fbpx
الدراسات البحثيةالمتخصصة

السياسة الخارجية العراقية تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني

اعداد : ليلى ذر الخفاجي              – اشراف : د.  محمد الغريفي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

“تطبيع العلاقات العراقية مع إسرائيل”، عنوان قديم جديد يطرح بين الحين والآخر وتتعالى معه الأصوات المؤيدة والمعارضة، وسط صمت رسمي في ظل انشغال الشارع العراقي بقضاياه المعيشية والاقتصادية اليومية.
جديد هذا الملف حركة أطلقت على نفسها اسم “25 أكتوبر”، وعرف عنها أمينها العام طلال الحريري بأنها حركة علمانية تهدف إلى فصل الدين عن الدولة، وكذلك طالب في عدة لقاءات صحافية بعلاقات جيدة مع إسرائيل، وهذا ما أثار حفيظة العديد من الناشطين العراقيين الذين ثاروا لأهداف اجتماعية تهدف إلى القضاء على الفساد.
وقال أمين عام حركة “25 أكتوبر”، طلال الحريري، في حديث لموقع “الحرة”: “نحن أول مشروع سياسي مسجل أصولا نعارض إيران علنا ونقف بوجهها، حتى أنّنا لم نذكر طهران في إعلان مشروعنا السياسي، باعتبارها دولة غير موجودة في المستقبل”.
وأكّد الحريري أنّ “موقفنا واضح تجاه التطبيع مع إسرائيل، نحن مع إقامة سلام كامل على مستوى اجتماعي وعدم الاكتفاء فقط بعلاقات سياسية – دبلوماسية فقط”، مشيراً إلى أنّه “هناك 2 مليون يهودي عراقي مهجّر، ما يعني أننا بحاجة لتغيير سياسي واقتصادي للوصول إلى درب السلام الصعب بوجود المليشيات الإيرانية”.
وقال: “في جنوب العراق، مدينة إبراهيم، التي يمكن أن نجعلها روحانية وجامعة لتقرب الشعوب وتحقق التوازنات في الشرق الأوسط”، كاشفاً أنّ “هذه الأفكار أدت إلى تهديدي بالقتل من قبل جماعات إيران المسلحة ما دفعني إلى الانتقال من بغداد إلى شمالي البلاد حفاظاً على أمني”. وعن مدى انسجام أفكاره مع اتجاهات ثورة تشرين، أوضح الحريري أنّ “حوالي 70 في المائة من أفراد المجتمع المدني يؤيدون التطبيع وإقامة العلاقات مع إسرائيل، ولا يمكن اختزال العراق بثورة تشرين فقط”، مشيراً إلى أنّه “بتقدم بطلب تغيير اسم الحزب لدى السلطات المختصة، وذلك منعاً لأي التباس، ولكيلا يتم صبغة جميع الناشطين في الثورة بأفكار حزبه”.
“الثورة لا تنحصر بحزب”
من جهته، شدد الناشط المدني، سيف الدين علي، في حديث لموقع “الحرة”، على أنّ “الثوار يرفضون أي حزب يحمل اسم الثورة، لأنها حملت العديد من الطوائف والتوجهات المختلفة والتي لا يمكن حصرها في حزب يحمل اسم الثورة”.
وعلّق علي على موقف الحريري قائلاً: “إذا كان التطبيع مع إسرائيل جزء من سياسته الخارجية فهذا الشيء يمثل الحزب ويطرحه لجمهوره في الانتخابات، إذا كان يناسبهم ينتخبونه، ولكن التطبيع مع إسرائيل لا يرضي جميع الثوار، فهناك من يريدون الحياد، وهناك من يرفضون التطبيع”.
مشكلة الدراسة:
تحاول هذه الدراسة طرح المفهوم النظري والعملي لما تسميه إسرائيل” بالأمن القومي الإسرائيلي”، استنادا إلى التجارب التي خاضتها “إسرائيل” نفسها في صراعها مع الدول العربية.
وتمثل مشكلة الدراسة السؤال الرئيسي التالي:
ما هو مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وأهم النظريات الأمنية التي يستند عليها؟
وينبثق عن هذا السؤال التساؤلات الفرعية التالية:
ما هو مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي؟
ما هي النظريات التي يقوم عليها مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي؟
ما هي حدود القوة في العقيدة الإستراتيجية الإسرائيلية؟
أهداف الدراسة:
– التعرف على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي.
– التعرف على النظريات التي يقوم عليها مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي.
– التعرف على حدود القوة في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية.
أهمية الدراسة:
– قد تستفيد منها القيادة السياسية والأمنية والعسكرية في المجتمع الفلسطيني ومجتمعاتنا الإسلامية من خلال التعرف على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وكيف ينظر الإسرائيليون إليه.
– قد يستفيد منها مراكز التخطيط في مواجهة هذه النظريات الإسرائيلية، وكيفية تحقيق ثغرات ممكنة فيها.
– قد يستفيد منها الأكاديميون في دراستهم عن الكيان الإسرائيلي، وخاصة في الجانب الأمني والعسكري.
– قد تثري هذه الدراسة المكتبة الفلسطينية والعربية من خلال التعرف على أهم جانب من جوانب الكيان الإسرائيلي.
– قد يستفيد منها المفاوض الفلسطيني من خلال الاطلاع المسبق عن طريقة تفكير المفاوض الإسرائيلي الأمني وكيفية انطلاق في التفاوض من الأسس النظرية في “الأمن الإسرائيلي”.
– قد تشكل هذه الدراسة ودراسات مشابه لها بتسليط الضوء على المجتمع الإسرائيلي من جميع جوانبه، وتقديم ثقافة عامة في متناول القارئ العربي.

منهجية الدراسة:
هو المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن، وذلك من خلال استعراض مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، وأهم النظريات المرتكز عليها، وحدود القوى في العقيدة الإستراتيجية الصهيونية، وتحليل هذه المعطيات والنظريات والخروج بنتائج والمقارنة بينها.
المبحث الاول.. ماهية التطبيع ودوافعه مع اسرائيل
المطلب الاول.. مفهوم التطبيع مع اسرائيل.
اشتق لفظ التطبيع (Normalization) من الكلمة الإنكليزية (Normal) بمعنى العادي أو المعتاد أو المتعارف عليه، وفي محتار الصحاح (الطبع هو السجية جبل عليها الإنسان)، وفي المعجم الوسيط (تطبع بكذا أي تخلق به وطبعه على كذا اي عوده إياه)، ولا توجد مادة تطبيع في المعاجم العربية لأنها محدثة، فالمعنى الحالي مأخوذ من ترجمة هذه الكلمة عن لفظة إنكليزية تم تداولها أخيراً خاصة بعد اتفاقيات كامب ديفيد، لكن يمكن تصور المعنى من كلمة التطبيع من حيث المبدأ أنه هو (العودة بالأشياء الى سابق عهدها وطبيعتها). حقيقة التطبيع مع اليهود.
يلي محاولة لتأصيل ما نعني بالتطبيع، آملين أن يكون هذا التعريف مرجعية عند اختلاف الآراء. ينطبق التعريف التالي للتطبيع على الفلسطينيين في الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة، بالإضافة إلى العرب والفلسطينيين في الوطن العربي. التطبيع هو المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصا للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين (و/أو عرب) وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات) ولا يهدف صراحة إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس على الشعب الفلسطيني. وأهم أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي، أو الفني، أو المهني، أو النسوي، أو الشبابي، أو إلى إزالة الحواجز النفسية.
ويستثنى من ذلك المنتديات والمحافل الدولية التي تعقد خارج الوطن العربي، كالمؤتمرات أو المهرجانات أو المعارض التي يشترك فيها إسرائيليون إلى جانب مشاركين دوليين، ولا تهدف إلى جمع الفلسطينيين أو العرب بالإسرائيليين، بالإضافة إلى المناظرات العامة. كما تستثنى من ذلك حالات الطوارئ القصوى المتعلقة بالحفاظ على الحياة البشرية، كانتشار وباء أو حدوث كارثة طبيعية أو بيئية تستوجب التعاون الفلسطيني-الإسرائيلي.
في التالي بعض المجالات والأنشطة التي ينطبق عليها التعريف السابق:
1- إقامة أي نشاط أو مشروع يهدف لتحقيق “السلام” من دون الاتفاق على الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف حسب القانون الدولي وشروط العدالة.
2- إقامة أي نشاط أو مشروع، يدعو له طرف ثالث أو يفرضه على الطرف الفلسطيني/العربي، يساوي بين “الطرفين”، الإسرائيلي والفلسطيني (أو العربي)، في المسؤولية عن الصراع، أو يدعي أن السلام بينهما يتحقق عبر التفاهم والحوار وزيادة أشكال التعاون بينهما، بمعزل عن تحقيق العدالة.
3- إقامة أي مشروع يغطي أو يميع وضع الشعب الفلسطيني كضحية للمشروع الكولونيالي الإسرائيلي أو يحاول إعادة قراءة تاريخ الصراع بحيث يقدم الرواية الصهيونية كرديف أو موازي للرواية الفلسطينية عن جذور الصراع وحقائق الاقتلاع والتهجير.
4- إقامة أي مشروع يرفض أو يميع أو يتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وخاصة حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض حسب قرار الأمم المتحدة رقم 194، عبر الترويج لما يطلق عليه “النظرة للمستقبل” وتجاوز تاريخ الصراع.
5- مشاركة عرب أو فلسطينيين، مؤسسات أو أفراد، في أي مشروع أو نشاط يقام داخل إسرائيل أو في الخارج مدعوم من أو بالشراكة مع مؤسسة إسرائيلية لا تقر علنا بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو تتلقى دعماً أو تمويلاً (جزئيا أو كلياً) من الحكومة الإسرائيلية، كمهرجانات السينما ومعارض تقنية المعلومات وغيرها.
(الحقوق الفلسطينية فيما سبق تعني الحق في تقرير المصير، بما فيه حق اللاجئين في العودة والتعويض طبقا لقرار الأمم المتحدة 194، وكافة القرارات المتعلقة بعروبة القدس، وعدم شرعية الاستيطان ومصادرة الأراضي، وتهجير السكان بالقوة وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا)
تقبل عدّة دول معنى التطبيع مع اليهود على الرّغم من رفض الكثير من الدّول العربيّة الأخرى معنى التّطبيع مع المحتلّ الصّهيونيّ بشكل كامل، وعلى الرّغم من قيام دول عربيّة بتطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل المزعومة حتّى يومنا هذا إلّا أنّ التّطبيع مرفوض في معظم دول العالم العربيّ، وترفض كثير من هذه الدّول دخول أراضيها باستخدام جوازات السّفر الإسرائيليّة بالإضافة إلى رفض إقامة سفارة لدولة إسرائيل المزعومة فوق أراضيها أيضًا.
معنى التطبيع مع اليهود
يعرف التّطبيع مع اليهود بأنّه جعل العلاقات طبيعيّة مع دولة إسرائيل المزعومة بعد توتّر العلاقات الذي ساد بينها وبين العديد من دول العالم نتيجة لانتهاك حقوق الشّعب الفلسطينيّ واحتلال أرضه؛ حيث بدأت دولة إسرائيل المزعومة باحتلال الأراضي الفلسطينيّة منذ أواخر القر التّاسع حتّى تمكّنت من السّيطرة على واحد وعشرين ألف كيلومتر مربّع من مساحة دولة فلسطين التي تبلغ سبعاً وعشرين ألف كيلو متر مربّع.
على الرّغم من وجود الكثير من الدّول العربيّة التي ترفض تطبيع علاقاتها مع دولة إسرائيل المزعومة بسبب اغتصابها لأراضي فلسطين المحتلّة إلّا أنّ هناك بعض الدّول العربيّة التي قامت بتطبيع العلاقات ليتمكّن الشّعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلّة مع عدم قيام دولة إسرائيل بضمّ أراض جديد إلى سيطرته كما هو مشهور باسم حلّ الدّولتين، وفيما يأتي مجموعة من الدّول العربيّة المطبّعة مع دولة إسرائيل المزعومة:
جمهوريّة مصر العربيّة: تعدّ جمهوريّة مصر العربيّة أوّل الدّول التي تطبّع علاقتها مع دولة إسرائيل المزعومة؛ حيث قام أنور السّادات بتوقيع معاهدة السّلام المصريّة الإسرائيليّة يوم الإثنين الموافق لتاريخ 26/مارس/1979م.
الإمارات العربيّة المتّحدة: اعلنت الإمارات العربيّة المتّحدة عن تطبيع كامل العلاقات بينها وبين دولة إسرائيل المزعومة يوم الخميس الموافق لتاريخ 13/أغسطس/2020م لتصبح ثالث الدّول العربيّة التي تطبّع علاقاتها مع اليهود.
مملكة البحرين: صرّحت وكالة الأنباء الرّسميّة في مملكة البحرين عن تطبيع العلاقات بين دولة البحرين ودولة إسرائيل المزعومة يوم الجمعة الموافق لتاريخ 11/سبتمبر/2020م، وهي آخر الدّول العربيّة التي قامت بتطبيع علاقاتها حتّى يومنا هذا.
المطلب الثاني.. دوافع التطبيع مع اسرائيل.
أن التطبيع هو جهود اتصال، وتواصل، وبناء، وتطوير، علاقات بين دولة وأخرى، كانتا في حالة قطيعة، بشكلٍ واعٍ ومقصود، بغيةَ الوصول إلى علاقة طبيعية لا يشوبها التوتّر، أو التوتّر المفرط. وتنتج سيرورة التطبيع هذه على الأرجح من خلال وصول كل الأطراف إلى حالة قبول للنظام الآخر بصيغته وأيديولوجيته وشكله وسلوكياته الراهنة.
التطبيع مع إسرائيل بهذا المعنى، يعني الدخول في اتصالات وعلاقات مخططة تهدف إلى جعل العلاقة معها علاقات طبيعية مناقضة للمقاطعة تمامًا. ويحمل التطبيع دلالة القبول بوجود إسرائيل بشكلها ونظامها وصيغتها الحالية الكولونيالية الاستيطانية العرقية، وكذلك القبول بدورها، وأيديولوجيتها، ومشروعها الاستيطاني الاحتلالي، وكذلك الحال القبول بواقع الفلسطينيين وحالتهم الشاذة تحت الاحتلال. وقد تفترض بعض الدول أن هذه العلاقات تهدف إلى إحداث حالة يمكن من خلالها التأثير في الدولة الأخرى، والضغط عليها لإجبارها على القبول بتقديم تنازلات معيّنة، كما تدعي بعض الأطراف التي تدافع عن التطبيع مع إسرائيل، مع أن التجربة التاريخية أثبتت خلاف ذلك. فعلى العكس، نجد أن الأطراف التي طبّعت العلاقات مع إسرائيل ووقّعت اتفاقات معها، مثل منظّمة التحرير والأردن ومصر، تحت ذرائع البراغماتية، قد انزلقت إلى منزلق القبول الفعلي بوجود إسرائيل الكولونيالية، ولربما القناعة بأهمّية وجودها، وقد خسرت قدرتها على المناورة والضغط على إسرائيل، وذلك بسبب نشوء مصالح مشتركة لكل طرف من هذه الأطراف مع إسرائيل.
يعزّز التطبيع مع إسرائيل من قوّتها، وشرعية مبررات وجودها الكولونيالي، ويدعم مشروعها بطريقة أو بأخرى، بل ويحفّزها للمضي قدمًا بهذا المشروع الكولونيالي. ويُمكن طرح بعض المجادلات التي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك، أن التطبيع مهما كانت النوايا التي تقف وراءه، يدعم أركان الوجود الكولونيالي الإسرائيلي. أولًا، تزايد وتيرة وكثافة الفعل الاستيطاني والاستعماري والعنصري في السنوات الأخيرة، وهي السنوات التي تميّزت بتعزيز عملية التطبيع مع بعض الدول العربية المطبّعة وغير المطبّعة. وليس آخرًا، ما يردده نتنياهو مرارًا وتكرارًا، من أن العالم يهرول إلى إسرائيل، وهذا يثبت، على حد تعبيره، أن القوّة بكافة أشكالها تجعل العالم يحترمك وليس التنازل. وقد وصلت إسرائيل إلى هذه النتيجة من خلال تجربتها في أن صلابة مواقفها، وبطشها الاستعماري، وتعزيز فائض القوّة لديها عسكريًا واقتصاديًا وعلميًا، جعل العالم يسعى للتطبيع معها بدلًا من مقاطعتها.
وهذا النقاش يفضي بنا إلى التطرق إلى التطبيع الفردي، الذي له معاييره المختلفة قليلًا عن التطبيع على صعيد الدول. عندما تطبّع دولة مع دولة أخرى علاقاتها، فإنها تطبّع مع المؤسسة صاحبة المشروع، وفي حالة إسرائيل، فإن الدولة وأجهزتها وأذرعها المختلفة، هي نفسها حاملة المشروع الكولونيالي الاستيطاني على كافة أراضي فلسطين وسكانها. في حين قد يوجد أفراد ومؤسسات مجتمع مدني تعارض العنصرية والكولونيالية والاستيطان وكذلك الانغلاق الاثني، وليس بالضرورة أن تكون كل مؤسسات المجتمع المدني، وأفراد المجتمع، داعمين لهذا المشروع الكولونيالي.
بناءً على ذلك، فإن بناء علاقات مع جمعيات، ومؤسسات، وأفراد يناصرون الحقوق الفلسطينية، ويعارضون الطابع الاستعماري الاستيطاني العنصري الغربي للدولة العبرية هو تعزيز للنضال وتقوية شوكته في وجه المؤسسة الإسرائيلية الاستعمارية. لأن هذا النوع من العلاقات يستند إلى مبادئ وغايات وآليات عمل تعمد إلى مقاطعة المؤسسة الإسرائيلية الاستعمارية الرسمية، وكذلك كافة المؤسسات المجتمعية الرديفة، والأفراد والشخصيات العامة التي تعمل على تعميق المشروع الكولونيالي العنصري. ومن ناحية أخرى، فإن هذه العلاقة لا تقوم مع أطراف تدعم الحالة الراهنة، بل مع أطراف تقف موقف الفلسطيني وتناضل إلى جانبه، بل وتعمل على إعاقة تقدّم المشروع الاستعماري الاستيطاني.
ولا يعني ذلك ألا يحاول الفلسطينيون التواصل مع المجتمع الإسرائيلي بشكل مستمر، في محاولة لإيضاح موقفهم ورؤيتهم للحل، بل ومحاولة جذب أكبر قدر ممكن من المناصرين للمشروع المناهض للكولونيالية الاستيطانية الإسرائيلية. لكن الأهم في هذا النوع من العلاقات، أن يستند إلى مواقف سياسية واضحة وبالغة الصراحة تجاه النظام والمشروع الاستعماري الاستيطاني، وألا تكون العلاقة قائمة على التزلّف والانبطاح السياسي والأخلاقي، والتنازل عن المبادئ المتعلقة بتقويض الوجود الكولونيالي الإثني. وعلى الصعيد الفردي، لا يجوز أن تختزل مسألة التطبيع الفردي في الحصول على تصريح وزيارة المدن الفلسطينية في الداخل المحتل، أو مجرد إجراء مقابلة مع جهة إعلامية إسرائيلية، بل إنّه عملية واعية ومقصودة طويلة المدى، مع مؤسسات أ أفراد أو جهات رسمية، أو غير رسمية إسرائيلية.
المبحث الثاني…التطبيع ونظرية الامن الاسرائيلية
المطلب الاول.. مرتكزات الامن القومي الاسرائيلي
صدر موضوع الأمن القومي قائمة الأهداف الاستراتيجية الرئيسة لدولة اسرائيل، حيث يتم تحليل الأوضاع والمتطلبات الخاصة بهذه المسألة على أنها تشكل مرادفا لوجود الدولة، ويرتبط ذلك بالحفاظ على الأمن القومي الإسرائيلي إزاء المخاطر والتهديدات الداخلية والخارجية من خلال العمل باتجاه تحليل المتغيرات الداخلية والخارجية التي تخضع لمعطيات الواقع الراهن على المستوى الداخلي والإقليمي وتحولات السياسة الدولية.
فالأمن من القضايا الرئيسية في الفكر السياسي الإسرائيلي نظرا لارتباط قضية الأمن بنظرة دولة اسرائيل و وجودها في المنطقة، فقد وضع ديفيد بن جوريون رئيس وزراء اسرائيل الفرضيات الأساسية لنظرية الأمن الإسرائيلية ، ثم طورتها القيادات الإسرائيلية المتعاقبة بما يتناسب مع الإخطار والتحديات التي تواجهها اسرائيل وبما يتجاوب مع موازين القوى في المنطقة والعالم.
فإسرائيل في مفهومها “للأمن القومي” استندت على مبادئ صهيونية منها” نكون أو لا نكون”، وعلى اعتبار أنها “في تهديد مستمر” من الدول العربية، وأن قضية “الأمن” هي المفتاح الرئيسي لجميع خطوطها السياسية ومنهج عمل الحكومات والقيادات الأمنية والعسكرية. وانطلقت إسرائيل في بناء نظرياتها “الأمنية” على العوامل الديمغرافية والاقتصادية والجيوسياسية.
. إن قواعد نظريات الأمن الإسرائيلي، تعتبر في تطور دائم بناءً على إدراك القيادة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، بأنه من الصعب المحافظة على نظريات ثابتة، لا سيما في ظل مفاهيم الأيدولوجية الصهيونية التي تتمحور حول التوسع والسيطرة.
– وتستلزم الطبيعة الدينية والوظيفية للدولة العبرية: أن يكون الإطار العام للأمن القومي إطاراً أمنياً عسكرياً بالدرجة الأولى، أما الإطار السياسي؛ فهو عملية تكميلية لسد الثغرات المفتوحة في الإطار العسكري، لذلك سنحاول من خلال هذا المبحث التعرف على مفهوم الأمن الإسرائيلي، وما هي مرجعياته ومحدداته ونظريته وأهدافه الاستراتيجية الاسرائيلية وطرق تحقيقها.
– تعاني نظريات الأمن الإسرائيلي التي تخضع للتحليل والتقييم السياسي والأمني من العديد من الثغرات في استراتيجيتها وتكتيكها وخططها التطويرية في جميع المجالات العسكرية. ويحاول خبراء الأمن الاستراتيجيين الإسرائيليين البحث عن استراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي بالتكيف مع المستجدات على الساحة العالمية وبما يتناسب والمتطلبات الخاصة بالفكر الإسرائيلي.
ثانيا: مفهوم الأمن القومي من المنظور الإسرائيلي:
أن الدلالة العامة للأمن القومي تعنى:” مجموعة التدابير والاحتياطات، النظرية والعملية، الخاصة بحماية المجال الإقليمي لدولة ما” ، أما نظرية الأمن القومي فتدل وفق مفهومها العام على : ” الاحتياطات الواجب اتخاذها بغرض تكريس السيادة الوطنية للدولة على أراضيها الإقليمية ومصالحها الداخلية والخارجية المرتبطة ببنائها القومي والثقافي الخاص ”
تعريف الأمن القومي الإسرائيلي:
يعتبر واضعو نظرية الأمن القومي في إسرائيل أن الوضع الدفاعي لدولة إسرائيل يختلف عن وضع معظم أمم العالم ، فالتهديد العسكري المستمر منذ إقامة إسرائيل ، من جانب الدول العربية يضع أمامها مشكلة وجود أساسية ، ويلزم بإقامة قوة عسكرية تكون قوية بما فيه الكفاية لمواجهة هذا التهديد والتصدي له ” كما يعتبرون أنه ” لا توجد دولة في العالم تعتبر مسألة الأمن القومي حيوية لوجودها كما هي لإسرائيل ، حيث أن مسألة الأمن القومي بالنسبة لها ليست مسألة وجود قومي فحسب ، بل هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للدولة و لمواطنيها .فالأمن القومي الإسرائيلي هو منع نشوب حرب من موقف التعادل دون التنازل عن كنوز قومية من الدرجة الأولى وأحد أهم الوسائل لمنع نشوب الحرب خارج إطار القوة البحثية هو تجميد حلفاء كمصدر لمساعدات عسكرية.
وبالنسبة لنظرية الأمن الإسرائيلية فقد بنيت وفقا للتقديرات الدقيقة والمتواصلة لجوانب القوة أو الضعف للبلدان العربية. فهي دولة عسكرية في حالة مواجهة دائمة مع أعدائها ينطلق الأمن القومي الإسرائيلي من مقولة في غاية البساطة والسذاجة وهي أن فلسطين أو اسرائيل هي أرض بلا شعب، ومن ثم إن وجد مثل هذا الشعب فلابد أن يغيب. أي أن مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي ينطلق من إنكار الزمان العربي والوجود العربي، والفلسطيني على وجه التحديد.
وهذا يعني ضرورة فرض الوجود الصهيوني والشروط الصهيونية بكل الوسائل المتاحة، أي أن ردع العرب وإضعافهم هو هدف أساسي للأمن القومي الإسرائيلي، وأن على الجيش الإسرائيلي أن يحتفظ بقدرته العسكرية النوعية والحفاظ على تفوقه العسكري مقابل العرب، وأن على الدولة الصهيونية أن تحتفظ بعلاقاتها المتينة بالعالم الغربي الذي يدعمها ويمولها ويضمن تفوقها العسكري الدائم. ضرورة وجود حليف عسكري دائم لإسرائيل.
-مع هذا طرأ على مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي بعض التعديلات نتيجة الحروب العربية الإسرائيلية، والمتغيرات والمعطيات الجغرافية والسـياسـية الناجمة عنهـا، وما تغيَّر عبر هذه السنوات فقط أدوات تحقيق هذا الأمن، ولكن ليس بمعنى التغيُّر الكامل أو الإحلال. وقد تطور مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي عبر عدة مراحل وهي:
1- قام مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي في مرحلته الأولى على مفهوم “الضربة المضادة الاستباقية”، الذي كان يرتبط بانعدام العمق الاستراتيجي لإسرائيل. وينطلق هذا المفهوم من مقولة مفادها أن من الحيوي عدم السماح مطلقاً بأن تدور الحرب في أرض إسرائيل، بل يجب نَقْلها وبسرعة إلى أراضي العدو، وطوَّرت مفهوماً للردع ثم استبدلته بمفهوم لذرائع الحرب الاستباقية يقوم على شن حرب استباقية إذا حاول العدو (العربي) التصرف في أرضه على نحو يقلق إسرائيل مثل المساس بحرية العبور أو حشد قوات على الحدود الإسرائيلية أو حرمانها من مصادر المياه. ولذا كانت عملية تأميم قناة السويس تستدعي عملاً عسكرياً تمثَّل في عملية قادش أو ما نسميه «العدوان الثلاثي».
2- تطـوَّر مفـهوم الأمن القـومي الإسرائيلي لتظهر نظرية “الحدود الآمنة”. وهي نظرية وُضعت أُسسها قبل 1967 لكنها تبلورت بعد حرب 1967، وقد شرحها (آبا إيبان) وزير الخارجية آنذاك بأنها نظرية تقـوم على حدود يمكن الدفــاع عنهــا دون اللجــوء إلى حرب وقائية. ويُلاحَـظ في هذه النظريــة غلبة المكان على الزمان بشكل تام، إذ يُنظَر للشـعب العــربي باعــتبار أنه يجـب القضـاء علـيه تماماً أو تهميشه، فنظرية الحدود الآمنة إعلان عن نهاية التاريخ العربي.
3- أكدت حرب 1973 فشل معظم نظريات الأمن الإسرائيلي المكانية وهو ما استدعى تكوين نظرية جديدة هي نظرية «ذريعة الحرب»، وتذهب هذه النظرية إلى أن إسرائيل لن تتمكن بأي شكل من الأشكال من الامتناع عن تبنِّي استراتيجية الحرب الوقائية وتوجيه الضربات المسبقة في حال تَعرُّضها لتهديد عربي مثل ضرب المفاعل العراقي في الثمانينات وضرب مصنع اليرموك في السودان.
ثالثا: مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي:
يمكن القول إن أهم مرتكزات الأمن الإسرائيلي ما يلي:
نظرية الأمن الإسرائيلي والحدود الآمنة.
استخدام القوة وهو يقوم على مبدأ الاستعداد التام، وعلى نظرية “القوة الكاملة الضاربة” والتي تقوم على ضرورة امتلاك قوة كبيرة تشكل عاملاً منيعاً وقوياً يحمي إسرائيل، ويمنع الدول العربية من المحاولة بالقيام بأي عمل عسكري ضدها وتعرف هذه النظرية بنظرية الردع ضد الدول العربية.
تأمين كافة مظاهر الدعم والمساعدة فإسرائيل كانت وستبقى دائماً بحاجة ماسة إلى دعم المجتمع الدولي لها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لضمان استمرارها، وعملية الدعم ترتبط بطبيعة الظروف المحيطة بها، وبصفاتها كيان عنصري استيطاني لا يمتلك مقومات الدولة، سواء من الناحية الجغرافية، التي تتصف بصغر المساحة والتي تشكل أحد المظاهر السلبية في نظرية الأمن الإسرائيلي وكونها محاطة بالدول العربية من جميع الجهات.
الأمن الإقليمي (التفوق والهيمنة) من خلال:
– التفوق على الدول العربية مجتمعة.
– قطع الطريق على الأطراف الإقليمية، والعربية خصوصاً، عن الوصول إلى تحسين مواقعها في الغرب.
* أمن القاعدة (تهويد الأرض والسكان)
بالإضافة إلى ما سبق هناك:
ركيزة يهودية والعمل على استمرار تهويد “أرض اسرائيل” كما يدعون.
ركيزة عسكرية وهي تقسيم المجال الحيوي لإسرائيل إلى ثلاث دوائر محاذية وإقليمية ودولية.
جعل الخيارات العسكرية والسياسية القائمة أمام اسرائيل في ازدياد.
رابعا: أهداف الأمن القومي الإسرائيلي
أ. العمل على استكمال فرض شرعية الوجود الإسرائيلي، على شعوب المنطقة، بكل السبل المتاحة.
ب. تأمين المجال الحيوي، الذي يُحقق المطالب الأمنية لإسرائيل على حساب الأرض العربية.
ج. استمرار العمل على جذب الجزء الأكبر، من يهود العالم، للهجرة إلى “إسرائيل”.
د. ضمان استمرار التفوق الحضاري لإسرائيل، في منطقة الشرق الأوسط، وجعل الدولة المركزية الفعالة دائماً في المنطقة، سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وعسكرياً.
هـ. المحافظة على التحالف الوثيق، مع إحدى الدول العظمى (أمريكا).
وستظل هذه الأهداف ثابتة في مكونات معادلة الأمن القومي الإسرائيلي، وإنما تتغير الوسائل التي يمكن أن تتحقق بها، ارتباطاً بالظروف والمؤثرات الدولية والمحلية.
خامسا: المحددات المؤثرة على سياسة الأمن القومي الإسرائيلي
يندرج المفهوم الأمني (الأمن القومي) في التقاليد العسكرية الإسرائيلية ضمن مجموعة من العناصر التي تعبر عن ذاتها في إطار عام من المبالغة، لم تعهده دول العالم قديما أو حديثا، وهذا الإطار العام يهدف أول ما يهدف إلى مجابهة أية محاولة عربية لاتخاذ بعض التدابير الدفاعية ضد أسلحة الدمار الشامل التي تنفرد إسرائيل بامتلاكها في المنطقة، أو اتخاذ بعض الإجراءات لإعادة ترتيب البيت العربي.
وعلى النقيض من ذلك، فإن إسرائيل تسارع إلى وضع العراقيل والمتاهات وافتعال لأعذار لكي تحبط مسارات العرب والفلسطينيين “لتحقيق السلام الشامل والعادل”، وفى الوقت ذاته تضع إسرائيل إمكاناتها الإعلامية والعسكرية لإحباط نهوض أية قوة عسكرية عربية، الأمر الذي من شأنه أن يشحذ الهمم لتغيير الخيار الاستراتيجي العربي الوحيد، ألا وهو خيار السلام إلى خيار أو خيارات أخرى قد تمثل منعطفا خطيرا بالفعل على الدولة العبرية.
كما يندرج ذات المفهوم ضمن سياق مرتبط بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات ونظرة اليهود إلى غير اليهود، فالنظرة إلى الذات تعنى الشعور النفسي الداخلي للإنسان اليهودي القادم من الخارج بحثا عن تحقيق الذات بعيدا عن “موروث الهولوكوست” و الاغتراب في أرض الميعاد في أجواء دولة عسكرية تعتمد على القوة – في المقام الأول –لاستمرارية وجودها والحفاظ على ما سلبته من الأراضي العربية، وهى بذلك تكون نظرة مستغرقة في البحث عن الأمن أولا وقبل كل شيء، وبالمقابل نجد نظرة اليهود إلى غير اليهود نظرة تشوبها مقومات الاستعلاء والحذر وعدم الثقة انطلاقا من دوافع دينية صرفة أو من دوافع أفرزتها دواعي احتلال أراضي الغير.
المطلب الثاني.. اسس الاستراتيجية الاسرائيلية للتطبيع
ارتبط مفهوم التطبيع بالتواصل مع الكيان الصهيوني من قِبل دول، أو مجموعات اقتصادية، أو سياسية، أو ثقافية، وأكاديمية، وهذا التواصل يعطي وضعًا طبيعيًا لوجود الكيان على أرض فلسطين، حيث يتم التعامل معه معاملة دولة طبيعية ذات سيادة، وفيها يتم تمييع الحدود الأخلاقية والإنسانية للمجازر الّتي أحدثها هذا الكيان في فلسطين وفي الدول العربية المجاورة لها أيضًا.
لا يمكن أنّ يكون التواصل مع الكيان الصهيوني تواصلًا غير مشروط؛ لأنّنا لا نتحدث عن جدلية العلاقة بين أنداد يتساوون في القوى، فالكيان الصهيوني يُدعم من قٍبل الرأسمال العالمي المتركز بالأساس بأيدي الصهاينة في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وغيرها، أي قوى الاستعمار العالمية الكبرى.
والشرط الأساسي لمبدأ التطبيع هو الاستسلام السياسي بالأحقية والرواية التاريخية الصهيونية بارتباطها وحقها بأرض فلسطين، وهذا يترتب عليه نفي أو التصالح مع المجازر الّتي ارتكبت على أرض فلسطين منذ إعلان الكيان كدولة عام 1948 حتى يومنا هذا. في بداية التطبيع مع الكيان الصهيوني كانت هنالك حاجة “إسرائيلية” لهذا النوع من بناء العلاقات مع الدول العربية، لمصالح اقتصادية بالأساس، وهي ليست مصالح اقتصادية تشاركية، وإنَّما كانت تُريد أسواق لمنتجاتها سواء المواد الخام أو المواد التصنيعية، أو التقنية، وكذلك الأكاديمية والثقافية.
فلم يكن يُنظر إلى الدول العربية منذ اتفاقية كامب ديفيد في السبعينيات بين الكيان الصهيوني ومصر، على أنَّها شريكًا في العملية الاقتصادية أو السياسية في المنطقة العربية، بل كانت ورقة ومحطة للعبور لبناء جسور “سلام” مع الدول العربية الأخرى، وذلك ليبني المستعمِر الصهيوني حدودًا آمنة إلى حد ما.
بعد عام 1994 كانت اتفاقيات ما يُعرف بالسلام قد بدأت تأخذ مجراها، أي أنَّ اتفاقية أوسلو فتحت الباب أمام تسابق الدول العربية الأخرى لتشبيك علاقات اقتصادية بالأساس مع الكيان الصهيوني، ولكن هذا التطبيع لم يُعط النتائج المتوقعة للدول العربية، حيث تحول التطبيع إلى تبعية ليست فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا تبعية سياسية.
هذه التبعية بالتأكيد انعكست على ثقافة ووعي الشعوب وممارستها، وهذا بالأساس الهدف من تمييع الحدود بين من يمتلك القوة والسلطة ويستخدمها دون روادع وبين الفلسطينيين والشعوب العربية، فالتطبيع مع الفلسطينيين والعرب طريق لعدم مناهضة الاستعمار عالميًا واعتبار وجوده طبيعيًا.
لا يوجد مبرر بالمطلق لعملية ومبدأ التطبيع مع الكيان الصهيوني، سواء أكان هذا التطبيع يتبعه تنازل حول الحقوق الأساسية أو يكتفي على حقوق الآخر الصهيوني، لأنَّ الصهيوني لا يتعامل بشروط التطبيع كما يتعامل مع الآخر العربي أو الفلسطيني، بل إنَّ حقوقه السياسية والاقتصادية يتم اقتصاصها ومصادرتها حسب الحاجة الأمنية والمتطلبات النفسية لمجتمع المستعمِرين.
المبحث الثالث.. السياسة الخارجية العراقية تجاه التطبيع مع الكيان الصهيوني
المطلب الاول.. لسياسة الخارجية العراقية.. ثبات في مواجهة التطبيع
تعد السياسة الخارجية أحد أهم العناصر المحددة لسلوك الدولة، والتي تدل على نمط علاقاتها ورؤيتها السياسية التي تتراوح ما بين الصراع أو التعاون، حيث تأتي من سياقاتها مصطلحات الرفض والممانعة أو القبول والخنوع، التطبيع مع العدو أو البقاء في الصراع، وهذا ما تنطبق عليه علاقات الدول العربية مع كيان الاحتلال الإسرائيلي اليوم، حيث ذهب بعضها إلى قبول التطبيع مع الكيان مؤخراً وتنازل عن القضية الفلسطينية كالإمارات والبحرين وغيرهما، ومنها ما زال يُعد أحد الدول المحافظة على القضية والداخلة في خضم الصراع، كالعراق الذي يتحمل ضغوطات خارجية كثيرة تحثه على السير في ركب التطبيع.
منذ ما بعد الغزو الأميركي، يسعى الكيان الصهيوني إلى جعل العراق حليفاً له في المنطقة عبر تطبيع العلاقات معه، وفي ظل الرفض العراقي لذلك، فإنه يعمل على جعله ساحة حرب وصراعات، كحال بقية الدول العربية التي لم توقع على اتفاق “سلام”. وفيما لم يعترف العراق حتى الان بكيان العدو فإنه يواجه مساعيَ عربية ودولية حثيثة لجعل هذا البلد يقبل التطبيع، في مقابل مظلة إقليمية وعربية تتمثل في إيران وسوريا وقوى المقاومة في العراق وخارجه تعمل على رفض ذلك. وقد كان لافتًا تعليق رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على اتفاق التطبيع بين الإمارات و”إسرائيل”، حيث رأى أن السلام بين أي دولة عربية و”إسرائيل” مسألة سيادية تقررها الدولة المعنية، فكيف تؤثر العلاقات الخارجية العراقية على العلاقات مع الكيان الإسرائيلي؟ وهل أن شبكة العلاقات الخارجية العراقية تحمي بغداد من “إسرائيل” ام ترميها في احضانها؟ أسئلة سنحاول الاجابة عنها في هذا المقال.
أولاً: الأهداف الإسرائيلية في العراق
يعد العراق صاحب مكانة واسعة على الساحتين العربية والاقليمية، نظراً للموقع الاستراتيجي الذي يحتله، حيث يحده من الجنوب الكويت والسعودية، ومن الشمال تركيا، ومن الغرب سوريا والأردن والسعودية ايضاً، ومن الشرق إيران، وبالتالي فإن أي تسوية شاملة في المنطقة، لن تكون مكتملة إذا بقي العراق خارجها أو رافضاً لها. وبفضل موقعه يعتبر العراق أحد أهم الأركان في ترتيبات الأمن الإقليمي، ولا يمكن بناء نظام أمني إقليمي مستقر في المشرق دون مشاركة عراقية، كما لدول الخليج و”إسرائيل” مصلحة في الحؤول دون أن يكون العراق قوة إقليمية فاعلة، أو أن يشعر بأن أمنه مهدد، وهو تصور يمكن أن ينشأ من جراء استثناء العراق من الترتيبات الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك فإنه يراد للعراق أن يكون طرفاً مواجهاً لإيران في المنطقة.
وفي حال حصول هكذا علاقات، فإن “إسرائيل” ستحقق أهدافا ونتائج سياسية واستراتيجية كبيرة، حيث سيؤدي ذلك إلى مزيد من الضغط على سوريا لتقديم تنازلات بشأن الجولان ودعم الموقف التفاوضي الإسرائيلي في المفاوضات المتعلقة بأي اتفاق سلام في المنطقة، كما سيضغط على بقية الدول العربية للدخول في علاقات مع الكيان، والمشاركة في مشاريع إقليمية مشتركة مع “إسرائيل “.
بالإضافة إلى ما تقدم، فإن أي ترتيبات إسرائيلية عراقية سوف تزيد الضغط العربي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في إيران وايجاد قوة موازية لاحتواء النفوذ الإيراني وقوة وتمدد محور المقاومة، فضلاً عن تفتيت اي محاور وتحالفات تقوم في وجه كيان العدو، في حين سيؤدي إلى قيام محور إسرائيلي، أردني، عراقي، خليجي.
تدفع إلى إنشائه مصالح سياسية واقتصادية مشتركة، كل ذلك سيؤدي إلى منافع داخلية للكيان اقتصادية وسياسية، من ضمنها تأييد سياسي وانتخابي للحكومة الإسرائيلية، وفي المقابل لن يحقق العراق نتائج تذكر من خلال تطبيع العلاقات، بل إن ذلك سيؤدي إلى تراجع الثقة الشعبية بأية حكومة تقدم على ذلك، فضلاً عن توتر علاقاته مع جيرانه خاصةً مع سوريا وإيران التي باتت تعد شرياناً أساسياً للاقتصاد العراقي.
ثانياً: دور العلاقات الخارجية للعراق في مواجهة التطبيع
لا شك أن تمسك العراق بالقضية الفلسطينية، وعدم تخليه عن حقوق الفلسطينيين هما من الثوابت الخارجية الحالية لدى الدولة العراقية، ما يجعلنا أمام ثوابت تسقط أية محاولات للدخول في علاقات مع الكيان الإسرائيلي؛ لكن مع أن هناك ثوابت عراقية في مواجهة الكيان الإسرائيلي، فإن هناك عدة متغيرات مقابل هذا الثابت، من الممكن أن توثر على الأطراف الرسمية العراقية، ومن أهمها الضغوطات الأميركية نتيجة وجود قوات الاحتلال الأميركي، وانفتاح أطراف داخلية على أي علاقة مع “إسرائيل” خاصةً في اقليم كردستان، وتأثير السياسة الخارجية للعراق سلباً أو ايجاباً على نشوء علاقات مع كيان العدو وعلى رأسها العلاقات الاقليمية والعربية. في سياق ما تقدم، تأتي العلاقات بين العراق وإيران من أهم التوازنات في المنطقة، والعلاقات القائمة على الاحترام المتبادل بين الجيران، والتي تلعب دوراً أساسياً في منع حصول أي علاقة عراقية مع كيان العدو الإسرائيلي، لكن من شأن أية توترات عراقية إيرانية أن تعزز استغلال بعض الأطراف في التوصل إلى تطبيع العلاقات مع الكيان لموازنة التهديد الإيراني، ولا سيما إذا أخذنا في عين الاعتبار الضعف العسكري العراقي الحالي وهشاشة وضع العراق السياسي والأمني، وفي مقابل ذلك يلعب الأتراك دوراً ضاغطاً على العراق إلى جانب كيان العدو، من خلال الاعتداء على أراضي العراق ومياهه.
وكذلك تلعب العلاقات الجيدة بين العراق وسوريا دوراً هاماً يضر بالمحاولات الإسرائيلية لسلب العراق إرادة المواجهة والذهاب نحو التطبيع، حيث إن تحسن العلاقات العراقية ـ السورية يمكن أن يؤدي إلى خلق كتلة عربية قوية تؤثر في المشروع الإسرائيلي، من خلال قيام محور ممانعة عراقي ـ سوري ـ إيراني، وهو ما يشكل محوراً استراتيجياً مهماً في مواجهة الكيان الاسرائيلي. وعلى المقلب الغربي للحدود العراقية، تسعى “إسرائيل” لمنع تحسن العلاقات بين الأردن والعراق، لمنع قيام اتحاد عراقي ـ أردني معاد للكيان الإسرائيلي.
وتبقى العلاقات بين العراق ودول الخليج لا سيما السعودية، هي الأكثر خطورة في ذهاب العراق نحو تسوية مع كيان العدو أو القبول بالتطبيع، خاصةً بعد الانفتاح الخليجي الواسع على الكيان الإسرائيلي، فمع نشوء علاقات إسرائيلية ـ خليجية، فإن بعض القوى الخليجية الصغيرة تنساق بصورة متزايدة باتجاه اعتبار الكيان الإسرائيلي ثقلاً موازناً للعراق وإيران على حد سواء، وهنا يبدأ التأثير على العلاقات مع العراق لدفعه نحو القبول بالتطبيع معه، وإلا فإنه سيكون أمام حصار من نوع جديد، ومع ذلك فإننا لا نرى أن العراق سوف يذهب نحو هكذا علاقة، ولن يتخلى عن قضية فلسطين والمسجد الأقصى بل سيبقى سباقاً بالدعم لها، ولن يتأثر بعلاقاته بالدول التي ذهبت نحو تطبيع العلاقات مع “اسرائيل”.

المطلب الثاني : مواقف العراق من التطبيع

نشغل العالم مؤخراً باتفاقيات التطبيع التي وقعتها إسرائيل مع دولتي الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وهذا حدث يعد من أهم الأحداث السياسية في المنطقة إن لم يكن أهمها منذ اندلاع ما عرف بـ(الربيع العربي)، وقد تناولته المنابر الإعلامية والسياسية بالتحليل والتهليل والنقد والتهجم والتعظيم أو التقزيم كل حسب هواه وأمنياته ومدى موضوعيته، ولكن التعاطي مع هذه الاتفاقيات انطلق في جلّه من الزاوية التقليدية لاستقراء الأحداث في إطار صراع الشرق الأوسط المزمن؛ أي: الصراع العربي الإسرائيلي (أو ما تبقى منه)، والصراع الإيراني الإسرائيلي، لكن هل هناك لاعبون آخرون على ساحة الشرق الأوسط ممن ستطولهم رياح التأثر بالمناخ السياسي الإقليمي والدولي الجديد؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من الإدراك أن إسرائيل هي القطب الرئيس في معادلات الشرق الأوسط في مقابل أقطاب متعددة تتفاوت في مساحة تأثيرها ودورها وفاعليتها السياسية؛ وبالتالي يكون من المنطقي أن يتم التحليل انطلاقاً من قاعدة كيف سيدير هذا القطب الملفات المتعلقة والناتجة عن اتفاقيات التطبيع (سواء كانت هذه الملفات تضم فرصاً أو تحديات).
من الناحية العسكرية تصنف إسرائيل على أنها تمتلك جيشاً متمرساً فعالاً ذا خبرة قتالية وعقيدة قتالية أحد مبادئها تأمين العمق الإسرائيلي، وتكوين مناطق عازلة، وقد احتفظت إسرائيل بموقعها الثامن عشر على قائمة ترتيب القوة العسكرية في العالم حسب موقع Global Fire Power لعام 2020.
في الوقت الذي ارتفع فيه تصنيفه الإمارات إلى الترتيب الخامس والأربعين لعام 2020، في حين هبطت البحرين في الترتيب الثالث والتسعين لعام 2020، وكما نعلم فالإمارات مرهقة عسكرياً بمغامرتها في اليمن التي لم تأت رياحها بما اشتهته السفن الإماراتية، وما يصح على الإمارات يصح بالأحرى على البحرين.
في ضوء الفارق في القدرات العسكرية والخبرات القتالية فالدولتان الخليجيتان لا تشكلان تهديداً فعلياً لإسرائيل ولم تشاركا قتالياً في أي حرب ضدها، وبالأخذ في الحسبان العقيدة القتالية الإسرائيلية القائمة على تأمين العمق، والسيطرة على المحيط الجغرافي، وإقامة مناطق عازلة. وكونها لا تؤمن بالقفز على الموانع الجغرافية، فلا نجد مردوداً كبيراً لهذه الاتفاقيات من الناحية العسكرية.
وما لم تقم به هاتان الدولتان قتالياً فقد قامتا به اقتصادياً من خلال وقفهما لتصدير النفط إلى إسرائيل والدول الداعمة لها (الولايات المتحدة الأمريكية بنحو خاص)؛ وبالتالي شكلت ضغطاً غير مباشر على إسرائيل، وهذا مؤشر على التحديات التي تقوم بغياب اتفاقيات تطبيع والفرص التي تأتي مع وجود تلك الاتفاقيات، وهذه الاتفاقيات ستكون متعددة الأبعاد، وهنا سنتناول بعدين يحملان قدراً كبيراً من الأهمية في المنطقة، هما: البعد العراقي، والبعد التركي.

البعد العراقي:
مركزياً.. تعج الساحة العراقية بوكلاء الجوار الإقليمي بشتى تصنيفاته فما بين وكلاء تركيا ووكلاء إيران ووكلاء الخليج السني أو القطري المتقارب مع إيران فمن المتوقع أن ترشح تداعيات التطبيع.
وتجد أرضية لها في العراق، وبشكل يعمق التصدعات بين الفرقاء فكلٌّ سوف ينساق في اتجاه ظهيره الخارجي، فبين موالٍ لدول التطبيع وموالٍ لدول الرفض سوف تتفاعل الاختلافات بوجود عوامل مساعدة متمثلة بشارع عراقي ملتهب وضعف السلطة وعدم قدرتها على تشكل إطار ضاغط يضم الفرقاء؛ كون كل منهم يمثل امتداداً لأجندة ظهيره الخارجي، فالعراق قد يكون مقبلاً على تصعيد خطير يتواجه من خلاله والوكالة طرفان أساسيان أولهما تطبيعي متصاعد (وإن كان غير معلن في الوقت الراهن في العراق)، وطرف رافض و(أو مقاوم حسب ما يروق لمكوناته أن تصف نفسها)، وقد يتجاوز هذا التصعيد عتبة تأخذه إلى مرحلة يصعب فيها أن يتم إيقافه إلى أن يصل مداه المتمثل بانهيار ما تبقى من هيكل الدولة العراقية، فالطرف “المقاوم” قد يكون اقترب من استفاد خياراته للديمومة؛ وبالتالي سيفعل كل ما بوسعه من أجل إما استعادة شيء من قوته وإما إنهاك العراق بمجمله كي لا يكون خنجراً في خاصرة أرباب هذا التيار؛ وهذا الصراع إن حصل بهذه الصورة فسيمتد تأثيره على العلاقات الإسرائيلية الكردية.
كردياً.. بناءً على ما سبق من سطور فالوضع العراقي طريقة إدارة الأزمة القائمة في العراق قد تتغير بنحو يٌفقد التفاوض السياسي العراقي-العراقي مكانته؛ وبالتالي سيفقد الطرف الكردي دوره الذي راهن عليه منذ عام 2003 إلى الآن بصفته صانعاً للحكام في العراق وصاحب دور في رسم ملامح الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003؛ وبالتالي فمن المنطقي أن نفكك العلاقة الإسرائيلية الكردية في مرحلة ما بعد التطبيع انطلاقاً من معطيات اقتصادية.
تعتمد إسرائيل حالياً في احتياجاتها النفطية بنحو شبه كامل على النفط الذي يصدره الكرد في شمال العراق (تصل النسبة إلى 70%، وفي بعض الأوقات إلى أكثر من 75%)؛ وهذا يفسر الدعم الإسرائيلي للكرد وقياداتهم، وتوظيف إسرائيل لتأثيرها وتحالفاتها مع القوى الكبرى؛ من أجل تأمين حمايتهم, والحفاظ على وضعهم الراهن في مواجهة تحديات ضغوط إيران ووكلائها في السلطة العراقية المركزية, ولكن لا بد من إدراك أن المصالح والصداقات الإسرائيلية ليست زواجاً كاثوليكياً؛ بل إنها حالها حال دول العالم كافة تدير دفتها المصلحة الإسرائيلية العليا, ولاسيما في هذه الحالة أن هناك تيارات إسلامية متغلغلة في الأوساط الكردية لا تقوى الزعامات الكردية على استئصالها لتداخلها مع النسيج العشائري؛ ليشكلا أساس الزعامة القائمة (البرزانية)؛ وبالتالي فإنهاؤها يتعارض وجودياً مع ديمومة هذه الزعامة؛ وبالتالي تبقى جمرة الرفض لإسرائيل تحت رماد السلطة القائمة.
إن هذه المعطيات تجعل من مركز اللاعب الكردي كمزوّد لإسرائيل بالنفط مركزاً قلقاً عند مقارنته باللاعبين الجدد (الإمارات، والبحرين) اللتين تعدان مستقرتين اقتصادياً وشعبياً في حين أن الاضطرابات تضطرم علانية حيناً وخفية حيناً آخر في المناطق الخاضعة لسيطرة الزعامات الكردية, فالدولتان الخليجيتان تمتلكان قدرات إنتاجية أعلى، وسيوفر نفطهما وبنحو خاص الإمارات تأمينا أفضل وتكلفة؛ بعبارة أخرى: بعد أن كان الأكراد يلعبون ورقة توريد النفط إلى إسرائيل وسط دول غير مستعدة للقيام بذلك، فقد ظهرت دولتان قادرتان على توريد النفط في مناخ أكثر استقراراً, لا بل إن هاتين الدولتين قد تقدمان تفضيلات وتسهيلات في مقابل حماية أمريكية-إسرائيلية بالضد من الضغط الإيراني-التركي عليهما.
هل نشهد انحساراً للدعم الإسرائيل؛ وبالتالي الأمريكي للكرد وزعامتهم في ظل انحسار أهمية دورهم النفطي؟
البعد التركي
تؤدي تركيا حالياً (أو ما قبل التطبيع) دوراً حيوياً بالنسبة لإسرائيل من الناحية الاقتصادية، فإسرائيل تعتمد في وارداتها النفطية بالدرجة الأولى على النفط المستورد من أذربيجان والأكراد في العراق، حيث تعدّ المستورد الأول في العالم للنفط منهما، ويُنقل هذا النفط باتجاه إسرائيل عبر أنابيب تعدّ الأراضي التركية باتجاه الموانئ التركية على البحر المتوسط، ومن ثم ينقل في البواخر باتجاه الموانئ الإسرائيلية.
وفضلاً عن ذلك فحركة الشحن المتجهة من الموانئ التركية باتجاه ميناءي حيفا وعسقلان في إسرائيل حركة نشطة جداً، سواء تأتّى ذلك من حجم الصادرات والواردات بين البلدين، أو لغرض الترانزيت إذ إن نسبة كبيرة من البضائع الإسرائيلية المصدرة إلى أوروبا تمر عبر الموانئ التركية قبل الوصول إلى وجهاتها الأوروبية براً، وتأتي البضائع المتجهة من تركيا باتجاه مناطق غرب آسيا عبر إسرائيل أيضاً، ولا بد من الأخذ بالحسبان النقل الجوي، إذ تعدُّ تركيا من أهم المحطات التي تمر بها الرحلات التي تقصد إسرائيل.
ولكن هذه الصورة قد تتغير مكوناتها وملامحها قريباً جداً، فقد بدأت بالفعل موجة من الأفكار والمشاريع والاتفاقات تأخذ مكانها على خريطة العمل والتخطيط الاقتصادي لمرحلة ما بعد التطبيع، وقد بدأت بوادر التغيير تظهر، فقد نشرت غلوبس الإسرائيلية الخاصة المختصة بالشأن الاقتصادي على موقعها أن تل أبيب ستعرض على أبو ظبي، بناء ممر بري يربط بين إسرائيل ودول الخليج؛ ليكون حلقة وصل لنقل نفط وغاز الخليج إلى دول أوروبا وأميركا الشمالية.
يأتي ذلك بما ورد في نص اتفاق التطبيع إذ تضمن مادة تقول إن الأطراف ستعزز وتطور التعاون في المشاريع بمجال الطاقة، بما في ذلك أنظمة النقل الإقليمية؛ بهدف زيادة أمن الطاقة. أما على صعيد النقل البحري فقد وُقّعت عدة اتفاقات بين شركتي “دوفرتاور” الإسرائيلية وموانئ دبي العالمية” الإماراتية للتعاون في أنشطة الشحن والموانئ، وذكرت “دوفرتاور” أنها ستدخل في شراكة أيضاً مع “موانئ دبي العالمية” لتأسيس خط شحن بحري مباشر بين دبي وإيلات.
عند وضع هذه الخطوات في مقابل التوجه الذي تتخذه القيادة التركية بالتوجه نحو إيجاد نفوذ في العالم الإسلامي قائم على العداء لإسرائيل (وهذا التوجه يخلق موجة شعبية مناهضة لإسرائيل قد يمتد تأثيرها إلى أكثر من موقع الرئاسة التركية), عند وضع كل ذلك قبالة بعضه يصبح جلياً للمتابع أن البساط بدأ يسحب من تحت الاقدام التركية وأن الأوراق التي كانت توظفها في إدارة علاقتها القلقة مع اسرائيل قد بدأت تحترق ورقة تلو الأخرى لصالح دول خليجية صديقة لإسرائيل أو على أقل تقدير فإن الموقف التركي لم يعد بتلك القوة بل بات -وإلى حد بعيد- موقفاً قلقاً لا تحسد عليه.
إن تأثير هذه المعطيات سينسحب إلى مركز تركيا كلاعب إقليمي مهم، وقد ينحسر هذا الدور إلى حد كبير، ولاسيما إذا كاملنا المعطيات الحالية مع الضعف الإيراني المتزايد تحت وطأة الضغوطات الاقتصادية والسياسية الناجمة عن العقوبات الأمريكية، وعمليات التطبيع.
إن صورة الشرق الأوسط قد بدأت بالفعل بالتغيير لصالح شرق أوسط جديد وما يعتبره البعض اليوم من المسلمات السياسية لن تبقى كذلك، وستحل محلها معطيات جديدة، وهذه التغييرات ستخلق فراغات وفجوات في التركيبة السياسية للشرق الأوسط المقبل، وسيملأ هذه الفراغات والفجوات من يدرك منذ الآن الأبعاد غير الظاهرة لعمليات التطبيع التي من المتوقع أن تستمر وتتصاعد.
الخاتمة
فالتطبيع مع الكيان الصهيوني، هو بناء علاقات رسمية وغير رسمية، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية واستخباراتية مع الكيان الصهيوني، والتطبيع هو تسليم للكيان الصهيوني بحقه في الأرض العربية بفلسطين، وبحقه في بناء المستوطنات وحقه في تهجير الفلسطينيين وحقه في تدمير القرى والمدن العربية، وهكذا يكون التطبيع هو الاستسلام والرضا بأبشع مراتب المذلة والهوان والتنازل عن الكرامة وعن الحقوق.
والتطبيع يعني جعل ما هو غير طبيعي طبيعياً، ولا يعني بالضرورة إعادة الأمور إلى طبيعتها كما يذهب البعض. وفي علم الإحصاء وقواعد البيانات ثمة مصطلح علمي هو “تطبيع البيانات”، بمعنى جعل البيانات الإحصائية أكثر قابلية للاستخدام في البرمجة والتحليل (Normalization of Data) مما هي في حالتها الخام قبل تطبيعها. بالتالي، لا ضرورة للإصرار على استخدام مقاومة الصهينة بدلاً من مقاومة التطبيع، باعتبار التطبيع يمثل “عودة مزعومة لوضعٍ معين كان يوماً ما طبيعياً”، كما يذهب بعض الأصدقاء والزملاء الكرام بكل حسن نية. فالتطبيع هو جعل العلاقات طبيعية بين طرفين ليست العلاقات بينهما طبيعية حالياً، سواءٌ كانت طبيعية سابقاً أم لا… ولا حرج بالتالي من إطلاق تعبير “مقاومة التطبيع” على من يقاومون جعل العلاقات طبيعية بيننا وبين الكيان الصهيوني.
وفي اللغة تأتي لفظة تطبيع على وزن “تفعيل”، فهي عملية وصيرورة دائبة وصولاً لتحقيق غاية، لا خطوة واحدة عابرة سريعة أو غير سريعة. فالتطبيع نهج وأداء وعقلية جوهره كسر حاجز العداء مع العدو الصهيوني بأشكال مختلفة، سواء كانت ثقافية، أو إعلامية، أو سياسية، أو اقتصادية أو سياحية أو دينية أو أمنية أو إستراتيجية أو غيرها.

المصادر:

أولا: القران الكريم
ثانيا: الكتب والدوريات
1. هارون ليفران: ” أفول قدرة الردع الاسرائيلية، سلسلة أوراق إسرائيلية(5) منشورات المركز الفلسطيني للدراسات الاسرائيلية، رام الله، 200،ص54
2. مجلة قضايا عربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، السنة السابعة، العدد (161 )يونيو، 1980،ص65
3. الفكر الاستراتيجي العربي، بيرو، العدد 8، يوليو 1983،ص87
4. مجلة بحوث الشرق الأوسط، مركز بحوث الشرق الأوسط، القاهرة، العدد 13
5. . سبتمبر 2003،ص65
6. سويد، محمود : الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل، مؤسسة الدراسات الفلسطينية .1982 بيروت، ط1،ص65
7. شديد، محمد : الولايات المتحدة والفلسطينيون، جمعية الدراسات العربية، القدس، ط 1 .1985،ص76
8. شعبان، حسين : المخيمات الفلسطينية في لبنان، من الضيافة إلى التمييز، الجمعية .2002 ، العامة للشئون الدولية، القدس، ط 1،ص578
9. صالح، نمر: نحن وأمريكا، منشورات دار سبارتاكوس، بيروت،1988،ص65

10. شرابي، هشام : الدبلوماسية والاستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي، مؤسسة .1978 الثقافة الفلسطينية، عكا، ط 1،ص65
11. -70 شعبان، أيمن أحمد : الصهيونية التي تحكم إسرائيل، الجذور والأهداف، دار الجليل .1995 للطباعة والنشر، دمشق، ط 1،ص75
12. صلاح، محمد : الحرب الفلسطينية الإسرائيلية عام 1981 ، منشورات فلسطين .1987 المحتلة، مطابع الكرمل الحديثة ، بيروت، ط 1،ص13
13. الطاهري، حمدي : سياسة الحكم في لبنان، دار النهضة العربية، القاهرة، ط.1986،ص54
14. مجلة قراءات سياسية، بيروت، العدد الأول، نوفمبر 1992،ص124
15. مقالة سيمور هيرش في صحيفة نيويوركر في 14/8/2006 والتي ترجمتها الصحف اللبنانية.
16. رياض قهوجي “الديبلوماسية النشطة لم توقف الاستعدادات لحرب إقليمية محتملة” جريدة الحياة في 27/9/2006
ثالثا: الانترنت
1. أخبار العالم | إجلاء مئات من الرعايا الأجانب من لبنان نسخة محفوظة 20 يوليو 2006 على موقع. BCArabic.com |
2. | الشرق الأوسط | سباق مع الزمن لإجلاء الرعايا الأجانب نسخة محفوظة 07 مارس 2016 على موقع. BBCArabic.com
3. الشرق الأوسط | رحلة شاقة للنازحين من جنوب لبنان نسخة محفوظة 09 مارس 2016 على موقع BCArabic.com
4. الشرق الأوسط | اسرائيل تتهم سوريا بالانضمام الى “معسكر التطرف” نسخة محفوظة 26 يونيو 2017 على موقع. BBCArabic.com |
5. القوات الدولية تنتشر ورئيسا إيران وسوريا يشيدان بحزب الله نسخة محفوظة 18 أغسطس 2011 على موقع. CNN arabic.com

6. سويد، محمود : الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل، مصدر سبق ذكره، ،ص65
7. لشرق الأوسط | سباق مع الزمن لإجلاء الرعايا الأجانب مصدر سبق ذكره، على موقع. BBCArabic.com
8. الجامعة العربية: سنقوم باتصالات دولية لوقف الهجوم نسخة محفوظة 26 يونيو 2017 على موقع
9. 2-أخبار العالم | معاناة نصف مليون نازح لبناني نسخة محفوظة 16 يوليو 2015 على موقع BBCArabic.com

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى