fbpx
الدراسات البحثيةالمتخصصة

في تطور الخطاب ما بعد الكولونيالي وإعادة إنتاج المعرفة الاستشراقية: فيلم “آرغو” نموذجا

اعداد : سليمان كريمة – باحث وكاتب لبناني – ماجستير العلوم السياسية والعلاقات الدولية من معهد الدوحة للدراسات العليا وماجستير التمويل – جامعة الأناضول،  تركيا. بكالوريوس إدارة الأعمال- الجامعة اللبنانية الدولية.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

الولايات المتحدة الأميركية، دولة من أكثر دول العالم التي تعرّض مواطنوها في الخارج لعمليات أسر واختطاف، لأسباب عديدة لعل أبرزها هو امتداد نفوذها الى العديد من دول العالم، بالإضافة لتاريخ يحفل بالحروب والتدخلات في الدول وشؤونها الداخلية، بالاضافة لدعم الأنظمة الدكتاتورية ومقاومة حركات التحرر[1].

في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1979 مثلا (وبعد أقل من تسعة أشهر من إطاحة الشعب بالشاه في إيران) قام طلاب من أنصار الثورة الإسلامية الإيرانية باقتحام مبنى السفارة الأمريكية في طهران، واحتجاز 52 من موظفي ودبلوماسيي البعثة الأمريكية كرهائن، لمدة 444 يوما، بعد استقبال الأخيرة الشاه محمد رضا بهلوي الهارب إليها، مطالبين واشنطن بتسليمه لطهران من أجل محاكمته[2].

أزمة انتهت (نظريا) بالتوقيع على اتفاقية الجزائر في 19 يناير/كانون الثاني عام 1981، حيث تم على اثرها الإفراج رسميا عن الرهائن بعد يوم من الاتفاقية وبعد دقائق من أداء الرئيس الأميركي الجديد آنذاك رونالد ريغان يمينه الدستورية. انتهت تلك الأزمة بذاتها، لكنها لا تزال حيّة في الذاكرة التاريخية-الثقافية والسياسية للدولتين، ففي إيران، يُحيي الإيرانيون كل عام الذكرى السنوية لأزمة الرهائن وما يسمونه “اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي” وذلك عبر التجمّع الحاشد أمام المبنى السابق للسفارة الأميركية بطهران، وهم يرددون شعارات مثل “الموت لأميركا”[3].

وفي المقابل، لا تزال الأزمة حيّة لدى الأمريكيين، وحاضرة في قلب السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران، وفي الأعمال الأدبية والفنية والثقافية “الأمريكية” الموجّهة رسميا وغير الموجهة، ومن بينها فيلم “آرغو”، الفيلم الأمريكي الذي أنتج عام 2012، أي بعد قرابة ثلاثة عقود من انتهاء الأزمة، والذي تم اقتباس قصته عن شهادة عميل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي أي إيه” السابق توني منديز التي كتبها على شكل قصة بعنوان “آرغو”، والتي قام الممثل والمخرج وكاتب السيناريو الأمريكي بن أفليك بإخراج فيلم عنها ولعب دور البطولة فيه[4].

في هذا النص، وبالاعتماد على نموذجين من أدبيات ما بعد الاستشراق، نحاول ارتداء نظارة “ما بعد استشراقية” من أجل تحليل عمل فني أمريكي، لا يُخفي وجود علاقة تاريخية وثيقة بين هوليوود ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إن كان من خلال أحداث الفيلم أو قصته نفسها التي تشير بشكل واضح ومباشر الى استخدام ال CIA والسياسة الخارجية الأمريكية شركات الإنتاج الأمريكية وقطاع صناعة الأفلام كأدوات استخباراتية “تكتيكية”، أو من خلال قصة الفيلم نفسها التي كتبها عميل CIA سابق.

ونجادل في مسألة تطور الخطاب ما بعد الكولونيالي (المتمثل بشكل رئيسي بالمنتجات الثقافية الأمريكية لا سيما أفلام هوليوود)، من ناحية اعتماد ذلك الخطاب أسلوبا براغماتيا احترافيا يمزج فيه بين رسالتين أو رؤيتين متناقضتين جوهريا وقيميا، فهو من جهة يعترف بشكل مباشر بالنفوذ السياسي الأمريكي العابر للحدود، والتدخلات السياسية المباشرة وغير المباشرة المنتهِكة لسيادة الدول، كالاعتراف بهندسة الإنقلابات للإطاحة بالرؤساء وحتى العلمانيين الديمقراطيين منهم والمنتخبين ديمقراطيا، والمساعدة في إيصال الرؤساء المستبدين الى سدة الحكم، وفي نفس الوقت، تحاول الرؤية الثانية تأكيد المعرفة الاستشراقية القديمة تجاه الشرق الأوسط، فتستحضر من الذاكرة التاريخية القديمة والحديثة التمثلات المبنيّة والمتراصفة عبر الزمن والتي تمت مراكمتها تاريخيا حول الآخر في “الشرق الأوسط” والعالم الإسلامي.

وبالتالي، فالخطاب ما بعد الكولونيالي المتثمل بأفلام مثل فيلم “آرغو”، يستدعي الحوادث التاريخية (الحديثة نسبيا) والتي تشكل مصدر إدانة سياسية للولايات المتحدة من خلال الاعتراف بها من قبل الأطراف غير الرسمية أو على الأقل شبه الرسمية (هوليوود مثلا)، وذلك من أجل خلق مساحة أو هامش من “الارتياح” والتقبل المبدئي للخطاب الذي يعترف “بالخطيئة” السياسية المرتكبة ويحاول خلق صورة جديدة لأمريكا الأخرى في ذهن المشاهد الغربي والشرقي معا من أجل كسب مزيد من المشاهدات وضمان وصول وانتشار أوسع للمنتج الثقافي، تمهيدا لبثّ سموم ثقافية قديمة-متجددة داخل المنطق الداخلي للسردية أو الخطاب الجديد، مضحية بمسألة الإعتراف باختلال قيم الماضي، أي تضحيّ بالتاريخيّ-السياسيّ الذي تصور بأنه أصبح في الماضي ويتحمل مسؤوليته سياسيوو الماضي (كالاعتراف بالمساعدة في الانقلابات العسكرية على الديموقراطية في الشرق الأوسط) من أجل إعادة إنتاج المعرفة الاستشراقية من جديد في الزمن الحاضر والتذكير بها بين فترة وأخرى والتعامل معها كواقع ومسلمات.

ميلاني ماكاليستر وكتاب “مواجهات ملحمية: الثقافة، الإعلام ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”

في كتابها (مواجهات ملحمية: الثقافة، الإعلام، ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ 1945) تحاول ميلاني ماكاليستر أن تضع التاريخ الأمريكي كما الثقافة الأمريكية داخل التاريخ العام للسلطة الكولونيالية وما بعد الكولونيالية، فأمريكا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث تمثل باعتقادها البديل لثنائي السلطة والمعرفة الأوروبية، وبالتالي فهي تسعى لوضع تاريخ القوة العالمية للولايات المتحدة في عمق الدراسات الثقافية الأمريكية، وإعطاء الثقافة دورا مهما في تحليل إنتاج وإعادة إنتاج القوة الأمريكية. كما تصرّ على عدم الفصل بين ما هو محلي وما هو دولي فيما يتعلق بثنائي الثقافة والسياسة بشكل عام، وذلك عبر إبراز التناقض القائم بين رفض أن تأخذ الهويات والثقافات والصراعات مكانها داخل حدود الدولة (القومية) الأمريكية من جهة، وبين التزايد الاستثنائي للهيمنة الأمريكية خلال الخمسين عام الماضية، والتضخم في تأثيرها وتمددها، بحيث صار من الصعب دحض أن “الأمريكانية Americanness” يمكن أن تُفهم اليوم خارج إطار التوسع، وأن هذا التوسع والتمدد الأمريكي العالمي كان له تأثير بحيث غيّر معنى الدولة القومية نفسها[5].

تركّز ميلاني ماكاليستر على مسألتيّ السياسة الأمريكية والثقافة الأمريكية، باعتبار أن الثقافة والفكر والهوية هي مسائل لا تقف عند الحدود الوطنية، وتحاول بذلك اختبار الروابط بين المنتجات الثقافية، والهويات الوطنية والدينية، والسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. وتتمثل مساهمتها الرئيسية بتحليلها التقاطع بين الثقافة الشعبية والسياسة الخارجية الأمريكية خلال الأعوام الخمسين الأخيرة، وكيف خلقت المجموعات المتنوعة من الأمريكيين لنفسها عدة أنساق فهم سياسية وثقافية للشرق الأوسط[6].

وتحاول في نفس الوقت إيصال فكرة أن أساس أو بنية المصالح الأمريكية هي ليست شأنا أو عملية “مسلّم بها أو غير متنازع عليها” ، باعتبار أنه ليس هنالك ما يمكن أن نطلق عليه استجابة أمريكية (ذات نتيجة واحدة) تجاه الشرق الأوسط، وحتى وإن ظهر بأن ثمة مجموعة واحدة من المعايير الثقافية والأصوات السياسية تهيمن على الساحة، فالواقع يحيل الى وجود بدائل ناقدة من كلا اليمين واليسار، ومن جماعات راديكالية مختلفة ومن وجهات نظر دينية مختلفة[7].

وتؤمن كذلك بأن معاداة أمريكا في الشرق الأوسط كانت في جميع الأوقات حاضرة وبقوة، حتى لدى أولئك الذين ترددوا ولو لمرة في فهم نوايا وممارسات الولايات المتحدة، وبأنه وبعد الفشل الأمريكي في العراق لا يزال السؤال حول الدور الذي ستلعبه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأماكن أخرى غير واضح وملتبس، وبأن الثمن الذي ستدفعه أمريكا بفعل “المقامرة الإمبريالية” التي أقدمت عليها إدارة بوش لم يصفّى بعد[8]. وخصوصا أنه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تركز على الشرق الأوسط باعتباره مصدر تهديد عسكري و/أو ثقافي يتطلب الإحتواء، وكان الاهتمام الأول للإعلام والسياسة الأمريكية هو محاربة الارهاب وخطر النفط، وتحول بذلك الشرق الأوسط وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة العراق في حرب الخليج 1990-1991 الى ساحة لاستعراض القوة الأمريكية وتصنيع الهويات الأمريكية الوطنية والعنصرية والدينية[9].

تتحدث ماكاليستر عن سياسات المواجهة الثقافية، لا المواجهة وجها لوجه بالمعنى الحرفي من خلال السفر ومن على الحدود، وإنما عبر الطرق التي يواجه من خلالها الأمريكيون بشكل رسمي وغير رسمي “تمثلات” الشرق الأوسط، المتأتية من التقارير الإخبارية والأفلام والروايات الشعبية ومعروضات المتاحف وما الى هنالك، والتي كان لها تأثير في فهم الأمريكيين “لمصالحهم” الوطنية في المنطقة، فتلك المنتجات الثقافية لعبت دورا مهما في جعل الشرق الأوسط ذو معنى بالنسبة للأمريكيين وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية والتوسع الدراماتيكي في القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة في المنطقة[10].

تتحدث ماكالستير عن المنتجات الثقافية التي يصبح لها معنى من خلال ارتباطاتها التاريخية مع أنواع أخرى من النشاطات ذات المعنى نفسه أيضا، ومع إجراءات صنّاع السياسة ومع التسويق المستمر لما تعبّر عنها الكاتبة بنبوءة الكتاب المقدس. الأمر الذي يشير الى أهمية أن نسأل أقل حسب ماكاليستر عن “ماذا يعني النص” بدلالاته الضمنية وشيفرات معانيه المجازية الخفية، وأن نسأل أكثر حول كيفية تقاطع وترابط النصوص في حقل أو سياق معين، ومن ثم في مجموعة من الحقول والسياقات، ومن ثم ترابطها في العالم السياسي والاجتماعي برمته. وبالتالي فالإنتاج المعرفي هنا لا يحصل من خلال المؤامرة المباشرة والتظافر الواعي بقدر ما يحصل عبر المنطق الداخلي للممارسات الثقافية بالتقاطع مع أكثر الأنشطة مدعاة للاهتمام من قبل الفاعلين الاجتماعيين. وبذلك فالكاتبة لا تحاول اختبار المؤامرة ولا مجموعة تمثيلات الوظائفيين الموجودين في خدمة السلطة، بل تحاول اختبار عملية الالتقاء بين الأحداث التاريخية (الاستعمار والاستشراق، الخ)، والتمثلات المتقاطعة، والمصالح الخاصة المتنوعة مع بعضها داخل انسجام ومطابقة قواتية وإنتاجية وتاريخية[11].

خصصت ماكاليستر في كتابها فصلا كاملا حول إيران، حاولت من خلاله رسم علاقة الثقافي بالسياسي، من خلال تمثلات الإرهاب التي ساهمت في رسم خرائط الجغرافيا الأخلاقية، والتي ساهمت بدورها في دعم النزعة القومية التوسعية للولايات المتحدة. وتناولت أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران في عهد رونالد ريغان باعتبارها تمثل واحدة من أكثر القصص تغطية وإثارة للإهتمام في تاريخ التلفزيون الأمريكي. لا سيما أن الرئيس ريغان أعلن يوم إطلاق سراحهم بأن “الإرهاب” سيحل مكان “حقوق الإنسان” في اعتبارات السياسة الخارجية الأمريكية، وقد تمت بالفعل ترجمته عمليا خلال عهد ريغان وبوش عبر سيطرة سياسية وعسكرية في الشرق الأوسط تزامنت أو ربما سبقت بقليل إعلان تغير ترتيب الأولويات الذي أخبر به ريغان، وذلك من خلال عدة أحداث من بينها التدخل العكسري الأمريكي في لبنان عام 1981، والدعم العسكري واللوجستي للعراق في حرب العراق إيران عام 1980، والضربة العسكرية الأمريكية على ليبيا 1986. وفي الوقت الذي كان اعتبار “محاربة الارهاب” ظاهرا في السياسة الخارجية الأمريكية كان الاعتبار نفسه جهاز مؤامرة للأفلام والروايات الأدبية في السبعينيات، لكن خطاب أو سردية (التهديد الإرهابي) تطور بالفعل خلال الثمانينيات، لأنه صار رد فعل عام بفعل أزمة الرهائن في إيران، ولم يقتصر على خطابات صناع السياسة والتقارير التلفزيونية وإنما تعداها ليصير نشاطا مجتمعيا في كل أنحاء أمريكا. وبالتالي صار الأمريكيون حسب ماكاليستر بموقع الضحايا الرئيسيين بدلا من الإسرائيليين، وبموقع المدافعين الأوائل عن تهديد الإرهاب في نفس الوقت. وعلى مدار عقد كامل تقريبا صارت قصة إيران في العديد من النصوص الثقافية هي الدلالة النموذجية لأمريكا كدولة معرضة لخطر الإرهاب. وهي سردية تقوم على نفس بنية سردية سبي البيض على يد الهنود الحمر التي سيطرة على أدبيات أمركيا في بداياتها[12].

تطور خطاب التهديد الإرهابي حسب ماكاليستر خلال أزمة الرهائن وبعدها، كما ساهم في إنتاج تغيير ماكر ومهم في الجغرافية المتخلية للشرق الأوسط، تغيُّر تمثل بإعادة التصنيف، (ما تعبر عنه الكاتبة بالجغرافيا الأخلاقية)، حيث بات “الإسلام” هو المحدد المهيمن الذي يسلط الضوء عليه في المنطقة عوضا عن الثروة النفطية أو العرب أو الأرض المسيحية المقدسة، وصار هنالك خلط بين الإسلام والإرهاب، وخصوصا أن الأمر تزامن مع تغييرات مهمة في الهويات السياسية في الشرق الأوسط (في السبعينيات والثمانينيات)، بالذات مع ظهور الإسلام الإحيائي وتحوله لقوة سياسية مهيمنة في دول مثل مصر وإيران ولبنان. حيث حولت تمثلات ذلك الواقع في الثقافة العامة الأمريكية تلك الظاهرة الدينية-السياسية الناشئة لطابع محدِّد للمنطقة بأكملها. وبالتالي فمع تلك الخرائط الإدراكية المرسومة تحولت إيران غير العربية وكأنها معبّر عن المنطقة كلها، فما كان يُفهم بشكل خاطئ على أنه “العالم العربي” في الستينيات والسبعينيات صار يفهم بشكل خاطئ مجددا في الثمانينيات لكن على أنه “العالم الإسلامي”[13].

كانت حكاية الإرهاب والسبي وإيران والإسلام حكاية التلفزيون أيضا، حيث كان للإعلام وخصوصا التلفزيون مركزية خاصة في الاستهلاك العام لأزمة الرهائن. وكان التلفزيون هو من نقل الأزمة لمنازل الملايين من الأمريكيين ليلة بليلة، وفي نفس الوقت أعطى الإيرانيين منصة للتعبير عن مظالمهم ضد الولايات المتحدة، وبالتالي يمكن تصوّر التلفزيون كفاعل مهم في الأحداث. ولذلك فمسألة التواطؤ في تغطية الأخبار لم تقتصر على النقاشات السياسية حول الإرهاب، وإنما شملت أيضا برامج الأخبار التلفزيونية التي كان لها تمثيلاتها الخاصة بها. وبذلك، فبَعد الأزمة الإيرانية صار هنالك تشابك وثيق بين مسألة الإرهاب والتلفزيون[14].

ومع ذلك، فميلاني تخبر بأنها لا تقصد الاستخفاف بالمسألة الأخلاقية لأحداث كأحداث حجز الرهائن والتفجيرات أو القتل، فهي تتفهم غضب الإيرانيين تجاه الولايات المتحدة (على اثر استضافة الأخيرة الشاه بعد الثورة عليه) لكنها في نفس الوقت تؤمن بأن ذلك الغضب لا يسوّغ أي عمل انتقامي من الأشخاص غير المسؤولين. كما لا تقصد التنظير في الإرهاب ولا تحليل الفرق بين عنف سياسي وآخر، ولا أن تقترح شكل النشاط العسكري الذي من الممكن اعتباره أكثر قبولا او أكثر تبريرا سياسيا وأخلاقيا، لكنها تسلط الضوء على مسألة ضيق تعريف الإرهاب الذي لعب دورا سياسيا مهما، فالإرهاب كرمز ثقافي له فائض معنى ذو تطبيقات قومية قوية داخل الولايات المتحدة نفسها، وبذلك تحولت محاربة الإرهاب الى بنية أساسية في المصالح الأمريكية القومية في الثمانينيات. وأهم ما تجادل به ميلاني في فصلها حول إيران هو أن الإرهاب واحتجاز الرهائن والسبي كانت جميعها عناصر لها دور في تصوير الولايات المتحدة كدولة الأبرياء وكعائلة تحت الحصار والتهديد الخارجي الذي يتطلب إنقاذا عسكريا ينتظر إشارة المحلي (الداخلي)، وبالتالي فالإرهاب في الثمانينيات كان شماعة الجغرافيا المتخيلة لسردية قومية توسعية أسست لأمريكا في الشرق الأوسط من خلال دراما ثلاثية (الصراع والتهديد والإنقاذ)[15].

حميد دباشي وكتاب “ما بعد الإستشراق: المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب”

يستهل حميد دباشي في كتابه “ما بعد الاستشراق” بمقدمة حول الرسم الكرتوني الذي تم إدراجه في الطبعة الصادرة في الرابع من أيلول/سبتمبر 2007 لصحيفة  Columbus Post-Dispatch، والذي صوّر الشعب الإيراني كالصراصير التي تنقذف خارج بالوعة مصرف صحي وكأنها تحتاج لإبادة جماعية من قبل طرف ما عبر الدوس عليها، وذلك من أجل إيصال فكرة رئيسية في كتابه، وهي كيفية تشويه طرف ما تصوّرا عاما لأمة بأسرها، ليس من خلال رسوم ومشاعر عنصرية متقطعة بمفردها، وإنما من خلال تكامل تلك الرسوم والمشاعر واقعيا مع طيف معياري واسع، يظل صامتا ليتراكم بصورة غير ملحوظة[16].

وينطلق دباشي من سؤال رئيسي حول سلطة التمثيل المُدّعاه، وقوة تلك السلطة ظاهريا، والسؤال حول من يُمثّل من، ومن أعطى الطرف المُمَثِل سلطة تمثيل الطرف المُمَثَل. كما يحاول دباشي في كتابه أن يشاطر صديقه إدوارد سعيد هم تشخيص كيفية وآليات استمرار الشرق في كونه مُمَثّلا بالنيابة، ونقد التمثيل الكولونيالي له، لكن ذلك يمثل جزءا من مشروع دباشي، فمشروعه الأكبر إنما يذهب لمنحى أبعد، وهو كيفية مقاومة تلك الرغبة بالسيطرة، والبحث في المناهج والطرائق للرد المضاد للسيطرة والتمثيل الكولونيالي ومناهضته، وبعبارة أخرى “كيفية إتاحة المجال أمام التابع للتعبير عن ذاته وجوديا، وراء الأزمة المفترضة للمُستلَب”[17].

يتضح لمن يطالع كتاب دباشي، بأن ثمة تقاطع وتكامل بين ما قدمه هو ما قدمته ميلاني ماكاليستر، لا سيما في مسألة العلاقة بين السياسي والعسكري من جهة، والثقافي والإعلامي من جهة أخرى، وخصوصا في حالة الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي يتناول فيه دباشي تلك العلاقة بشكل سريع، في الفصل الخامس من كتابه تحت عنوان (تقدّم الحجيج: في الثوري العابر للحدود)، تفرد ميلاني كتابا كاملا حول تمثلات تلك العلاقة بين السياسة والثقافة في السياق الأمريكي. وفي الوقت الذي تتحدث فيه ماكاليستر عن التعريف الأمريكي الضيق للإرهاب وتنتقده من حيث إغفاله تمثلات الإرهاب داخل حدود الولايات المتحدة نفسها وسياساتها الخارجية، يعرّف دباشي الإرهاب بعيدا عن ذلك الارهاب الذي يتحدث عنه خبراء الإرهاب في قنوات تلفزيونية إخبارية مثل سي ان ان وفوكس نيوز، يعرفه من خلال الفرق بين رقميّ: الميزانية العسكرية الأمريكية التي بلغت 32 ترليون دولار (بين 2000 و 2008) مقابل حوالي 850 مليون فقير حول العالم ينامون جوعى يوميا. يسلط دباشي الضوء على الموضوع من خلال العلاقة الملتبسة بين القوة العظمى والهيمنة من جهة ونداء نشر الحرية والديمقراطية من جهة أخرى، كما يحاول تعرية فشل الآلة الدعائية الأمريكية من حيث قدرتها على حفظ سطوتها وقدرتها على الإقناع في طرحها الأيديولوجي، فهي وإن نجحت من حيث توليد قبول لها بين الجماهبر الشعبية وتعزيز هذا القبول، إلا أنها حسب دباشي لا تسطيع إخفاء العالم الحقيقي الفعلي خارج محيط قنوات مثل السي ان ان والفوكس نيوز. كما يحاول دباشي تسليط الضوء على الحركات المتمردة والمقاومة على امتداد الكوكب وثقافاته المختلفة والتي تعمل على معارضة العسكرية الأمريكية وصلاتها مع السياسة الإعلانية التي تدعي التثقيف والموضوعية، حيث تتمثل تلك المقاومات إما عبر احتجاجات الشعوب الفقيرة حول العالم، أو من خلال المقاومات الثقافية للادعاءات الضحلة والسطحية التي تتباناها الهيمنة الإمبراطوية الأمريكية وما يلفّقه إعلامها الجماهيري بشكل رئيسي حسب دباشي[18].

يتحدث دباشي أيضا عن سيرورة الهذيان في الآلة الدعائية العاملة في خدمة بناء مشروع الامبراطورية الأمريكية “الوهمي” وتعزيزها هيمنتها، (ما يسميه دباشي: مشروع القرن الأمريكي الجديد)، كما يسلط الضوء على الاستيلاء الممنهج (الذي تحدث عنه لويس لافام أيضا وغيره) على الفضاء الجماهيري من قبل مجموعة صغيرة من أصحاب المليارات عبر منتجات ثقافية متعددة (مؤسسات بحثية/مراكز فكرية/برامج تلفزة/عروض إذاعية/دور نشر/صحف/مواقع الكترونية/تمويل طلبة وباحثين/إعانات لنشر كتب) من بينها كتاب صامويل هانتغتون (صراع الحضارات) وكتاب آذر نفيسي (أن تقرأ لوليتا في طهران). حيث يعتبر دباشي الكاتبة (آذر نفيسي) بأنها أحدى مجندات المحافظين الجدد التي استطاعت بجرة قلم أن تثير الهوامات الاستشراقية للإمبراطورية عبر بنية روائية تستعيد شهرزاد وهي تروي قصصا عن العذراوات الشرقيات في زوايا الحرملك وتطرح اشتهاء الأطفال جنسيا كمسلّمة صريحة في البيئة الشرقية وإيصال رسائل حول انتظار النساء الإيرانيات نائب وزير الدفاع الأمريكي ورئيسه جورج بوش الأب كي يطلق سراحهن ويهدي اليهن الحرية[19]. فما هي قصة فيلم “آرغو” وبماذا تخبرنا ؟.

فيلم “آرغو”: سياسات المواجهة الثقافية وتطورها

يرجع الفيلم بالمُشاهد إلى الماضي، ليروي فصلا من فصول الأزمات الأكثر توترا وحساسية بين الولايات المتحدة وإيران. الفيلم من إنتاج عام 2012، وقام بإخراجه وببطولته الأميركي بن أفليك، والذي أخذ دور عميل الاستخبارات الأميركية السابق توني مينديز، وقد حصد الفيلم 3 جوائز أوسكار؛ من بينها جائزة أفضل فيلم لذلك العام، وجائزة أفضل نص مقتبس أيضا. أحداث الفيلم تحاكي وقائع اقتحام مواطنين إيرانيين مبنى السفارة الأميركية في العاصمة الإيرانية طهران، واحتجاز موظفيها ودبلوماسييها كرهائن، بعد أن استقبلت الولايات المتحدة الشاه محمد رضا بهلوي الذي فرّ بعد ثورة عام 1979، ووصول الخميني إلى سدة الحكم، وإعلانه الجمهورية الإسلامية. حيث استطاع طلاب إيرانيون اقتحام السفارة والسيطرة عليها وقاموا باحتجاز موظفيها، وكانوا يطالبون أميركا بإعادة الشاه لمحاكمته وإعدامه في الساحات العامة. كما تدور أحداث الفيلم حول دخول عميل سريّ ينتمي إلى جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية عام 1980 إلى إيران، مدعيا بأنه صانع أفلام هوليوودية، ويريد تصوير فيلم خيال علمي، داخل الأراضي الإيرانية، لكن مهمته في الواقع كانت تتمثل في محاولة إنقاذ 6 دبلوماسيين أميركيين من موظفي السفارة الذين تمكنوا من الهروب أثناء اقتحام السفارة والاختباء داخل منزل السفير الكندي لمدة 3 أشهر، حيث أمّنت لهم السفارة الكندية بطاقات هوية وجوازات سفر، لتؤكد بأنهم يعملون في مجال صناعة الأفلام، وليغادروا بعد ذلك الأراضي الإيرانية عبر الطائرة وبمساعدة العميل السري[20] الذي رتّب لهم الأمر بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية التي حاولت أن تلغي العلمية في اللحظات الأخيرة بعد أن نفذ صبر الرئيس الأمريكي ولوّح بشن هجوم عسكري على إيران من أجل تحرير الرهائن.

بدأ الفيلم بمقدمة موضوعية وحيادية الى حدّ كبير، قدّم من خلالها خلفية تاريخية (وثائقية) قصيرة حول إيران، باعتبارها امتدادا للإمبراطوية الفارسية التي حكمتها سلالة من الشاهات. ثم انتقل لعام 1950، وهو تاريخ انتخاب الشعب الإيراني محمد مصدق، ذو الخلفية العلمانية الديمقراطية، كرئيس وزراء لإيران، والذي قام بتأميم شركات النفط البريطانية والأمريكية وإرجاع نفط إيران للشعب. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى قامتا بهندسة انقلاب للإطاحة به، وتمت الإطاحة به بالفعل، وتنصيب رضا بهلوي شاها لإيران، خلفا له، حيث عُرف الأخير وزوجته بالترف والإسراف في الوقت الذي كان شعبه يعاني فيه الجوع. وقد حافظ الشاه على سلطته من خلال العنف والبوليس الداخلي ومنظمة المخابرات والأمن القومي المعروفة بالفارسية بال “سافاك”، فكان عصره عصرا للخوف والتعذيب كما تخبرنا مقدمة الفيلم. ثم بدأ الشاه رضا بهلوي حملة لتغريب إيران، فأغضب بذلك الغالبية الشيعية التقليدية. وفي عام 1979، أطاح الشعب الإيراني بالشاه، ليعود رجل الدين المنفيّ آية الله الخميني ويحكم إيران. حيث انحدرت البلاد آنذاك نحو فوضى عارمة وتصفيات للحسابات، وفرق للموت. وبسبب معاناته من السرطان، مُنح الشاه لجوءا الى الولايات المتحدة، ما دفع الشعب الإيراني للخروج الى الشوارع والاتجاه نحو السفارة الأمريكية للمطالبة بإرجاع الشاه، من أجل محاكمته، وإعدامه. وهنا، وبتاريخ الرابع من نوفمبر 1979 بدأت أحداث الفيلم.

بدأت أول أحداث الفيلم بمشهد حرق العلم الأمريكي من على أحد الأسطح أمام سفارة الولايات المتحدة في طهران خلال وقفة تظاهرية تعكس صورة هستيرية لمتظاهرين غاضبين يصرخون ويهتفون عاليا ويحملون العصيّ، واليافطات المختلفة التي تندد بأمريكا، وأخرى ترفع شعارات إسلامية مثل “لا إله إلا الله” وآيات قرآنية، وصورا للإمام الخميني وصورا أخرى مشوّهة للشاه، بالإضافة لمشاهد تحطيم زجاج نوافذ السفارة من قبل المتظاهرين. الى أن قفز المتظاهرون الى داخل أسوار السفارة، وبدأوا بتحطيم أقفال البوابة الخارجية ودخلوها بشكل جماعي وبدائي، وكان التركيز هنا أثناء دخولهم على شابة إيرانية يافعة وحسناء ترتدي الحجاب وتتوسط وتتصدر الجموع التي تقتحم السفارة، بالإضافة لمشاهد متفرقة لنساء إيرانيات يجمعهنّ حسن الوجه والبشرة الفاتحة وارتداء الشادور الإيراني التقليدي، وكأنه إيحاء بالهمجية والبدائية المختبئة تحت شادور الفتياة الإيرانيات أو خلف الشعارات الإسلامية التي يرفعها المتظاهرون.

ينتقل المخرج لمشهد مهم يكمّل دلالات الوثائقي الذي بدأ به الفيلم، وهو مشهد موظفي السفارة حين اتجهوا سريعا الى الأوراق والمستندات في مكاتبهم لحرقها، والتي يُظهر بعضها عناوين استخبارية “مثل محتوى حساس – تحذير”، بالإضافة لتحطيمهم الشاشات وآلات التسجيل والأشرطة، والتركيز على هذه اللقطات أكثر من مرة. ولا يكاد يمر وقت قليل ليمرّ مشهد لأحد الإيرانيين الذين دخلوا السفارة ووجدوا صورة الخميني معلقة على الحائط بعد أن استُخدمت كلوحة خلفية للعبة الخِزَاقَة أو لعبة السهام المريّشة، حيث انتفض المتظاهر الإيراني وارتعد وصرخ بشكل هستيري وبأعلى صوته من أجل معرفة الفاعل والانتقام منه بعد أن وجد السهام المريّشة مرمية على وجه الإمام، في محاولة لإظهار أمرين، مكانة الإمام الخميني لدى جمهوره وإيمانهم العميق به، بالإضافة لاظهار الدور السياسي لموظفي السفارة.

جميعها رسائل افتتاحية جاءت لرسم طابع أولي إيجابي لطمأنة وكسب ودّ الجمهور/المشاهد المستوعب (متلقي المعرفة – الشرقي أو الغربي المعتدل قيد التعبئة ثقافيا والمعارض ربما للسياسة الخارجية للولايات المتحدة) عبر الاعتراف المباشر بالنفوذ السياسي الأمريكي العابر للحدود، والتدخلات السياسية المباشرة وغير المباشرة المنتهِكة لسيادة الدول، وبهندسة الإنقلاب ضد الرئيس محمد مصدق والإطاحة به، والدور الاستخباراتي الذي كانت تقوم به السفارة وموظفيها، وبالتالي، يحاول الفيلم في مشاهده الأولى استدعاء الحوادث التاريخية التي تشكل مصدر إدانة سياسية وأخلاقية للولايات المتحدة من باب الاعتراف بها من قبل صانع الفيلم (هوليوود)، من أجل خلق علاقة ثقة مع المشاهد باعتبارها طرفا موضوعيا، وخلق مساحة أو هامش من “الارتياح” والتقبل المبدئي للخطاب العام الأوسع أو الرسالة الضمنية النهائية التي يتم زرعها في ذهن المشاهد، وهنا وإن كان ثمة هنالك اعتراف “بالخطيئة” السياسية القديمة للولايات المتحدة من قبل هوليوود إلا أن ذلك في حقيقة الأمر محاولة للتأسيس لصورة جديدة لأمريكا الأخرى في ذهن المتلقي والتمهيد للصور والمفخخات التمثّلاتية المزروعة في النسق الداخلي لصور الفيلم وأحداثه ومشاهده كما سنرى بعد قليل.

يؤكد الفيلم دور الإعلام الأمريكي كفاعل مهم في الأحدث كما أخبرتنا من قبل ميلاني ماكاليستر، من خلال مشاهد التضامن في أمريكا مع الرهائن، وفي كل مكان، في الشوارع العامة، وعلى اليافطات في الشوارع والمدراس، وعلى الراديو وفي التلفاز وفي السيارة وفي كل وقت من الأوقات حتى أثناء الاستيقاظ صباحا.

ويقدم الفيلم العديد من مشاهد تعكس سرديات وسرديات مضادة لها. كما يكرر الفيلم أبرز المشاهد التي عرضتها وسائل الاعلام الأمريكية أثناء الأزمة والتي تتمحور حول “همجية الايرانيين” وذلك داخل شاشات التلفزة التي يشاهدها الممثلون أثناء أداء أدوارهم في الفيلم، ومن بينها صورة قبيحة تُظهر امراة إيرانية وكأنها إنسانة مختلة عقليا (شاهد دقيقة 34.43)، وصورة لشابة إيرانية محجبة تحمل السلاح. بالإضافة لمشاهد متتالية تُظهر خشونة المرأة الإيرانية (وهي تحمل السلاح مثلا أو تقوم بحركات غريبة تعكس اختلالا عقليا) مقابل مشاهد لإحدى موظفات السفارة وهي تتصرف بأنوثة عالية مع صديقها بشكل يعكس مشاعرها الحساسة والرقيقة، أو مقاطع للإيرانيين وهم يتظاهرون بشكل همجي جدا مقابل مشهد لموظفي السفارة الرهائن وهم يلعبون الشطرنج في منزل السفير الكندي (دلالة على القوة العقلية والذكاء لدى الأمريكيين – مقابل وحشية وهمجية وبطالة وعطالة الإيرانيين).

يعرض الفيلم مقاطع تظهر حياة عميل الاستخبارات المعرضة للخطر، وعدم الاستقرار والتغيّب الدائم عن أسرته وأطفاله من أجل تحرير الرهائن، مقابل مشاهد التعذيب النفسي للرهائن، لا سيما مشاهد إيقاظهم (وقت صلاة الفجر وبعد رفع الأذان) من قبل مسؤول فرقة التعذيب (شيخ معمم ملتحي يحمل مسبحة) وعناصره المتديونون الذين يحملون السلاح، وربطهم وتغطية رؤوسهم وإيهامهم بأنهم سيعدمون في النار بعد الضغظ على الزناد وسماعهم صوت السلاح الفارغ، ومن ثم سقوط الرهائن على الأرض وهم يجهشون بالبكاء على اثر ذلك التعذيب النفسي، كل ذلك بالتزامن مع تصريح السيدة المحجبة التي تلقي بيانا رسميا تصنف فيه وكالة الاستخبارات الأمريكية ال CIA على أنها أكثر المنظمات إرهابا في كل الاوقات.

ليس ذلك فقط، فقد عرض الفيلم العديد من المقاطع المتقطعة التي تعكس:

  • إما استهزاءا غير مباشر بالثقافة الإسلامية مثل عرض مقطع حول تصريح إعلامي رسمي لامراة ترتدي الحجاب وتبدأ كلمتها “ببسم الله الرحمن الرحيم”، بالتوازي مع مقاطع تمثيلية (تجريبية) عن قصص خرافية وحرب خيالية،
  • أو تعكس استخدام رجال المخابرات الخطاب الديني في تجنيد المخبرين او استنطاق الإيرانيين عن معلومات أمنية، من خلال مشهد استنطاق عاملة التنظيف الإيرانية في منزل السفير الكندي،
  • أو تعكس اختراقا وتناقضا ثقافيا كعرض مقطع حول نساء إيرانيات باللبساء التقليدي الأسود وهنّ يأكلن دجاج “الكنتاكي” في الشوارع العامة،
  • أو تعكس الاعتياد على المشاهد الإجرامية وغير الإنسانية وتعامل الإيرانيين معها وكأنها طبيعية مثل مقطع لشخص مشنوق ومعلّق من رقبته في وسط الشارع بينما يمر الناس والسيارات من جانبه وكأنه غير موجود وكأنه وضع طبيعي ومألوف جدا بالنسبة للإيرانيين،
  • أو تعكس طبع الخيانة في الشخصية الإيرانية التي يمكن شراؤها بالمال من خلال مشهد صاحب الحافلة التي ستقلّ الرهائن وهو يُحدّق بشكل رخيص خافضا رقبته وأنظاره نحو المال الذي يحمله بطل الفيلم حين استأجر الحافلة منه وبمشهد يوحي بأن البطل اشتراه بمبلغ من المال،
  • أو تعكس تخلّف وبدائية الإيرانيين من خلال مشهد المتظاهرين المتجهين نحو الحافلة التي تقل موظفي السفارة وكأنهم قادمين من عصور حجرية حيث قاموا بمحاصرة الحافلة والطَرق على زجاجها بمجرد أن وجودوا فيها جنسا آخرا أبيضا غير إيراني، وكأنه مشهد “للزومبيز” أو الوحوش أو الأموات المبعوثين من قبورهم ومتجهين نحو طريدتهم، أو المشهد الذي يحاول الإيحاء بأن الإيراني حاد الطبع دائما وعدواني ومسعور وجائع وشهواني وصاحب حَميّة عمياء، من خلال مشهد مرور موظفي وموظفات السفارة بالسوق المسقوف، وقيام إحدى الموظفات بتصوير متجر أحد الإيرانيين الذي انتفض غضبا واختلق مشكلة ولم يرضى بأي حلّ وكيف تجمّع الناس حوله لمناصرته بشكل أعمى لمجرد أن الطرف الآخر في النزاع هو غير إيراني ويُرجح بأنه أمريكي، أو تصوير الإيرانيين وإن كانوا رجال أمن واستخبارات على أنهم أغبياء يسهل خداعهم والتحايل عليهم، من خلال مشهد نقطة التفتيش والتحقيق الأخيرة حين حاول أحد موظفي السفارة شرح سبب زيارتهم لإيران، وتحدّثه عن الفيلم الخيالي والفضائي الذي يبحث عن موقع لتصوير مشاهده في إيران، وقام بتمثيل حركات مضحكة ومستهزأة توحي بغباء رجال أمن المطار.

النتائج والخاتمة:

بالاعتماد على عملين أساسيين من أدبيات ما بعد الاستشراق، حاولنا في هذا النص تحليل عمل ثقافي أمريكي، حاول استدعاء الحوادث التاريخية التي تشكل مصدر إدانة سياسية وأخلاقية للولايات المتحدة من باب الاعتراف بها من قبل صانع الفيلم (هوليوود)، وذلك من أجل خلق علاقة ثقة مع المشاهد باعتبار “هوليوود” طرفا موضوعيا، وخلق مساحة أو هامش من “الارتياح” والتقبل المبدئي للخطاب العام الأوسع أو الرسالة الضمنية النهائية التي يتم زرعها في ذهن المشاهد، وهنا وإن كان ثمة هنالك اعتراف “بالخطيئة” السياسية القديمة للولايات المتحدة تجاه إيران على لسان هوليوود إلا أن ذلك في حقيقة الأمر هو ليس إلا محاولة للتأسيس لصورة جديدة لأمريكا الأخرى في ذهن المتلقي والتمهيد للصور والمفخخات التمثّلاتية المزروعة في النسق الداخلي لصور الفيلم وأحداثه ومشاهده.

وقد حاول الفيلم تقديم مشاهد عديدة تحاول إعادة إنتاج المعرفة الاستشراقية، والتأكيد على وإعادة التذكير ب تمثّلات الإيرانيين التي صنعتها المنتجات الثقافية الأمريكية على مدار عقود، والتعامل معها كمسلّمات في البيئة الإيرانية. والتي يمكن فهمها ليس من خلال دلالاتها الضمنية ومنطقها الداخلي فقط، وإنما من خلال تقاطعاتها أيضا مع الأنشطة والمنتجات الثقافية المتواشجة والمترابطة ضمنيا وتاريخيا عبر سيرورة زمنية.

المراجع

  • الدويري، فايز الدويري. أزمة الرهائن والمحاولات الأميركية لمواجهتها. موقع الجزيرة نت. تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bit.ly/2qTMBBi
  • قصة الطلاق الأبدي.. الإيرانيون يحتفلون بذكرى اقتحام السفارة الأميركية. الجزيرة نت طهران. تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bit.ly/2Y3C822
  • توني منديز جاسوس المخابرات الأمريكية الحقيقي في “آرغو”. بي بي سي. تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bbc.in/35WfkUz
  • دباشي، حميد. ما بعد الإستشراق المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب. ترجمة باسل عبد الله وطفه. مراجعة وتدقيق حسام الدين محمد. الطبعة الأولى. ميلانو: منشورات المتوسط، 2015.
  • فيلم ARGO عن أزمة الرهائن الأميركيين في إيران.. لماذا غضب الكنديون من تزييف هوليوود للتاريخ؟. عربي بوست. تم الإطلاع بتاريخ: 02/12/19، على: https://bit.ly/2LdvnWm
  • McAlister, Melani. Epic Encounters: Culture, Media, & U.S Interests in the Middle East since 1945. 2nd edition. Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 2005.

[1] فايز الدويري، أزمة الرهائن والمحاولات الأميركية لمواجهتها، موقع الجزيرة نت، تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bit.ly/2qTMBBi

[2] قصة الطلاق الأبدي.. الإيرانيون يحتفلون بذكرى اقتحام السفارة الأميركية، جزيرة نت طهران، تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bit.ly/2Y3C822

[3] قصة الطلاق الأبدي.. الإيرانيون يحتفلون بذكرى اقتحام السفارة الأميركية، جزيرة نت طهران، تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bit.ly/2Y3C822

[4] توني منديز جاسوس المخابرات الأمريكية الحقيقي في “آرغو”، بي بي سي، تم الإطلاع بتاريخ: 01/12/19، على: https://bbc.in/35WfkUz

[5] المصدر نفسه، ص 4.

[6] Melani McAlister, Epic Encounters: Culture, Media, & U.S Interests in the Middle East since 1945, 2nd edition (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 2005), p: xi, xii, xxi, xiv.

[7] Melani McAlister, Epic Encounters: Culture, Media, & U.S Interests in the Middle East since 1945, 2nd edition (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 2005), p: xi, xii, xxi, xiv.

[8] Melani McAlister, Epic Encounters: Culture, Media, & U.S Interests in the Middle East since 1945, 2nd edition (Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 2005), p: xi, xii, xxi, xiv.

[9] المصدر نفسه، ص 2-3.

[10] المصدر نفسه، ص xvii، 1-3.

[11] المصدر نفسه، ص 8.

[12] المصدر نفسه، ص 198-199.

[13] المصدر نفسه، ص 200.

[14] المصدر نفسه، ص 200-201.

[15] المصدر نفسه، ص 201.

[16]حميد دباشي، ما بعد الإستشراق المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب، ترجمة باسل عبد الله وطفه، مراجعة وتدقيق حسام الدين محمد، الطبعة الأولى (ميلانو: منشورات المتوسط، 2015)، ص 13-15.

[17] المصدر نفسه، ص 15-17.

[18] المصدر نفسه، ص 240-241، 246.

[19] المصدر نفسه، ص 242-244.

[20] فيلم ARGO عن أزمة الرهائن الأميركيين في إيران.. لماذا غضب الكنديون من تزييف هوليوود للتاريخ؟، عربي بوست، تم الإطلاع بتاريخ: 02/12/19، على: https://bit.ly/2LdvnWm

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق