الدراسات البحثيةالمتخصصة

الهوية الوطنية العراقية بعد عام 2003 طبق النظرية البنائية

اعداد :  عبدا لله علي إبراهيم    – أشراف : د. محمد الغريفي   – جامعة المصطفى العالمية – كلية العلوم و المعارف –  قسم العلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة :

يمكن القول بداية أن النظرية البنائية هي إحدى النظريات الأساسية في علم الاجتماع غير أنها ومع نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين دخلت مجال العلاقات الدولية وأصبحت أحد أهم النظريات فيها، وقد برزت خلال تلك الفترة العديد من الكتابات مثل كتابات الكسندر وندت ونيكولاس ونوف وفريدريك كروتشويل التي أسهمت الى حد كبير في وضع الأسس لهذه النظرية.([1])

وبعد كتاب الكسندر وندت النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية والذي صدر عام ١٩٩٩ أحد أهم ركائز النظرية البنائية حيث حاول في هذا الكتاب تقديم نسق بنائي جديد يرفض القواعد والمنطلقات الفكرية العقلانية للنظرية الواقعية الجديدة ويقدم بدلا من ذلك وجهة نظر اجتماعية لفهم قضايا السياسة الدولية ودراسة مخرجاتها.([2])

وتركز النظرية البنائية على دور الأفكار والقيم والثقافة في تشكيل العلاقات الدولية، وتتناول بالتحليل قضايا الهويات والمصالح والافضليات والمثل، كما أن النظرية البنائية تفسر خلافها مع النظريات الأخرى ليس حول مدى أهمية القوة ودورها في السياسة العالمية، وإنما حول كيفية تفسير أنماط القوة وإشكال استمراريتها، هل انه يتم بالاعتماد فقط على الاعتبارات المادية، أم يتحقق ذلك بإدراج الجوانب الثقافية كذلك، كما تطرح النظرية البنائية العديد من الأسئلة مثل كيف تشكلت هوية الدولـة؟ وكيـف يعرف مواطنو الدولة أنفسهم؟ وكيف تؤثر البيئة في سلوك الفاعلين وفي مكنوناتهم من هويات ومصالح ومقدرات؟ وكيـف تؤثر المثل والثقافة والهويات في سياسات الدولة؟ مثل سياسة الأمن القومي وغيرها.([3])

كما أن من أهم ما يميز النظرية البنائية عن نظريات العلاقات الدولية الأخرى هي أنها لا تهتم بوصف العلاقات الدولية أو بالدفاع عن المواقف الإيديولوجية بقدر اهتمامها بالكيفية، التي يتم بها بناء أو إنشاء العلاقات الدولية.

  1. خالد المصري. النظرية البنائية في العلاقات الدولية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، دمشق، المجلد (۳)، العدد (۲)، ٢٠١٤.
  2. عبدا لله بن جبر العتيبي. النظرية في العلاقات الدولية بين المدرسة الواقعية الجديدة والمدرسة البنائية، مجلة شؤون اجتماعية، جامعة الملك سعود، الرياض، العدد (۱۸)، شتاء ۲۰۱۰.
  3. حسن الحاج علي احمد. العالم المصنوع، دراسة البناء الاجتماعي للسياسة العالمية، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد (۳۳)، العدد (4)، ابريل ٢٠٠٥، ص ١٦٥.

المبحث الأول: تعريف النظرية البنائية

تعد النظرية البنائية (الاجتماعية) من اهم نظريات العلاقات الدولية وهي على الـرغم مـن حـداثتها نسبياً مقارنـة بالواقعيـة والليبراليـة. ألا أنهـا بأفكارهـا وأطروحاتها استطاعت أن توازي النظريات التقليدية الكبرى في العلاقات الدولية وسيتم في هذا المبحث التعرف على النظرية البنائية وتطورها فضلا عن أهم أقسامها وتصنيفاتها.

تعريف الهوية حسب النظرية البنائية

مفهوم الهوية من المفاهيم المحورية عند أنصار البنائية وقد جاء المصطلح في علم النفس الاجتماعي حيث يشير الى إشكال من الفرديـة والتميز الأنا التـي يحملهـا ويعكسها الفاعل، والتي تتشكل ويجري تعديلها عبر العلاقات مع الآخرين وللهوية شكلان احدهما أصيل أو أصلي والثاني يتم تحديده وفقاً للعلاقة مع الآخرين وعلى سبيل المثال فإن كون الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة ديمقراطية فهذه هوية أصلية نسبياً للنظام العالمي الموجودة فيه، وكونها ذات سيادة فهذه هوية تحددها علاقتها مع الآخرين.

كما يربط البنائيين بين الهويات والمصالح وهذا بالرغم من أنهم يرون أن الهويات لا يمكن اختزالها بالمصالح لأن الهويات تشير الى من هم الفاعلين، أما المصالح فتشير الى رغبة الفاعلين وماذا يريدون كما أن الهويات سابقة على المصالح، غير أنهم ومن جهة ثانية يؤمنون بأن الهويات وحدها لا تفسر الأفعال وهذا يعني ان الهويات من دون المصالح تفتقد الى الرغبة الدافعة كما أن المصالح من دون الهويات تفتقد الى الوجهة والطريق وعلى سبيل المثال فإن الاعتقاد بأن دور الدولة الأساسي هو البحث عن الأمن بما يحقق المصلحة الوطنية.

يساعد الدولة على تشكيل هويتها بوصفها لاعباً وطنياً واحداً عقلانياً وعلى بناء مصلحتها (الوطنية) في سعيها لتعزيز قوتها العسكرية والاقتصادية لتضمن الأمن والبقاء هذه الحجة يلخصها الكسندر وندت عندما يقول أن الهويات ليست ثابتة بل أنها تعرف بعلاقتها بهويات ومصالح لاعبين آخرين كما يرى وندت انه من المبالغة الاعتقاد أن الدول لديها هويات ومصالح سابقة لعملية التفاعل، فلا يوجد ما يسمى بمعضلة أمنية تلقائية للدول، وأن المصالح والهويات تنتج من التفاعلات الاجتماعية.

المبحث الثاني : التحديات الداخلية لبناء الدولة العراقية بعد عام  2003   

يواجه النظام السياسي العراقي الوليد وهو يمر بمرحلة الانتقال الى مرحلة التحول الديمقراطي في عملية بناء الدولة أزمات وتحديات عديدة نتجت عن انهيار دولة شمولية قامت على الاستبداد، لتحل محلها دولة  غير واضحة التشكيل يسودها عدم الاستقرار، وانتظمت سلطتها في كيان سياسي تضعضع تعاني معظم القوى السياسية المعاصرة الفاعلة فيه من غياب الرؤية الواضحة لمفهوم الدولة.

ومن قصور في إدراك أهمية بناء الداخل القوي المتماسك الذي يمثل العمق الاستراتيجي للدولة وركيزة وجودها وديمومة بقائها وهو المجتمع، واستغلت هذه القوى تخلف وضعف بنى المؤسسات السياسية العراقية حديثة النشأة، وسيادة الروابط والقيم التقليدية، والولاء آت الفرعية الضيقة ووظفتها في صراعها من اجل الهيمنة على السلطة، ويمكن تلمس ذلك في سلوك النخب السياسية الساعية للاستيلاء على السلطة وليس المشاركة فيها من خلال المحاصصة والسياسات الطائفية والعرقية العصبية والمنطقية.

وتأسست العملية السياسية على قاعدة المحاصصة والمكون الاجتماعي الديني الطائفي والعرقي ولاثني بدءاً من مجلس الحكم الانتقالي الذي تم تشكيله على أساس تمثيل هذه المكونات، وحكمت الانقسامات والولاء آتوا الانتماءات الفرعية، سلوك وتوجهات الكتل والأحزاب السياسية، والحكومة والبرلمان وكافة مؤسسات الدولة بشكل أثر سلباً على بناء الدولة ووضع العملية برمتها في مواجهة تحديات سياسية وتشريعية، وأمنية فضلاً عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تنخر كيان الدولة من الداخل وتعرضها للتداعي والانهيار.

المحاصصة سلوك اجتماعي ــ سياسي وتتحكم بهذا السلوك وتؤثر فيه عوامل نفسية وثقافية وحضارية تتفاعل في البيئة الاجتماعية وتحدد التوجهات للإفراد والجماعات على حد سواء([1])، والسلوك السياسي هو نشاط وفعالية يمارسها الفرد، او مجموعة إفراد يشغلون مواقع يؤدون من خلالها أدوارا سياسية معينة تعطيهم القدرة على التأثير في تنظيم وتوجيه الحياة السياسية في المجتمع، وتحديد مراكز القوى فيه .

1) ) صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي: أسسه وإبعاده، مطبعة جامعة الموصل، 1986، ص383-389

وتنظيم العلاقات السياسية بين القيادة والجماهير، والتحكم بالسلوك الانتخابي الذي تؤثر فيه الثقافة السياسية للفرد، واعتبارات الانتماءات الدينية والطائفية والعرقية والعشائرية خاصة في بلدان العالم غير المتقدم التي لا يملك الإفراد فيها الحرية الكاملة في توجهاتهم السياسية، لارتباط ذلك التوجه بالعوامل المشار إليها آنفا والتي تدفعهم في اتجاه معين([2]).

والمحاصصة تحدي مركب تواجهه عملية بناء الدولة العراقية بعد عام 2003، فهي عامل تفتيت للمجتمع وتعميق لأزمة الهوية فيه، كما تشوه المحاصصة العملية السياسية وتضعف الدولة ونظامها السياسي، وتلحق الضرر ببني الأحزاب السياسية وتعطل دورها المنشود في بناء الديمقراطية.

تفتيت المجتمع العراقي وتعميق أزمة هويته الوطنية

واجهت الدولة العراقية منذ نشأتها عام 1921 تحديا سياسيا ــ اجتماعيا تمثل بالتعارض بين نظامين اجتماعيين وثقافتين مختلفتين: نظام الدولة المعاصرة الناشئة وقيمها ومجتمعها ألمديني، والمجتمع العراقي ألتعددي وقيمه التقليدية وولاء آته الفرعية، والذي لم تكن مفاهيم السلطة والانتماء الوطني، والهوية الوطنية، مألوفة ومعروفة لديه.

لذلك اصطدمت فكرة الدولة بالتوجهات السائدة في المجتمع العراقي الذي لا تنسجم الولايات الفرعية السائدة فيه مع مفهوم الولاء للدولة وكان من الواجب على بناة الدولة العمل على خلق ولاء جديد يسمو على الولاء آت الفرعية دون إنكارها ووضع توصيف للهوية الوطنية التي تضم وتطر الهويات الفرعية، إذ ان البنية الاجتماعية العراقية نشأت نتيجة لتمازج وتفاعل جماعات متعددة مختلفة تضم العرب والأكراد والتركماني وهم في غالبيتهم مسلمون لكنهم منقسمون حتى ضمن القومية الواحدة مابين شيعة وسنة.

2)  ) شمران حمادي، الأحزاب السياسية والنظم الحزبية، مطبعة دار السلام، بغداد، 1972، ص155

فضلاً عن وجود المسيحيين والصابئة واليزيدين وجماعات أثنية أخرى، وقد تعاملت هذه المجموعات مع بعضها اجتماعياً واقتصادياً عبر التاريخ دون أن يؤدي ذلك الى محو الفروقات الاجتماعية، او التقارب وخلق مشتركات بين ثقافاتها([3]).

وقد بذل الملك فيصل الأول جهده لصياغة هوية وطنية عراقية وسعى للتوفيق بين الفئات المختلفة للمجتمع، إدراكا منه لحاجته الى دعم كل مكونات المجتمع في عملية بناء الدولة الوطنية العراقية.

وقد طور أسلوبا للتعامل مع الجميع وخلق الروابط والصلات معهم بشكل لم يستطع أي حاكم تولى السلطة بعده من تحقيقه وكان يعمل على خلق الشعور لدى مكونات المجتمع بوجود ترابط ومصالح مشتركة بين الدولة والمجتمع بكل مكوناته كشرط أساسي لتحقيق الاستقلال وإكمال عملية بناء الدولة لإيمانه بأهمية وضرورة مشاركة كل الفئات الاجتماعية في تكوين الهوية الوطنية العراقية.

اذ لم يكن المفهوم المعاصر للمواطنة واضحا لدى إفراد المجتمع، ويتطلب ترسيخ هذا المفهوم القائم على نقل نمط الولاء آت التقليدية الى ولاء جديد يسمو عليها والاقتناع به سياسة تربوية وتنشئة تستلزم جهودا كبيرة وزمناً ليس بالقصير، فالهوية الوطنية تضع القواعد والأسس التي تبنى عليها الحياة السياسية المستقرة، وهي فكرة تحدد السمات العامة لشعب الدولة وتغرس في عقول إفراده شعوراً بالانتماء لوطن واحد يضم الجميع في إطار تماسك اجتماعي ووحدة سياسية للأمة المتعددة الانتماءات العرقية والدينية والطائفية.

ولهذه الهوية السمو على كل الولاء آت التقليدية، لأنها تتضمن صياغة مشتركات تجمع بين مجمل ثقافات المكونات الاجتماعية بشكل يحقق انسجامها لخلق ثقافة للجماعة الوطنية تقوم على الانتماء المرتبط بوجود الإنسان ولا يمكن تصورها إلا في التعددية([4])، إلا أن وفاة الملك فيصل الأول تركت فراغا سياسيا في مرحلة حاسمة من مراحل بناء الدولة وقد غيرت المجرى السياسي في تاريخ العراق المعاصر، لقصر عمر الدولة الحديثة التكوين التي لا تملك جذورا تاريخية موحدة لمكونات مجتمعها، ولم تنجح الدولة في تحديد ملامح هوية وطنية عراقية تصبح اداة سياسية توفر الاطار الاجتماعي ــ الثقافي لبناء مجتمع تعددي([5])..

(3) ليورالوكيتز، العراق والبحث عن الهوية الوطنية، مصدر سبق ذكره، ص87-108.

  • المصدر نفسه، ص113-114.
  • المصدر نفسه، ص115

لقد تم بناء الدولة ومؤسساتها عام 1921 بالاعتماد على الضباط الشريفين الذين شاركوا في الثورة العربية عام 1916 ضد الحكم العثماني والتي كان شعارها إقامة دولة واحدة تضم الوطن العربي كله، لذلك احتلت مسألة الوحدة العربية والهوية القومية أهمية وأولوية وعلى حساب بناء وتعزيز الهوية الوطنية العراقية وسادت نفس النظرة خلال العهد الملكي والعهود الجمهورية وأشارت الدساتير التي أصدرتها كل أنظمة الحكم خلال الفترة          1921 ــ 2003 الى عمل العراق من اجل تحقيق الوحدة العربية الشاملة، وانه جزء من الوطن العربي الكبير([6]).

وكان إمام الدولة خيارين: الخيار الأول هو هوية العراق المبنية على أساس الانتماء القومي للوطن العربي، والخيار الثاني الهوية الوطنية على أساس الانتماء القطري للإقليم الجغرافي للدولة العراقية، ولم تكن الهوية المبنية على الأساس القومي ووحدة الأمة العربية تنسجم مع الواقع العراقي المتسم بالتعددية القومية والدينية والأثنية.

بينما كان مفهوم الهوية الوطنية المبنية على الأساس القطري الجغرافي الذي يعني الاعتراف بالتعددية القومية والدينية والأثنية والثقافية أكثر ملائمة للواقع العراقي لبناء الدولة ـ الأمة، وكان هذا النمط من الهوية بعيداً عن تفكير الساسة العراقيين الذين ارتبطت الوطنية لديهم بالقومية العربية ودولتها الواحدة التي تتجاوز حدود الدولة العراقية لتشمل الوطن العربي كله.

ويختلف هذا المفهوم للوطنية عن مفهومها لدى القوميات غير العربية في العراق، ويتطلب واقع البلد إيجاد وخلق هوية وطنية عراقية تؤطر وتضم مكونات المجتمع وثقافاتها وتجمعها في هوية وطنية مبنية في جوهرها على أساس الانتماء للإقليم الجغرافي للدولة العراقية([7])، وقد عانت الدولة العراقية منذ نشأتها من النظرة القومية غير الواقعية التي رأت للدولة دورا رائدا لتوحيد الأمة العربية في كيان سياسي واحد، وادي ذلك الى ظهور اتجاه قسري لبناء الهوية الوطنية العروبية.

في حين يفترض في الهوية الوطنية ان تكون جامعة للمكونات الاجتماعية للبلد اولاً، وان تقوم على وعي يسمو على الوعي بالانتماءات الفرعية لصالح الانتماء للوطن، اذ لايمكن تجاوز هذه الانتماءات سعيا لبناء انتماء اكبر، لذلك اقترن معنى الوحدة الوطنية بالدمج ألقسري للجماعات المختلفة في الدولة الوطنية.

(00) رعد الجدة، التشريعات الدستورية في العراق، بيت الحكمة، بغداد، 1998، ص134.

(7)ليورالوكيتز، مصدر سبق ذكره، ص114-115

وقاد ذلك الى المساس بحقوق وحريات المكونات غير العربية من أجل شعارات عاطفية غير واقعية عن الوحدة العربية وكانت النتيجة وجود الوطن وعدم وجود المواطن([8])، وأدت هذه الإشكاليات الى عدم تحديد ملامح الهوية الوطنية العراقية وعدم وضوحها اذ يتداخل فيها البعد العراقي مع البعد القومي العربي.

ولم يكن هنالك مكان للهويات المحلية القومية والدينية والطائفية والاثنية التي لم تؤخذ خصوصياتها الثقافية بنظر الاعتبار([9])، ويحفز تركيز احد مكونات المجتمع على انتمائه وهويته القومية المكونات المختلفة الاخرى ويدفعها للتمسك بانتمائها القومي تحت ضغط شعورها بتهديد يمس  انتمائها القومي وخصوصياتها الثقافية،.

فتصبح الهوية الفرعية أكثر قوة وحضوراً من الهوية الوطنية لدى مكونات المجتمع الاخرى([10])، ويتلاشى مبدأ المواطنة الذي يعني غيابه عدم الاعتراف بالأخر المختلف، ويتراجع استيعاب المكونات الاجتماعية في مؤسسات الدولة وتنعدم بذلك المشاركة ثم الاندماج بسبب فقدان القيم المشتركة.

او بسبب تعارض القيم، وبغياب القيم المشتركة تفقد الدولة قدرتها على التجدر في المجتمع، وينعدم التناهي بين الأخير وبين الدولة، وتعجز سياسات القسر عن تحقيق الاندماج الوطني لأنها تفضي الى تمسك المكونات غير العربية للمجتمع العراقي بإنتماءآتها وهوياتها وقيمها المبنية على حقائق الجغرافيا والتاريخ والخصوصية.

وتعكس تلك الهويات إرادات لجماعات اجتماعية لايمكن أن تندمج ضمن إطار الهوية الوطنية إلا عند توافر وعي وقبول فردي وجمعي بالتنوع والاعتراف بتوقد أحيا الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وتدخل دول الجوار في الشأن العراقي تراكمات تعثر بناء الهوية الوطنية، وعمق حدة ازمتها انهيار الدولة، وحالة الفوضى الشاملة.

وعجز الحكومة وعدم قدرتها على تأمين حماية المواطنين وضمان أمنهم وفشلها في تأمين الخدمات، فتحكمت الأستقطابات العرقية والدينية والطائفية والاثنية بالمجتمع العراقي

8)  عبد العزيز بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2008، ص114-121.

 (9)  يوسف الصواني، القومية العربية والوحدة العربية في الفكر السياسي العربي، ترجمة سمير كرم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003، ص44.

  (10)    ياسين سعد محمد، بنية المجتمع العراقي: جدلية السلطة والتنوع العهد الجمهوري الأول 1958

وتحولت الى عنصر محرك مهيمن على المشهد السياسي الذي تراجعت فيه الهوية الوطنية ويمثل هذا الواقع جوهر الأزمة والتحدي السياسي الذي يعيشه العراق11]).، والذي جسده ظهور معادلة اجتماعية ــ سياسية تقوم على تقسيم المجتمع الى مكونات: شيعي ـ سني ـ عربي ـ كردي ـ تركماني ـ يزيدي ـ صائبي- مسلم ـ مسيحي.

وتأسست العملية السياسية على قاعدة المحاصصة بدءاً من مجلس الحكم الذي شُكل على أساس تمثيل هذه المكونات حسب نسبتها، وسيطرت هذه الانقسامات العرقية والدينية والطائفية على توجهات، الكتل والأحزاب السياسية وعلى الحكومة وتشكيلها، وعلى البرلمان ومؤسسات الدولة كافة وانتقلت الى كل المحافظات العراقية التي شهدت انقسامات استندت الى الهويات الفرعية مما اثر بشكل كبير على الوحدة الوطنية وعلى بناء الدولة([12]).

ومثل ذلك البداية لتصدع وحدة العراق الوطنية في مرحلة ما بعد النظام الشمولي التي كرست المحاصصة ولجوء المواطنين الى العشيرة والدين والطائفة والعرق بحثاً عن الأمن في ظل تراجع الهوية الوطنية وفشل الدولة وعجزها عن أداء وظائفها وهذا الأمر متوقع عند ضعف الدولة وغياب مؤسساتها.

وتتحمل الإدارة الأمريكية وقواتها التي احتلت العراق جانباً كبيراُ مما آل اليه الحال عندما تم القرار على اعتماد المحاصصة في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وكان ذلك مؤشرا على التخبط والأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق([13])، وكانت المحصلة وضع الدولة العراقية في مواجهة صراع على هويتها بسبب الخلاف بين المكونات على هذه الهوية.

(11)  خالد الحروب، مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي من الفرد القومي الى الفرد المواطن في بشير نافع واخرون، المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص100-101.

  (12)Dawn Brancati, Can Federalism Stabilize Iraq? The Washigton Quarterly, Vol.27, No.2, Spring 2005, P.16.

(13)  Stephen Biddle, Iraq Go Deep or Get Out, Washington Post, July 11th 2007.

والتمسك بالهويات الفرعية في ظل غياب الهوية الوطنية، وضعف تجانس المجتمع العراقي، وضعف عقيدته الوطنية العراقية، واحدث ذلك خللا وشرخا بين مكونات المجتمع استغلته القوى والإطراف السياسية لتحقيق مكاسب شخصية وآنية ضيقة.

ويعاني البلد جراء ذلك من ضعف ولاء الفرد والمجتمع للدولة العراقية ويضعها في مواجهة تحدي سياسي غير محمود العواقب تنطوي ثناياه على مخاطر كبيرة تطال حاضرها ومستقبلها([14]). .

ان أي جماعة بشرية لا تدرك هويتها عندما تعجز عن إدراك إحساس وشعور الجماعات المختلفة بهوياتها، اذ يتحقق الشعور بالهوية من خلال رؤية هوية الأخر المختلف، وإدراك الجماعة لذاتها له بعدين: بعد فردي، وبعد جماعي، ويتم إدراك الهوية بمعرفة الفرد لذاته وتفاعل هذا الإدراك مع إدراكه ومعرفته للآخرين، اذ تؤثر طريقة فهم الآخرين على تعريف الفرد لذاته، والمجموعة لذاتها، وعلى هذا الأساس تحتاج الجماعة الى تعريف نفسها الى الآخرين لتجنب الانغلاق([15]).

وللهوية ثلاثة مستويات: مستوى فردي يمنح الفرد شعوره بالانتماء لجماعة إنسانية محددة يشاطرها المشاعر والتوجهات ومنظومة القيم، ويرتبط هذا المستوى بالتنشئة الاجتماعية للفرد والثقافة السائدة في محيطه الاجتماعي، ومستوى سياسي ـ جمعي يعكسه الاختيار الطوعي للفرد في الانخراط في التنظيمات والأحزاب السياسية.

والمستوى الثالث سياسي يعكسه تبلور الهوية الوطنية في بنية الدولة ومؤسساتها ولم يعرف تاريخ العراق السياسي المعاصر نجاح الدولة في تجاوز حدود الولايات الفرعية لصالح الهوية الوطنية التي تتصف بانتماء وسمات لا تشبه في شكلها ومضمونها الانتماء للهويات الفرعية التقليدية([16]).

   (14) عامر حسن فياض وكاظم علي مهدي، اشكاليات بناء الدولة وادارة الحكم في العراق المعاصر، مجلة       قضايا سياسية، العدد (34)، كلية العلوم السياسية جامعة النهرين، بغداد، كانون الاول 2013، ص38.

 (o1)  صموئيل هنتغتون، من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الامريكية، ترجمة حسام الدين خضور، دار الرأي للنشر، دمشق، 2005، ص39.

 (110) علي عباس مراد، اشكالية الهوية في العراق: الاصول والحلول، ندوة التعليم وتعزيز الهوية الوطنية في العراق، جامعة بغداد، 2010، ص17

وادي التهميش والإقصاء اللذان وقعا على عدد من مكونات المجتمع العراقي الى تمسك هذه المكونات بهوياتها التقليدية دفاعاً عن وجودها وخصوصياتها الثقافية فتحولت الهويات الفرعية الى عامل إضعاف لرابطة المواطنة وكونت ثغرات ومكامن وهن في النسيج الاجتماعي والوطني وظهرت حالة عدم التوازن بين الهوية الوطنية والهويات الفرعية

بسبب ضعف روح المواطنة، التي عززها تبني الدولة لسياسة القسر وإلغاء الآخر الذي سعى للتمسك بالانتماءات التقليدية بحثا عن الحماية وكبديل عن الانتماء للهوية الوطنية([17]).

لقد أكدت إحداث ما بعد عام 2003 والتحديات التي يواجهها العراق على ضرورة إعادة النظر في مسألة الهوية الوطنية العراقية وبنائها بضوء خصوصية المجتمع العراقي لتصبح حقيقة ملموسة في مجتمع يتصف بخصائص تميزه عن محيطه العربي ومحيطه الإقليمي.

والعراق بحاجة الى هوية وطنية تقوم بشكل أساسي على القبول بالاختلاف والتعددية والتعايش مع الأخر والعمل سوية لبناء دولة مدنية تعتمد فيها المواطنة كهوية([18]).

ويستوجب بناء الهوية الوطنية العراقية اتصافها بسمة الهوية الجامعة والمؤطرة للهويات الفرعية، والافتقار الى هذه السمة يخلق حالة من الانفصال بين الدولة ومكونات مجتمعها، ويجب ان ترتكز الهوية الوطنية على إيجاد قيم مشتركة بين كافة مكونات المجتمع العراقي، واستيعابها في بنى الدولة ومؤسساتها لتحقيق الترابط والانسجام بين الهويات الفرعية والهوية الوطنية التي تتجسد في المشاركة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

(17 هادي محمود، العودة الى الفقه الطائفي، مجلة المواطنة والتعايشن العدد (13)، السنة الاولى، بغداد، 2007، ص98.

(18) مثيم الجنابي، العراق ومعاصرة المستقبل، دار المدى للثقافة والنشر، بغداد، 2004، ص33-3

ويصبح الانتماء للوطن في المحصلة قائما على أساس شعور مكونات المجتمع بأن هوياتها مجسدة في الهوية الوطنية التي تمثل الشعب والوطن والدولة([19])، ويتحقق التناهي بين الدولة والمجتمع عندما يكون هناك اندماج طوعي بين مكونات المجتمع.

ويتولد هذا الاندماج عندما يشعر الإفراد ان الدولة تعبر عنهم وتحفظ حقوقهم وتحمي وجودهم وتؤمن مستقبلهم، ويتم الوصول الى حالة التناهي بين الدولة ومجتمعها عندما تأخذ العلاقة بينهما طابع الامتداد الأفقي بعيداً عن المحاصصة عندها تتراجع أولوية الانتماءات الفرعية لصالح الانتماء الوطني الاسمي([20])..

ويستلزم ذلك سمو السلطة السياسية فوق الاختلافات الاجتماعية والخلافات السياسية، وتقع على من يمارسها مسؤولية التأكيد على الهوية الوطنية الضامنة للعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص لكل مكونات المجتمع، ويحدد الدستور شكل هذه السلطة السياسية وطبيعتها ويضع الحدود لمسؤولياتها وصلاحياتها.

اذ يضع الضوابط لممارسة السلطة ويحدد الإطار القانوني لعملها ونشاطها ويضمن سلامة الوضع القانوني للدولة([21])، وتتطلب عملية بناء الدولة التأكيد على مبدأ المواطنة الذي يجسده دستور يضمن الحقوق والحريات، ويحدد الواجبات والمسؤوليات للإفراد، والمجتمع، ومؤسسات الدولة، وان يضع الدستور بشكل محدد قواعد البناء المؤسساتي لوضع حد للخلاف والصراعات ومحاولات الهيمنة على السلطة على وفق مبدأ المحاصصة التي تعمل على قاعدة المغالبة والمساومات وتمزيق النسيج الاجتماعي، ولا تخدم المحاصصة مصالح البلد ولا تؤسس لمستقبل ولا تبني دولة([22]).

وتشكل المواطنة مرتكز بناء كيان الدولة السياسي ــ الاجتماعي المتكامل حيث تضمن حق كل مواطن في العمل والعيش المشترك دون تمييز في الحقوق الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويتحقق ذلك في إطار عقد اجتماعي (الدستور) وتَعدّ المواطنة بموجبه مصدر الحقوق والواجبات لكل مواطن في الدولة.

19   )   محمد عابد الجابري، العرب والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص299.

) 20 (ياسين سعد محمد، بنية المجتمع العراقي، مصدر سبق ذكره، ص108-124.

 21  )  طعيمة الجرف، نظرية الدولة والمبادئ العامة للانظمة السياسية ونظم الحكم (دراسة مقارنة)، مكتبة القاهرة الحديثة، 1973، ص414 – 415.

 )22)  وليد سالم محمد، مؤسسة السلطة وبناء الدولة ــ الامة (دراسة حالة العراق)، اطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2012، ص299

وتحدد المواطنة هوية المواطن بقاعدتي الانتماء والولاء للدولة وعليه يقوم مفهوم المواطنة على أساس توافر الروابط الموضوعية بين الدولة والفرد بوصف الأخير مواطنا في دولة ــ امة، فهو ليس جزءا من رعية، او جزءا من طائفة، او دين، او عرق ويحقق مبدأ المواطنة للمواطن حرية اختيار أيديولوجيته ويصوت في الانتخابات بضوء قناعاته وإختيارهأ الحر وتصبح العلاقة مباشرة بينه وبين السلطة.

وبمقدوره بلورتها من خلال انتمائه لحزب يوفر له المنطلق في نشاطه السياسي اعتمادا على مبدأ المواطنة الذي يحقق المساواة بين المواطنين في الدور وفي الحقوق والواجبات([24]).

ولم يَعُدْ لمفهوم الرعية وجود في دول العالم المتقدم، وحل محله مبدأ المواطنة الذي يضمن مساواة الإفراد أمام القانون، وإمام الدولة بوصفهم مواطنين ينتمون الى وطن، او إقليم جغرافي بحدود معلومة ومعترف بها، ويوصف هذا الانتماء على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية بالانتماء الوطني، ويوصف على المستوى الحقوقي والقانوني بالمواطنة.

وتتناقض المحاصصة مع مبدأ المواطنة لأنها تؤكد على الانتماءات الفرعية الضيقة بوصفها تعبيراً سياسياً عن وجودها وتطبيقها، وقد وضعت المحاصصة الدولة العراقية في مواجهة تحديات تمثلت في تفتيت المجتمع وإضعافه، وتعطيل القرار السياسي، وإعاقة رسم السياسة العامة للدولة لاعتمادها على المساومات أسلوبا في الأداء، بدلا عن الأداء المؤسساتي.

23)  حسين درويش العادلي، نحو عراق جديد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2004، ص65.)

 24 )علي طالب، المواطنة العراقية في ظل الديمقراطية التوافقية، مجلة فكر، العدد5، بغداد، 2008، ص61.

العلاقة بين الهوية وترسيخ شعور المواطنة:

تعرف المواطنة بأنها” صفة المواطن والتي تحدد حقوقه وواجباته الوطنية.. وتتميز المواطنة بنوع خاص من ولاء المواطن لوطنه وخدمته في أوقات السلم والحرب والتعاون مع المواطنين الآخرين عن طريق العمل المؤسساتي والفردي الرسمي والتطوعي في تحقيق الأهداف التي يصبو لها الجميع وتوحد من أجلها الجهود وترسم الخطط وتوضع الموازنات”، وهي” علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة..”.

وهي” تجسيد لشعب يتكون من مواطنين يحترم كل فرد الآخر، ويتحلون بالتسامح تجاه التنوع المجتمعي..” وهي” مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين فرد طبيعي ومجتمع سياسي (دولة) ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول المواطن الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الفرد والدولة عن طريق أنظمة الحكم القائمة.

ومن منظور نفسي المواطنة هي الشعور بالانتماء والولاء للوطن والقيادة السياسية التي هي مصدر الإشباع للحاجات الأساسية وحماية الذات من الإخطار المصيرية” ، والميزة المهمة لشعور المواطنة هو إنتاجها لما يسميه احدهم ” المواطن الفعال” الذي يقوم برفع المستوى الحضاري لمجتمعه عن طريق عمله الرسمي والتطوعي.

من خلال ما تقدم يبرز تأثير الهوية على أعلاء قيمة المواطنة لشعب ما، فعندما يشعر افراد ذلك الشعب بهويتهم الوطنية المميزة، وعلوها على الهويات الفرعية الأخرى، دون الامتلاء بأحاسيس التصادم أو الصراع بين هذه الهويات والهوية الوطنية، فذلك سيعزز الشعور بالانتماء بين افراد ذلك الشعب، بصرف النظر عن اختلافاتهم العرقية واللغوية والدينية والمنطقية والسياسية والفكرية، وهذا الشعور بالانتماء لهوية وطنية جامعة سيكون كفيلا بخلق الولاء لتلك الهوية، والوصول الى هذا المستوى من الإدراك الوجداني والتفاعل الإيجابي الفردي والجمعي بين الهوية الوطنية والمنتمين اليها هو الذي يرفع قيمة المواطنة من مجرد علاقة قانونية بين الفرد ودولته الى قيمة عليا مرتكزها القبول الواعي بالانتماء لرابطة الوطن، والاستعداد لتقديم الولاء المترتب على هذه الرابطة مهما كلف الثمن.

وبخلاف ذلك أي في حالة وجود أزمة هوية او انغلاق وتشتت في الهوية فالنتائج السلبية ستكون واضحة على رابطة المواطنة، كما ان النتائج لا تقل سلبية عندما تكون الهويات الفرعية في حالة تصادم او توتر مع الهوية الوطنية.

المبحث الثالث : الهوية الوطنية العراقية بعد عام 2003

تتكون اغلب دول العالم من تعد ديات مجتمعية مختلفة: قومية ودينية ومذهبية، ولا توجد دولة تقوم على أساس وجود مكون واحد، وينطبق هذا الكلام على الدول المتقدمة وغير المتقدمة على حد سواء.

الا ان الاختلاف بينها هو ان الدول المتقدمة قد قطعت مراحل طويلة في سبيل دمج هذه التعددية وتوحيدها تحت خيمة هوية وطنية واحدة عبر سلسلة من الآليات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فأصبح لديها هوية وطنية واضحة ومستقرة ويوجد اتفاق كبير حولها من قبل كل المكونات التي تعيش فيها .

اما في الدول غير المتقدمة فأن الوضع يختلف بشكل كبير، اذ ما زالت هذه الدول تعيش حالة من عدم وضوح هويتها الوطنية، اذا ما قلنا بأنها غير موجودة أصلا وهذا الخلل ادى الى ان تعاني بقية القطاعات فيها من ظاهرة عدم الاستقرار أيضا، سواء الناحية السياسية او الاقتصادية او المجتمعية .

العراق بما انه من الدول غير المتقدمة، فهو الأخر لا زال يعاني من عدم وضوح هويته الوطنية، فبالرغم من محاولات الأنظمة العراقية التي سبقت عام 2003، من ترصين هذه الهوية وجمع التعددية المجتمعية تحت لوائها.

الا ان الكثير من الأعمدة التي إقامتها فوقها قد انهارت على عجل بعد عام 2003، وبالتحديد فور سقوط النظام السياسي السابق، وسرعان ما عاد المجتمع العراقي الى مرحلة ما قبل تشكيل الدولة.

اي مرحلة ما قبل عام 1921، عبارة عن مجموعة قوميات واديان ومذاهب تعيش في إقليم جغرافي معين. يشعر اغلبها بالانتماء للتاريخ والدين واللغة والعادات والتقاليد، اي الانتماء للهويات الفرعية أكثر من الانتماء للهوية الوطنية العراقية .

لقد كانت الهوية الوطنية العراقية في مرحلة ما قبل عام 2003، تقوم على أساس الرابطة العربية القومية، دون التركيز على الدين الإسلامي، وان العراق ما هو الا جزء بسيط من محيط أوسع هو المحيط العربي، الذي تطمح كل دولة عربية ان يأت اليوم الذي تذوب فيه مع الدول الاخرى في دولة عربية كبرى .

ولكن هذه الهوية كانت مرتبطة بشكل أساس بالنظام السياسي القائم وبالتالي انهارت بانهياره، كونها لم تكن مبنية على أسس علمية حقيقية، او انها قد تعرضت لضغط خارجي يفوق مقدرتها على الصمود .

وأصبح النظام السياسي الجديد إمام محنة الإجابة عن عدة أسئلة، ومنها:

1- هل العراق دولة عربية، هويتها الوطنية القومية العربية، كما كان عليه الحال منذ عام 1963 وحتى عام 2003؟

2- هل العراق دولة الأمة العراقية، كما كان النظام الملكي يسعى لتحقيقها؟ هل ان العراق دولة إسلامية، هويته الوطنية مستمدة من الإسلام؟ واذا كان كذلك فهل هي سنية ام شيعية؟

3- هل ان العراق دولة علمانية، مثل تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول؟

ان الإجابة على الأسئلة أعلاه لم يكن بالأمر السهل، خاصة بعد إن أعطى الدستور العراقي الدائم ومن قبله قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية إجابات متعددة حولها، ففي المادة (1) من الدستور الدائم جاء ما نصه بأن “جمهورية العراق دولة مستقلة ذات سيادة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي اتحادي” (15) وفي المادة رقم (3) منه، جاء بان “العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو عضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية، وملتزم بميثاقها، وهو جزء من العالم الاسلامي” .

ان اية قراءة تحليلية لهذه المواد الدستورية وغيرها، تؤكد لنا من ان العراق لا يوجد اتفاق ولا تحديد لهويته الوطنية، فلا هو بالدولة العربية، ولا هو بالدولة الإسلامية، ولا هو بالدولة العلمانية بل هو خليط من كل هذه الأشياء.

يضاف الى ذلك ان الظروف غير المستقرة التي عاشها العراق بعد عام 2003، وعلى الأخص عدم الاستقرار السياسي والأمني، قد أثرت سلبا على الهوية العراقية الوطنية، وجعلتها تضعف إمام الهويات الفرعية التي وجدت الدعم والتأييد من جهات داخلية، وخارجية: إقليمية ودولية، فإقليما أصبح العراق ساحة للصراع الإقليمي الطائفي، ودوليا صار العراق ساحة لتصفية الحسابات مع الولايات المتحدة الأمريكية وإفشال مشروعها في المنطقة .

وعلى هذا الأساس نستطيع القول من ان الهوية الوطنية العراقية بعد عام 2003، أصبحت تعيش في حالة أزمة حقيقية، وعدم وضوح في تحديد ماهيتها وفحواها، والأسباب التي وقفت وراء ذلك كثيرة ذكرنا البعض منها في هذا المطلب.

الخاتمة:

واضح مما تقدم من ان القوى السياسية العراقية لم تكن معتدلة في ادائها السياسي، وذلك لانطلاقها من توجهات سياسية تستند الى الهويات الفرعية: المذهبية والقومية، الامر الذي اثر سلبا على عملها وجعلها تتحول من الدفاع عن وطن، الى الدفاع عن مصالح المذهب المعين والقومية المعينة، وهذه الحالة أدت في النهاية الى تشجيع الانقسام المجتمعي الذي بات هو الأخر مفصلا بحسب تقسيمات قواه السياسية، وفي النتيجة كانت الهوية الوطنية العراقية هي المتضرر الأكبر من ذلك.

المصادر:

1]) صادق الأسود، علم الاجتماع السياسي: أسسه وإبعاده، مطبعة جامعة الموصل، 1986، ص383-389.

([2] شمران حمادي، الأحزاب السياسية والنظم الحزبية، مطبعة دار السلام، بغداد، 1972، ص155.

([3] ليورالوكيتز، العراق والبحث عن الهوية الوطنية، مصدر سبق ذكره، ص87-108.

([4] المصدر نفسه، ص113-114.

([5] المصدر نفسه، ص115.

([6] رعد الجدة، التشريعات الدستورية في العراق، بيت الحكمة، بغداد، 1998، ص134.

([7] ليورالوكيتز، مصدر سبق ذكره، ص114-115.

8] عبد العزيز بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2008، ص114-121.

([9] يوسف الصواني، القومية العربية والوحدة العربية في الفكر السياسي العربي، ترجمة سمير كرم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003، ص44.

([10] ياسين سعد محمد، بنية المجتمع العراقي: جدلية السلطة والتنوع العهد الجمهوري الأول 1958- 1963 (أنموذجا)، مؤسسة مضر مرتضى للكتاب العراقي، بغداد، 2011، ص164.

([11] خالد الحروب، مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي من الفرد القومي الى الفرد المواطن في بشير نافع واخرون، المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص100-101.

([12] Dawn Brancati, Can Federalism Stabilize Iraq? The Washigton Quarterly, Vol.27, No.2, Spring 2005, P.16.

([13] Stephen Biddle, Iraq Go Deep or Get Out, Washington Post, July 11th 2007.

([14] عامر حسن فياض وكاظم علي مهدي، اشكاليات بناء الدولة وادارة الحكم في العراق المعاصر، مجلة قضايا سياسية، العدد (34)، كلية العلوم السياسية جامعة النهرين، بغداد، كانون الاول 2013، ص38.

([15] صموئيل هنتغتون، من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الامريكية، ترجمة حسام الدين خضور، دار الرأي للنشر، دمشق، 2005، ص39.

([16] علي عباس مراد، اشكالية الهوية في العراق: الاصول والحلول، ندوة التعليم وتعزيز الهوية الوطنية في العراق، جامعة بغداد، 2010، ص17.

([17] هادي محمود، العودة الى الفقه الطائفي، مجلة المواطنة والتعايش العدد (13)، السنة الأولى، بغداد، 2007، ص98.

8] عبد العزيز بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2008، ص114-121.

([9] يوسف الصواني، القومية العربية والوحدة العربية في الفكر السياسي العربي، ترجمة سمير كرم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003، ص44.

([10] ياسين سعد محمد، بنية المجتمع العراقي: جدلية السلطة والتنوع العهد الجمهوري الأول 1958- 1963 (أنموذجا)، مؤسسة مضر مرتضى للكتاب العراقي، بغداد، 2011، ص164.

([11] خالد الحروب، مبدأ المواطنة في الفكر القومي العربي من الفرد القومي الى الفرد المواطن في بشير نافع وآخرون، المواطنة والديمقراطية في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2001، ص100-101.

([12] Dawn Brancati, Can Federalism Stabilize Iraq? The Washigton Quarterly, Vol.27, No.2, Spring 2005, P.16.

([13] Stephen Biddle, Iraq Go Deep or Get Out, Washington Post, July 11th 2007.

([14] عامر حسن فياض وكاظم علي مهدي، إشكاليات بناء الدولة وإدارة الحكم في العراق المعاصر، مجلة قضايا سياسية، العدد (34)، كلية العلوم السياسية جامعة النهرين، بغداد، كانون الأول 2013، ص38.

([15] صموئيل هنتغتون، من نحن؟ التحديات التي تواجه الهوية الأمريكية، ترجمة حسام الدين خصور، دار الرأي للنشر، دمشق، 2005، ص39.

([16] علي عباس مراد، إشكالية الهوية في العراق: الأصول والحلول، ندوة التعليم وتعزيز الهوية الوطنية في العراق، جامعة بغداد، 2010، ص17.

([17] هادي محمود، العودة الى الفقه الطائفي، مجلة المواطنة والتعايش العدد (13)، السنة الأولى، بغداد، 2007، ص98.

18] مثيم الجنابي، العراق ومعاصرة المستقبل، دار المدى للثقافة والنشر، بغداد، 2004، ص33-34.

([19] محمد عابد الجابري، العرب والعولمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000، ص299.

([20] ياسين سعد محمد، بنية المجتمع العراقي، مصدر سبق ذكره، ص108-124.

([21] طعمية الجرف، نظرية الدولة والمبادئ العامة للأنظمة السياسية ونظم الحكم (دراسة مقارنة)، مكتبة القاهرة الحديثة، 1973، ص414 – 415.

([22] وليد سالم محمد، مؤسسة السلطة وبناء الدولة ــ الأمة (دراسة حالة العراق)، أطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2012، ص299.

([23] حسين درويش العادل، نحو عراق جديد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2004، ص65.

([24] علي طالب، المواطنة العراقية في ظل الديمقراطية التوافقية، مجلة فكر، العدد5، بغداد، 2008، ص61-6

5/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى