fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الولايات المتحدة الأمريكية: الغائب الحاضر في المشهد الليبي

اعداد : د.ماجد حميد الضيدان  – تدريسي في كلية العلوم السياسية/جامعة النهرين/ العراق

  • المركز الديمقراطي العربي

 

يتزايد مستوى التعقيد في المشهد الليبي يوماً بعد آخر في ظل بيئة أقليمية معقدة ومتداخلة المتغيرات السياسية والأمنية والستراتيجية, فهي كدولة تنتمي لمنظومة أقليمية تشهد أنقساما داخلياً واضحاً لناحية غلبة المنطق القبلي والجهوي مما شكل ضعفاً عاماً في بنية الدولة الليبية التي خضعت لعقود طويلة من الحكم الاستبدادي.

ومن ثم جاءت أحداث ما سمي بالربيع العربي لتكشف عن ضعف واضح وتراجع في قدرة الدولة الليبية على الاستمرار في أداء أدوارها التقليدية التي تتمثل في حفظ الأمن والاستقرار وحصر السلاح بيد الدولة التي تتلاشى يوما بعد آخر في ظل التناحر الواضح بين مجموعات مسلحة تسيطر على العاصمة طرابلس بقيادة حكومة الوفاق الليبي التي يتزعمها فايز السراج وبين قوات الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر التي تسيطر على باقي التراب الليبي, فضلاً عن تداعيات هذا الصراع الداخلي أقليمياً ودولياً مما دفع بكلا المجموعتين للبحث عن تحالفات أقليمية  تدعم وجهتي نظر كل منهما. ويأتي المشروع الأمريكي للمنطقة العربية ابان أدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الذي تبنى خيار نشر الديمقراطية عن طريق صناعة النموذج وتصديره وأستخدام أدوات القوة الناعمة ومن ثم شرعت هذه الأحداث لأجراء تغييرات واسعة في بنية النظام الأقليمي العربي عن طريق أحداث الأضطرابات التي شهدتها الدول العربية والتي بدأت في تونس ومن ثم ليبيا وجمهورية مصر العربية واليمن مما وفر فرصة سانحة أمام تيارات الأسلام السياسي للشروع في مليء الفراغ وأستثمار زخم التظاهرات المطالبة بالأصلاح بسبب جاهزية قوى الأسلام السياسي لأدارة المرحلة عبر مشروع أقليمي واضح المعالم لعبت فيه تركيا دوراً واضحاً.

هذا الطموح الذي بدا لأول وهلة أنه قاب قوسين للتحقق أصطدم بما حصل في مصر من تظاهرات ومن تآلفات قوى عدة محافظة وأخرى ليبرالية خشيت من هيمنة جماعة الأخوان المسلمين على المشهد السياسي في مصر ومن ثم أستثمر الجيش المصري هذه الفرصة وتدخل لصالح تولي الرئيس الحالي محمد عبد الفتاح السياسي لزمام السلطة والأطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي. كل ذلك شكل دفعاً بأتجاه تغير مجرى الأحداث لصالح منظومة الدولة في المنطقة العربية لأعادة التموضع ومجاراة التغييرات الحاصلة في بنيتها وشرعت بأتجاه أيقاف والتصدي لوتيرة الأضطرابات في أكثر من بلد عربي, وبتنا أمام مشهد أنقسام عربي واضح مخالف لما كان في السابق قد هيمن على المنطقة العربية (قوى الممانعة- وقوى الأعتدال) لصالح بروز مشهد أكثر تعقيدا من قبل.

المشهد الليبي يعد جزءاً من الثورة والثورة المضادة التي شملت معظم الدول العربية وفي ظل هذا الوضع القائم أصبحنا أمام حالة من التدخلات الأقليمية في الشؤون الداخلية لمعظم الدول العربية فحالتي تركيا وأيران مثالين واضحين على فداحة هذا الأثر التدخلي وتوظيف الأختلافات المذهبية في أدامة زخم تدخلاتهما (أيران –سوريا –لبنان ثم تركيا-سوريا-ليبيا) فضلاً عن ذلك يعد الأنقسام الفئوي والجهوي داخل ليبيا الأخطر لأنه يوفر بيئة ملائمة أمام التدخلات الأقليمية فهناك صراع مناطقي بين الزنتان ومصراتة, والزاوية وورشفانة في الغرب فضلا عن الصراع بين قوى التغيير وقوى المحافظة التي أمتلكت تسلحاً تقليدياً واضحاً أضعف من بنية الدولة الليبية قيمياً ومادياً.

أن المشهد الليبي قد شهد منذ البداية تدخلاً خارجيا واضحاً على خلاف ما حصل في معظم الدول العربية, إذ وفرت فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة غطاءاً شرعياً من خلال السماح لمنظمة حلف شمال الأطلسي للتدخل في ليبيا أولاً لحماية المدنيين من بطش القذافي ومن تطور الأمر إلى نحو عملية أوسع تمثلت بدعم أسقاط النظام الذي كان في باديء الأمر شعاراً رفع من قبل الثوار ثم أصبح بعد ذلك مشروعاً غربياً واضح الدلالات والمعالم. المشهد الذي تعيشه ليبيا اليوم قد بدأ فعليا عام 2015م عندما أصبحت البلاد أمام حكومتين وبرلمانيين, فهناك معسكر يسمى بمعسكر الكرامة له تحالفات أقليمية عربية مثل مصر والأمارات العربية المتحدة, والمعسكر الآخر هو تحالف فجر ليبيا الذي أصبح لاحقاً (المؤتمر الوطني).

كلا المعسكرين شرعا في أجراء حوارات برعاية البعثة الأممية في شباط 2015م , لم تسفر عن شيء سوى تباعد واضح في وجهات نظر كلا المعسكرين ومن ثم فإن الحلول الأجرائية التي تتبناها الأمم المتحدة تهدف إلى تسكين المشهد الليبي بأنتظار ما يسفر عن المشهد المتأزم من متغيرات داخلية وخارجية تخدم المشروع الأمريكي للمنطقة العربية في حتمية بناء الديمقراطية وتبني التعددية السياسية وتحجيم أدوار الدولة الوطنية العربية وعدم السماح للمشهد الليبي أن يفرز واقعاً مشابهاً لحكومة القذافي, إذ تنظر الولايات المتحدة الأمريكية للمشير خليفة حفتر أنه حليف روسي وهو تكرار لما حدث في جمهورية مصر العربية عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي زمام السلطة هناك إذ أضطرت للقبول بهذا الواقع نظراً لما تمثله العلاقة المصرية-الأمريكية من أهمية لأدامة الأستقرار العسكري في المنطقة وعدم تهديد أسرائيل. إذ بدأت روسيا بالتدخل في مناطق نفوذها السابقة التي خسرتها في ليبيا وسوريا واليمن ومن ثم كان تدخلها في المشهد السوري واضحاً وفعالاً أعطى فرصة أنقاذ كبرى لصالح بشار الأسد هناك وكبح طموحات تركيا الأخوانية في سوريا. شعرت الولايات المتحدة أنها أمام خيارين لا ثالث لهما أما أن تتخلى عن مشروعها الكبير في الشرق الأوسط المتمثل بأعادة هندسة الشرق الأوسط لصالح بناء نظام أقليمي جديد يختلف عن نموذج توازن القوى المصغر في نظام توازن القوى الأوربي السابق ومن ثم عليها أن لا تتخلى عن حليفها التركي المهم والعضو في منظمة شمال الأطلسي الذي أبدى أمتعاضه من تردد أمريكي واضح في أقامة منطقة عازلة في سوريا فأختار الأتراك أن يساوموا واشنطن في سوريا لصالح دعم أتفاق الأستانة لصالح روسيا بعدما كادت التوترات بين تركيا وروسيا خصوصا حادثتي أسقاط الطائرة الروسية وقتل السفير الروسي في تركيا أن تقودا إلى نزاع مسلح يؤثر على مصالح أوربا وواشنطن مجتمعة. أو أن تختار الولايات المتحدة الخيار الثاني وهو أستمرارها في عدم الأنصات لحلفائها السابقين سواءً في تركيا أو في الخليج العربي وهذا ما برعت فيه أدارة أوباما وسمحت به وهذا يعني أن واشنطن في ظل الأدارة السابقة أسهمت في خلق مشهد معادي لها في المنطقة العربية بعدما أسفرت تدخلاتها العسكرية الفجة في تهيأة قوى الأرهاب لتعتاش على فوضاها الخلاقة ومن ثم أصبحت نقاط روسيا ووثباتها أكثر ثباتاً ودراماتيكية على لوحة شطرنج الشرق الأوسط.

لقد تداركت أدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ما يسميه حلفاءها بخيبات الأمل من خلال تبنيها لنهج أكثر واقعية يقوم على العمل على مراعاة القواعد الأقليمية والدولية والأستماع لوجهات نظر حلفائها على الرغم من التباعد الكبير في وجهات النظر, والأمتعاظ الكبير من ممارساتها الأحادية. لقد أختار دونالد ترامب عدم أختزال تركيا في الأخوان المسلمين ومن ثم شرع بفتح حوار أمريكي –تركي وربما فهم هذا على أنه دعوة لتدخل تركي في طرابلس لدعم حليفها فايز السراج في طرابلس الذي شرع بطلب تدخل عسكري تركي واضح في ليبيا والسماح لتركيا بأقامة قواعد عسكرية للطائرات بدون طيار وتصدير السلاح الى ليبيا وذلك لترجيح كفة فايز السراج في مقابل قوات خليفة حفتر والضغط لأجل التوغل العسكري من قوات الوفاق الليبية إلى مدينة سرت للحيلولة دون خضوعها للمشير خليفة حفتر, هذا الحوار التركي-الأمريكي قد فهم على أنه ضوء أخضر أمريكي  لتركيا ويأتي في ظل صمت أوربي واضح أمام التدخل التركي خصوصاً وأن السواحل الليبية على طول الأطلسي تشكل منطقة مصالح أوربية مهمة لليونان وقبرص وفرنسا وأيطاليا.

فأختارت فرنسا أن تكتفي بلغة التصريحات الداعية لفتح حوار ليبي جديد والأكتفاء ببيانات الأستنكار لأنها تعرف مسبقاً أن لا بديل عن دعم حكومة فايز السراج وتحجيم دور المشير خليفة حفتر لصالح بدأ تشكيل عملية سياسية جديدة في ليبيا هدفها أبعاد الدب الروسي عن البوابة الجنوبية للمتوسط. الخطوة التركية أثارت حفيظة الدول العربية من خلال بيان الجامعة العربية المعارض لهذه التدخلات ومن ثم شرعت القاهرة بالأعلان عن مبادرة بأسم “أعلان القاهرة” والذي رحبت به دول عربية عدة ورفضته حكومة الوفاق وتركيا, فيما أعلنت الولايات المتحدة على لسان مساعد وزير خارجيتها لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكر, أن هذا الأعلان لا يخلو من جوانب مفيدة تخدم عملية بناء السلام في ليبيا وخفض مستوى التصعيد العسكري بين الجانبين والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية. لكن هذا الأعلان في نظر الأمريكيين لا يلبي كل شيء وهو نسخة مشابهة في جوانب منها لمسار البرلين الذي تؤيده واشنطن وتدعو للأخذ به وفقاً لمسار التسوية السياسية الذي ترعاه منظمة الأمم المتحدة, ومن ثم يعدان مساران مهمان وأطاران مرجعيان لأي حل سياسي في ليبيا.

يعد موضوع الحسم العسكري الذي كان يعول عليه المشير خليفة حفتر أمراً غير قابل للتحقيق في ظل المتغيرات الجديدة السياسية والعسكرية ومن ثم وعلى الرغم من تراجع المشير خليفة حفتر قد أثار المخاوف المصرية من تهديد وشيك لأمنها القومي الذي أعلنت أنها لن تتوانى في الدفاع عنه والرد على أي تهديد, إلا أن هذا الأعلان يعد أعترافاً مصرياً ضمنياً في ضرورة إيجاد تسوية واقعية للصراع في ليبيا وأن كانت القاهرة لا تكتفي إلا بعودة الأمور من الناحية العسكرية لنصابها الصحيح وقدم هذا الأعلان بمثابة أعادة صياغة عربية لمسار برلين, وتأتي مبادرة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن أستعداد الجزائر لأستضافة حوار ليبي-ليبي يجمع الأطراف المتضادة.

لقد تحقق للولايات المتحدة من خلال المشهد الليبي أبعاد خطر المشير خليفة حفتر عن العاصمة طرابلس الذي تراه حليفاً روسياً من خلال تقوية جبهة الوفاق والأستماع لوجهات نظر حليفها التركي الذي يبدو أنه أستجاب لواشنطن وذلك على أثر العقوبات التي أضرت بالأقتصاد التركي, وفي الوقت نفسه أستطاعت من تحييد روسيا وتحجيم دورها فقط في سوريا التي بات أقتصادها يأن من تأثيرات قانون قيصر وتداعياتها على المتحالفين مع بشار الأسد في كل مكان وخصوصاً لبنان, وفي الوقت نفسه شكل قبول واشنطن لأعلان القاهرة أيضاً الأنفتاح على وجهات النظر المصرية بشكل خاص والعربية بشكل عام وأن كان غير كافي بالمرة لأن المشير خليفة حفتر يعد رمزا بالنسبة لقوات الجيش الوطني الذي يعد رمزا من رموز الدولة الليبيبة التي تسعى الدول العربية لأعادة هيبتها حتى يتسنى لها تبني خيار ونهج يسياسي وطني ليبي بعيد عن التدخلات الأقليمية من دول الجوار غير العربي ومن ثم فإن أتمام مسيرة العملية السياسية التي ستجري في ليبيا ستثبت واقعية هذا الطرح.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق