحد أقطاب المدرسة الوضعية اإليطالية بين الجرائم الطبيعية والجرائم التنظيمية. – الجريمة الطبيعية: هي السلوك الذي يكون له صفة الجريمة في كل زمان ومكان لما ينطوي عليه من مساس أو أنتهاك المعني األستقامه أو الخير كما هو قائم في األحساس العام .

وقد فصل جاروفالو معني الخير بأنه: ما تستوجبه المشاعر األساسية من الشفقة والأمانة . وشعور الشفقة : يقتضي تحريم كل فعل يسبب اَالما جسيمة أو نفيسة للغير , ومن هنا جرمت األعتداء علي األشخاص . وشعور الأمانة : يقتضي منع األعتداء علي أموال الغير, ومن هنا جرمت األعتداء علي األموال .

 الجريمة الوضعية: هي التي ال تعتبر سيئة إال لكونها قد جرمت وأدخل فيها الجريمة السياسية وجرائم الضرائب والتهريب الجمركي فهي جرائم تنظيمية من صنع المشرع وبالتالي ال تهتم بها البحوث الجنائية واألجتماعية وال يقصد بها سوي حماية مصالح خاصة بالدولة فقط . • ولقد أنتقدت فكرة الجريمة الطبيعية بالقول بأنه :

  • ليس صحيحا أن أهتمام البحوث الجنائية تقتصر علي األفعال التي يجرمها القانون وتضمن مساسا بشعور الشفقة واألمانة.
  • فضال عن أن فكرة الجريمة الطبيعية غي محددة فهي تعتمد علي الشعور المتوسط ويتحدد وفقا لمعيار الشخص المتوسط وهو معيار غامض غير محدد يختلف من مجتمع ألخر ومن زمن لآخر وأن فكرة وضعية الجريمة األقتصادية بمعني أنها : – لا تتعارض مع الأخلاق ولا تصطدم بالشعور العام األمر الذي يعدم لدي الفرد األحساس باألحجام عنها.

الرأي السائد:

  • لدي بعض العلماء يرفض هذه الفكرة, تأسيسا علي أن السلوك يكتسب صفة العمل الجنائي إذا كان ضارا بمجتمع معين في فترة محددة .
  • دون اعتبار لما إذا كانت قد أكتسبت هذه الصفة في هذا المجتمع منذ وقت طويل. ودون أهمية لما إذا كان له في الدول األخري في هذه الفترة صفة العمل الجنائي والحقيقة أنه ألمكان تقييم النتيجة التي وصلت إليها هذه النظرية من حيث عدم تطلب الخطأ في الجرائم األقتصادية , يتعين أن نفرق بين مقومات تجريم السلوك ومقومات العقاب , أي بين أساس التجريم وأساس المسئولية عن الجريمة.

فالفكرة المعنوية للجريمة: تبدو في عدم مشروعية الفعل المكون لها، أما الركن المعنوي في الجريمة فشئ أخر : هو الرابطه النفيسة بين الفاعل والركن المادى في الجريمة ، ولا يصح الخلط بين عدم المشروعية والركن المعنوي فعدم المشروعية ركن في الجريمة يضاف إلي الركن المعنوي والمادي .

وعدم المشروعية : هو أعتداء الفعل علي مصلحة قانونية يحميها النص.  والخطأ (العمدي وغير العمدي ) : هو الصلة النفيسة التي تربط الفاعل بهذا الفعل . وبعبارة أخري فإن القاعدة الجنائية تتكون من شقين: –

  • الشق األول: شق تقييمي للفعل من حيث مدي أضراره بالمصلحة التي تحميها القاعدة .
  • الشق الثاني: يرسم للناس السلوك الذي يجب أن يلتزموه حرصا علي حماية هذه المصلحة .

فمخالفة الشق األول تكون عدم المشروعية ومخالفة الشق الثاني تكون الخطأ .

بعد أن أوضحنا الفارق بين عدم المشروعية والخطأ يمكننا األن أن نلحظ بوضوح أن كل ماجاءت به نظرية التجريم القانوني من مبررات لنفي الركن المعنوي للجريمة األقتصادية إنما يوجد موضعه الحقيقي في عدم المشروعية وال يتعلق بفكرة الخطأ في شئ وهذا ما نجد أنصار النظرية أنفسهم يقررونه فهم يقولون: في مجال الإجرام الاجتماعي: الأصل أن المشرع عندما حصر بالنص القانوني الجرائم التي فيها مسجال ومدونا فحسب لما أستقر عليه القانون العرفي في هذا أعتداء علي القيم اإلجتماعية والحريات إنما كان المجال , بمعني أن هذه الطائفة من الجرائم تكتسب شرعيتها من األحساس الشعبي العام.

أما الجرائم التنظيمية: فإن مناط الشرعية فيها هو سالمة النظم التي يراد حمايتها وأتفاقها حقيقة مع المصلحة األجتماعية وال ريب من ناحية أخري في الرابطة الوثيقة بين سالمة النظم في ذاتها ومبلغ أحترام الناس وتعلقهم بها فكلما أرضت تلك النظم مجموع المواطنين وهدفها هو الخير العام كان نصيبها من األحترام أكبر وال يكون للعقاب علي مخالفاتها إال لتهديد القلة ممن تحدثهم أنفسهم باألقدام علي هذه المخالفه , وعلي العكس فإن فرض نظم فاسده أو تعسفيه علي المواطنين أو نظم تخدم قلة من الناس وإلزام الجميع بأحترمها تحت التهديد بالعقاب هو بلا ريب عمل أستبدادي عاطل من الشرعية.

 كما نجد سند هذا التوضيح الذي قلنا به فيما قرره البعض من أن توافر المسئولية الجنائية مرهون :

أولا : بوجود واقعة إجرامية مسنده إلي النشاط اإلرادي لشخص بعينة (المتهم)

ثانيا : بأن يصاحب هذا النشاط اإلرادي المادي الخارجي معني في ذهن الجاني أو سلوكه النفسي الداخلي يتفق مع أحدي الصورتين اللتين حصر تشريعنا الجنائي فيهما مختلف الجرائم بين عمديه وغير عمديه هو أما العمد أو الخطأ غير العمدي وأبرز مظاهره الاهمال وعدم الاحتياط. فلا شك أن المنهج السائد في العلم الجنائي الحديث يبحث الجريمة: قانونيا مجردا . – أوال : بأعتبارها كيانا – ثانيا : يتناولها بالقياس إلي شخص المجرم أي من زاوية نظرية المسئولية الجنائية .

ولا ريب في ان ذلك من وحي حركة التوفيق بين المدرستين التقليدية والوضعية التي أعقبت الثورة الوضعية وتركت بصماتها في جميع التشريعات الجنائية التي أستحدثت أو طورت منذ بداية هذا القرن. – وبعد كيف يمكن الحديث عن إنكار فكرة العدالة في الجرائم اإلقتصادية والمشرع نفسه ياخذ فيها بفكرة المبرر المشروع فيبيحها إذا قام هذا المبرر من ذلك ماتنص عليه المادة 33|1 من مرسوم 33 يونية 1445 في فرنسا وهو أول تشريع أساسي لألسعارمن أن (جريمة الامتناع عن البيع لا تقوم إلا إذا كان المشتري سئ النية أو كانت طلباته ال تتفق مع العرف والعادات التجارية وإن البائع غير ملزم بإجابة الطلب إال في حدود الجاهز من البضاعة وبشرط أال يكون القانون قد حظر بيع السلعة موضوع التعامل أو أن يكون المشرع تنظيما نظمها خاصا) , وواضح أن المشرع ال يقصد من كل ذلك إال أستلهام أعتبارات العدالة الطبيعية فهو يتجه إلي النظرة اإلنسانية أكثر من أتجاهه إلي المعاني المجردة للشكليات القانونية. • الجريمة األقتصادية والأخلاق.

س) هل تعتبر الجريمة الاقتصادية حقيقة جريمة وضعية بمعني أنها لا تتعارض مع الأخالق ولا تصطدم بالشعور العام ؟

ج) الواقع أنه من الصعب إطالق حكم عام علي جميع الجرائم اإلقتصادية إذ من المعروف أن قانون العقوبات اإلقتصادي قانون غير متجانس ومتناقض خاصة في الدول الرأسمالية حيث يتراوح بين المستلهمات فصال من أنه غير الحرة والمتطلبات التوجيهية لذلك فإن التعرض لكل جريمة أقتصادية علي حده أمر بدال من المستطاع فإنه غير مرجو ألنه سيجعل النتيجة حينئذ غاية في التفتيت وسيساعد علي إظالم المشكلة إيضاحها .

من أهم الجرائم الاقتصادية) جريمة الأسعار و جريمة الصرف (جريمة الأسعار: –

قديمة قدم العالم , ألن أستقرار األسعار أمر مرغوب فيه في المبادالت التجارية والتسعير هو في الواقع ضمان شرعي ضد تقلبات األثمان وأستقرار األثمان يقلل روح المضاربة كما يشجع األدخار واألقتصاد كله.

ولقد عبر قديما عالم األجتماع platon) ) عن امنيته في تنظيم األسعار فكتب يقول : ” يجب علي حماة القوانين بعد أجتماعهم باألشخاص المختصين ان يفحصوا الموارد والتكاليف التي ينتج منها للتاجر ربح معقول وعليهم أن يحددو كتابة ما يمكن للبائع أن يطلبه بسبب نفقاته “. – لقد قبل المفكرون المرموقون فكرة التسعير القانوني ووجدوا أنه من الطبيعي جدا ومن حسن العدالة أن تصدر األسعار عن القانون لقد قال    (gerson)في الدولة ” يجب أال نفترض وجود من هو أحكم من المشرع ثم أضاف أنه أذن المشرع الذي يجب أن يناط به تنظيم كل شئ إذا أمكن كالسعر العادل الذي يجب علي األفراد أال يتجاوزوه علي الرغم من نزواتهم وشهواتهم أنه يجب تنظيم جميع أسعار السلع كأسعار الخبز والنبيذ كم يمكننا أن نتفادي بذلك المشاحنات ليس فقط غير المفيدة بل العقبة التي تثور كل يوم حقا ولكن كم له من اَثار مفيدة “. بين البائعين والمشترين أن اإلجراء صعب التطبيق .

ولعل من المهم أن نشير هنا إلي أن مشكلة الثمن العادل تمثل إحدي تطبيقات العدالة في العالقات األقتصادية وليس من شك في أنه يحدث تستر من الجمهور عن بعض جرائم األسعار ولكن هذا التستر راجع إلي أستسالم الجمهور لإلستغالل المذموم الذي يقعون فريسة له , األمر الذي قاد بعض التشريعات إلي توقيع للبائع أو عقوبة الحبس علي المستهلك الذي يقبل أن يدفع سعرا أعلي من السعر المحدد سواء بصفته شريكا فاعال في جريمة خاصة . بصفته .

ومتى كانت آراء علماء الأخلاق والدين أنفسهم في هذه المسألة , أال يصح القول بعد ذلك ان إحساس األنسان وضميره يدينان عدم أحترام السعر الذي تحدده اإلدارة والسوق السوداء بصفه خاصه؟ • أليس األنسان قاضيا سيئا بصفة عامة لشئونه الشخصية؟ – خاصة إذا تعلق األمر بمصالح متداخلة ومن هنا فإن التاجر الجشع سوف يحاول دائما أن يجد األعذار له . ألعماله السيئة بل قد يري فيها مبررات أكثر منها أعذارا .

جرائم الصرف : فإن الفكرة في الرقابة علي النقد فكرة قديمة جدا ترجع إلي أفكار التجاريين في القرن السادس عشر التي كانت تقوم علي أن ثراء الدول يتوقف علي كميات الذهب والفضة الموجودة فيها األمر الذي يوجب تشجيع دخولها إلي البالد عن طريق رفع سعر فائدة إيداعها او قبولها بأكبر من قيمتها كما يجب وضع القيود التي تمنع خروج الذهب والفضة من البالد عن تطريق التدخل في العقود التي تبرم بين الوطنيين واألجانب بحيث يلتزم الموردون بأن يأخذوا مقابل بضائعهم منتجات قومية.

ولقد أصبح من المعلوم األن أن الإجراءات الخاصة بالرقابة علي النقد أخذت بها كل الدول تقريبا بحيث أستثناءا أصبحت الدول التي تسمح بتصدير عمالتها تكون حقيقيا .

لم يسلم أنصار وضعية الجريمة األقتصادية بأن كل مخالفة لقانون شرعي عمل مخالف للأخلاق , وأن مناط شرعية القوانين األقتصادية هو سالمة النظم التي يراد حمايتها وأتفاقها مع المصلحة األجتماعية , وأن االرتباط وثيق بين سالمة النظم في ذاتها مبلغ أحترام الناس لها وتعلقهم بها.

فإذا صح أن هذه القوانين محل أحترام الناس بسبب شرعيتها فكيف يتصور أال يكون مخالفاتها في صورة محال ألستهجانهم أو إنهم ينظرون إلي هذه المخالفة علي أنها عمل ال يتعار ض مع الجريمة األقتصادية أخالقهم.

أن قانون العقوبات األقتصادي ينطوي علي فكرتي العدالة الفردية والعدالة اإلجتماعية معا فهو يخصص بعض نصوصه لضمان بعض األخالقيات في التجارة , فنجد هنا التعبير عن ضرورة حماية المستهلكين وهذا يعني ضمان المساعدة الجنائية لألفراد في عالقاتهم الفردية مع التجار والنصوص التي تعاقب الغش في البيع .

إن اللذين يقولون بوضعية الجريمة األقتصادية بصفة عامة لتوافقها مع األخالق إنما يقعون في سقطة لا ينتبهون إليها وهي أنهم في الوقت الذي يسجلون فيه تطول القانون أغفلوا تطور األخالق.

وأن كثيرا من الجرائم التي توصف بالوضعية تبدو اليوم أشد لوما من كثير من الجرائم التقليدية فالتشرد بالغا , الأمر الذي أوقع أصحاب نظرية الجريمة أجتماعيا والرشوة وجرائم الجاسوسية ال شك أنها تثير لوما الوضعية في الحيرة مما اضطرهم إلي خلق مجموعة ثالثة أطلقوا عليها أسم الجرائم المختلطة. لذلك فإن القول بوضعية الجريمة أو بإخالقيتها بصفة عامة ال يصلح أساسا ألستبعاد تطلب الخطأ فيها ألن ذلك ينطوي علي خلط بين سياسة التشريع وبين أركان الفعل في التشريع ,فبينما يكون البحث في سياسة التشريع عن حكمة الشارع فإن البحث في التشريع يتعلق بعناصر النموذج القانوني.

ولكن الأقرب للصواب هو مايراه الأستاذ asua de jimenez    من انه لا يوجد فارق من حيث الطبيعة بين الجريمة الجنائية العادية والجريمة األقتصادية ولكنه فارق كمي بحت .

فقانون العقوبات األقتصادي فرع عقابي جديد تولد من فرعين قديمين هما قانون العقوبات العام وقانون العقوبات اإلداري .

المبحث الثاني : شروط تطبيق العقوبة فى الجريمة الاقتصادية

المطلب الأول : شروط تطبيق العقوبة فى الجريمة الاقتصادية

مما لاشك فيه أن المشرع قد يتصدى وبنفسة مباشرة بنفسه ومباشرة لتعريف الجرم الاقتصادي، أو يكتفي بتعداد الجرائم التي تدخل في ولاية القضاء الجزائي الاقتصادي بما يفيد خلع الصفة الاقتصادية على الجرائم المعددة.

هذا ما تبناه المشرع الألماني والفرنسي والمصري، في حين مال الشارع السوري إلى المباشرة في تعريف الجرم الاقتصادي (المادة الثالثة من قانون العقوبات الاقتصادية) فوصفه بـ «الأعمال الضارة بالأموال العامة وبعمليات إنتاج وتوزيع وتداول واستهلاك السلع والخدمات»، وفيما خلا الجرمين اللذين تناولتهما المادتان (8-21) من قانون العقوبات الاقتصادية (جرمت المادة الثامنة تعيين عمال أو مستخدمين أو موظفين أو منحهم ترفيعات أو تعويضات أو مكافآت بصورة مخالفة للقانون، وجرمت المادة الحادية والعشرون إضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني والغش في نوعية المنتجات والصادرات والمستوردات والسلع الاستهلاكية) لا تنسلخ الصفة الاقتصادية عن الجرائم الواردة فيه ما لم  يقل ضررها أو نفعها عن مئة ألف ليرة سورية في الجرائم المقصودة، وعن مئتي ألف ليرة سورية في الجرائم غير المقصودة. وركن الضرر أو النفع من شأنه أن يجعل العديد من الجرائم الاقتصادية الواردة في قانون العقوبات الاقتصادية بمنأى عن التجريم عند انتفائه. على أي حال لم يكن كون الجرم اقتصادياً يستتبع حتماً اختصاص القضاء الجزائي الاقتصادي (أُحدث القضاء الاقتصادي بالمرسوم التشريعي رقم 46 تاريخ 8/8/1977) في الفصل فيه باعتبار أن المشرع حصر ولاية هذا القضاء بالجرائم الواردة في قانون العقوبات الاقتصادية وفي جرائم التهريب وجمع الأموال وقانون تهريب العملة السورية والمعادن الثمينة الملغى (بموجب المرسوم التشريعي رقم 33 تاريخ 8/7/2003).

وقد أعاد المشرع النظر في ضرورة القضاء الاقتصادي فقرر الرجوع عنه (قضى المرسوم التشريعي رقم 16 تاريخ 14/2/2004  بإحالة جميع الدعاوى المنظورة أمام محكمة الأمن الاقتصادي وقضاء التحقيق الاقتصادي إلى محكمة الجنايات أو محكمة البداية طبقاً لكونها جناية أم جنحة. وسبق أن أنهى المشرع السوري ولاية القضاء العسكري بالنظر في جرائم قانون التموين وجرائم قانون قمع الغش والتدليس بموجب القانون رقم 47 تاريخ 9/7/2001 والمرسوم التشريعي رقم 2 تاريخ 19/3/1990).

وأصبحت الجرائم المنظورة أمامه من اختصاص محكمة الجنايات أو محكمة البداية تبعاً لوصفها وتختص دائرة في محكمة النقض بالنظر في الطعون الواقعة على الأحكام الصادرة عنها.  وخلافاً للشارع السوري فقد آثر المشرع الألماني عدم تعريف الجريمة الاقتصادية والاجتزاء بتحديد الجرائم الاقتصادية التي تدخل في اختصاص الغرفة الجزائية الاقتصادية في محكمة الولاية، ومن هذه الجرائم (كما وردت في الفقرة (1) من المادة (C. 74) من قانون تنظيم القضاء) تلك الواردة في قانون براءة الاختراع، وقانون النماذج، وقانون العلامات التجارية، وقانون العقوبات الاقتصادية لعام 1954، وقانون حق النشر، وقانون أشباه الموصلات، وقانون المنافسة غير المشروعة، وقانون الشركات المساهمة، وقانون الشركات المحدودة المسؤولية، وقانون الجمعيات، وقانون التجارة، وقانون البنوك، وقانون سوق الأوراق المالية، وقانون التجارة الخارجية، وقانون الرقابة على النقد، وقانون التجارة بالأوراق المالية، وقانون الإشراف على التأمين، وقانون الأغذية إضافة إلى الجرائم الاقتصادية التي نص عليها قانون العقوبات الألماني كالاحتيال المتعلق بالمساعدات الحكومية والاحتيال المصرفي والاحتيال المرتبط بالاستثمار والإفلاس ومحاباة الدائنين ومحاباة المدينين واتفاقات العارضين المقيدة للمنافسة والرشوة الإيجابية والرشوة السلبية في القطاع الخاص، إلى جانب الجرائم التي تدخل في اختصاص الغرفة الاقتصادية في حال كان الحكم فيها يتطلب معرفة بالشؤون الاقتصادية، كالرشوة ومنح فائدة لذوي الصفة العامة والاحتيال وإساءة الائتمان وجرائم الحاسوب والربا.

وفي فرنسا نص قانون الإجراءات الجنائية في المادة 704 منه (وردت هذه المادة ضمن الباب الثالث عشر من الكتاب الرابع من قانون الإجراءات الجنائية، وقد وضع المشرع عنواناً لهذا الباب «الملاحقة والتحقيق والمحاكمة في الجرائم الاقتصادية والمالية» على إنشاء محكمة أو أكثر في دائرة كل محكمة استئناف تكون مختصة بمحاكمة الجرائم الاقتصادية والمالية (والجرائم المتصلة بها) إذا كانت جنحاً على جانب كبير من التعقيد (بسبب تعدد الفاعلين أو المساهمين أو المجني عليهم أو بسبب النطاق الجغرافي الكبير للجريمة)، هذه الجرائم هي:جريمة غسيل الأموال، جريمة غسيل الأموال الناجمة عن جرائم المخدرات، جريمة الاستخدام الاحتيالي لقاصر أو شخص غير سوي لارتكاب فعل أو امتناع ضار به، الاحتيال، إساءة الأمانة، جرم رفض أو تقييد العروض المقدمة للمزايدات أو المناقصات الناجم عن ِمنح أو وعود أو تفاهمات أو أي وسائل احتيالية، جرائم الوصول غير المشروع إلى أنظمة معالجة البيانات الآلية، جرائم الغدر، والرشوة، وصرف النفوذ، والتربح أو التدخل، والمحاباة الاقتصادية، والاختلاس، جرائم التزوير، جريمة العجز عن تبرير مصدر الدخل لشخص مرتبط بشخص متورط بتشكيل عصابي، الجنح المنصوص عليها في قانون التجارة وفي القانون النقدي والمالي وفي قانون البناء والإسكان و في قانون الملكية الفكرية، الجنح المنصوص عليها في المواد (1741 حتى 1753 مكرر أ) من قانون الضرائب العام وفي قانون الجمارك وفي قانون تخطيط المدن وفي قانون المستهلكين وفي قانون المقامرة وفي قانون الأسواق الواعدة وفي قانون الصحافة. من الواضح اضطراب خطة الشارع الفرنسي في تعداد الجرائم الاقتصادية فقد أدرج ضمنها جرائم عديمة الصفة الاقتصادية كالاستخدام الاحتيالي لقاصر أو شخص غير سوي المنصوص عليها في المادة (2-15-223) من قانون العقوبات الفرنسي، في الوقت نفسه  أغفل ذكر إحدى أهم الجرائم الاقتصادية وهي جريمة الرشوة الاقتصادية الدولية أو رشوة الموظفين العموميين الأجانب التي جرمتها اتفاقية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وأدخلتها فرنسا إلى قانونها من خلال المادتين (3-435) و(4-435)، أيضاً يؤخذ على خطة المشرع الفرنسي تعليق اختصاص المحاكم الاقتصادية على كونها معقدة؛ فربما لا يتحقق معيار التعقيد في العديد من الجرائم الاقتصادية الخطرة كالرشوة والغدر وبالتالي يكون النظر فيها من القضاء العادي وانعدام الغاية من إحداث قضاء متخصص.

وبعد أن ألغى المشرع السوري القضاء الاقتصادي وأعاد إلى القضاء الجزائي العام اختصاص النظر بالجرائم الاقتصادية أصدر المشرع المصري قانون إنشاء المحاكم الاقتصادية رقم 120 لعام 2008، وقد حُدد اختصاص هذه المحاكم بالجنايات والجنح الاقتصادية المنصوص عليها في مجموعة من القوانين الاقتصادية الليبرالية، وهي جرائم التفالس، وجرائم شركات الأموال، وجرائم سوق المال، والجرائم المنصوص عليها: في قانون الإشراف والرقابة على التأمين، وقانون ضمانات وحوافز الاستثمار، وقانون التأجير التمويلي، وقانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية، وقانون التمويل العقاري، وقانون حماية الملكية الفكرية، وقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقد، وقانون الشركات العاملة في مجال تلقي الأموال واستثمارها، وقانون التجارة في شأن جرائم الصلح الواقي من الإفلاس، وقانون حماية الاقتصاد القومي من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية، وقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وقانون حماية المستهلك، وقانون تنظيم الاتصالات، وقانون تنظيم التوقيع الالكتروني.

المختص بتحريك الدعوى في الجريمة الاقتصادية

لا زالت العقوبات الجنائية أهم الجزاءات المقررة لمخالفة أحكام القوانين الاقتصادية إذ من الطبيعي في مرحلة تكوين القانون الاقتصادي التذرع بجزاءات شديدة إلى أن يدرك الجمهور أهمية القوانين الاقتصادية .

إن وجود النص التشريعي في قانون العقوبات الاقتصادي مهم جداً لأن أحكام قوانين العقوبات الاقتصادي غير مستقرة ، فتناول المشرع بكثير من التعديلات .

إن الأصل أن النيابة العامة دون غيرها هي المختصة بتحريك الدعوى الجنائية (المادة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية) .

وعلى خلاف الأصل يمكن أن نلاحظ خروجا على سلطات النيابة العامة في بعض القوانين الاقتصادية ، وهو مستخلص من عدم التوازن بين حقوق الإدارة وحقوق الأفراد في هذا الصدد ([1]).

أولاً حقوق الإدارة :

إذا كانت الإدارة تساهم في دور ملحوظ في وضع نصوص التشريع الاقتصادي الجنائي ، وذلك نتيجة اتساع نظام التفويض التشريعي في تحديد الجرائم الاقتصادية ، فإن من الطبيعي أن يكون للإدارة أيضاً رأي فيما إذا كانت المصلحة العامة تقتضي تحريك الدعوى الجنائية على من يخالف هذه النصوص بارتكاب الجريمة الاقتصادية أم لا .

فقد اشترطت بعض من التشريعات طلباً من الإدارة في تحريك الدعوى الجنائية على من يخالف .

ومن قبيل ذلك تنص المادة الثامنة من القانون الفرنسي الصادر في 30 يوليو 1945ضمن جرائم الصرف (لا يجوز اتخاذ إجراء في الدعوى إلا بناء على شكوى من وزير الاقتصاد والمالية) ([2]).

وعلى هذا جرى المشرع المصري في الجرائم التي ترتكب بالمخالفة لقانون البنك المركزي والجهاز المصرفي والنقود رقم 88 لسنة 2003 في المادة 131 منه حيث علق رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق في الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون والقرارات الصادرة تنفيذاً له في المادتين 116 والمادة 131 من قانون العقوبات في نطاق تطبيق أحكام هذا القانون إلا بناء على طلب من محافظ البنك المركزي أو طلب من رئيس مجلس الوزراء .

وكذلك قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية رقم 93 لسنة 2000 حيث نص في المادة 59 من هذا القانون على أنه لا ترفع الدعوى الجنائية بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في هذا القانون إلا بناء على طلب كتابي من الوزير المختص بعد أخذ رأي رئيس الهيئة .

كذلك قانون الإيداع والقيد المركزي للأوراق المالية رقم 93 ، ترفع الدعوى الجنائية بالنسبة للجرائم المنصوص عليها في هذا القانون ، وكذلك قانون حماية المنافسة ومنع المحاولات الاحتكارية رقم 3 لسنة 2005 حيث نص في المادة 21 منه على انه لا يجوز رفع الدعوى الجنائية أو اتخاذ إجراءات فيها بالنسبة إلى الأفعال المخالفة لأحكام هذا القانون إلا بطلب كتابي من الوزير المختص أو من يفوضه .

المبحث الثاني :النطاق المكاني للعقوبات الاقتصادي

هناك مبدأ مقرر في قوانين العقوبات جميعاً ، وهو إقليمية قانون العقوبات ، فيسري على كل من يرتكب جريمة في إقليم الدولة لا يسري على ما يقع من جرائم خارج هذا الإقليم ، وعلى هذا تنص المادة الأولى من قانون العقوبات المصري و تنص على حالتين ، في المادة الأولى منها يقع الجاني في الخارج فعل يجعله فاعلاً أو شريكاً في جريمة وقعت كاملة أو بعضها في مصر .

أما الحالة الثانية فخاصة بجنايات لها خطورتها لمساسها بأمن الدولة أو بالثقة في عملتها، وما إلى ذلك .

ويقابل ذلك في التشريع الفرنسي نصوص المواد 689 ـ 669 من قانون الإجراءات .

وقد بدأ الاتجاه في التشريع الحديث نحو سريان قانون العقوبات على الجرائم الاقتصادية الناتج خارج إقليم الدولة ، على اعتبار أن هذه الجرائم تشكل خطراً على المصالح الاقتصادية للدولة التي وقعت عليها وتهدد بالتالي أمنها وقد تهدد النظام السياسي فيها وسواء وقعت من وطني أو من أجنبي وسواء كانت معاقباً عليها حيث وقعت أو لم تكن ، فقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية أصدر المجلس الفيدرالي في سويسرا عدة قرارات بتطبيق قانون العقوبات السويسري على بعض الجرائم الاقتصادية التي تقع في الخارج .

ومن المتعذر استخلاص الضابط الذي اهتدى به المجلس المذكور في تعيين هذه الجرائم ، فهي جرائم متنوعة ومختلفة ، منها الجرائم المتعلقة بالعملة ، والتأمين ضد مخاطر الحرب ، ومراقبة التصدير أو استهلاك السفن السويسرية وإنشاء رصيد التجديد ، ومراقبة تصدير الجبن، ومع أن المادة 4 ـ 6 من قانون العقوبات معنية يسري عليها هذا القانون ولو وقعت في الخارج ، إلا أنها لا تتضمن الجرائم الاقتصادية ، وقد سد هذا النقض قرار المجلس الفيدرالي الصادر في 17 أكتوبر سنة 1944 ، إذ نص في المادة الثالثة على المعاقبة على الجرائم الاقتصادية ([3]).

  • مبدا أقليمية قانون العقوبات:-

مبدأ اقيمية قانون العقوبات :

يقصد بهذا المبدأ أن قانون العقوبات يطبق علي كل جريمة  ترتكب في إقليم الدولة ، سواء أكان الجاني وطنيا أم أجنبيا، وسواء أكان المجني علية فيها وطنيا أم أجنبيا . ويرجع إعمال مبدأ الإقليمية إلى الطبيعة الخاصة لقانون العقوبات . ذلك أن قانون العقوبات تعبير عن سيادة الدولة .

فقانون العقوبات يختلف عن القوانين الأخرى – مثل القانون المدني و قانون الأحوال الشخصية – التي تسمح للقاضي الوطني بتطبيق القانون الأجنبي . كما يجوز للأطراف أن يتفقوا علي تطبيق القانون الأجنبي في حالة قيام نزاع بينهم . وإذا وقعت الجريمة على إقليم الدولة فإن قانون العقوبات يصبح واجب التطبيق ، كما يصبح القضاء الوطني مختصا بمحاكمة المتهم بغض النظر عن جنسيته أو ديانته.

فشروط مبدأ الإقليميةيشترط لإعمال مبدأ الإقليمية وقوع الجريمة ، بأكملها أوجزء منها ، على إقليم الدولة . وبالتالي من اللازم تحديدالمقصود بإقليم الدولة ، والمقصود بوقوع الجريمة وجزء منها

  • مبدأ الشرعية في قانون العقوبات الاقتصادي

مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات :

الجريمة من الناحية الاجتماعية خطيئة يترتب عليها إخلال بنظام وأمن المجتمع ، وهي من الناحية القانونية فعل أو امتناع يترتب القانون على ارتكابه عقوبة ، والناحية الثانية متصلة بالأولى بل هي نتيجة لها ، ومن هنا نشأت قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون ([4]).

وبني عليها أن التجريم والعقاب من عمل المشرع ، ثانياً أن القاضي لا يملك التجريم فيما لم يرد في نص ولا أن يقضي بغير العقوبة .

ثالثاً مؤدى ذلك أن القياس غير جائز في مجال التجريم والعقاب فالمصدر الوحيد للتجريم هو النص المكتوب ، فإذا لم يرد نص يبين الجريمة ويحدد عقوبتها وجب على القاضي أن يحكم بالبراءة مهما كان الفعل نظره خطيراً ، أما في قانون العقوبات الاقتصادي : إن وجود النص التشريعي ضروري فأحكام هذا القانون غير مستقرة فيتناولها المشرع بكثير من التعديلات لمواجهة الظاهرة الاقتصادية غير المستقرة ، فيتناولها المشرع بكثير من التعديلات لمواجهة الظواهر الاقتصادية أو من حق الناس أن يتيسر لهم العلم بذلك .

وضرورة النص على عناصر الجريمة الاقتصادية أمر تحرص عليه التشريعات جميعاً ومنها العقوبات الاقتصادي في جمهورية مصر العربية فالمادة 103 من القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن الشركات التجارية تعاقب كل من ضمن إحدى البيانات الصادرة بشأن أرائهم أو مستندات أو معلومات كاذبة أو مخالفة لأحكام القانون مع علمه بعدم صحتها .

التفويض التشريعي :

الأصل أن التحريم لا يكون إلا بقانون تصدره السلطة التشريعية ، فلا يجوز ذلك للسلطة التنفيذية أخذاً بمبدأ الفصل بين السلطات .

أما الجرائم الاقتصادية على عكس القانون العام يتسع نظام التفويض التشريعي في تعيين الجرائم الاقتصادية فيقتصر دور المشرع على إصدار النصوص ، ويعهد إلى سلطات قانونية عليها ، وبعبارة أخرى يكتفي المشرع بوضع مبادئ عامة فلا ينص على الالتزام بالأسعار المحددة أو يترك للوزير المختص تحديد عناصر الجريمة ، فهو الذي يحدد السلع المسعرة وأسعارها ومدة سريان التسعيرة ويعدل قائمة هذه السلع والإدخال والإخراج .

ويؤيد معظم فقهاء القانون الجنائي التفويض التشريعي في تجريم الخروج على القوانين الاقتصادية ، ذلك أن التشريع في هذا المجال يتطلب دراية فنية قد لا تتوافر إلا لدى السلطة المنوطة ، فضلاً عن ضرورة توفير المرونة في الأداة التشريعية حتى يتسنى لها مواجهة مفاجئات الظواهر الاقتصادية بما يحقق نجاح السياسة الاقتصادية .

في التشريع المصري :

عرف تشريعنا التفويض التشريعي في الجرائم الاقتصادية منذ صدور المرسوم بقانون رقم 95 في4 أكتوبر سنة 1945 الخاص بشئون التموين فقد نصت المادة الأولى على ما يأتي “يجوز لوزير التموين لضمان تموين البلاد ولتحقيق العدالة في التوزيع أن يتخذ بقرارات يصدرها بموافقة لجنة التموين العليا ” ([5]).

  • أركان الجريمة الاقتصادية

المطلب الأول : الركن المادي للجريمة الاقتصادية

قد تكون الجريمة الاقتصادية من جرائم النتيجة أو من الجرائم الشكلية، والنشاط الجرمي بدوره قد يكون إيجابياً أو سلبياً، ففي جرائم التشريعات الاقتصادية الجزائية الحديثة  يتجلى النشاط الجرمي في إنتاج أو عرض أو توزيع أو حيازة منتج مغشوش أو فاسد أو ضار بالصحة أو منتهي الصلاحية (المادة 12 من قانون حماية المستهلك)، أو التواطؤ ضد المستهلكين (المادة 8 من قانون حماية المستهلك )، أو حيازة أو إنتاج أو عرض الآلات أو الأدوات أو الوسائل التي تساعد على الغش (مادة 13 من قانون حماية المستهلك )، أو الإعلان المضلل (المادة 35 من قانون حماية المستهلك)، أو نشر وقائع كاذبة بهدف حمل الجمهور على الاكتتاب بالأسهم أو إسناد القرض (الفقرة /ط/ من المادة 203 من قانون الشركات)، أو توزيع أرباح صورية أو غير مطابقة لحالة الشركة الحقيقية (الفقرة /ز/من المادة 203 من قانون الشركات)، أو إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة أو تحويلها أو استبدالها أو حيازتها أو استثمارها (المادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم 33 لعام 2005 المتعلق بغسيل الأموال)، أو تقليد علامة فارقة أو استعمالها (المادة 61 من قانون العلامات الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج الصناعية والمنافسة غير المشروعة).

وقليلٌ تحقق النشاط الجرمي في الجريمة الاقتصادية بالامتناع كالتقصير في اتخاذ الاحتياطات العادية الممكنة لتلافي الضرر(المادة 11 من قانون العقوبات الاقتصادية).

وقد يجتزئ النص القانوني في الجرائم الاقتصادية بالعقوبة من دون الفعل الجرمي مفوضاً إلى السلطة التنفيذية بيانه من خلال لائحة أو قرار. وتعد المادة /16/ من قانون قمع الغش والتدليس تجسيداً لذلك حيث نصت «إذا كان مقدار المنتجات أو قياسها أو كيلها أو طاقتها أو وزنها أو مصدرها أو طريقة صنعها أو العناصر الداخلة في تركيبها من العوامل التي لها دخل في تقدير قيمتها جاز بقرار من وزير التموين والتجارة الداخلية منع بيعها أو عرضها للبيع أو حيازتها بقصد البيع ما لم ترفق ببيانات بأوصافها وتركيبها، ويحدد في القرار أشكال هذه البيانات وأوصافها. يعاقب على مخالفة القرارات المذكورة بالغرامة من/1000/إلى/15000/ ليرة سورية، يعاقب في حال التكرار بغرامة من/2000/ إلى/30000/ ل0س وبالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين».ونظراً لضرورة احتواء كل الأنشطة الجرمية التي يشير إليها النص الاقتصادي ومواجهتها قد يركن هذا النص في بيان الفعل الجرمي إلى عبارات واسعة وغير دقيقة كمقاومة النظام الاشتراكي (المادة 15 من قانون العقوبات الاقتصادية، وقد خلصت محكمة الأمن الاقتصادي إلى تكييف الأفعال الآتية كمقاومة للنظام الاشتراكي تخزين الأدوية من جانب الصيادلة، سرقة عدة سيارات، ممارسة مهنة الصرافة) وإضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني (المادة 21 من قانون العقوبات الاقتصادية، وعدت الهيئة العامة لمحكمة النقض في حكمها المؤرخ بـ 20/11/2000 وحكمها المؤرخ 19/3/2001 تزييف النقد مشكلاً لجرم إضعاف الثقة بالاقتصاد الوطني). وسواء أكانت عبارات النص دقيقة أم غير ذلك ينبغي على القضاء أن يلتزم بقواعد تفسير النصوص الجزائية المستوحاة من مبدأ الشرعية التي مفادها التفسير الضيق ورفض القياس.

أخيراً ربما لا يعبأ الشارع بتطبيق القواعد العامة في الشروع والمساهمة في الجريمة على الجريمة الاقتصادية، فلا يهتم بكون الجريمة تامة أو مشروعاً فيها، ولا بطبيعة المساهمة فيها وحجمها. فالمتدخل والمحرض يقفان على قدم المساواة مع الفاعل وهذا يصدق على قانون العقوبات الاقتصادية وقانون غسيل الأموال (نصت المادة 31 من قانون العقوبات الاقتصادية «يعتبر الشروع في الجريمة الاقتصادية كالجريمة التامة». وجاء في المادة 32 منه والفقرة ب من المادة 14 المتعلقة بجرم غسيل الأموال «يعتبر المحرض والمتدخل والشريك بحكم الفاعل»).

المطلب الثاني: الركن المعنوي فى الجريمة الاقتصادية

كسائر الجرائم يجب تحقق القصد العام لدى مرتكب الجرم الاقتصادي لقيامه، وربما بعض الجرائم تذهب إلى ما وراء القصد العام كجريمة إصدار قرار ضار بالاقتصاد التي يتعين لقيامها توافر قصد خاص هو تحقيق الجاني مصلحة شخصية من جراء القرار، وهكذا قصد إلحاق الضرر بالمشاريع والمهمات في جريمة عدم تنفيذ الالتزامات المتصلة بها.

لكن قد ينكمش الركن المعنوي في الجرم الاقتصادي إلى حد عدم الاكتراث بالقصد والاستعاضة عنه بالخطأ أو افتراض القصد أو الخطأ حتى إثبات انتفائهما، وتنطبق الحالة الأولى على عدد من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات الاقتصادية (المواد/6/و/7/ والفقرة الأولى من المادة/10/ والمادة /13/ والمادة /14/ والمادة /18/ والمادة /19/) حيث احتاط المشرع لانعدام القصد فعادل القصد بالخطأ، وقد يلجأ الشارع إلى افتراض توافر القصد أو الخطأ لدى المتهم بمجرد اقترافه الجرم وإلقاء عبء نفي القصد أو الخطأ عليه، ومن ذلك افتراض المشرع توافر القصد لدى التاجر الذي يعرض للبيع أو يبيع أغذية أو عقاقير طبية أو حاصلات مغشوشة (الفقرة الأولى من المادة الحادية عشرة من قانون قمع الغش والتدليس).

من جانب آخر ثمة جرائم اقتصادية تتطلب في تكوينها أن يكون مقترفها متعمداً ولا يكفي فيها القصد كجريمة تعمد تخريب رأس المال الثابت أو المعدات، وجريمة تعمد إساءة تصميم المنشآت المختلفة، لكن في جرائم أُخر يتراجع العمد إلى طبيعته الأصلية كظرف مشدد خاص، مثال ذلك جريمة التبذير في استخدام المواد الخام وجريمة إفشاء معلومات تقود إلى تخفيض الإنتاج أو تفويت فرص على البلاد.

وفيما يخص انتفاء العلم بالتجريم الاقتصادي سواء أورد النص الجزائي في قانون العقوبات الاقتصادية أم في قانون عقابي آخر: فقد ذهب القضاء السويسري (أحياناً) والبلجيكي إلى اعتباره نافياً للمسؤولية الجزائية إن لم يكن بمقدور المتهم العلم به. أما على الصعيد التشريعي فهنالك تفاوت واضح في التعاطي مع هذه المسألة، فالمشرع السوري رفض صراحة الاعتذار بالجهل بالقانون الجزائي إذ تناول الغلط القانوني في المادة /222/ من قانون العقوبات حيث جاء فيها:

  • 1- لا يمكن لأحد أن يحتج بجهله القانون الجزائي أو تأويله إياه تأويلاً مغلوطاً.
  • 2- غير أنه يعد مانعاً للعقاب:

(أ) الجهل بقانون الجديد إذا اقترف الجرم في خلال الأيام الثلاثة التي تلت نشره

(ب) جهل الأجنبي الذي قدم سورية منذ ثلاثة أيام على الأكثر بوجود جريمة مخالفة للقوانين الوضعية لا تعاقب عليها قوانين بلاده أو قوانين البلاد التي كان مقيماً فيها»

واللافت للانتباه في هذا السياق عدم تفريق المشرع في إطار الغلط القانوني بين قانون العقوبات والقوانين الأخرى مدنية كانت أم شخصية أم إدارية. في حين اعتد به المشرعان الألماني والسويسري إذا انتفت إمكانية العلم بالقانون لدى المتهم، وإزاء ذلك ذهبت محكمة النقض المصرية إلى رفض الجهل بالقانون الجزائي الاقتصادي، لكن الفقهاء انقسم على نفسه فقد أيده بعضهم واتجه إلى اعتباره جهلاً بالواقع، في حين ميز جانب آخر من الفقه بين المخاطبين بقواعد قانون العقوبات الاقتصادية، وهؤلاء يقبل منهم الجهل المبرر بالقانون، أما غير المخاطبين فيؤخذ بجهلهم بالقانون ولو كان غير مبرر.

ومع ذلك كله تبقى المشكلة الأهم هي العصف بالركن المعنوي في الجريمة الاقتصادية وتحويلها إلى جريمة مدنية أو جريمة مادية، فقد أقرت محكمة النقض الفرنسية وأيدها جانب من الفقه قاعدة الاكتفاء بالركن المادي لقيام غالبية جرائم الأسعار التي نص عليها المرسوم (248/45) تاريخ 30/6/1945. وعدم المبالاة بالركن المعنوي من قبل هذه المحكمة طال جرائم النقد والجرائم الجمركية والجرائم الضريبية وجرائم الصيد وجرائم حماية الثروة الطبيعية.

ويكمن تأصيل ذلك في فكرة الجنح كمخالفات التي أُسقط بموجبها حكم المخالفات باعتبارها «جرائم مادية خالصة» على الجنح الاقتصادية. ولا محل لهذه الفكرة في قانون العقوبات السوري لأنه لا يعترف أصلاً بالمخالفات المادية. وقد اتجهت محكمة النقض المصرية إلى معاقبة الجاني بمجرد توافر الركن المادي فحسب، فعلى سبيل المثال عدت جريمة صناعة أرغفة خبز ناقصة الوزن جريمة مكتملة بمجرد صنعها وعرضها في المخبز أو إحرازها.

وقد وجه الفقه سهام النقد – بحق – لهذا المسلك القضائي على قاعدة عدم اختلاف طبيعة الجريمة الاقتصادية عن أية جريمة أخرى من حيث تعارضها مع قيم المجتمع الجوهرية وبالتالي ينبغي توافر الإثم فيها المطلوب في جميع الجرائم.

وتبرز المسؤولية الجزائية من دون خطأ أيضاً أساساً لمساءلة القائم بالإدارة عن الجرائم الاقتصادية التي يقترفها تابعوه، ولعل الفقرة الأولى من المادة /35/ من قانون التموين والتسعير تعبير صارخ لهذه المسؤولية حيث نصت على: «يكون صاحب المحل مسئولاً مع مديره أو القائم على إدارته عن كل ما يقع في المحل من مخالفات لأحكام هذا القانون والقرارات المنفذة له ويعاقب بالعقوبات المقررة لها، فإذا ثبت أنه بسبب الغياب أو استحالة المراقبة لم يتمكن من منع وقوع الجريمة اقتصرت العقوبة على حدها الأدنى وذلك مع عدم الإخلال بما ورد في قانون العقوبات في حالة الاستحالة المطلقة». بالمقابل تنكر قانون العقوبات الاقتصادية لهذا الأساس المادي وبنى مسؤولية متولي الإدارة على القصد حيث جاء في المادة /30/ منه:

«تُوقع العقوبات والجزاءات المقررة في هذا المرسوم التشريعي على من يعهد إليهم بأية صفة بإدارة جهة ما في الدولة إذا تركوا عن علم منهم الجرم يقع من شخص يخضع لسلطتهم أو إشرافهم». ومؤدى هذا النص انتفاء الجريمة في حال عدم توافر القصد الجرمي لدى متولي الإدارة، في حين سوى المشرع الفرنسي بين القصد والخطأ في قيام جريمة مدير المنشأة.

أخيراً ذهب العديد من المشرعين إلى ما وراء المسؤولية من دون خطأ عندما تبنى المسؤولية الجزائية للشخص الاعتباري عن الجرائم التي يجترحها أعضاؤه باسمه على الرغم من انتفاء الأهلية القانونية لديه، وهذه المسؤولية إما أن تكون تضامنية بحيث يتقاسم الشخص المعنوي مع ممثليه الجزاء المحكوم به من ذلك ما قررته المادة /35/ من قانون التموين السوري بقولها: «وتكون الشركات والجمعيات والهيئات مسئولة بالتضامن مع المحكوم عليه عن قيمة الغرامة والمصاريف التي يحكم بها إلا إذا ثبت أن تصرفه كان شخصياً» وإما أن تكون مستقلة عندما يخص القانون الشخص المعنوي بجزاء منفصل عن جزاء أعضائه على نحو ما بينته المادة (209) من قانون العقوبات السوري.

رابعاً – الجزاء

واجه المشرعون الجرائم الاقتصادية بمجموعة من الجزاءات بعضها يتناغم مع طبيعتها الاقتصادية وبعضها الآخر تقليدي لا يخرج عما سنّه المشرع لبقية الجرائم. في الجزاءات التقليدية هناك عقوبة الإعدام حاضرة في بعض التشريعات العربية، ففي الجزائر يعد الغش في الأدوية والمواد الغذائية المفضي إلى الموت أو عجز دائم جريمة عقوبتها الإعدام، ولم يشأ الشارع السوري التوسل بهذه العقوبة حيث اقتصر في قانون العقوبات الاقتصادية على العقوبات السالبة للحرية المؤقتة، فهناك العقوبات الجنائية كعقوبة الأشغال الشاقة في جريمة تخريب رأسمال الثابت أو المعدات (مادة 4)، وجريمة سرقة الأموال العامة  أو اختلاسها أو إساءة ائتمانها (مادة 10)، وجريمة مقاومة النظام الاشتراكي المضرة بالأموال العامة (المادة 15)، وجريمة الرشوة الاقتصادية (المادة 25)، فضلاً عن العقوبات الجنحية  كعقوبة الحبس في جريمة التسبب بإلحاق الضرر بالأموال العامة نتيجة عدم المحافظة عليها ( المادة 10)، وجريمة تعيين عمال… بصورة مخالفة للقوانين أو الأنظمة (مادة 8). أما خارج إطار قانون العقوبات الاقتصادية فقد عاقب المشرع على جريمة غسيل الأموال بعقوبة جنائية مؤقتة (الاعتقال من ثلاث سنوات إلى ست سنوات الفقرة /آ/ من المادة 14 من قانون غسيل الأموال)، في حين هيمنت العقوبات الجنحية على الجرائم المنصوص عليها في قانون حماية المستهلك (المواد 41 وما بعدها من قانون حماية المستهلك)، وقانون الشركات (المادة 203 من قانون الشركات)، وقانون العلامات الفارقة والمؤشرات الجغرافية والرسوم والنماذج الصناعية والمنافسة غير المشروعة (المواد/61- 69/ والمادة /81/ والمادة /105/).

ولم يغفل الشارع السوري في الجرائم الاقتصادية العقوبات التي تنال من اعتبار الجاني والثقة فيه أي نشر الحكم بالإدانة وإلصاقه (نصت المادة /18/ من قانون قمع الغش والتدليس والمادة /40/ من قانون التموين والتسعير على:

1- تشهر خلاصة الأحكام التي تصدر بالإدانة في الجرائم التي ترتكب بالمخالفة بأحكام هذا القانون طبقاً للنماذج التي تعدها وزارة التموين بتعليقها على واجهة محل التجارة أو المعمل أو المستودع مكتوبة بحروف كبيرة وذلك لمدة تعادل مدة الحبس المحكوم بها، ولمدة شهر إذا كان الحكم بالغرامة.

2- يجوز للمحكمة أن تأمر بنشر ملخص الحكم في جريدة أو جريدتين ويجب عليها ذلك في حالة التكرار. أما المادة /16/ من تشريع غسيل الأموال فقد جعلت النشر والإلصاق وجوبيين في جريمة غسيل الأموال).

وهناك أيضاً العقوبات المالية، فقد فرض المشرع الغرامة الثابتة في جرائم قانون التموين وقانون قمع الغش والتدليس (يجوز تجاوز الغرامة في الجنح مبلغ الألف ليرة سورية، المادة 53 من قانون العقوبات)، في حين آثر الغرامة النسبية على الغرامة الثابتة في قانون العقوبات الاقتصادية حيث نصت المادة /33/ منه «يعاقب بغرامة أقلها ضعفا الضرر الحاصل من جراء ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم التشريعي إضافة للعقوبة الأصلية».

على أي حال قرر الشارع في الفقرة /آ/من المادة الرابعة عشرة من قانون غسيل الأموال غرامة ذات طبيعة مزدوجة لجريمة غسيل الأموال حيث جاء في هذه الفقرة «يعاقب بالاعتقال المؤقت من ثلاث سنوات إلى ست سنوات وبغرامة تعادل قيمة الأموال المضبوطة أو بغرامة تعادل قيمتها في حال تعذر ضبطها على ألا تقل عن مليون ليرة سورية». (تنسجم الأرقام الفلكية للغرامات في الجرائم الاقتصادية بالمقارنة مع غيرها من الجرائم مع ذاتية هذه الجرائم القائمة على الكسب وبالتالي تحقق ردعاً حقيقياً لمرتكبيها).

وللمصادرة مكانٌ في العقوبات على الجرائم الاقتصادية وذاتيةٌ أيضاً فهي ذات طابع وجوبي (المادة 15 من تشريع غسيل الأموال، والفقرة الرابعة من المادة 38 من قانون التموين والتسعير، والمادة 21 من قانون قمع الغش والتدليس) بخلاف ما هو مقرر في قانون العقوبات من ترك فرضها للسلطة التقديرية للمحكمة، ولا يعد عدم الضبط للأشياء غير المشروعة مانعاً من تطبيق عقوبة المصادرة، فمثلاً ينص قانون قمع الغش والتدليس في هذه الحالة على جواز مصادرة ما يساوي ضعف قيمتها من أموال المحكوم عليه المشروعة(المادة السابعة عشرة من قانون قمع الغش والتدليس).

ومن الجزاءات الاقتصادية التدابير الاحترازية الآتية:

  • المنع من مزاولة النشاط الاقتصادي: فقد أعطت العديد من التشريعات الاقتصادية السورية (أجازت الفقرة الثانية من المادة الثامنة والثلاثين من قانون التموين والتسعير المعدلة بالمادة الخامسة من القانون رقم 22 لعام 2000، والفقرة الثانية من المادة السابعة عشرة من قانون قمع الغش والتدليس للقضاء الحكم بوقف مزاولة العمل إيقافاً مطلقاً أو لمدة محدودة ما لم يترتب على ذلك إعاقة تموين منطقة بإحدى المواد الأساسية) والأجنبية، كالتشريع الفرنسي والتشريع البلجيكي الحق للقضاء بمنع المحكوم عليه من مزاولة مهنته.
  • إغلاق المنشأة الاقتصادية: أخذ بهذا التدبير قانون التموين والتسعير وقانون قمع الغش والتدليس بصورته المؤقتة ولكن الأول منهما جعله جوازياًفي حين أن الثاني جعله وجوبياً (الفقرة الثانية من المادة الثامنة والثلاثين من قانون التموين والتسعير المعدلة بالمادة الخامسة من القانون رقم 22 لعام 2000  والفقرة الثانية من المادة 17 من قانون قمع الغش والتدليس، وكان قانون التموين قبل تعديله يجعل إغلاق المحل وجوبياً)، وهذا بشرط ألا يترتب على الإغلاق تعويق تموين منطقة بإحدى المواد الأساسية، كما منحت المادة الثالثة عشرة من اللائحة التنفيذية لقانون المنافسة ومنع الاحتكار مجلس المنافسة الحق في إقرار الإغلاق المؤقت للمؤسسة أو المؤسسات المدانة مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر، وذلك كله على خلاف التشريع الفرنسي الذي يجيز الإغلاق النهائي.  وضع المنشأة تحت الحراسة: على ضوء الأثر السلبي الذي يترتب على تدبير الغلق المتمثل بتعطيل نشاط المنشأة وما ينجم عنه من ضرر بحقوق الغير رأى المشرعون الاستعاضة عنه بهذا التدبير، وبموجبه يتم تعيين مدير آخر للمنشأة يعمل تحت إشراف الدولة بدلاً من مديرها الذي تمت إدانته. ففي فرنسا يمكن للمحكمة أن تعين مديراً مؤقتاً للمنشأة خلال مدة الغلق المحكوم بها وتكون أرباح المنشأة من نصيب الدولة، وتحسم الخسائر من الجزاءات النقدية المحكوم بها على مدير المنشأة الحقيقي وبمجرد تخطي الخسائر هذه الجزاءات ينتهي تدبير وضع المنشأة تحت الحراسة.

 تعليق نشاط شخص اعتباري أو حله: بينت  المواد (108-111) من قانون العقوبات السوري قواعد وقف هيئة اعتبارية أو حلها كما يلي:

يجوز للقضاء أن يحكم بوقف كل نقابة وكل شركة أو جمعية وكل هيئة اعتبارية ما خلا الإدارات العامة مدة لا تقل عن شهر ولا تتجاوز السنتين إذا اقترف مديروها أو أعضاء إدارتها أو ممثلوها أو عمالها باسمها أو بإحدى وسائلها جناية أو جنحة مقصودة يعاقب عليها بسنتي حبس على الأقل، ويقصد بالوقف منع الهيئة من ممارسة أعمالها وإن تبدل اسمها أو مديروها، ويحول هذا الوقف دون التنازل عن المحل بشرط الاحتفاظ بحقوق الغير ذي النية الحسنة.

ويجوز أيضاً للمحكمة حل هذه الهيئات إذا لم تتقيد بموجبات التأسيس القانونية، أو إذا كانت الغاية من تأسيسها مخالفة للقوانين، أو كانت تستهدف في الواقع مثل هذه الغايات، أو إذا خالفت الأحكام القانونية المنصوص عليها تحت طائل الحل، أو إذا عادت وارتكبت جريمة أخرى من الجرائم التي تصلح لوقفها قبل انقضاء خمس سنوات على الحكم المبرم بوقفها، ويتجسد الحل بتصفية أموال الهيئة الاعتبارية، وفقدان المديرين أو أعضاء الإدارة وكل مسئول شخصياً عن الجريمة الأهليةَ لتأسيس هيئة مماثلة أو إدارتها.

إلى جانب ذلك يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة تراوح بين مئة وألف ليرة من يخالف تدبير الوقف أو الحل بعد الحكم بأحدهما، من ذلك أن يقوم المدير بأحد الأعمال باسم الهيئة الاعتبارية بعد الحكم بوقفها. ومن شأن التكرار أن يجعل وقف الهيئة الاعتبارية وحلها فضلاً عن إقفال المحل لازماً في جرم غسيل الأموال (المادة 16 من تشريع غسيل الأموال). إلى جانب هذه التدابير هناك جزاءات أخرى كالغرامة الإدارية التي يفرضها مجلس المنافسة على المخالفات المنصوص عليها في المادة 19 من اللائحة التنفيذية لقانون المنافسة ومنع الاحتكار، ولا تقل عن واحد بالمائة ولا تزيد على عشرة بالمائة من الإجمالي السنوي لمبيعات السلع أو إيرادات الخدمات لمرتكب المخالفة، وفي حال كون رقم المبيعات غير محدد فعندئذٍ لا تقل الغرامة عن مئة ألف ليرة سورية ولا تزيد على مليون ليرة سورية.

أيضاً يجوز لوزير الاقتصاد والتجارة وفقاً لقانون حماية الإنتاج الوطني من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية أن يفرض رسوم مكافحة الإغراق في حال وجود حالة إغراق، كما يفرض رسوماً تعويضية عند توافر دعم غير مشروع للمنتجين أو الموزعين أو الناقلين أو المصدرين فضلاً عن اتخاذه تدابير وقائية تتمثل بوضع قيود على الواردات أو رسوم جمركية إضافية على السلع أو كليهما عند وجود زيادة غير مبررة في الواردات (المواد الرابعة والسادسة والرابعة عشرة من قانون حماية الإنتاج الوطني من الآثار الناجمة عن الممارسات الضارة في التجارة الدولية).

وفي إطار تطبيق الجزاء الاقتصادي تبرز مسألة منع وقف تنفيذ العقوبة في بعض الجرائم الاقتصادية كالجرائم المنصوص عليها في قانوني قمع الغش والتدليس وقانون التموين والتسعير (الفقرة الأولى من المادة /38/ من قانون التموين والتسعير والفقرة الأولى من المادة /17/ من قانون قمع الغش والتدليس)، وهذا المسلك المتشدد من جانب المشرع وإن كان له صداه في الردع لأن اللاعب الاقتصادي يعلم بحتمية التنفيذ في حال اقترافه جرماً اقتصادياً لكنّه غير مبرر، فأهم الاعتبارات الذي تقوم عليه مؤسسة وقف التنفيذ المتمثل بتوافر احتمال كبير في تأهيل المحكوم عليه من دون تنفيذ العقوبة يمكن تحققه في مرتكب الجرم الاقتصادي فضلاً عن إخلال هذا المسلك التشريعي بقاعدة المساواة في المعاملة العقابية بين المجرمين.

أخيراً تجمل الإشارة إلى أن المشرع قد يسمح للإدارة بالتصالح مع المتهم في الجرائم الاقتصادية لقاء مقابل معين ومن شأن الصلح عدم إقامة الدعوى العامة بحقه، وهذا ما نصت عليه المادة السادسة من القانون رقم 22 تاريخ 9/12/2000 المتضمن تعديل قانون التموين والتسعير بقولها:

أ- تسوى الجرائم المنصوص عليها في الفقرتين أ، ب من المادة الرابعة من هذا القانون إذا أدى الفاعل مبلغاً لا يقل عن الحد الأدنى لمبلغ الغرامة المعاقب بها على فعله خلال مدة معينة ووفق قواعد تحدد بدليل تسويات تصدر بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح من وزراء التموين والتجارة الداخلية والعدل والمالية.

ب- التسوية المشار إليها في الفقرة السابقة تؤدي إلى وقف الملاحقة القضائية وكف التتبعات بشأنها بحسب الحال.

المطلب الأول:

تمهيد: مبدأ إقليمية قانون العقوبات

عندما يثار التساؤل عن نطاق تطبيق قانون العقوبات الوطني من حيث المكان، فإن المبدأ الأصلي الذي يهتدي إليك هو مبدأ قانون العقوبات، إلا إذن لهذا المبدأ متطلبات ضرورية عن جمود المبدأ الأصلي .

أولا : مبدأ إقليمية قانون العقوبات :

أن تأكيد إقليمية حق العقاب، للقانون محل العمل غير المشروع إنما يعني وجوب تطبيق قانون العقوبات علي الجريمة التي تقع في إقليم الدولة التي تخضع لأحكام هذا القانون بصرف النظر عن جنسية مرتكبي الجريمة أو المجني عليه فيها، حيث يستوي أن تكون وطنيا أو أجنبيا، وبصرف النظر عن المصلحة التي أهدرتها الجريمة، أو لو كانت مصلحة تخص دولة أجنبية كما لو ارتكبت الجريمة علي تزييف العملة الخاصة بها ([6]). وأنه العكس لا يكون لهذا القانون سلطة علي القانون التي وقعت خارج هذا الإقليم ([7])

وقد خرجت بعض التشريعات على قاعد إقليمية قانون العقوبات فيما يتعلق بالجرائم الاقتصادية.

فقد نص قرار المجلس الاتحادي في 17اكتوبر1944الخاص بقانون العقوبات والإجراءات الجنائية في مادة اقتصاد الحرب الذي حدد مبادئ العامة المطبقة  على هذه الجرائم في  المادة الثالثة منه على المعاقبة على الجرائم الاقتصادية سواء وقعت في سويسرا و خارجها. وفي ألمانيا مد المشرع سريان القانون الجنائي الألماني إلى جرائم التي ترتكبها المؤسسات الاقتصادية الأجنبية في مجال الأعمال التي ترتكب خارج ألمانيا والتي يمكن تهدد أو تضر بالمصالح الاقتصادية أو المالية أو الاجتماعية ومصر نصت المادة الخامسة من القانون رقم(3) لسنة2005باصدار قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاقتصادية المنشور بالجريدة الرسمية بالعددرقم6 مقرر15/2/2005م .على سترى أحكام هذا القانون على الأفعال التي ترتكب خارج إذا ترتب عليها فتح حرية المنافسة أو تقيدها أو الإقرار بها في مصر والتي تشكل جرائم طبقا لهذا القانون([8])

ونص المادة 92/1من القانون رقم 4 لسنة 1994 بإصدار قانون في شان البيئة على معاقبه عدم تجهيز السفينة الأجنبية التي تستخدم الموانئ المصرية أو البحر غير المنطقة البحرية الخاصة , بمعدات خفض التلوث ,وذلك بالمخالفة لأحكام المادة 57من هذا القانون بغرامة لا تقل عن سبعين ألف جنية ولا تزيد عن ثلاثمائة ألف جنية ,ومعلوم أن تجهيز السفينة الأجنبية تم في بلد هذه السفينة ,بما يعنى سريان العقوبات الجنائية المنصوص عليها في قانون لبيئة المصري على الانفعال التي تقع في الخارج(1).

النطاق المكاني للعقوبات الاقتصادي:

هناك مبدأ مقرر في قوانين العقوبات جميعاً ، وهو إقليمية قانون العقوبات ، فيسري على كل من يرتكب جريمة في إقليم الدولة لا يسري على ما يقع من جرائم خارج هذا الإقليم ، ، وعلى هذا تنص المادة الأولى من قانون العقوبات المصري و تنص على حالتين ، في المادة الأولى منها يقع الجاني في الخارج فعل يجعله فاعلاً أو شريكاً في جريمة وقعت كاملة أو بعضها في مصر .

أما الحالة الثانية فخاصة بجنايات لها خطورتها لمساسها بأمن الدولة أو بالثقة في عملتها، وما إلى ذلك .

ويقابل ذلك في التشريع الفرنسي نصوص المواد 689 ـ 669 من قانون الإجراءات .

وقد بدأ الاتجاه في التشريع الحديث نحو سريان قانون العقوبات على الجرائم الاقتصادية الناتج خارج إقليم الدولة ، على اعتبار أن هذه الجرائم تشكل خطراً على المصالح الاقتصادية للدولة التي وقعت عليها وتهدد بالتالي أمنها وقد تهدد النظام السياسي فيها وسواء وقعت من وطني أو من أجنبي وسواء كانت معاقباً عليها حيث وقعت أو لم تكن ، فقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية أصدر المجلس الفيدرالي في سويسرا عدة قرارات بتطبيق قانون العقوبات السويسري على بعض الجرائم الاقتصادية التي تقع في الخارج .

ومن المتعذر استخلاص الضابط الذي اهتدى به المجلس المذكور في تعيين هذه الجرائم ، فهي جرائم متنوعة ومختلفة ، منها الجرائم المتعلقة بالعملة ، والتأمين ضد مخاطر الحرب ، ومراقبة التصدير أو استهلاك السفن السويسرية وإنشاء رصيد التجديد ، ومراقبة تصدير الجبن، ومع أن المادة 4 ـ 6 من قانون العقوبات معنية يسري عليها هذا القانون ولو وقعت في الخارج ، إلا أنها لا تتضمن الجرائم الاقتصادية ، وقد سد هذا النقض قرار المجلس الفيدرالي الصادر في 17 أكتوبر سنة 1944 ، إذ نص في المادة الثالثة على المعاقبة على الجرائم الاقتصادية ([9]).

المطلب الثاني: مبدأ الشرعية الجنائية في قانون العقوبات الاقتصادي

مضمون المبدأ : انفراد السلطة التشريعية بالتجريم و العقاب .

أن أهم مبدأ ساد القانون الجنائي هو مبدأ الشرعية الجنائية انه لا يجوز تجريم الفعل او العقبات إلا إذا نص القانون علية سواء من حيث الوصف الإجرامي أو إلحاق العقوبة و ويعتبر باطلاً كل تجريم على فعل لم يتناوله النصوص الجزائية([10]).

فالقاضي في الجنائي لا يملك اعتبار سلوك ما جريمة أو توقيع عقاب علية , ما لم يكن المشرع قد سبق ونص على اعتباره كذلك و حدد له عقوبة قبل ارتكاب هذا السلوك فلا يجوز توقيع عقوبة على مرتكب الجريمة غير تلك التي نص عليها القانون .

ولكن الشرعية التي يخضع لها القانون الجنائي ليست مقصورة على هذا المعنى بل هي شرعية تسود كل مراحل تدخل القانون الجنائي منذ وقوع الجريمة حتى محاكمة المجرم وتنفيذ العقاب علية، فشرعية الجريمة والعقوبة تمثل الحلقة الأولى من الشرعية الجنائية وتتلوها الشرعية الإجرائية ثم شرعية التنفيذ العقابي ([11]).

وقد نص في المادة من قانون العقوبات الإماراتي قانون اتحاد عددرقم3 لسنة1987على أن تسرى في شان جرائم الحدود وجرائم القصاص والدية والعقوبات أحكام الشريعة الإسلامية و القوانين العقابية الأخرى.

شرعية الجرائم والعقوبات في قانون العقوبات الاقتصادي

طبقت أحكام القضاء ومبدأ الشرعية الجنائية على قانون العقوبات الاقتصادي فقضت محكمة النقض بان القانون في تحديد وزن الرغيف إنما يعنى الرغيف الذي دخل النار وأصبح معدا للبيع لا الرغيف وقت أن يكون عجينا أو كان من المقرر انه – لا عقوبة إلا بنص يعرف  الفعل المعاقب علية وبنية العقوبة الموضوعة له لما كان ذلك ,وكانت لا توجد نصوص تحدد وزن الرغيف قبل خبزه, فان الفعل المسند إلى الطاعنين بحالته لا يكون جريمة أو إذا انتهى الحكم المطعون فيه إلى إدانتهما عنة يكون قد اخطأ في تطبيق القانون([12]).

المفهوم الحديث لمبدأ الشرعية الجرائم والعقوبات:

التفويض التشريعي.

إذا كان مبدأ الشرعية الجنائية في أصلة نشأته يعنى انه لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون فانه قد تطور الآن ليكون لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون.

ويعنى ذلك انه يجوز للمشرع أن يصدر قانون يفوض به السلطة التنفيذية في إصدار قرارات تحدد بها جرائم وعقوبات ولذلك لإمكان, ملاحقة الأحداث التي لا تتحمل الانتظار حتى يجتمع مجلس الشعب لإصدار قانون يواجها ففي هذه الحالة يكون من الواضح أن تحديد هذه الجرائم و العقوبات وان كان قد صدر بقرارات إدارية من السلطة التنفيذية إلا انه كان بناء علي قانون التفويض وقد تعددت تفويضات السلطة التشريعية للسلطة التنفيذية لا تصدر قرارات لها قوة التشريع في العديد من القطاعات خاصة القطاعات الاقتصادية([13]) من المقرر أن على القضاء أن يبحث قانونية اللوائح والقرارات الإدارية من حيث الشكل والموضوع سواء من حيث صدورها جهة طبقا للقانون الذي إذا بإصدارها من حيث وجود جهة فوضت بإصدارها , وأيضا في حدود التفويض المسموح به([14])

وقد عرض القضاء ونصوص التجريم الصادرة بناء على التفويض التشريعي في المواد الاقتصادية من حيث جواز التفويض في ذاته أو من حيث رقابته للقرارات الصادرة بناء على التفويض من حيث الشكل و الموضوع , أما  عن جواز التفويض في ذلك فهو أمر أقرته محكمة النقض صراحة, فقضت بأنه من المبادئ المقررة أن للسلطة التنفيذية أن تتولى إعمالا تشريعية عن طريق إصدار اللوائح اللازمة له لتنفيذ القوانين بما ليس فيه من تعديل أو تعطيل لها , وقد عنى الدستور 1923الملغى الذي صدر في ظله قرار وزير المالية رقم 75لسنة 1948 بتنفيذ هذا المبدأ في المادة 37ليكون ذلك القرار مستنداً علي الأصل إلى الأوان المستمر من نص المادة 37 من دستور1923 الملغي نزول السلطة التشريعية عن سلطتها في سن القوانين إلى السلطة التنفيذية بل هي دعوة لهذه السلطة لاستعمال حقها في وضع القواعد التفصيلية لتنفيذ القوانين دون أن تزيد عليها شيئاً جديداً أو أن يعدل فيها أو ان يبطل تنفيذها، أو أن تعفي من التنفيذ وهي حق تملكه السلطة التنفيذية بحكم المبادئ الدستورية([15]).

كما قضي بأن “الأصل كي تحقق النص التشريعي العلة من وضعه أن يكون كاملاً مبيناً الفعل الإجرامي والعقوبة الواجبة التطبيق إلا أنه لا حرج أن نص القانون علي الفعل بصورة حكم ثم حدد العقوبة تاركاً للائحة أو قرار البيان التفصيلي لذلك الفعل([16])

دستورية التفويض التشريعي:-

وفي مقام توافق التفويض التشريعي مع الدستور أو ما قضت به المحكمة الدستورية العليا من أن ” إصدار وزير التموين قرار يحظر تداول بعض المواد الغذائية أو التعامل فيها أو حيازتها بقصد الاتجار ومحيلا في مادته الثالثة وكجزاء علي مخالفة هذا الحظر بشئون التموين لا يناقض قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص علي قانون المنصوص عليها في المادة 66 من الدستور، ذلك أن المقصود بهذه القاعدة هو توكيد ما جرى عليه العمل من تفويض السلطة التنفيذية في الحدود وبالشروط التي بينها القانون([17])

نفاذ نصوص قانون العقوبات الاقتصادي والنشر في الجريدة الرسمية.

لاشك في أن نصوص قانون العقوبات الاقتصادي تخضع لنفاذها لقاعدة النشر في الجريدة الرسمية إذا لا يتصور- مادام النشر في الجريدة الرسمية وسيلة العلم بالقانون – أن يطبق القانون الجنائي علي الناس دون أن تتاح لهم إمكانية العلم به حتي لو كانت صادرة من جهة إدارية في ظل نظام التفويض التشريعي، فهذه التشريعات الأخيرة هي أيضا تنشر في الأصل في الجريدة الرسمية كسائر القوانين.

ومع ذلك فان هناك من التشريعات الاقتصادية في مصر ما تردد بها نصوص تورد وسيلة الإعلام بالقانون خلاف البشر في الجريدة الرسمية من ذلك المرسوم بقانون 163 لسنة 1950بشئون التسعير الجبري وتحديد الأرباح من أن تشكل في كل محافظة لجنة للتسعير برئاسة المحافظ أو من يقوم مقامه، وتقوم اللجنة بتعين الحد الأدنى لأعلي الأسعار أو يعلن المحافظ جدول أسعار التي تعينها اللجنة في مساء يوم الجمعة من كل أسبوع أو يكون الإعلان بالكيفية التي يصدر بها قرار المحافظ([18]).

مبدأ قانونية الجرائم والعقوبات :

الجريمة من الناحية الاجتماعية خطيئة يترتب عليها إخلال بنظام وأمن المجتمع ، وهي من الناحية القانونية فعل أو امتناع يترتب القانون على ارتكابه عقوبة ، والناحية الثانية متصلة بالأولى بل هي نتيجة لها ، ومن هنا نشأت قاعدة لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون ([19]).

وبني عليها أن التجريم والعقاب من عمل المشرع ، ثانياً أن القاضي لا يملك التجريم فيما لم يرد في نص ولا أن يقضي بغير العقوبة .

ثالثاً مؤدى ذلك أن القياس غير جائز في مجال التجريم والعقاب فالمصدر الوحيد للتجريم هو النص المكتوب ، فإذا لم يرد نص يبين الجريمة ويحدد عقوبتها وجب على القاضي أن يحكم بالبراءة مهما كان الفعل نظره خطيراً ، أما في قانون العقوبات الاقتصادي : إن وجود النص التشريعي ضروري فأحكام هذا القانون غير مستقرة فيتناولها المشرع بكثير من التعديلات لمواجهة الظاهرة الاقتصادية غير المستقرة ، فيتناولها المشرع بكثير من التعديلات لمواجهة الظواهر الاقتصادية أو من حق الناس أن يتيسر لهم العلم بذلك .

وضرورة النص على عناصر الجريمة الاقتصادية أمر تحرص عليه التشريعات جميعاً ومنها العقوبات الاقتصادي في جمهورية مصر العربية فالمادة 103 من القانون رقم 26 لسنة 1954 بشأن الشركات التجارية تعاقب كل من ضمن إحدى البيانات الصادرة بشأن أرائهم أو مستندات أو معلومات كاذبة أو مخالفة لأحكام القانون مع علمه بعدم صحتها .

التفويض التشريعي :

الأصل أن التحريم لا يكون إلا بقانون تصدره السلطة التشريعية ، فلا يجوز ذلك للسلطة التنفيذية أخذاً بمبدأ الفصل بين السلطات .

أما الجرائم الاقتصادية على عكس القانون العام يتسع نظام التفويض التشريعي في تعيين الجرائم الاقتصادية فيقتصر دور المشرع على إصدار النصوص ، ويعهد إلى سلطات قانونية عليها ، وبعبارة أخرى يكتفي المشرع بوضع مبادئ عامة فلا ينص على الالتزام بالأسعار المحددة أو يترك للوزير المختص تحديد عناصر الجريمة ، فهو الذي يحدد السلع المسعرة وأسعارها ومدة سريان التسعيرة ويعدل قائمة هذه السلع والإدخال والإخراج .

ويؤيد معظم فقهاء القانون الجنائي التفويض التشريعي في تجريم الخروج على القوانين الاقتصادية ، ذلك أن التشريع في هذا المجال يتطلب دراية فنية قد لا تتوافر إلا لدى السلطة المنوطة ، فضلاً عن ضرورة توفير المرونة في الأداة التشريعية حتى يتسنى لها مواجهة مفاجئات الظواهر الاقتصادية بما يحقق نجاح السياسة الاقتصادية .

في التشريع المصري :

عرف تشريعنا التفويض التشريعي في الجرائم الاقتصادية منذ صدور المرسوم بقانون رقم 95 في4 أكتوبر سنة 1945 الخاص بشئون التموين فقد نصت المادة الأولى على ما يأتي “يجوز لوزير التموين لضمان تموين البلاد ولتحقيق العدالة في التوزيع أن يتخذ بقرارات يصدرها بموافقة لجنة التموين العليا ” ([20]).

الخاتمة:

لا شك بأن عالم الاقتصاد تطور بتطور الحضارة البشرية ، فقديمًا كان الاقتصاد يبنى على الزراعة لذا كانت الجرائم الاقتصادية في ذلك الوقت محورها الزراعة وهو ما نجده في أقدم التشريعات التي عرفتها البشرية ” شريعة حمورابي “.

ثم تطور الاقتصاد بتطور الحضارة في عصر النهضة الصناعية الذي كثرت فيه الاختراعات الصناعية التي نقلت التطور الحضاري إلى التقدم والنمو ثم وصلنا إلى عصر النهضة الحديثة حيث ثورة التكنولوجيا والفضائيات والحاسب الآلي واستخداماته وبالتالي ظهرت أنواع أخـرى من الجرائم الاقتصادية التي لم تكن معروفة من قبل والتي لا يصاحبها بالضرورة عنف ما ، بل ظهر أن مرتكبي هذه الجرائم نوعية مختلفة تهدم نظرية “لومبروزو” من أساسها حول شكل الإنسان المجرم ، إذ صرنا نشاهد مجرمين من طراز آخر أفخم من ذوي الياقات البيضاء وأذكى من أعتى المجرمين الذين قرأنا عنهم أو صادفناهم في حياتنا العملية فلقد ساعدت الحروب والأزمات فى نمو قانون العقوبات الاقتصادي ولاسيما منها الحروب العالمية الأولى ففي خلال هذه الحرب صدرت نصوص قانونية عديدة جرمت بمقتضاها بعض الأنشطة الموجهة ضد نظام التموين بالحبوب الغذائية كما ان الازمة التى عرفها العالم بدء من عام 1929سجلت هى الأخرى تأثيرها الهام على نمو قانون العقوبات الاقتصادي فقانون العقوبات الاقتصادي بطبيعته يهدف إلى حماية السياسة الاقتصادية ومظهر هذه السياسة التشريعات الاقتصادية التى تصدرها الدولة لذلك يكون تعريف القانون الاقتصادي من المسائل المهمة والأولية اللازمة لتعريف قانون العقوبات الاقتصادية .

قائمة المراجع:

  • أ.د/ السعيد مصطفي “الجرائم الاقتصادية المعاصرة علي طلبه الدراسات العليا عين شمس 1967 م”.
  • أ.د/ عبد الرؤوف المهدي “قانون العقوبات الاقتصادي”، دار النهضة العربية، 2011-2012م).
  • أ.د/ محمد عيد الغريب “شرح قانون العقوبات” القسم الخاص، طبعة 2002،2003م.

ثانياً الأبحاث:

  • باحث/ بعناية عبد السلام، مقياس القانون الجنائي العام، كلية الشريعة والقانون، 2015،ص13 .

ثالثاً أحكام المحاكم

  • نقض 30 مارس 1959 مجموعة أحكام النقض
  • نقض 25 أكتوبر 1965 مجموعة أحكام النقض س16 رقم 141.
  • نقض 29 يناير 1968 مجموعة أحكام النقض س19 العدد الأول، الطبعة رقم 2004 لسنة 37 قضائية.
  • نقض 17 نوفمبر سنة 1987 مجموعة أحكام النقض.
  • نقض 1994م رقم 180 طعن رقم 5523 سنة 54 القضائية.
  • حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر 7 نوفمبر 1992 في القضية رقم 12 لسنة 12 قضائية دستورية.

الفهرس:

الموضـــــوع رقم الصفحة
الفصل الأول: قانون العقوبات الاقتصادي وشروط تطبيقه.  
المبحث الأول:تعريف قانون العقوبات الاقتصادي والجريمة الاقتصادية  
المطلب الأول: تعريف قانون العقوبات الاقتصادي.  
المطلب الثاني: تعريف الجريمة الاقتصادية.  
المطلب الثالث: الطبيعة المميزة للجريمة الاقتصادية  
المبحث الثاني:  شروط تطبيق العقوبة في الجريمة الاقتصادية  
المطلب الأول: شروط تطبيق العقوبة في الجريمة الاقتصادية  
المطلب الثاني: المختص بتحريك الدعوي في الجريمة الاقتصادية  
الفصل الثاني: نطاق الجريمة الاقتصادية وأركانه  
المبحث الأول: النطاق المكاني لقانون العقوبات الاقتصادي  
المطلب الأول: مبدأ إقليمية قانون العقوبات الاقتصادي  
المطلب الثاني: مبدأ الشرعية في قانون العقوبات الاقتصادي  
المبحث الثاني: أركان الجريمة الاقتصادية  
المطلب الأول: الركن المادي في الجريمة الاقتصادية  
الخاتمة :  
قائمة المراجع :  
الفهرس :  

 

[1] ) د. محمود محمود مصطفى ، الأحكام العامة والإجراءات الجنائية ، الطبعة الثانية ، جامعة القاهرة ، الكتاب الجامعي ، 1979 .

[2] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

[3] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

[4] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

[5] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

(([6] أ. د. محمد عيد الغريب، ” قانون العقوبات – القسم الخاص ” طبعة 2002 ، 2003 رقم 280 ص 332.

([7]) أ.د. محمد عيد الغريب، ” قانون العقوبات – القسم الخاص ” طبعة 2002 ، 2003 رقم 280 ص 332.

([8]) أ.د. عبد الرؤف مهدي، قانون العقوبات الاقتصادي، دار النهضة العربية، 2011، 2012 ، ص 16.

[9] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

([10]) باحث بعناية عبد السلام , مقياس القانون الجنائي لعام ,كل الشريعة و القانون 2015

([11]) أ.د. عبد الرؤوف المهدي ، المرجع السابق .

([12]) نقض 17نوفمبر سنة1987 مجموعة أحكام النقض صفحة38 1994 رقم 180طعن رقم 5533 لسنة 54 القضائية

([13]) أ.د/عبد الرؤوف مهد، المرجع السابق .

([14]) أ. د/السعيد مصطفي الجرائم الاقتصادية محاضرات على طلبه الدراسات العليا جامعة عين شمس سنة 1967صفحة66.

([15]) نقض 30 مارس 1959 مجموعة أحكام النقض ص377 رقم 85، ونقض 25 أكتوبر 1965 مجموعة أحكام النقض س16 ص743 رقم 141 .

([16]) نقض 29 يناير 1968 مجموعة أحكام النقض س9 العدد الأول ص115 الطعن رقم 2004 لسنة 37 قضائية.

([17]) حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في 7 من نوفمبر 1992 في القضية رقم 12 لسنة 12 قضائية دستورية.

  • أ. د. عبد الرؤف مهدي، المرجع السابق.

[19] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

[20] ) د. محمود محمود مصطفى ، المرجع السابق .

  • خاص المركز الديمقراطي العربي
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق