الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

السمات المشتركة للنخب السياسية الليبية وتعاطيها مع المتغير الثوري

بقلم : د. محمد عبدالحفيظ الشيخ – رئيس قسم العلوم السياسية، كلية إدارة الأعمال –

جامعة الجفرة ـــــ ليبيا 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تشكّل النخب السياسية أحد الروافد المهمة في عملية تحقيق المصالحة الوطنية، لاسيما في مراحل الصراعات والأزمات التي تمر بها الدول، إذ تقوم النخب بدورها الفاعل في فتح قنوات الحوار، وتقريب وجهات النظر وتقليص الفجوات بين الأطراف المتخاصمة، ومن ثم التوصل إلى حلول وسطى، وقد تمكنت هذه النخب من تحقيق نوع من الانسجام والاستقرار لبلدانها.

بعد سقوط نظام القذافي في أواخر عام 2011، وفي إطار التحول من النظام الشمولي إلى النظام الديمقراطي، وهو ما فسح المجال أمام بروز وصعود قوى ونخب سياسية جديدة، لم تتح لها إمكانية الظهور في السابق،حيث أزيحت نخبة البناء المتماسكة بالقوة الخارجية وعملت على تفكيكها وإزاحتها، لتحل محلها مجموعة مصالح فئوية وغير معنية إلا بتحقيق أهدافها السياسية في إطار التمكن من السيطرة على السلطة وضمان جني المكاسب المادية. وهو ما شكّل محكاً وامتحاناً لمصداقيتها.

فعوضاً عن لغة التقارب والتفاهم ورأب صدع الخلافات والمضي قدماً في بناء مؤسسات الدولة في الهامش السياسي الذي أهدته لنا ثورة فبراير، اتجهت كثيراً من القوى والنخب السياسية الليبية في فخ التحريض على الكراهية والمزايدات والمناكفات السياسية وزرع الأحقاد، لقد أثبتت سنوات ما بعد الثورة فشل هذه النخب فشلاً ذريعاً في تحقيق توافق وطني حقيقي يؤسس لمرحلة ما بعد القذافي، بسبب حالة الانقسام والتشرذم التي أصبحت سمة بارزة للنخبة السياسية الليبية.

بدأ الانقسام سياسياً وأيديولوجياً، لكن سرعان ما تحول إلى انقسام مادي جغرافي، ثم تدحرج، وصولاً إلى تشظي الوجود الليبي وتعدد مرجعياته وانقسامه على ذاته، وشكّل العامل الخارجي قوة دفع باتجاه الفصل المعنوي بعدما فصل بين الشرق الليبي وغربه مادياً، وتزامن ذلك مع وجود نخبة سياسية ليبية مستفيدة من الانقسام، وتعزز وتكّرس الفكر والوعي المناطقي أكثر فأكثر الذي بدأ يحكم “الوجود الليبي الجديد، غير ملتفتين إلى حقوق المواطن الليبي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ويعدّ الانقسام الليبي ـــ الليبي بعد عام 2014 ضربة موجعة كان لها بالغ الأثر في حياة وسلوك الشعب الليبي، وأدى إلى مأزق خطير انعكس في ثلاثية الفكر/ الوعي/ المشروع الوطني، ولم يختلف الليبيون قيادة وأحزاباً وشعباً حول المشروع الوطني وحدوده فقط، وإنما حول البرامج الوطنية وأدوات تنفيذها .

ولابد من تحديد حقيقة مُفادها أن الخلافات التي عصفت بالبلد سببها بعض النخب السياسية الحاكمة، فهي من أخذت البلد بهذا النفق المظلم، وأسهمت في توسيع رقعة العنف، وإبطاء أي حل وطني حقيقي، فالنخب السياسية الليبية إلا باستثناءات محدودة كانت مؤججة للصراعات القبلية والمناطقية وإشعال الفتن والحروب، ما أدى إلى مزيداً من القتل والتهجير إلى الدرجة التي راح ضحيتها الآلاف الأبرياء من أبناء الشعب الليبي .

كل ذلك عمّق التناقضات، وهدّد الاستقرار، وأدخل البلاد في دوامة من الأزمات لا تنتهي، عنوانها: العنف، الفساد، إضافة إلى ملامح الاستبداد جرّاء تناحر النخب والزعامات السياسية على المصالح الضيقة، وانعكس ذلك سلباً على حياة المواطن الذي يدفع يومياً الثمن بحياته، وجعل عملية المصالحة الوطنية بعد مرور تجربة سبع سنوات هشّة والمجتمع غير متماسك، والمواطنة في حالة تراجع أمام الولاءات الضيقة، وتزداد الأزمة تعقيداً مع التدخلات الخارجية.

تجدر الإشارة إلى أن أغلب النخب السياسية الليبية هي نخب وهمية ومؤقتة كونها جاءت إلى السلطة في مرحلة زمنية مأزومة وحالات الفوضى في المرحلة الانتقالية التي تمر بها ليبيا من الدكتاتورية إلى الديمقراطية.

وقد تميزت بعدم كفاءتها  وعدم قدرتها على إدارة الصراع بصورة صحيحة، ناهيك عن  كثرة أخطاءها واجتهاداتها في إدارة الملفات لاسيما الحساسة والمهمة . أما البعض الآخر فهي مصطنعة بفعل وسائل الإعلام من خلال التركيز عليها بفعل التأزم السياسي والمجتمعي التي تمر بها ليبيا، وعادة ما يفتقر هذا النوع إلى شروط النخبة السياسية المعروفة في الدول الديمقراطية، كما أن البعض يستند في صعوده على النخب الحاكمة بفعل عوامل غير الكفاءة والقدرة، وإنما بفعل عوامل القوة الاقتصادية أو الحزبية أو القبلية أو القوة العسكرية. في حين كان الليبييون بحاجة ماسة إلى النخب السياسية الحقيقية، التي تتمتع بقدرات وإمكانات مادية ومعنوية، وتتسم أيضاً بقدرتها على الثبات والتطور، ويتميز دورها في السعي الجاد للتوافق والبناء وهي تعمل من أجل المحافظة على العباد والبلاد ويكون دورها فاعلاً لاسيما في وقت الأزمات والمشكلات المعقدة، وعادة ما تحظى بامتداد جماهيري واسع.

وعند تشخيص وتحليل سلوك النخب الليبية أثناء الممارسة البرلمانية، اتضح تغيب بعض النواب عن الجلسات المقررة، وحدّة الخلافات التي كانت تنتاب جلسات البرلمان، وتكرر مقاطعة جلسات المجلس لعدة مرات، وكانت النتيجة شللاً تاماً في الحياة البرلمانية الليبية، ويعدّ هذا مؤشراً مهماّ لقياس غياب التجانس والإجماع والتوافق وغياب الثقة بين النخب السياسية. وعليه، وقع البرلمان في فخ التجاذبات السياسية، خلافاً للتقاليد والأعراف الدستورية الراسخة، هذا بالإضافة إلى أنه افتقر إلى روح الفريق، إن بعض النخب السياسية يفتقر إلى الروح الوطنية، فهي لم تتصرف بكونها نخب لليبيا، وإنما نخب لمكوناتها فقط. وبالتالي فإن هذه النخب تدافع عن مصالح قبائلها ومناطقها، وهو بطبيعة الحال ما يتعارض مع المصلحة الوطنية. فضلاً عن ارتباط بعض النخب بأطراف خارجية وتحاول الاستقواء بالخارج في صراعها الداخلي وحتى مع النخب السياسية الليبية الأخرى، لاسيما تلك النخب التي عُرفت بنفسها القبلي والمناطقي .

كما حاولت بعض الكتل الرئيسة في البرلمان انجاز أجندتها الخاصة على حساب الأجندة الوطنية وقواعد التعاون الداخلي لانجاز المهام المنوطة بها، وقد غيّب الانقسام الليبي الحد الأدنى من رؤية ليبية واحدة للأمور. فالنخب السياسية تتحمل العبء الأكبر من المسؤولية في تعثر المصالحة وإنهاء حالة الانقسام، فالتناقض الكبير في توجهاتها وتغليبها منطق المصالح الضيقة وكذلك الجمود الفكري الذي لازم بعضها، إضافة إلى الراديكالية التي ميزت مواقف بعضها، واعتمادها سياسة إقصاء وإلغاء الآخر وهي سمة تلف معظم النخب السياسية الليبية، كلها عوامل ساهمت في إضعافها وإخفاقها .

ولأجل الحيلولة دون استعادة النخبة الوطنية لدورها في إطار قضية السيادة والخلاص من التبعية السياسية للخارج واستعادة العمل الوطني لبناء ليبيا، كان لا بد من إغراق البلد في لجّة الفساد السياسي والاقتصادي، وقطع الطريق أمام الوطن من استعادة دوره في الحياة السياسية الداخلية والخارجية، والفساد هنا يعمل وفق قوانينه التي تفضي إلى توسيع دائرة النهب والتخريب، وبناء مجموعة فاسدة حاكمة تقاتل دفاعاً عن وجودها، وخوفاً من فضحها وتقديمها للعدالة، وهذه المجموعة الفاسدة تعمل بكل إمكاناتها لمنع تشكّل أو بروز نخبة وطنية لها مشروعها الإصلاحي وتضرب بقوة للحيلولة دون بناء مشروع فكري وقضية وطنية يجتمع عليها الليبيين لإنقاذ الوطن من الهاوية.

يعكس الوضع الليبي الراهن بشكل واضح مدى الأزمة المزمنة التي تعانيها النخب السياسية الليبية بمختلف أطيافها وانتماءاتها، حيث بدت هذه النخبة طوال الوقت متشرذمة وغارقة في دوامة لا تنتهي من الخلافات والانقسامات، فضلاً عن حالة التوتر والمناكفة السياسية والتخوين التي حكمت العلاقة بين مجلس النواب (برلمان طبرق) والمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

وهو ما سمح لأطراف خارجية بالتدخل وتعميق الأزمة الليبية، لغياب المناعة أو الحصانة الذاتية، وبالتالي استباحة النظام السياسي الليبي، كما هو حاصل اليوم .

كما تعاني هذه النخب من غياب أو ضعف القدرة على بناء توافق وطني حقيقي، بشأن أولويات المرحلة الانتقالية واستحقاقاتها. وأثبتت بجدارة أنها نخبة تسلطية فكراً وممارسة، ينقصها الالتزام والمصداقية، وتعاني النخب بمختلف انتماءاتها من غياب أو ضعف التكوين الديمقراطي، ولا تؤمن إيماناً حقيقياً بالقيم والمبادئ الديمقراطية. وهي سمة تلف معظم النخب السياسية، وعليه، فقد غابت عن ممارسات هذه النخبة ثقافة الديمقراطية المتمثلة في القبول بالتعدد والاختلاف في الرؤى، والتسامح السياسي والفكري، والالتزام بالحوار كآلية لحل الخلافات.

كما تعاني معضلة الإقصاء السياسي المتبادل، بل أصبحت النخب المتنافسة والمتصارعة على الساحة الليبية تعلي مصالح قبائلها وأحزابها على حساب المصالح الوطنية التي غابت أو تكاد تغيب. وساهمت ممارسات النخب السياسية المتعاقبة ما بعد الثورة في الشرذمة والتجزئة القائمة بين الليبيين في الداخل والخارج الذين يعيشون ليس مأزقاً وطنياً فقط بقدر ما هو وجودي .

وقد أدى ذلك إلى تبلور طبقة سياسية منفصلة عن بنية المجتمع نفسه، طبقة سياسة يعيشون حياة خاصة، وباتت تتصرف أولاً، وقبل كل شي بناءاً على مصالحها الضيقة، حتى لو كانت على حساب مصالح الوطن العليا، ولذلك فالناس باتوا أكثر تشككاً بالسياسيين وفي المؤسسات بأشكالها المتعددة، وهو ما ولدّ شعوراً بخيبة الأمل والإحباط عند شريحة واسعة في أوساط الشعب الليبي بشأن قدرة هذه النخب السياسية على حل المشكلات الُملحة، فيما فضلت نخب أخرى الانكفاء على نفسها، والانزواء بعيداً، فأصبح مشروع المصالحة الوطنية قبل أن يخرج من مأزق يدخل إلى آخر أعمق.

ولا بد من تحديد حقيقة مُفادها أن التعثر في جهود المصالحة الوطنية تتحمله بعض النخب السياسية، التي حاول ويحاول بعضها وضع العصي في دولاب العملية السياسية أولاً، ومن ثم جهود المصالحة الوطنية. وهي من تتحمل المسؤولية الأكبر في تأزم المصالحة، كونها الطرف القيّم على العملية السياسية، إذ أن بعض النخب السياسية محملة بقناعات تعدّ بمثابة ثوابت قبل الدخول في أي حوار بخصوص المصالحة الوطنية، لذلك نرى أنه من الصعوبة بمكان الوصول لتحقيقها، ما أفرغ مشروع المصالحة من محتواه، الأمر الذي جعل الساحة السياسية تنقسم بين مؤيد لمصالحة بدون شروط وآخر يصّر على وضع شروط لا مناص من التخلي عنها، لكن كلا الطرفين مشتركان بغياب الرؤية الوطنية، لذلك لم يعد من الممكن رؤية أفق المصالحة الوطنية.

هذا التناقض خلق صراعاً بين النخب السياسية، على شرعية من يمثل الليبيين، وانعكس على غياب الأهداف المشتركة، وجعل هناك تعدد في مراكز صنع القرار، مما افقد النظام السياسي القيادة الواحدة. لقد ترتب على ذلك فقدان النظام السياسي للسلطة الإكراهية التي بدونها يفقد قدرته على الاستمرار والمحافظة على بقائه. وهذا كان عاملاً وسبباً أساسياً في تفجير العنف السياسي في ليبيا. ناهيك عن تباين الثقافة السياسية للنخب، بين ثقافة سياسية وطنية تفصل السياسة عن الدين، وثقافة سياسية تدمج بين الدين والسياسة، بل وتسّيس الدين من خلال إسقاط أو تنزيل بعض النصوص الدينية على سلوكها السياسي. وقد وصل الأمر بالبعض إلى تقديس سلوكه السياسي، وإسقاط بعض النصوص على سلوك الآخرين لإظهاره بعدم التوافق مع الدين وبالتالي تكفيره.

لا جدال في أن تحقيق المصالحة الوطنية تحتاج إلى قيادة سياسية تؤمن بالمهمة، وقادرة على مواجهة التحديات في مهمة تاريخية لا مجال فيها للنزعات الفئوية، وتستطيع أن تطور مشروعاً سياسياً وأمنياَ واقتصادياً واجتماعياً متكاملاً خالياً من نزعة الثأر والانتقام والإقصاء، وتتخذ من التوافق السياسي أساساً له، وتستطيع هذه النخبة أن تتعامل مع ميراث عدم الثقة الذي ورثته منذ ما قبل سقوط القذافي وما بعده .

يبدو أن النخب السياسية الليبية بتوليفتها الحالية وثقافتها وسلوكها غير قادرة على تحقيق مصالحة وطنية شاملة، لأن بعضها غير مؤهل، وأخرى غير قادرة على ممارسة فعل، وثالثة قادرة ومؤهلة ولكن لا يسمح لها بالعمل من أجل تحقيق المصالحة. لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الأخيرة فشل هذه النخب في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

ويبدو أيضاً أن لا جديد البتة يمكن أن تقدمه النخب السياسية الليبية في سبيل إنجاح المصالحة، فمجمل المؤشرات التي صدرت عن هذه النخب واستجابتها لاستحقاقات المرحلة الراهنة كانت جد سلبية، ولا تبشر بكثير من التفاؤل، كما أن هذه النخب لن تتردد في اللجوء إلى كل السبل والوسائل مهما كانت بشعة وغير إنسانية وحتى غير واقعية، (التحالفات العبثية). للاحتفاظ بسلطة ليس لها حق أبدي فيها. وأن هناك أملاً ضعيفا في اقترابات تنتهجها بعض الأطراف المحلية المدعومة خارجيا لحلحلة الأزمة المتفاقمة وإنهاء حالة الانقسام وإنجاح المصالحة الوطنية، والتي لا يمكن أن تكون واقعية إلا في حالة كانت هناك روافع قوية يترجمها الشارع الليبي بحيث تضع هذه الأطراف أمام خيار التصالح الذي لا مفر منه.

وعلى النخب الوطنية تحمل شرف المسؤولية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية في التصدي للواقع الراهن بعقل إبداعي جمعي، وفي إطار برنامج وآليات كفوءة تنقذ الوطن وتعيد بناءه، على أسس العمل الوطني التضامني لإنقاذ ليبيا أرضاً وإنساناً.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق