الدراسات البحثيةالمتخصصة

السياسية الخارجية العراقية في العهد الجمهوري (الأول)

اعداد : علي  حكيم          – أشراف : أ. د محمد الغريفي

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

تعتبر السياسة الخارجية من أهم مجالات البحث في العلاقات الدولية، لأن من خلالها تتبلور العلاقات بين الدول، ولفهم هذه العلاقات يجب فهم السياسة الخارجية. وهذه الأخيرة لم تستقل عن مجال العلاقات الدولية إلا بعد الثورة السلوكية. وفي بداية الستينات من القرن الماضي  تطورت ظاهرة السياسة الخارجية تطورا واضحا  وذلك لتعدد قضاياها وتزايد الوحدات الدولية وتنوعها في النظام الدولي، مما اكسب دراستها أهمية بالغة.

تتجلى أهمية دراسة السياسة الخارجية في فهم التوجهات الخارجية للدول في علاقاتها فيما بينها وتفسير أسباب تبلور السياسة الدولية في انماط مختلفة في النسق الدولي ،كما ان دراسة السياسة الخارجية تمكننا من كشف وفهم الاستراتيجيات القومية للدول تجاه بيئاتها الخارجية، سوآءا كانت هذه الدول كبرى او اقليمية ومدى نفوذها وحجم ادوارها الخارجية  ، كما تمكننا كذلك من معرفة أسباب ضعف ادوار دول اخرى .

تهدف هذه الدراسة الى كشف الغموض عن مفهوم السياسية الخارجية ، من خلال التطرق لمختلف تعريفاتها للانتهاء بتعريف اجرائي لها ،وكذلك التعرف على اهم خصائصها وتوجهاتها انتهاءا بتحديد محدداتها .

اول هذه الدراسة  موضوعا محوريا  في العلاقات الدولية ،فالسياسة الخارجية لا تخرج عن إطار سلوكيات الدولة وأنشطتها الخارجية_مجموع سياسيات خارجية تشكل العلاقات الدولية_  التي تسعى إلى تحقيق أهداف مسطرة سواء كانت أهدافا قريبة أم بعيدة المدى. من خلا التطرق الى مفهوم السياسة الخارجية ،بدءا من تحديد تعريفا للسياسة الخارجية والتفريق بينها وبين بعض المفاهيم المتعلقة بها، انتهاء بالتطرق لعملية صنع السياسة الخارجية.

اهمية البحث

إن ما يميز قرارات السياسة الخارجية عن بقية القرارات هي أنها تخضع لتفاعل فريد من نوعه ألا وهو التفاعل بين البيئة الداخلية والخارجية وما يحتويه ذلك التفاعل من ضغوط مختلفة ومتعارضة.

وأن عملية صناعة القرار الخارجي تختلف من دولة إلى أخرى حسب تركيبة النظام السياسي للدولة. إلا أنه رغم هذا الاختلاف في النظم السياسية للدول فإن هناك أصولاً مشتركة في صنع السياسة الخارجية. فبغض النظر عن طبيعة النظام السياسي يشارك في صناعة القرار الخارجي عدد من الأجهزة الحكومية والتي عادة ما يكون لها مفاهيم ومواقف مختلفة. . . إلا انه خلال عملية صناعة القرار تقلل التناقضات بين الأجهزة المختلفة وتقرب وجهات النظر بقدر الإمكان. . .

هدف البحث

ً يمكن أن نميز بين مجموعتين تساهمان في صنع السياسة الخارجية. المؤسسات الحكومية والمؤسسات غير الحكومية. المؤسسات الحكومية تتمثل بالسلطة التنفيذية وما يتبعها من أجهزة فرعية مثل الوزارات والمؤسسات العامة، وكذلك السلطة التشريعية وما تشمله من لجان مختلفة. أما المؤسسات غير الحكومية فهي تشمل الأحزاب السياسية، وجماعات المصالح، والإعلام، والرأي العام.

اسباب اختيار الموضوع

السياسة الخارجية بطبيعة الحال بيئة متجددة تواكب الأحداث والتفاعلات التي يشهدها النظام العالمي على المستويات السياسية، والاستراتيجية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. عليه، يمكن القول بأن السياسة الخارجية للدول تتغير وتتكيف باستمرار مع التغييرات الخارجية والداخلية على حد سواء. وكلما تقاعست الدول في تكييف سياساتها الخارجية مع التغييرات البيئية المحيطة، كلما زادت الفجوة التي تفصلها عن العالم الخارجي، الأمر الذي يضفي سمة العزلة أو الشذوذ عما هو مألوف في إطار الجماعة الدولية .

المبحث الأول :-ماهية السياسة الخارجية

أختلف الكثير من المفكرين في تحديد مفهوم السياسة الخارجية بشكل دقيق، وذالك لاختلاف منطلقات كل منهم في تعريفه لها. ويمكن عرض بعض تعريفاتها في ثلاث اتجاهات.

الاتجاه الأول: يعرف السياسة الخارجية على أنها مجموعة برامج.

من أهم رواد هذا الاتجاه ،الدكتور ”محمد السيد سليم” إذ عرف السياسة الخارجية بأنها ”برنامج العمل العلني الذي يختاره الممثلون الرسميون للوحدة الدولية من بين مجموعة من البدائل البرنامجية المتاحة من اجل تحقيق أهداف محددة في المحيط الخارجي.[1]

يعقب الدكتور احمد النعيمي على هذا التعريف على انه تعريف دقيق ،ينطوي على الأبعاد التالية: الواحدية والرسمية والعلنية والاختيارية والهدفية والخارجية والبرنامجية.[2]

هذه الخصائص بالفعل تميز السياسة الخارجية، إلا أن هذا التعريف حدد السياسة الخارجية على أنها مجرد برنامج مسطر ومحدد الأهداف وعزلها عن تأثير البيئتين الداخلية والخارجية ، وهو ما قد يشيب الفهم الصحيح للسياسة الخارجية لأنها ليست فقط مجرد برنامج أو تحديد لأهداف معينة وإنما هي كذألك مزيج من سلوكيات عديدة  لصانع القرار في الدولة وتفاعلها مع البيئتين الداخلية والخارجية.

 

كما يؤخذ على تعريف الدكتور “محمد السيد سليم ”عدم تحديده لطبيعة الوحدة الدولية التي قصدها في تعريفه، فالوحدات الدولية في النظام الدولي متعددة فقد تكون دول أو منظمات دولية …الخ .

الاتجاه الثاني: يعرف السياسة الخارجية على أنها سلوك صانع القرار.

من أهم رواد هذا الاتجاه “تشارلز هيرمان”الذي عرف السياسة الخارجية بقوله “تتألف السياسة الخارجية من تلك السلوكيات الرسمية المتميزة التي يتبعها صانعوا القرار الرسميون في الحكومة أو من يمثلونهم والتي يقصد بها التأثير في سلوك الدولة الخارجية “.( (1)

كما يعرف “مازن الرمضاني “السياسة الخارجية بأنها “السلوك السياسي الخارجي الهادف والمؤثر لصانع القرار

 ويؤيدهما في هذا الطرح  المفكر “ريتشارد سنايدر” باهتمامه في دراسته للسياسة الخارجية بالبعد الإدراكي لصانع القرار ،فيرى”أن الدولة تحدد بأشخاص صانعي قراراتها الرسمين ،ومن ثم فان سلوك الدولة هو سلوك الذين يعملون باسمها .وان السياسة الخارجية عبارة عن محصلة القرارات من خلال أشخاص يتبوؤون المناصب الرسمية في الدولة .

لقد انطلقت هذه التعريفات من الدمج بين السياسة الخارجية وسلوكيات صانع القرار فحصروا السياسة الخارجية في إدراك صانع القرار وسلوكه و في هذه الحال لم يتم التمييز بين السياسة الخارجية وعملية صنع القرار.(2)

______________

  • ونسن لويد ،تفسير السياسة الخارجية .(تر:محمد بن احمد مفتي،محمد السيد سليم).الرياض:عمادة شئوون المكتبات جامعة الملك سعود.1989،ص679
  • حقي توفيق سعد ،مبادئ العلاقات الدولية .عمان:دار وائل للنشر،2006. ط3،ص89

فالسياسة الخارجية اشمل من عملية صنع القرار واشمل كذالك من أن تكون مجرد سلوك لصانع القرار. إلا أن سلوك صانع القرار يمكن أن يساهم في توجيه السياسة الخارجية. لكن السياسة الخارجية هي نشاط موجه للبيئة الخارجية هي في هذه الحال تتميز عن سلوك صانع القرار.

إذا يمكن القول أن سلوك صانع القرار هو بداية العمل في السياسة الخارجية و أن النشاط وتحقيق الأهداف هما جوهر السياسة الخارجية.

الاتجاه الثالث:يعرف السياسة الخارجية على أنها نشاط.

انطلاقا من حصر الاتجاه السابق السياسة الخارجية في سلوك صانعي القرار،رأى اتجاه ثالث أن السياسة الخارجية لا يمكن أن تنطبق فقط على سلوكيات صانعي القرار في الدولة وإنما تنصرف إلى النشاط الخارجي  والحركة الخارجية للدول.(1)

وفي هذا الإطار قدم “حامد ربيع” تعريفا للسياسة الخارجية على أنها “جميع صور النشاط الخارجي حتى ولو لم تصدر عن الدولة كحقيقة نظامية، أي نشاط الجماعة كوجود حضري ،أو التعبيرات الذاتية كصورة فردية للحركة الخارجية تنطوي وتندرج تحت الباب الواسع الذي نطلق عليه السياسة الخارجية

كما عرف ” موديلسكي” السياسة الخارجية في نفس اتجاه حامد ربيع حيث     قال :السياسة الخارجية هي :”نظام الأنشطة الذي تطوره المجتمعات لتغير سلوكيات الدول الأخرى ولإقامة طبقا للبيئة الدولية وفي هذا الإطار هناك نمطين من الأنشطة : المدخلات و المخرجات(2)

_____________

  • لسيد سليم محمد ،تحليل السياسة الخارجية.القاهرة:مكتبة النهضة المصرية، 1997. ط2،ص678
  • عبيد الله مصباح زايد ، السياسة الخارجية .طرابلس:دار التالة ،1999.ط2،ص57

ويعرفها كذالك “مارسيل ميرل” بأنها “ذالك الجزء من النشاط الحكومي الموجه نحو الخارج، أي الذي يعالج بنقيض السياسة الداخلية ،مشاكل تطرح ما وراء الحدود“”.

إن هذه التعريفات طابقت السياسة الخارجية بالأنشطة الخارجية لدولة ما،حيث تهدف هذه الأنشطة إلى تغيير سلوكيات الدول الأخرى أو أقلمت أنشطتها.إلا أن الأنشطة الخارجية للدول لا تهدف في مجملها إلى تغيير سلوكيات الدول الأخرى ،فقد تهدف إلى الحفاظ على الوضع القائم .كما أن السياسة الخارجية لدول ليست موجهة فقط للدول فقط و إنما هي موجهة لجميع فواعل النسق الدولي.(1)

بالإضافة إلى ذالك فالسياسة الخارجية ليست دوما عبارة عن نشاط .فالدول التي تنتهج سياسة الحياد أو الجمود والانغلاق على البيئة الخارجية لا تقوم بنشاط تجاه تلك البيئة، وهذا ما يؤكد أن السياسة الخارجية ليست دائما تعبر عن نشاط تقوم به الدولة.

تعريف إجرائي:

من خلال التدقيق في التعريفات المختلفة للسياسة الخارجية ،يمكن تقديم تعريفا شاملا لها،على أنها :مجموع نشاطات الدولة الناتجة عن اتصالاتها الرسمية مع مختلف فواعل النظام الدولي ،وفقا لبرنامج محكم التخطيط ومحدد الأهداف ،و التي تهدف إلى تغيير سلوكيات الدول الأخرى أو المحافظة على الوضع الراهن في العلاقات الدولية. كما أنها تتأثر بالبيئتين الداخلية والخارجية .(2)

_____________

  • رانكل جوزيف ،العلاقات الدلية .(تر:غازي عبد الرحمان العتيبي.جدة :مطبوعات تهامة، 1984.ط2
  • ليتل ريتشارد ،توازن القوى في العلاقات الدولية:الاستعارات والاساطير والنماذج.(تر:هاني

-2الفرق بين السياسة الخارجية وبعض المفاهيم المتعلقة بها:

أ_السياسة الخارجية والعلاقات الدولية: يرى الدكتور أبو عامر أن مفهوم السياسة الخارجية أقل شمولا من مفهوم العلاقات الدولية. فالسياسة الخارجية هي مجمل التوجهات العامة التي يتم إعدادها في بداية تاريخية معينة، أو بعبارة أكثر بساطة أنها هي التوجهات العامة التي يتم إعدادها عند مجيء حكومة جديدة للسلطة. والسياسة الخارجية هي تلك العملية التي تقوم أي دولة بتنفيذها من اجل الدفاع عن مصالحها الوطنية من اجل بلوغ هدف محدد سلفا(1).

فالسياسة الخارجية تصنع داخل الدولة وهي انعكاس لسياستها الداخلية. أما العلاقات الدولية فهي كما عرفها “مارسيل ميرل”:”كل التدفقات التي تعبر الحدود أو حتى تتطلع نحو عبورها، هي تدفقات يمكن وصفها بالعلاقات الدولية. وتشمل هذه التدفقات بالطبع على العلاقات بين حكومات هذه الدول ولكن أيضا على العلاقات بين الأفراد والمجموعات العامة أو الخاصة ،التي تقع على جانبي الحدود_كما تشمل_جميع الأنشطة التقليدية للحكومات :الدبلوماسية، المفاوضات ،الحرب…الخ ولكنها تشمل أيضا في الوقت نفسه على تدفقات من طبيعة أخرى_اقتصادية، إيديولوجية، سكانية، رياضية ،ثقافية، سياحية…الخ”.(

فالسياسة الخارجية لمجموعة من الدول تشكل جزء من العلاقات الدولية، لأن فواعل العلاقات الدولية اشمل من الدول، فهي تحتوي المنظمات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات …الخ.(2)

________________

  • محمد فهمي عبد القادر.المدخل الى الاستراتيجية .عمان :دار مجدلاوي،2006،ص68
  • مصباح عامر ،الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدولية.الجزائر:ديوان المطبوعات الجامعية،2006،ص78

إذا العلاقات الدولية أكثر شمولا ،فهي حصيلة التفاعل الأشمل والأوسع بين قوى متعددة في النسق الدولي.

ب_السياسة الخارجية والسياسة الدولية: يعرف الدكتور “حامد ربيع ” السياسة الدولية بأنها” التفاعل الذي لا بد أن يحدث الصدام والتشابك المتوقع والضروري نتيجة لاختلاف الأهداف والقرارات التي تصدر من أكثر من وحدة سياسية واحدة”.( (1)

رغم وضوح هذا التعريف وإقراره بان السياسة الدولية هي مجموع التفاعلات الصادرة عن أكثر من دولة والتي يمكن أن يطلق عليها تفاعل مجموع السياسات الخارجية للدول .إلا أن هذا التعريف أعطى لهذه التفاعلات صفة التصادم، وهذا ما لا يميز السياسة الدولية دائما فالسياسة الدولية يمكن أن تتضمن تفاعلات منسجمة وتعاونية بين الدول.

وأهم الفروق بين السياسة الخارجية والسياسة الدولية، هي أن عناصر السياسة الخارجية هي الأفراد والمؤسسات والأحزاب وهي تختلف عن عناصر السياسة الدولية والمتمثلة في الدول والمنظمات الدولية والجماعات النشطة. وهكذا فأن عنصر التحليل في السياسة الخارجية يختلف عن عنصر التحليل في السياسة الدولية

أما السياسة الدولية هي تفاعل مجموع السياسات الخارجية للدول بمعزل عن الفواعل الدولية الأخرى .وهي أشمل من السياسة الخارجية. ومجموع السياسات الدولية تشكل العلاقات الدولية.(2)

________________

  • النعيمي احمد ،السياسة الخارجية .عمان:دار زهران للنشر والتوزيع،2009،ص68
  • يوسف حتي ناصيف ،النظرية في العلاقات الدولية.بيروت:دار الكتاب العربي،1985،ص78

ج_السياسة الخارجية والدبلوماسية: تختلف الدبلوماسية عن السياسة الخارجية ،فالسياسة الخارجية لدولة ما هي تدبير نشاط الدولة في علاقاتها مع الدول الأخرى ،أو المنهج الذي تسير بمقتضاه الدولة في علاقاتها في الشؤون السياسية والتجارية والاقتصادية والمالية مع الدول الأخرى أما الدبلوماسية فهي أداة تنفيذ السياسة الخارجية ([1]).

و يعرف الكاتب الروسي “تونكين” الدبلوماسية بأنها” النشاط (بما في ذألك مضمون، وإجراءات وأساليب هذا النشاط الذي تمارسه الدولة ،العامة أو الخاصة القائمة على العلاقات الخارجية)الذي يمارسه رؤساء الدول ،والحكومات ،وإدارة الشؤون الخارجية، والوفود والبعثات الخاصة ،و الممثليات الدبلوماسية،ويحقق بوسائل سلمية أهداف شؤون السياسة الخارجية للدولة. إضافة إلى ذالك فالدبلوماسية تتسم بخاصية السلمية وتستعمل وسائل سلمية.أما السياسة الخارجية فيمكن أن تكون سلمية أو عكس ذالك لأنها تتسم بعدم الثبات على حال واحدة وفقا لمعيار المصلحة الوطنية.(2)

_________________

  • احمد النعيمي ،السياسة الخارجية .عمان:دار زهران للنشر والتوزيع،2009،ص23
  • احمد النعيمي، المرجع نفسه،نفس الصفحة

المطلب الثاني:  صنع  السياسة الخارجية

تميز السياسة الخارجية بخصائص يمكن حصرها في:

1-الطابع الخارجي:” بمعنى أن السياسة الخارجية موجهة للبيئة الخارجية. فبالرغم من أن السياسة الخارجية تصنع داخل أجهزة الدولة _البيئة الداخلية_إلا أن تنفيذها ومسار سلوكها يكون في إطار البيئة الخارجية أي البيئة الدولية” .فالبيئة الخارجية هي الإطار الذي تختبر فيه هذه السلوكيات، وهو الذي تحقق فيه الأهداف المسطرة للسياسة الخارجية.

2-الطابع الرسمي: والمقصود بالرسمية هو” أن السياسة الخارجية تتخذ من قبل جهة رسمية في الدولة .أي انه لا يمكن لأي جهاز غير رسمي في الدولة أن يكون له الفصل النهائي في توجيه السياسة الخارجية “.

 بالرغم من أن الأفراد والشخصيات والمؤسسات غير الرسمية لها تصورات وأراء حول أهداف وتفاعلات السياسة الخارجية ولهم كذالك معلومات وحقائق تساهم في بلورة  هذه الأهداف ،إلا أنها لا تتسم بطابع الرسمية التي من خلالها يتم رد الفعل الرسمي للدولة إزاء القضايا الخارجية.

وأهم جهاز في الدولة يعطي للسياسة الخارجية الطابع الرسمي هو جهاز السلطة التنفيذية والذي يمثله في غالب الأحيان رئيس الدولة ،ورئيس الحكومة ووزير الخارجية ووزير الدفاع، وغيرهم من الأشخاص الذين يمثلون الأجهزة الرسمية في الدولة.

______________

  • محمد السيد سليم،تحليل السياسة الخارجية.القاهرة:مكتبة النهضة المصرية، 1997. ط2 ،ص07

كما أن السياسة الخارجية لا توجه فقط إلى الدول كوحدات دولية تقليدية فيمكن أن توجه إلى وحدات دولية حديثة كالمنظمات الدولية ،أو أحزاب سياسية ذات وزن إقليمي. مثلا السياسة الخارجية لإيران في دعمها لحزب الله اللبناني، و السياسة الخارجية لسوريا في دعمها لحركة حماس الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني.

3- الطابع الاختياري :يعني أن” برامج وقرارات السياسة الخارجية مختارة من عدة بدائل مقترحة .فأي موقف دولي لا يوجب بالضرورة رد فعل وحيد وحتمي لدى الدولة المعنية به، وأن تلك الدولة تمتلك مجموعة من الخيارات والبدائل الممكنة، فهي تختار أحدها حسب أهدافها ومصلحتها القومية” .

ويرى الدكتور السيد سليم أن المقصود بالاختيار ،أن السياسة الخارجية يختارها من يدعون صنعها من بين سياسات بديلة ممكنة. وهذا الاختيار يشمل ثلاث أبعاد :

– الصياغة الحقيقية للسياسة الخارجية تتم من طرف من هم منوطون بمهمة رسم السياسة الخارجية .أي الجهة الرسمية في الدولة والتي تتمثل غالبا في السلطة التنفيذية .أما الفواعل الأخرى في النظام السياسي فليس لها الاختيار بشكل نهائي في رسم الصيغة النهائية للسياسة الخارجية.

– في رسم السياسة الخارجية تتوفر مجموعة من السياسات البديلة لصانع السياسة الخارجية وعليه أن يختار من بينها.

– إن السياسة الخارجية المختارة من طرف صانع القرار تتسم بالمرونة ،و ذالك لقدرة صانع القرار على  تغيير السياسة الخارجية متى تغيرت الظروف والمعطيات المتعلقة بموقف معين ،ذالك عندما يرى انه وجب عليه استبدال السياسة التي وقع عليها الاختيار قبل تبلور هذه الظروف بسياسة ملائمة لها.(1)

_________________

  • وعد حقي توفيق،مبادئ العلاقات الدولية.عمان:دار وائل للنشر،2006. ط3 ،ص15

-4الطابع الواحدي :يعني أن “السياسة الخارجية تتمثل في تلك البرامج التي تعتمدها وحدة دولية واحدة إزاء وحدات دولية أخرى. و هذا البعد هو ما يميز السياسة الخارجية عن العلاقات الدولية .فالعلاقات الدولية تفترض التفاعل، أي الفعل ورد الفعل بين الوحدات الدولية، أما السياسة الخارجية فتعني تلك السياسة الموجهة من وحدة دولية واحدة تجاه وحدات دولية أخرى”.كما أن الصفة(الواحدية) تعني أن قرار الدولة إزاء موقف دولي معين يكون موقف وحيد ولا يمكن أن يتعدد إلى عدة مواقف متناقضة .مثلا موقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية  هو موقف وحيد وثابت والمؤيد لاستقلال الصحراء الغربية.

5-الطابع الهادفي: إن أي  “سياسة خارجية لابد أن تكون موجهة لتحقيق أهداف تم التخطيط لها من قبل صانع القرار،ويتم تعبئة كل الموارد المتاحة لتحقيق تلك الأهداف.ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار أن السياسة الخارجية مجرد رد فعل إلي تجاه البيئة الخارجية، إنما هي عملية  واعية ومقصودة تسعى إلى التأثير على البيئة الخارجية لتمكين الدولة من أن تكون فاعل أساسي في النظام الدولي أو تحقيق والمحافظة على المصالح الوطنية لها على اقل تقدير.

ب- توجهات السياسة الخارجية :

تتبع الدولة توجها معينا في سياستها الخارجية، يطبعها لمدة زمنية قد تطول أو تقصر، وذلك حسب تلاؤم مصالحها الوطنية مع ذالك التوجه وفقا للظروف الداخلية للدولة والواقع الدولي المحيط بها.كما تتنوع توجهات الدولة في سياستها الخارجية حسب موقعها الاستراتيجي ومدى أهميته بالنسبة للدول الأخرى وأهمية الدولة في حد ذاتها ومدى فعاليتها سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

___________________

  • لاء أبو عامر،الوظيفة الدبلوماسية.عمان:دار الشروق للنشر والتوزيع،2001،ص34
  • _ سعد حقي توفيق،مرجع سابق،ص ص12،13

1_ التوجه الإقليمي –العالمي:

ينصرف التوجه الإقليمي إلى توجيه السياسة الخارجية للدولة وفقا لمجالها الجغرافي .فهناك دول توجه سياستها الخارجية نحو مجالها الإقليمي ولا تعطي أي اهتمام للقضايا البعيدة عن إقليمها(1)

 من أهم أمثلة الدول التي تنتهج هذا التوجه، جمهورية مصر العربية ،فالمجال الرئيسي لسياستها الخارجية هو الشرق الأوسط ،كذالك السياسة الخارجية للبرازيل تجاه أمريكا اللاتينية .والسياسة الخارجية التركية في فترة تسعينيات القرن الماضي تجاه دول أسيا الوسطى والقوقاز .

وهذا التوجه تصاحبه صورة هامة للدور الوطني الذي تقدمه الدولة لذاتها، وهو دور الزعيم الإقليمي ،بحيث تقوم به الدول التي تمتلك إمكانيات كبيرة ومتنوعة مقارنة بالدول الأخرى في منطقتها مما يجعل منها قوة إقليمية ذات مسؤوليات خاصة تستثمر الدولة هذه الإمكانيات للقيام بدور نشط على الصعيد الإقليمي من أهم الدول التي تلعب هذا الدور وتبحث عنه كل من  تركيا وإيران ،فكل منهما تسعى إلى التأثير في قضايا الشرق الأوسط.

يقابل التوجه الإقليمي ، التوجه العالمي ،بحيث توجه الدولة في هذه الحال سياستها الخارجية نحو وحدات دولية خارج إقليمها ،فاهتمامات هذه الدول موزعة على شتى دول العالم ،كما أنها تشمل أقاليم العالم.)ومن أمثلة الدول ذات  هذا التوجه،الولايات المتحدة الأمريكية خاصة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ،فهي توجه سياستها الخارجية تجاه مناطق عدة من العالم ،فسياستها نشطة في الشرق الأوسط وإفريقيا واسيا وارويا.(2)

____________

  • أحمد النعيمي،مرجع سابق،ص28
  • سعد حقي توفيق،مرجع سابق،ص20

يصاحب هذا التوجه (العالمي) صورة هامة للدور الوطني الذي تقدمه الدول في سياستها الخارجية وهو دور زعيم تيار أو اتجاه دولي عام.حيث أن لهذه الدول دورا قياديا خاصة على الصعيد الدولي وعادة ما يعكس ذالك وجود عقيدة معية لدى الدولة وإمكانيات كبيرة تسمح لها بتحقيق هذا الدور)كما هو الحال بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية ضد الإرهاب.بالإضافة إلى سياسة نشرها للقيم  الغربية كالديمقراطية والتي من خلالها تشن عدة حروب باسمها لإسقاط أنظمة تراها تهدد مصالحها القومية ،كاحتلالها للعراق  وتدخلها في السودان والصومال .(1)

  -2توجه إقرار أو تغيير العلاقات الدولية الراهنة :

يميز هذا التصنيف بين توجه سياسة خارجية يسعى لإقرار النمط الراهن للعلاقات الدولية وبين توجه سياسة خارجية يسعى إلى تغيير النمط الراهن للعلاقات الدولية إلى نمط مثالي متصور.وتوجه الإقرار أو التغيير في العلاقات الدولية الراهنة لا ينصرف فقط إلى القضايا الإقليمية، بل يشمل كل القضايا الدولية في شتى أنحاء المعمورة. .ونتيجة لأتساع إنتشار هذا التوجه(الإقرار/التغيير )تتغير بعض معطيات الواقع الدولي ،كنمط التحالفات الدولية ،وهيكل التعامل الاقتصادي الدولي ،وعلاقات القوى الدولية من أهم السياسات التي تساهم في تحقيق إقرار الوضع القائم إلى حد ما، سياستي الحياد وعدم الانحياز. وهتين السياستين اعتمدتهما الدول المستقلة عن القطبين المتصارعين أثناء الحرب الباردة .وهما تكسبان الدول دور المستقل النشط، حيث تكتسب الدولة المحايدة وغير المنحازة مصداقية عند الجميع ،وبالتالي تستطيع أن توظف ذالك في خدمة السلام والاستقرار الدوليين وابرز مثال على هذا التوجه مملكة النمسا(2).

______________

  • جوزيف فرانكل ،العلاقات الدلية .(تر:غازي عبد الرحمان العتيبي.جدة :مطبوعات تهامة، 1984.ط2،ص41
  • عامر مصباح ،الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدولية.بن عكنون:ديوان المطبوعات الجامعية،2006،ص354

أما السياسات التي تسعى إلى تغيير الوضع الراهن في العلاقات الدولية هي سياسة الأحلاف والتكتلات الدولية .بحيث كل حلف يسعى إلى احتواء اكبر عدد من الدول لتأييده للسيطرة على المواقع الحيوية)،وبالتالي يمنع الحلف الضد من تقوية دفاعاته ،مما يسهل السيطرة عليه وإلغائه ،هذا ما حصل بالفعل خلال الحرب الباردة بين حلف الناتو ووارسو ،حيث زال الأخير بسقوط الاتحاد السوفياتي .

3-التوجه التدخلي واللا تدخلي : إذا كان التوجهين السابقين صنفا وفقا لأهداف الدولة من خلال سياستها الخارجية ،فان هذا التوجه يصنف السياسة الخارجية من خلال الأدوات  التي تتبعها الدولة في تنفيذ سياستها .بمعنى إلى أي حد توظف الوحدة الدولية أدوات تدخلية للتأثير في الوحدات الدولية الأخرى.(1)

يذهب التوجه التدخلي إلى سعي الوحدة الدولية للتأثير في سياسات الوحدات الدولية الأخرى وتوجيهها بالتأثير في تركيب السلطة السياسية القائمة فيها

وهذا التوجه تعتمده في غالب الأحيان الدول الكبرى  والدول الاقليمية ،والتي تبحث دوما عن النفوذ وتسعى للمحافظة على مصالحها القومية خارج إقليمها .ومن ابرز الدول التي تنتهج هذا التوجه الولايات المتحدة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية ،وفرنسا في دول البحيرات الكبرى، وروسيا كقوى   .(2)

________________

  • _سعد حقي توفيق،مرجع سابق،ص16
  • محمد السيد سليم،مرجع سابق،ص27

المطلب الثاني : – محددات السياسة الخارجية

بصدد بمحددات السياسة الخارجية تلك العوامل المتعددة التي تؤثر بشكل أو أخر في توجيه وتبلور السياسة الخارجية لأي دولة كما تعني أيضا دراسة السياسة الخارجية كمتغير تابع أمام مجموعة من المتغيرات المستقلة التي تفرضها معطيات البيئتين الداخلية والخارجية، وتتعدد محددات السياسة الخارجية وفقا لمحددات داخلية و أخرى خارجية.(1)

أ-المحددات الداخلية: وهي المحددات التي تقع داخل إطار إقليم الدولة وهي مرتبطة بالتكوين الذاتي والبنيوي لها والتي من خلالها يمكن للدولة أن ترسم وتحدد أهداف وتوجهات سياستها الخارجية .

تضم المحددات الداخلية كلا من المحددات الجغرافية، المحددات البشرية ،والمحددات   الشخصية، والمحددات المجتمعية ،المحددات السياسية، والمحددات العسكرية.

1_المحددات الجغرافية :تشمل الموقع الجغرافي والمساحة والتضاريس والمناخ وهي العناصر الأساسية في تكوين الجغرافيا السياسية للدولة ،والتي تؤثر بشكل مباشر على حركية سياستها الخارجية، وهذا التأثير يكون من خلال تحديد قدرة الدولة على تنفيذ سياستها الخارجية ومن ثم تحديد مركزها الدولي .أما تأثيرها غير المباشر فيكون في تحديد نوعية ومدى الخيارات المتاحة للدولة عند توجيه وبلورة سياسة الخارجية.  فالموقع الجغرافي مثلا يحدد مدى أهمية الدولة من الناحية الإستراتيجية ،ويمكنها من لعب دور إقليمي أو حتى دولي كما يمكنه ان يساهم في بناء قوة الدولة (2).

___________

  • ناصيف يوسف حتي،النظرية في العلاقات الدولية.بيروت:دار الكتاب العربي،1985،ص173
  • _محمد السيد سليم ،مرجع سابق،ص38

فالموقع الجغرافي لتركيا على سبيل المثال جعلها دولة ذات أهمية بالغة ،وسمح لها من تقلد دور إقليمي مهم بحيث أنها تتوسط عدة دوائر إقليمية كالشرق الأوسط ،القوقاز ،الاتحاد الأوروبي،آسيا الوسطى .وفي المقابل نجد دول مغلقة جغرافيا فموقعها هذا لا يسمح لها بتقلد دور فاعل في سياستها الخارجية .

و يحمل الموقع الجغرافي أهمية كبيرة في الإستراتيجية الدولية، فالعامل الجغرافي يؤثر على السياسة الخارجية للدولة بشكل مباشر أو غير مباشر،ويكمن تأثيره غير المباشر في تحديده لعناصر قوة الدولة والتي تحدد بدورها قدرة الدولة على تنفيذ سياستها الخارجية.وتجدر الإشارة إلى أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي ليس كاف لوحده في تحديد دور فاعل للسياسة الخارجية لدولة ما، دون توافر المحددات الأخرى.(1)

-2الموارد الطبيعية: توفر الدولة على موارد طبيعية  هامة كمصادر الطاقة من بترول، غاز ،ومعادن كالحديد والنحاس والذهب ،ومواد غذائية كالقمح والذرة ،توفر هذه الموارد لدى الدولة ولو بنسب متفاوتة يساهم في استقلاليتها الاقتصادية ويمكنها من لعب دور فاعل في محيطها الإقليمي والدولي كقوة اقتصادية وتتمكن من التأثير على السياسات الخارجية للدول الأخرى، كما يمكنها من اتخاذ مواقف دولية تواءم مع توجهات سياستها الخارجية .

أبرز مثال في هذا الصدد ألمانيا الاتحادية  فهي تمثل قوة اقتصادية عظمى  فتمكنت في التأثير سياسة  دول الاتحاد الأوروبي سواء الداخلية أو الخارجية كما ساهمت في قدرتها على اتخاذ مواقف تتناقض مع مواقف قوى كبره نظيرة لها كالولايات المتحدة الأمريكية وابرز موقف لها هو معارضتها للحرب الأمريكية على العراق عام2003،هذه القوة بلغتها ألمانيا بفضل استغلالها لمواردها الطبيعية الاستغلال الأمثل(2)

__________

  • أحمد السيد سليم ،مرجع سابق،ص38
  • ناصيف يوسف حتي،مرجع سابق،ص174

-3المحددات البشرية: يؤثر العامل البشري في تحديد السياسة الخارجية باعتباره عنصرا مهما لبناء قوة عسكرية قادرة على أهداف سياستها الخارجية إثناء السلم والحرب ،كما يلعب عاملا مهما في توفير اليد العاملة سواء داخل الدولة أو إرسالها كيد عاملة خارج الدولة مثلما هو الحال في الصين ،إلا أن هذه ليس مقياسا ثابتا لقوة الدولة عسكريا أو اقتصاديا، فهناك دولا ذات تعداد كبير من السكان مثل الهند وإندونيسيا ولكن قد لا يعد أساسا للقوة العسكرية  أمام التطور التكنولوجي. فإسرائيل (كيان الصهيوني) تملك جيشا يمثل حوالي 10%من مجموع سكانها، كما أن عدد سكان إسرائيل اقل بكثير من الهند ،ولكنها تمتلك أحد أعلى معدلات التعبئة العسكرية في العالم، كذالك  يعتبر جيشها من أقوى الجيوش من حيث التطور التكنولوجي .(1)

من ناحية أخرى، فإن الإنفجار السكاني بدوره يشكل عبئا على الدولة ويعطل مسار التنمية الاقتصادية ،خاصة عندما يكون معدل النمو السكاني أكثر بكثير من معدل النمو الاقتصادي، مما يحتم عليها  الاعتماد على المديونية الخارجية ما يجعلها في ارتباطات دولية تأثر على سياستها الخارجية .

-4المحددات الشخصية: من أهم العوامل المؤثرة في تحديد السياسة الخارجية للدول، المحددات الشخصية لصانع القرار في السياسة الخارجية. لأن غالبا ما تنعكس سلوكيات صانعوا القرار على السياسة الخارجية ،وبالتالي يجب التركيز على شخصياتهم ،لان العامل القيادي يلعب دورا مهما في عملية صنع القرار الخارجي، خاصة في دول العالم الثالث ،بحيث أن الرئيس في هذه الدول يمثل العامل الحاسم في عملية صناعة القرار(2)

________________

  • يلين بالمر،كليفتون مورجان،نظرية السياسة الخارجية .(تر:عبد السلام علي النوير ).الرياض:النشر العلمي والمطابع _جامعة الملك سعود،2011.ص20
  • ناصيف يوسف حتي،مرجع سابق،ص174

وبما أن القرارات الصادرة عن الدولة في النهاية هي من صنع شخص أو مجموعة أشخاص ،كان للسمات الشخصية لدى هؤلاء الأشخاص التأثير الكبير على تحديد السياسة الخارجية. ونعني بالسمات الشخصية هي مجموعة الخصائص المرتبطة بالتكوين المعرفي والسلوكي.

وقد سعى الباحثون إلى تحديد السمات الشخصية وتصنيفها .ومن أهم نماذج السمات الشخصية التي قدمتها الدراسات المختلفة والتي لها علاقة مباشرة بتوجيه سلوكيات السياسة الخارجية للدول،نموذج الشخصية التسلطية لـ”ادر ونو”،ونموذج الشخصية المتفتحة والمنغلقة عقليا لـ “روكيتس”،نموذج تحقيق الذات لـ”ماسلو(1)

حدد “ادورنو”وزملائه سمات الشخصية التسلطية في اليمينين المتطرفين وأضاف كل من “كريستي” و “جاحود”أن هذه السمات تتواجد كذالك في اليساريين المتطرفين والمؤيدين للشيوعية.ومن أهم سمات ذوي الشخصية التسلطية، النزوع إلى السيطرة على المرؤوسين ،والإذعان لمن هم أعلى منهم مقاما ،والحساسية لعلاقات القوة والحاجة إلى تصور العالم في إطار منظم. والاستعمال المفرط لنماذج النمطية في تصوير الأحداث والأشخاص والتمسك بالقيم التقليدية. وينزع التسلطيون كذالك إلى التعصب الوطني والعنصرية .كما تنزع إلى الدخول في حرب وتأييد العدوان().ومن أبرز الأمثلة على الشخصية التسلطية “هتلر” و”موسليني” قبل الحرب العالمية الثانية، وكذالك مؤسس الجمهورية التركية “مصطفى كمال أتاتورك” الذي عرف بالعنصرية ضد القومية العربية .وكذالك الرئيس الأمريكي  الأسبق جورج بوش حيث اتسمت سياسته بالحروب.(2)

______________

  • زايد عبيد الله مصباح ، السياسة الخارجية .طرابلس:دار التالة ،1999.ط2،ص129
  • عبد القادر محمد فهمي .المدخل الى الاستراتيجية .عمان :دار مجدلاوي،2006،ص60

أما الشخصية المنغلقة عقليا فقد ميزها “روكيتش” بأنها تتميز بقدر كبير من القلق،و تولي إهتماما أكبر بمصدر المعلومات الجديدة بدلا من مضمونها ،وعدم القدرة على إستيعاب المعلومات التي تتعارض مع نسقها العقدي ،وتنعكس هذه الصفات بالسلب على إنتقاء الخيار الأمثل من بين عدة بدائل. ويزداد احتمال تصور أصحاب الشخصية المنغلقة عقليا للمؤامرات .وهذا يميز معظم قادة العالم الثالث وبالأخص قادة الدول العربية ،حيث أنهم  في حاله أزمة داخلية يسارعون إلى تحميل المسؤولية لأطراف خارجية تتآمر عليهم من اجل زعزعة استقرار بلدانهم)،وهذا ما يشكل انعكاسا سلبيا للسياسة الخارجية للدول المتهمة ما يجعلها تقوم برد فعل غير مناسب وقد يؤدي إلى حالة أزمة بينهم.(1)

أما نمط تحقيق الذات الذي أتى به”ماسلو” هو من سمات الشخصية التي تؤثر ايجابيا على السياسة الخارجية ،ويجب أن تتوفر بعض الشروط في شخصية صانع القرار لتحقيق هذا النمط. وتشمل هذه الشروط توافر الحاجات الفيزيولوجية ،والأمن الداخلي والطمأنينة والعاطفة والانتماء ،واحترام الذات ويؤدي إشباع هذه الحاجات إلى خلق شعور بالثقة لدى الفرد)،و من أبرز الامثلة على هذه ،شخصية رئيس الجمهورية التركي”عبد الله غول”،ورئيس وزرائه “رجب طيب أردوغان” وذلك من خلال ثقتهما بنفسيهما واحترامهما لذاتهما، ما أكسبهما قبول شعبي عالي على المستويين الداخلي و الدولي، وجعلهما ينتهجان سياسة خارجية فاعلة.(2)

__________________

  • ناصيف يوسف حتي،مرجع سابق،ص194
  • لويد جونسن ،مرجع سابق،ص167

– 5المحددات المجتمعية:تتضمن المحددات المجتمعية عدة عناصر أهمها:

أخصائص الشخصية القومية :والمقصود بها الصفات العامة التي يشترك فيها كل سكان الدولة،والتي تميزهم عن غيرهم ،وهذه الصفات تتشكل بشكل كبير من الاجتماعية التي تتم عن طريق  الأسرة والمدرسة ،فمقومات الشخصية الوطنية تؤثر في توجيه السياسة الخارجية،لأن صانعي القرار أنفسهم يحملون تلك القيم والصفات،وهم أشخاص يتأثرون بالبيئة التي يعيشون فيها مما ينعكس ذالك على خياراتهم في السياسة الخارجية.(1)

كما أن طبيعة الشخصية تحدد أنواع السلوك الخارجي).فخصائص الشخصية القومية المشتركة توجه سلوك السياسة الخارجية، وابرز مثال في هذا الصدد،الرؤساء القوميون العرب كجمال عبد الناصر ،فالأخير كان متأثرا بالصفات القومية العربية، وداعما للحركات العربية التحررية.كذالك توجه السياسيون الأتراك إلى احتواء الجمهوريات التركية* بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

    ب_الرأي العام:ويعني موقف جماهير من الناس تجاه قضية او موقف معين،وقد استعمل “غابريال الموند” اصطلاح مزاج السياسة الخارجية للدلالة على الاتجاهات أو الميول العامة التي تبديها الفئات الواسعة من الناس في دولة من الدول تجاه سياسة خارجية معينة في وقت من الأوقات(ففي المجتمعات الغربية يكون للرأي العام دور فعال في توجيه السياسة الخارجية،إما الأنظمة التسلطية فلا يؤثر الرأي العام على سلوك سياستها الخارجية بشكل كبير، بسبب انفرادية السلطة لدى الفرد أو الجماعة الحاكمة،وغياب الحريات الجماعية كحرية التعبير والمظاهرات.(2)

______________

  • ويد جونسن ،تفسير السياسة الخارجية .(تر:محمد بن احمد مفتي،محمد السيد سليم).الرياض:عمادة شئوون المكتبات جامعة الملك سعود،1989،ص26
  • عامر مصباح،المقاربات النظرية في تحليل السياسة الخارجية.بن عكنون:ديوان المطبوعات الجامعية،2008،ص215

وترى المدرسة الواقعية بان الرأي العام يتميز بصفات أهمها عدم الاهتمام والتبسيط والتقلب الشديد ،وعدم توفره على المعلومات الكافية في مجال السياسة الخارجية ،ويؤثر صانع القرار على الرأي العام أكثر من تأثير الأخير على الأول، فالرأي العام يلتف حول صانع القرار(الرئيس) خاصة في الأزمات ويؤيده بشكل مطلق.وتأثير الرأي العام في توجيه السياسة الخارجية مرتبط  بالعوامل المؤثرة فيه توجيه الرأي العام في حد ذاته واهم هذه العوامل وسائل الإعلام ودور الأحزاب كجماعات المصالح ووسائل الاعلام. إذا تأثير الرأي العام في تحديد توجه السياسة الخارجية هو محصلة تعبئة الرأي العام من طرف وسائل الإعلام  وغيرها. ولا يخفى أن وسائل الإعلام قد تكون مؤيدة للنظام وبالتالي تقوم  بتعبئة الرأي العام لإعطاء الشرعية لمواقف النظام السياسي الداخلية أو الخارجية.(1)

  ج_المجتمع المدني:والمقصود به ذلك النسق الذي يشمل الأحزاب السياسية وجماعات المصالح من نقابات وجمعيات ومندوبيات .وتعتبر الأحزاب من المحددات الأساسية للسياسة الخارجية .ففي الأنظمة التسلطية يلعب الحزب الواحد دورا يعكس بشكل كبير سياسة الحكومة سواء الداخلية،كما يعوضها في النشاط الخارجي باعتباره الناطق الرسمي والوحيد بإسمها.أما في الأنظمة الديمقراطية فإن تأثير الأحزاب السياسية في السياسة الخارجية للدولة يبدو واضحا ويزداد بتزايد تمثيلها (الأحزاب) في البرلمان .ويختلف مستوى تأثير الأحزاب في النظم الديمقراطية حسب تنوع النظم الحزبية في هذه الأنظمة.(2)

________________

  • ريتشارد ليتل ،توازن القوى في العلاقات الدولية:الاستعارات والاساطير والنماذج.(تر:هاني تابري).بيروت:دار الكتاب العربي،2007 ،ص131
  • نفس المصدر.

المبحث الثاني: علاقات العراق الخارجية في العهد الجمهوري الاول

  • المطلب الاول: الشرق الاوسط

تولى العميد عبد الكريم قاسم رئاسة الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة، اما شريكه في الثورة عبد السلام محمد عارف فقد أصبح الرجل الثاني في الدولة حيث تولى منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية. وبخصوص منصب رئيس الجمهورية، فتولى بدلا عنه الفريق نجيب الربيعي بمنصب رئيس مجلس السيادة دونما اية صلاحيات، ريثما يتم انتخاب رئيسا للجمهورية خلال ستة أشهر وعضوية كل من محمد مهدي كبة وخالد النقشبندي. ووزعت باقي الوزارات على اعضاء التنظيم حسب اسهامهم بالحركة. في حركة 14 يوليو/ تموز 1958 شخصان يتزعمان تيارين مختلفين، هما عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف.(1) كان تيار قاسم مكون من بعض اقاربه و اصدقائه من المدنيين والعسكريين من ذوي الرتب غير الرفيعة تربطهم رابطة الانحدار الاجتماعي الواحد حيث جميعهم من نفس طبقة قاسم، في زمن كانت الطبقية الرأسمالية والإقطاعية قد تجذرت في العراق منذ الحكم العثماني التركي والذي كان يمنح الألقاب الاجتماعية كباشا وبك وافندي وهانم الخ، يتمثل هذا التيار بذوي الميول الماركسية وقسم منهم منتمي إلى الحزب الشيوعي واخر ذو ايمان ماركسي فقط أو من المعجبين بالتجربة الشيوعية، ومن أهداف هذا التيار هو، مع بقاء العراق دولة بعيدة عن أي عمل وحدوي، ذلك لان من مباديء الحزب الشيوعي، نقض الأديان والقوميات. عليه رفع هذا التيار شعار أو سلك سلوك معارض لانضمام العراق إلى الاتحاد العربي المسمى الجمهورية العربية المتحدة، ثم تدريجيا عزل العراق عن محيطه العربي والإقليمي الإسلامي كما سنرى لاحقا.(2)

________________

  • ليث محمود المبيضين، الاحتلال الأمريكي للعراق من منظور الشرعية الدولية، ط1، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2012.ص88
  • د.محمد خليل الموسى، استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر، ط1، دار وائل للنشر، عمان، 2004.ص78

وتم وصم هذا التيار بالتنكر للعهود المقطوعة لتنفيذ الميثاق الوطني لتنظيم الضباط الاحرار وسلك سلوك فوقي ودكتاتوري وابعد كل من يعارضه من التيار المنافس أو أي صوت يعلو على صوت عبد الكريم قاسم.

أما تيار عبد السلام عارف فكان أغلب عناصره من اعضاء تنظيم الضباط الوطنيين وكان هدفهم هو تنفيذ مباديء الميثاق الوطني وتطبيق كل ما اتفق عليه الضباط الوطنيين، وأغلب انتماء هذا التيار لفكر العروبي الوحدوي حيث أعلن عن رغبته في انضمام العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة والتي كانت تضم مصر وسوريا آنذاك.

حاول بعض قادة العهد الجمهوري الاشتراك في دولة الوحدة بين مصر وسوريا، إلا أن عبد الكريم قاسم انفرد بعد عام بالحكم مبعداً عبد السلام عارف من السلطة، ليحكم العراق طوال خمس سنوات حكمًا فرديًا مطلقًا. وكان مترددًا في سياسته، فأحيانًا يقرِّب إليه الشيوعيين ليضرب بهم القوميين، وأحيانًا أخرى ينقلب عليهم، كما كان مترددًا في سياسته مع الأكراد، حيث أعطاهم بعض الامتيازات التي قررتها الحركة عند قيامها عنما كان العمل جماعيا تنفيذا لمقررات الميثاق الوطني لتنظيم الضباط الوطنيين، ثم اصطدم بهم بعد ذلك بعد تفرده، مما أدى إلى قيام الثورة الكردية عام 1961.(1)

يعتقد بعض المؤرخون انه ومنذ الأيام الأولى للحركة التي اطاحت بالنظام الملكي بدأ يظهر التناقض الفكري بين عارف وقاسم وعمق ذلك سياسات كل من الطرفين غير المتحفظة تجاه الطرف الأخر والتي أدت إلى التنافس على زعامة الحركة فيما بينهما، حيث ما لبث ان حصل الخلاف بين عارف وقاسم بسبب تناقض انتماءات الطرفين وبسبب ما اعتبره عبد السلام عارف تفرد العميد عبد الكريم قاسم (2)

_____________

  • دران ودوة، تخطيط السياسة الخارجية، دراسة نظرية تحليلية، مجلة السياسة الدوليه، القاهرة، العدد 69 لسنة 1982، ص 67 .
  • ناصيف يوسف حتي، النظرية في العلاقات الدولية، بيروت، دار الكتاب العربي، 1985، ص 157 .

وكذلك بسبب بعض الأحداث المؤسفة في الموصل وكركوك التي كان مسؤولا عنها قاسم والمليشيات الشيوعية الملتفة حوله بسبب حركة العقيد عبد الوهاب الشواف الانقلابية وسلوكيات محكمة الثورة التي استهانت بالمتهمين واستغلت الحركة كذريعة لمحاكمة وتصفية خصوم قاسم من الاحرار والوطنيين مثل رشيد عالي الكيلاني باشا والعميد ناظم الطبقجلي وغيرهم. أدى هذا الخلاف الحاد إلى اعفاء عبد السلام عارف من مناصبه عام 1959، وابعد بتعينه سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية، وبعدها لفقت له تهمة محاولة قلب نظام الحكم، فحكم عليه بالإعدام ثم خفف إلى السجن المؤبد ثم بالاقامه الجبرية لعدم كفاية الادلة مما أدى إلى انتصار رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم في الجولة الأولى ضد خصمه العنيد بابعاده عن مسرح السياسة قابعاً تارةً في السجن ينتظر يوم اعدامه، ورازحاً تحت الإقامة الجبرية في منزله تارةً أخرى حتى يقضي الله امرا كان مفعولا.(1)

بعد نجاح الحركة مباشرةً اشترك قادتها في تولي المهام والمسؤوليات بدافع من المصلحة العامة لبناء العراق بعد تركة كبيرة من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والساسية التي ورثها العراق عن الحكم الملكي، وساهم الجميع وعلى قدم المساواة لبناء بلدهم بروح من الاخوية والزمالة التي امتشجت معها ساعات النضال المخمضة بدماء من سبقوهم، بالحماسة الثورية للشباب بالمهام و الآمال المعقودة لتحقيق تطلعاتهم التي طالما حلموا وحلم الشعب بها. (2)

__________

  • محمود شبيب، أسرار عراقية في وثائق إنكليزية وعربية وألمانية 1918-1941، بغداد: مطبعة سلمى، 1977، ص 129.
  • سعاد رؤوف شير محمد، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1945، مصدر سبق ذكره، ص 203.

ولكن وكما قيل لاتجري الرياح بما تشتهي السفن، بعد اختلاف قادتها وبروز العميد عبد الكريم قاسم كقائد أوحد في إدارة دفة سفينة الحكم، خبى إشعاع الحركة كثورة وبريقها الأول وخصوصا بعد سلسلة أخطاء غير محسوبة العواقب ارتكبها عبد الكريم قاسم. لقد بدلت الثورة معالم العراق بشكل جذري وغيرته من نظام قبلي إلى نظام معاصر، وقضت على نفوذ الإقطاع وجرت إصلاحات جذرية مثل سن قانون الإصلاح الزراعي رغم معارضة بعض الشرائح لأسلوب تنفيذه والذي نقل الفلاح من العبودية إلى التملك والقيام بحملات كبيرة في قطاع التعليم والصحة، وبناء الأحياء السكنية للفلاحين والكسبة.(1)

ولكن أسلوب قاسم في تفرده بالحكم بعدة أشهر معدودات من قيام الحركة واعلان الجمهورية، تمثل جليا من خلال ابعاده لزملائه اعضاء التنظيم والتيارات الوطنية الأخرى المشاركة في الحكم وخصوصا قادة التنظيم وشخوص الثورة وعلى وجه الخصوص عبد السلام عارف ورفعت الحاج سري ونجيب الربيعي وناجي طالب وناظم الطبقجلي وعبد الرحمن عارف وعبد الكريم الفرحان وصبحي عبد الحميد وعبد اللطيف الدراجي ورجب عبد المجيد وعبد الوهاب الشواف وعارف عبد الرزاق وصالح مهدي عماش وإبراهيم الداود وأحمد حسن البكر وحردان عبد الغفار، إضافة إلى الوزراء الذين ينتمون إلى تيارات وطنية مختلفة. وتطور الامر إلى تصفية منافسيه ومعارضيه من زملائه من الضباط الاحرار مثل محاولة إعدام عبد السلام عارف وتنفيذ احكام الإعدام بقادة التنظيم الاخرين من أمثال ناظم الطبقجلي(2).

______________

  • صبحي عبد الحميد. اسرار ثورة 14 تموز 1958 في العراق.الدار العربية للموسوعات. 1994،ص78
  • نفس المصدر،ص8

والعقيد رفعت الحاج سري والإجهاز على عبد الوهاب الشواف وهو جريح في المستشفى وإعدام مجموعته. وكان اخطر قرارات عبد الكريم قاسم والتي جعلت مصداقيته على المحك، هي اعتقال واصدار حكم الإعدام بالشخصية الوطنية رشيد عالي الكيلاني، وهو في سن الرابعة والثمانين.

اما خطواته اللاحقة كانت تتمثل في افساح المجال للشيوعيين بالسيطرة على الحياة العامة ومركز القرار. كان قاسم وأثناء الحكم الملكي يميل للتكتل مع خلية تنظيم الضباط الوطنيين من ذوي الميول الشيوعية ومن ذوى الانحدار الفلاحي . حيث كان ميال للسماع عن العقيدة الشيوعية ومعجبا بتجربة الاتحاد السوفيتي. والعديد من المؤرخين والسياسيين يلقون بمسؤولية مقتل الملك وافراد عائلته والطريقة التي تمت بها على كاهل هذه الخلية حيث لم يكن مخططا لها من قبل تنظيم الضباط الوطنيين بأن تكون دموية بذلك الشكل.(1) تحول عبد الكريم قاسم من زعيم للثورة إلى زعيم اوحد، وشيئا فشيئا تفرد بالسلطة حتى أصبح “دكتاتور” جمع بيده كل السلطات، فاستحوذ على مركز صناعة القرار وبدأ بجمع الصلاحيات بيده مجرداً اياها من زملاءه. فأصبح هو رئيس الوزراء ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة وكان يتباهى بذلك من خلال مقابلاته ووسائل اعلامه التي نعتته “بالزعيم الاوحد” وتصريحاته التي كان يكرر فيها عن أسلوبه في الحكم “بانني اعتبر العراق وحدة عسكرية والشعب هم جنودها”. وعند نجاح الحركة وقيام الجمهورية، حين كان العمل في القيادة جماعيا قبل تفرده بالسلطة سمحت وزارة الداخلية التي كان عبد السلام عارف وزيرا لها بتأسيس بعض الاحزاب مثل الحزب الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية، إلا أن عبد الكريم قاسم وبعد حصر الصلاحيات بيده ( 2)

_____________

  • .جلال النعيمي، حكام العراق.دار النهضة. 2001.ص88
  • عبد الرزاق أحمد النصيري، نوري السعيد ودوره في السياسة العراقية حتى عام 1932، بغداد: مكتبة اليقظة العربية, 1988, ص9.

المطلب الثاني : تعثر اداء الحكومة داخليا وخارجيا

لم يصغ عبد الكريم قاسم للعقلاء لا في وزارته أو من مقربيه ولا من خارج تشكيلة الحكومة بل استمر على نفس النهج الذي اتبعه وأهم الإجراءات التي اتخذها وزادت من عزلته هي:

  • لم يمنح مجلس السيادة الصلاحيات وأحاله إلى واجهة شكلية ليس بيدها لا سلطة تنفيذية ولا تشريعية.
  • وقف حائلاً امام انتخاب رئيس الجمهورية، وبقي المنصب معلقاً في عهده.
  • كما عطل تأسيس المجلس الوطني لقيادة الثورة كما كان متفقاً عليه في تنظيم الضباط الوطنيين “الأحرار”.(1)
  • وحل مجلسي النواب والأعيان للحكم الملكي، ولم يفسح المجال لانتخاب مجلس نواب جديد.اصدر أحكام إعدام وسجن لغرض التصفية السياسية بحق قيادات حركة / ثورة 1958 من زملاءه وأعضاء تنظيم الضباط الوطنيين.

شملت التصفيات اي شخصية وطنية يعلو صوتها على صوت عبد الكريم قاسم، فلفق التهم لبعضهم وزجهم بالسجون واعدم البعض الآخر مستغلا حركة عبد الوهاب الشواف الانقلابية كذريعة لهذه التصفيات، اما الذين قاموا فعليا بالحركة فقد تم قتلهم مباشرة بالقصف المباشر بالطائرات، والبعض الاخر احيلوا إلى المحكمة الخاصة “محكمة الشعب” حيث تم زج الكثيرين ممن ليس لهم علاقة بحركة الشواف. (2)

________________

  • محمد أنيس: الدولة العثمانية والشرق العربي 1514-1914 – مكتبة الأنجلو – القاهرة – بدون تاريخ.ص66
  • قدري قلعجي: الثورة العربية الكبرى – بيروت – الطبعة الأولى – 1993 م.ص23

وتعذيبهم ثم اعدامهم. ومن ابرز المعدومين العميد الركن ناظم الطبقجلي والعقيد رفعت الحاج سري الدين ومجموعة من رفاقهم، واصدار احكام الإعدام التي لم ينفذها

بسبب الضغوطات الشعبية بحق كل من الشخصية الوطنية رشيد عالي الكيلاني باشا والعقيد الركن عبد السلام عارف.(1)

  • وبدء يعمل على عسكرة الدولة من خلال السيطرة على الشركات والمؤسسات العامة بواسطة تعين ضباط من الجيش مدراء لها، وقد ركز اهتمامه على تقوية وتطوير المؤسسة العسكرية وأهمل تنمية القطاع الاقتصادي. حيث تميز شكل دولة العراق بالحكومة العسكرية التي طبقت الاحكان العرفية العسكرية على الشارع والحياة المدنية. فكان الحاكم الفعلي للعراق ليس مجلس الوزراء أو مجلس السيادة بل الجيش من جهة والشيوعيون من جهة ويتراسهم عبد الكريم قاسم.
  • ثم جاء تشكيل المحكمة العسكرية الخاصة العليا أو ما اشتهرت باسممحكمة المهداويالتي وصفت بكونها محكمة “هزيلة”، شكلت أساسا لمحاكمة اركان النظام الملكي وأيضا جيء بالكثير ممن ليس لهم علاقة بمركز القرار واعدم الكثيرين مجرد لانهم كانوا مسؤولين في النظام الملكي. يرى المعارضون لطريقة سير تلك المحكمة ان المحكمة وبسبب رئيسها المقدم فاضل عباس المهداوي وادعائها العام العقيد ماجد محمد امين كانت منبرا وواجهة اعلامية للحكومة واستخدمت فيها وسائل تعذيب واهانة الموقوفين وكثيرا ما كان رئيس واعضاء المحكمة ينحدرون بالسباب والشتائم وتلفيق التهم بالشبهة وأثناء البث المباشر على شاشات التلفزيون.(2)

________________

  • الثورة العربية الكبرى – قدري قلعجي – الطبعة الأولى – بيروت 1993.ص44
  • مذكراتي: نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية – توفيق السويدي – دار الكاتب العربي – بيروت 1969،ص677
  • كما أدى فسح عبد الكريم قاسم المجال للحزب الشيوعي ومليشياته بالعبث بامن الدولة والمواطنين وتمكينهم من المناصب الهامة في الوزارة والجيش ومستشارية للأخر يوم في نظام حكمه مثل العميد الطيار جلال الدين الاوقاتي الذي قتل صباح يوم الحركة وطه الشيخ مدير العمليات في وزارة الدفاع وفاضل المهداوي رئيس المحكمة الخاصة الذين اعدما معه. كما قامت المليشيات الشيوعية المسماة بالمقاومة الشعبية بارتكاب اعمل عنف مؤسفة كقتل وتعذيب معارضيهم وسحل الكثيرين بالشوارع وتعليقهم على اعمدة الكهرباء. والقيام بمداهمة واحتلال المنازل والمؤسسات الحكومية والمعسكرات والعبث بها بمساعدة العامة من الدهماء كما حدث من مجازر وتجاوزات على حقوق الإنسان في الموصل وكركوك. كما لعبوا بسياسة الدولة الداخلية والخارجية ومنعوا اي تقارب مع الدول العربية أو تحقيق اي وحدة عربية والتي كانت حلم الجماهير التي تعتبرها ضرورة للوقوف بوجة القوى الكبرى للنيل من الثورة.(1)
  • واجه قاسم انتقادات من المراجع الدينية المحافظة التي لم تكن مع بعض القرارات التي كانت تعتبر تغيرات جذرية سريعة نحو العلمانية في دولة لا تزال تتمسك بالعرف الديني والعشائري ومن أشهر هذه القرارات قانون الأحوال الشخصية الذي ضمن للمرأة حقوق واسعة بعيدة عن التشريع الإسلامي ومستوحاة من الفكر الماركسي وقانون الإصلاح الزراعي حيث انتزع الاراضي العقارية من مالكيها ووزعها على الفلاحين والمهاجرين والذي اصدرت المراجع الدينية الشيعية بضمنها الحوزات الدينية الشيعية والمراجع السنية بيانات شجبها ومنافاتها للشريعة الإسلامية.(2)

______________

  • ليث محمود المبيضين، الاحتلال الأمريكي للعراق من منظور الشرعية الدولية، ط1، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2012.ص88
  • د.محمد خليل الموسى، استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر، ط1، دار وائل للنشر، عمان، 2004.ص78

 

  • استغلاله لمنصبه بتولية المناصب الهامة لافراد عائلته واصدقائه واقاربه دون وازع من الكفائة أو المهنية حيث نصب ابن خالته المقدم فاضل عباس المهداوي بمنصب رئيس المحكمة العسكرية العليا الخاصة. كما ميز بعض افراد عائلته بمنح اشقائه وشقيقاته الدور السكنية الراقية مجانا مع كبار القادة العسكريين وجعل اخيه الكاسب المعدم المتنفذ الملقب ب “البرنس ” حامد قاسم مشرفا على توزيع اراضي الإصلاح الزراعي على الفلاحين والتي جمع منها اموالا طائلة أصبح على اثرها من الاثرياء حيث اقر بذلك بعد الإطاحة بحكومة قاسم أثناء محاكمته وسجن لمدة عامين وظهر بعد فترة من كبار تجار العراق “(1) رشح نفسه لرئاسة غرفة تجارة بغداد عام 1968”. لم يؤمم نفط العراق في ظروف مواتية بعد تعالي الصيحات المنادية بالتاميم وذلك بعد تاميم إيران “مصدق” للنفط ومصر “عبد الناصر” لقناة السويس. واكتفى كبديل بتبني اقتراح وزارة النفط باصدار القانون رقم 80 الذي فسح المجال للعراق باستكشاف حقول نفطية جديدة. ميوله الطائفية والعرقية بتفضيل طائفة على أخرى وقومية على أخرى حيث استغل قانون الإصلاح الزراعي وانتزع الاراضي العقارية من مالكيها ووزعها على الفلاحين والمهاجرين وذلك لانتماء اسرته لهذه الفئة. كما دعم المهاجرين الذين كانوا يعملون فلاحين لدى الإقطاع وساواهم بالفلاحين العرب العراقيين ووهبهم الاراضي الزراعية والدور السكنية ليضمن دعمهم له.(2)

 

  • د.احمد الرشيدي، العراق والشرعية الدولية: قراءة في دلالات وسياق القرار1441، مجلة السياسة الدولية، المجلد (38)، العدد (151)، السنة (39)، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 2003.ص78
  • ادم روبرتس، نهاية الاحتلال في العراق 2004، مجلة المستقبل العربي، العدد (307)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2004.ص8

المبحث الثالث : السياسه الخارجيه للعراق في العهد الجمهوري

  • المطلب الأول : سياسة العراق الخارجية مراجعة تاريخية

منــذ تاســيس الدولــة العراقيـــة فــي العقــد الثــاني مــن القــرن العشــرين واجهــت سياســـة العــراق الخارجيـة مشـكلات رافقتهـا طـوال مسـيرتها وحتـى الوقـت الـراهن ، بينمـا كانـت هنـاك مشـكلات مر حليــة ارتبطت بظروف داخلية معينة أو بيئة دولية متغيرة.

وكــان المظهـــر العـــام للسياســـة الخارجيـــة العراقيـــة هـــو انعـــدام التـــوازن بســـبب الانقلابـــات والتبـدلات والحـروب الكثيـرة وتعـرض العـراق للاحـتلال البريطـاني فـي مطلـع القـرن الماضـي والاحـتلال الاميركي مع مطلع القرن الاخير.فقــد أدى التــدخل البريطــاني إبـــان العهــد الملكــي الــى عـــدم و جــود سياســـة خارجيـــة عراقيـــة واضـحة أو معبـرة عـن مواقـف سـيادية مسـتقلة، لـذلك كـان التعامـل مـع دول العـالم يمـر فـي كثيـر مـن الاحيان عبر المنـدوب السـامي البريطـاني ومـن ثـم عبـر السـفير البريطـاني بعـد انتهـاء الانتـداب ودخـول العراق الى عصبة الامم عام 1932 .(1)وبعـد اعـلان النظـام الجمهـوري فـي العـراق فـي عـام ١٩٥٨ والتحـرر مـن السـيطرة البريطانيــة ومن ثم الخـروج مـن حلـف بغـداد والغـاء الاتفاقيـات المبرمـة مـع بريطانيـا والولايـات المتحـدة جـاء اعـلان الحيـاد بـين المعسـكرين الرأسـمالي والاشـتراكي اللـذين كانـا يقـودان السياسـة العالميــة إبـان الحـرب البـاردة ، والانضـمام الـى حركــة عـدم الانحياز، ليضـع العـراق أمـام اسـتحقاقات جديـدة فـي السياســة الخارجيــة، والتي عانت من صعوبات جمة بفعل تلك التغييرات.(2)

  • هروب نوري السعيد، فيصل حسن، 2005, دار الانتشار العربي سمعان بطرس: العلاقات السياسية الدولية في القرن العشرين ـ مكتبة الأنجلو المصرية- الطبعة الثانية – 1980 م.ص98
  • حكمت فريحات: السياسة الفرنسية تجاه الثورة العربية ـ دار الراتب الجامعية الأردن ـ بدون تاريخ.ص66

وقــد كانــت حصـــة العلاقــات العراقيــة مــع الــدول العربيـــة تتذبــذب بــين الســلب والايجــاب، وبسـياقات عكسـت حالــة التخـبط السياسـي وعـدم وضـوح فـي التوجهـات السياسـية، فعلـى سـبيل المثـال أعلـن عبـد الكـريم قاسـم عـن نيتـه ضـم الكويـت ممـا أثـار ردود فعـل عربيـة قـادت فيهـا جمهوريـة مصـر تيار المعارضة، ثم انضـواء عبـد السـلام عـارف مـدة رئاسـته للعـراق تحـت مظلـة مصـر فـي عهـد جمـال عبـد الناصـر فـي اطـار مشـروع الوحـدة الثلاثيـة، و الـدعم الواضـح للقضـية الفلسـطينية فـي عهـد عبـد الرحمن عارف(1) .

ولـم تكـن المر حلــة اللاحقــة لعـام ١٩٦٨ أفضـل حـالا حيـث عانـت السياســة الخارجيــة العراقيــة خاصــة و مرحلــة شـهدت أحـداثا اسـتثنائية تمثلـت بحـرب الثمـاني سـنوات ٕ مـع الجاره ايـران ومشـكلة دخـول القـوات العراقيــة للكويـت، ومـا رافقهـا وأعقبهـا مـن حصـار شـمل جميـع النشـاطات الخارجيـة، وكـذلك الحـرب التـي قادتهـا الولايـات المتحـدة فـي عـام ١٩٩١ تحـت ذريعـة حمايــة الشـرعية الدوليــة، ومـانجم عنهـا مـن دمـار شـمل جميــع نـواحي الحيـاة. وكانـت هـذه المرحلــة مـن تــاريخ العـراق الاكثـر تقييـدا لسياسـته الخارجيـة وسـاهمت دول الجـوار والـدول العربيــة والكثيـر مـن دول العـالم فـي عمليــة التقييـد تحـت ذريعــة الالتـزام بقــرارات الامـم المتحـدة. وممـا زاد مـن سـوء الاوضـاع ان العــالم كلـه عـانى فـي هـذه المرحلـة مـن تـداعيات سياسـية وعسـكرية بعـد انهيـار المعسـكر السـوفيتي وخروجــه مـن معادلــة التـوازن الـدولي وانفـراد الولايـات المتحـدة بموقـع الدولـة الأولـى ممـا طبـع العقـد الأخيـر مـن القرن العشرين بالكثير من الفوضى .(2)

  • هاني حسن عليوي: الاتجاهات الوحدوية في الفكر القومي العربي المشرقي – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – 2000 م.ص78
  • عمر عبد العزيز عمر: تاريخ المشرق العربي 1516-1922 – دار النهضة العربية – بيروت – بدون تاريخ.ص66

فـي تلـك المرحلــة أخـذ العــراق يعمـد الــى تصـريف سياســاته الخارجيــة بهــامش مبـدئي أقــل، بســبب التحجــيم الـــذي لحــق بإمكاناته، خاصـــة العســـكرية منهــا، وجعـــل قدرتـــه علـــى تنفيــذ خطابـــه وقد استمرت هـذه المرحلـة زمنـا طـويلا تغـذيها .     السياسي-الايديولوجي وطموحاته في أدنى مستوياتها تفـاعلات البيئــة الإقليمية وتضـييق الخنـاق المسـتمر علـى العـراق  (1)حتـى انتهـت بنهايــة النظـام والدولــة بـدخول قـوات الاحـتلال الأمريكي واعـادة صـياغة المعادلــة السياسـية فـي العـراق بكافــة تفاصـيلها ٕ كلهـا سياسيا وعسكريا واجتماعيا وثقافيا(2)

  • محمد السيد سليم، تحليل السياسة الخارجية، القاهرة مركز البحوث والدراسات السياسية، ١٩٨٩،ص١٤٤ .
  • علي عباس مراد، الأمن والسياسة الخارجية دراسة فـي التـأثيرات المتبادلـة، مجلـة قضـايا سياسـية، المجلـد الرابـع، العـدد الثالـث عشر ٢٠٠٨،كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، ص ٧٢

المطلب الثاني : حركة 8 فبراير/ شباط وسقوط نظام حكم عبد الكريم قاسم

تحالفت عدد من القوى السياسية والعسكرية كالتيارات المختلفة لحزب البعث وبعض التنظيمات والشخصيات القومية والمستقلة، مع بعض الشخصيات العسكرية من الاعضاء السابقين لتنظيم الضباط الوطنيين لحركة 14 يوليو / تموز 1958 والذين اعادوا تفعيل التنظيم مجددا وقيادات عسكرية أخرى من المعارضين لسياسة عبد الكريم قاسم. أختار قادة الحركة الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة 8 فبراير 1963 للانطلاق لكون يوم الجمعة يوم عطلة ويمكن تحرك القطعات بسهولة وصادف ذلك اليوم 14 رمضان. (1)توجهت إحدى القطعات المهاجمة إلى دار الإذاعة حيث سلمت القوة الخاصة بحمايتها للمهاجمين فبدأت الإذاعة تبث اناشيد ثورية ووطنية وبعد كل تقدم يحرزه ضباط الحركة يصدر بيان عن قادتها وعن التقدم في نيل اهدافها، في حين أغارت الطائرات باشراف العميد الطيار عارف عبد الرزاق واخرون محدثة اضرارا كبيرة في مبنى وزارة الدفاع وقد حاصرت الدبابات وقوات المشاة مع عدد غفير من المتطوعين من الجماهير مبنيى وزارة الدفاع والسراي الحكومي حيث هرب الكثير من وزراء ومناصري عبد الكريم قاسم وتواروا عن الانظار في حين طوقت وحدات من المشاة ولم تتحرك الفرق والوحدات العسكرية في ارجاء العراق لمناصرة نظام الحكم سوى مقاومة ضعيفة من الحامية العسكرية الخاصة بوزارة الدفاع ولم يبقى مع قاسم سوى بعض من كان في وزارة الدفاع(2)

  • عمر عبد العزيز عمر: تاريخ المشرق العربي 1516-1922 – دار النهضة العربية – بيروت – بدون تاريخ.ص6
  • هروب نوري السعيد، فيصل حسن، 2005, دار الانتشار العربي سمعان بطرس: العلاقات السياسية الدولية في القرن العشرين ـ مكتبة الأنجلو المصرية- الطبعة الثانية – 1980 م.ص88

ولم يتمكن من الانسحاب. وهم كل من العقيد فاضل عباس المهداوي ابن خالة قاسم ورئيس المحكمة الخاصة، والعميد طه الشيخ أحمد، مدير الحركات العسكرية، وقاسم الجنابي سكرتير عبد الكريم قاسم، والملازم كنعان حداد مرافق قاسم الشخصي.ومن المقاومين خارج وزارة الدفاع بعض مليشيات المقاومة الشعبية وكذلك العميد الطيار جلال الدين الاوقاتي قائد القوة الجوية وهو أحد قياديي الحزب الشيوعي العراقي ومسؤول كبير في مليشيا المقاومة الشعبية. والذي قتل بعد مداهمة مكتبه بعد اصدار بيانات لافراد القوة الجوية ذات صبغة البيانات الحزبية الشيوعية أكثر منها بيانات عسكرية. عند الساعة الواحدة والنصف من ظهر 9 شباط 1963 سلم عبد الكريم قاسم نفسه حيث اقتيد ورفاقه إلى ستديو التلفزيون.(1) وتشير الوثائق المحايدة بان عبد السلام عارف طلب من قيادة البعث مقابلة قاسم وتم له ذلك حيث دخل عارف في نقاش وعتب مع قاسم، حول تفردة بالسلطة وخروجة عن إجماع تنظيم الضباط الوطنيين، وعن تلفيق تهمة محاولة الانقلاب لعارف التي ادت إلى محاكمته ثم سجنه وتشير الوثائق أيضا بان عارف بعد هذا النقاش طلب من قيادة البعث عدم اعدام قاسم والاكتفاء بسجنه إلا أن طلبه قد رفض وكان لرفض طلبه، الاثر بزرع أولى لبنات الخلاف بين عارف وقيادة البعث التي تفاقمت بعد أحداث الحرس القومي التي قادها علي صالح السعدي والتي كانت السبب في قيام عارف بحركته التي سماها التصحيحية في 18 نوفمبر / تشرين عام 1963.(2)

  • توفيق السويدي، مذكراتي: نصف قرن من تاريخ العراق والقضية العربية، بيروت: دار الكاتب العربي، 1969، ص 320-321.
  • أحمد الشقيري، 40 عاماً في الحياة العربية والدولية، بيروت، دار النهار، 1969، ص 190-191.

بعد ذلك تم اصدار بيان عاجل بتشكيل محكمة خاصة وعاجلة برأسة عبد الغني الراوي، لمحاكمة عبد الكريم قاسم واركان حكمه وبعد تلاوة لائحة الاتهام قام المهداوي بمهمة الدفاع التي لم يتمكم من اكمالها بسبب وضعه النفسي، وبعد طلب القاضي للاستراحة ومداولة الحكم، خرج رئيس المحكمة ومساعدية في غرفة صغيرة مجاورة وطلبوا من الجميع الخروج من قاعة المحكمة للتداول في الحكم، عدا المتهمين والحرس، حيث خرج الجميع من قياديين وسياسيين(1)

وشخصيات عسكرية إلى الصالة الكبرى، انتدب القاضي عبد الغني الراوي، اللواء أحمد حسن البكر لمداولة القرار الذي اتخذته المحكمة وهو اما الإعدام أو السجن المؤبد أو النفي خارج العراق، دخل البكر إلى الصالة طالبا من الحضور مداولة القرار، وبعد تلاوته رددت جمهرة من تيار علي صالح السعدي المتشدد لحزب البعث هتافات بتاييد حكم الإعدام في حين رددت اصوات أخرى ضعيفة طلب السجن المؤبد، وبعد التصديق على القرار من قبل طالبي حكم الإعدام، خرج المعارضون له من مبنى التلفزيون وهم كل من عبد السلام عارف وصبحي عبد الحميد ثم تلاهم حازم جواد وبعض الشخصيات السياسية والعسكرية الأخرى تباعا قبل تنفيذ الحكم. وتم تلاوة قرار الحكم بالإعدام على المتهمين، وقد رفضوا عصب اعينهم حيث تم تنفيذ الحكم من قبل ثلة الحرس المتواجدة في قاعة المحكمة وهي إحدى قاعات الاستوديو. وبعد جدل من قبل قادة الحركة الباقين في المبنى حول عرض صورة رئيس الوزراء من خلال شاشة التلفزيون اتفقوا على عرضها بغية قطع الشك باليقين حول مصيره ومصير اركان حكمه امام الجماهير المترقبة للتطور المتسارع للأحداث. وبهاذا تكون قد انطوت صفحة من صفحات حركة 14 يوليو / تموز 1958(2)

______________

  • حكمت فريحات: السياسة الفرنسية تجاه الثورة العربية ـ دار الراتب الجامعية الأردن ـ بدون تاريخ.ص24
  • أمين سعيد: الثورة العربية الكبرى ـ مكتبة مدبولي ـ القاهرة. • مجموعة مؤلفين: دراسات تاريخية في النهضة العربية الحديثة ـ دار اقرأ ـ بيروت ـ الطبعة الثانية 1984.ص66

الخاتمة والاستنتاجات :

لسياسة الخارجية مصطلح سياسي يعني كل ما يتعلق بعلاقات الدولة الخارجية، الدبلوماسية مع البلدان الأخرى، سواءً كانت مجاورة أو غير مجاورة. وفي أغلب البلدان والأمم تهتم وزارة الخارجية بتنظيم هذه السياسة.هي احدى فعاليات الدولة التي تعمل من خلالها لتنفيد اهدافها في المجتمع الدولي وتعتبر الدولة الوحدة الاساسية في المجتمع الدولي وهي المؤهلة لممارسة السياسة الخارجية بما تملكه من سيادة وإمكانية مادية وعسكرية يعرفها بلاندوا ولتون أنها منهج تخطيط للعمل يطوره صانعي القرار في الدولة تجاه الدول أو الوحدات الدولية الأخرى بهدف تحقيق اهداف محددة في اطار المصلحة الوطنية وهناك خمسة عوامل محددة للسياسة الخارجية قي أي دولة وهما الموقع الجغرافى وعدد السكان والموارد الطبيعية والقوة العسكرية والمعنوية وأخيرا النظام الداخلى للدولة.

سياست الخارجية هي ( مجموعة الاعمال التي يقوم بها جهاز متخصص لدولة لتسيير علاقاتها مع دول أخري أو أطراف دولية أخري) ويقصر ها البعض علي علاقاتها السياسية بين الدول .ونستنتج من ذلك هي جزء من السياسة العامة لهذه الدولة أو الشكل الذي تسير به دولة علاقاتها مع دول أخري ، فدراسة السياسة الخارجية تقتصر علي ظاهر القرار سياسي للدول الخاص بعلاقاتها الخارجية وتعاونها الدولي دون أن تشمل علاقات الدولية بكاملها صناعة السياسة الخارجية يقصد بصنع السياسة الخارجية تحويل الهدف العام للدولة إلى قرار محدد. و السياسة الخارجية للدولة هي من صنع أفراد وجماعات يمثلون الدولة ويعرفون بصناع القرارات. لذا فصناعة قرارات السياسة الخارجية يمكن أن تدرس في ضوء التفاعل بين متخذي أو صناع القرارات وبيئتهم الداخلية.

المصادر :

  1. أبو عامر علاء ،الوظيفة الدبلوماسية.عمان:دار الشروق للنشر والتوزيع،2001،ص58
  2. بالمر جيلين ،كليفتون مورجان،نظرية السياسة الخارجية .(تر:عبد السلام علي النوير ).الرياض:النشر العلمي والمطابع _جامعة الملك سعود،2011،ص89
  3. ونسن لويد ،تفسير السياسة الخارجية .(تر:محمد بن احمد مفتي،محمد السيد سليم).الرياض:عمادة شئوون المكتبات جامعة الملك سعود.1989،ص679
  4. حقي توفيق سعد ،مبادئ العلاقات الدولية .عمان:دار وائل للنشر،2006. ط3،ص89
  5. لسيد سليم محمد ،تحليل السياسة الخارجية.القاهرة:مكتبة النهضة المصرية، 1997. ط2،ص678
  6. عبيد الله مصباح زايد ، السياسة الخارجية .طرابلس:دار التالة ،1999.ط2،ص57
  7. رانكل جوزيف ،العلاقات الدلية .(تر:غازي عبد الرحمان العتيبي.جدة :مطبوعات تهامة، 1984.ط2
  8. ليتل ريتشارد ،توازن القوى في العلاقات الدولية:الاستعارات والاساطير والنماذج.(تر:هاني
  9. محمد فهمي عبد القادر.المدخل الى الاستراتيجية .عمان :دار مجدلاوي،2006،ص68
  10. مصباح عامر ،الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدولية.الجزائر:ديوان المطبوعات الجامعية،2006،ص78
  11. النعيمي احمد ،السياسة الخارجية .عمان:دار زهران للنشر والتوزيع،2009،ص68
  12. يوسف حتي ناصيف ،النظرية في العلاقات الدولية.بيروت:دار الكتاب العربي،1985،ص78
  13. محمد السيد سليم،تحليل السياسة الخارجية.القاهرة:مكتبة النهضة المصرية، 1997. ط2 ،ص07
  14. وعد حقي توفيق،مبادئ العلاقات الدولية .عمان:دار وائل للنشر،2006. ط3 ،ص15
  15. لاء أبو عامر،الوظيفة الدبلوماسية.عمان:دار الشروق للنشر والتوزيع،2001،ص34
  16. _ سعد حقي توفيق،مرجع سابق،ص ص12،13
  17. جوزيف فرانكل ،العلاقات الدلية .(تر:غازي عبد الرحمان العتيبي.جدة :مطبوعات تهامة، 1984.ط2،ص41
  18. عامر مصباح ،الاتجاهات النظرية في تحليل العلاقات الدولية.بن عكنون:ديوان المطبوعات الجامعية،2006،ص354
  19. زايد عبيد الله  مصباح ، السياسة الخارجية .طرابلس:دار التالة ،1999.ط2،ص129
  20. عبد القادر محمد فهمي .المدخل الى الاستراتيجية .عمان :دار مجدلاوي،2006،ص60
  21. ويد جونسن ،تفسير السياسة الخارجية .(تر:محمد بن احمد مفتي،محمد السيد سليم).الرياض:عمادة شئوون المكتبات جامعة الملك سعود،1989،ص26
  22. عامر مصباح،المقاربات النظرية في تحليل السياسة الخارجية.بن عكنون:ديوان المطبوعات الجامعية،2008،ص215
  23. ريتشارد ليتل ،توازن القوى في العلاقات الدولية:الاستعارات والاساطير والنماذج.(تر:هاني تابري).بيروت:دار الكتاب العربي،2007 ،ص131
  24. د.احمد الرشيدي، العراق والشرعية الدولية: قراءة في دلالات وسياق القرار1441، مجلة السياسة الدولية، المجلد (38)، العدد (151)، السنة (39)، مؤسسة الأهرام، القاهرة، 2003.ص78
  25. ادم روبرتس، نهاية الاحتلال في العراق 2004، مجلة المستقبل العربي، العدد (307)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2004.ص8
  26. ليث محمود المبيضين، الاحتلال الأمريكي للعراق من منظور الشرعية الدولية، ط1، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2012.ص88
  27. د.محمد خليل الموسى، استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر، ط1، دار وائل للنشر، عمان، 2004.ص78
  28. سعيد الصديقي، صنع السياسة الخارجية المغربية، أطروحه دكتوراه (غير منشوره )، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، 2010، ص 4
  29.  مصطفى القباج، تقديم لكتاب : الدبلوماسية المغربية ورهانات المستقبل، منشورات النادي الدبلوماسي المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2007، ص 29 ؛ ورقة الموقف الموسعة للسفارة العراقية في الرباط الى وزارة الخارجية، بغداد 2015، ص 16 .
  30. دران ودوة، تخطيط السياسة الخارجية، دراسة نظرية تحليلية، مجلة السياسة الدوليه، القاهرة، العدد 69 لسنة 1982، ص 67 .
  31. ناصيف يوسف حتي، النظرية في العلاقات الدولية، بيروت، دار الكتاب العربي، 1985، ص 157 .
  32. باسيل يوسف بجك، العراق وتطبيقات الأمم المتحدة للقانون الدولي (1990-2005)، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2006.ص567
  33. جيف سيمونز، استهداف العراق العقوبات والغارات في السياسة الأمريكية، ط1، ترجمة ونشر مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2003.ص89
  34. د. حسين حافظ وهيب، مقال بعنوان العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية العراقية، دراسات دولية، جامعة بغداد، 2010 العدد الرابع والأربعون
  35. أبو الخير احمد عطية عمر، نظرية الضربات العسكرية الاستباقية (الدفاع الوقائي) في ضوء قواعد القانون الدولي المعاصر، دار النهضة العربية، القاهرة، 2005.ص68
  36. .احمد عبد الله علي أبو العلا، تطور دور مجلس الأمن في حفظ الأمن والسلم الدوليين، دار الكتب القانونية، مصر، 2005.ص89
  37. محمد طه بدوي، أصول علم السياسة (الإسكندرية: المكتب المصري الحديث للطباعة والنشر، 1967)، ص 29.
  38. عبد المنعم المشاط، “الإطار النظري للأمن القومي العربي” في د. عبد المنعم المشاط (محرر)، الأمن القومي العربي: أبعاده ومتطلباته (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 1993)، ص ص 14-17
  39. محمد نصر مهنا، الجغرافيا السياسية والسياسة الجغرافية، (أسيوط: جامعة أسيوط، كلية التجارة، 2007)، ص ص 79 – 87.
  40. ثروت بدوي، النظم السياسية (القاهرة: دار النهضة العربية، 1975)، ص 201.
  41. بهاء عدنان يحيى الحسني, الاهمية الاستراتيجية للعراق في المدرك الاستراتيجي الأمريكي (دراسة مستقبلية ), رسالة ماجستير غير منشورة, قسم الاستراتيجية, كلية العلوم السياسية, جامعة النهرين,2005 ,ص65
  42.          شيماء عادل القره غولي , أثر المتغير الايراني في العلاقات العراقية –التركية مرحلة ما بعد الحرب الباردة, المصدر السابق, ص70
  43. رأي هليل فريش المحاضر الأقدم في قسم العلوم السياسية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية، في حلقة نقاشية (بعد حرب العراق)، المستقبل العربي، بيروت، العدد(294)،2003،ص123
  44. شيماء عادل القره غولي, أثر المتغير الايراني في العلاقات العراقية –التركية مرحلة ما بعد الحرب الباردة, رسالة دكتوراه غير منشورة, كلية العلوم السياسية , جامعة النهرين ,بغداد 2006, ص64
  45. رأي هليل فريش المحاضر الأقدم في قسم العلوم السياسية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية، في حلقة نقاشية (بعد حرب العراق)، المستقبل العربي، بيروت، العدد(294)،2003، ص123
  46. جورج فريدمان، مستقبل العراق، البحث عن توازن تجاه ايران، المستقبل العربي، العدد (314)، بيروت، 2005، ص87
  47. مر خولي, الاصلاح الداخلي في تركيا, دراسات وأوراق بحثية, الدوحة, مركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, 2011,ص3.
  48. العلاقات العراقية التركية: امكانية التقارب في اقليم متحول, صحيفة العراق الاكترونية, 2013.ص8
  49. حسين الاسدي في حوار مع البينة: الدبلوماسية العراقية ضعيفة ولا تؤدي دورها, جريدة البينة, 2014.ص45
  50.          لشوان زولال, استراتيجيات البقاء: الأدوات الدبلوماسية للسياسة الخارجية لإقليم كردستان العراق, عرض: شادي عبد الوهاب, مركز بغداد للدراسات والاستشارات والاعلام, مجلة Insight Turke, العدد3, 2012.ص87

[1]  أبو عامر علاء ،الوظيفة الدبلوماسية.عمان:دار الشروق للنشر والتوزيع،2001،ص58

[2]  – بالمر جيلين ،كليفتون مورجان،نظرية السياسة الخارجية .(تر:عبد السلام علي النوير ).الرياض:النشر العلمي والمطابع _جامعة الملك سعود،2011،ص89

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى