الشرق الأوسطتقارير استراتيجيةعاجل

الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتداعياته على الهند والصين

إعداد: أمين سمودي-باحث في دراسات الشرق الأوسط الجامعة العربية الأمريكية، فلسطين

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

تعتبر التدخلات الدولية من أكثر الأمور الشائكة في العلاقات الدولية، فهي تنعكس بشكل سلبي على سيادة الدول التي يتم التدخل بشؤونها الداخلية بحجة الأمن العالمي والحماية الدولية للمدنيين والمساعدات الإنسانية للشعوب، ومن هنا جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة، مبررًا للرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش لتوجيه أصابع الاتهام إلى الزعيم السابق لتنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وإلى نظام طالبان الذي كان يدعم آنذاك بن لادن، لذلك قامت الولايات المتحدة بغزو أفغانستان خلال العام 2001 انتقامًا من نظام طالبان، وسعيًا للقضاء على تنظيم القاعدة[1].

وانطلاقًا من مبدأ التعاون العالمي في تعامله مع ملف الإرهاب، تضافرت الجهود الدولية من منظمات دولية وإقليمية، وخاصة حلف الناتو بهدف تغطية التدخل العسكري الأمريكي وتشريعه لوضع حد للهجمات الإرهابية المهددة للأمن والسلم الدوليين، فأصدر مجلس الأمن قرارات متعددة تجيز للولايات المتحدة الحق في الدفاع عن نفسها، والسماح بإرسال قوات دولية من قبل حلف الناتو دعمًا للقوات الأمريكية في حربها ضد حركة طالبان.

ومن هنا نجحت الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدة حلف الناتو بالإطاحة بنظام طالبان في أفغانستان، إلا أنه في المقابل رأى بعض الخبراء الاقتصاديين في الدول النامية أن للتدخل الدولي في أفغانستان أسبابًا أخرى متمثلة بالهيمنة على مصادر النفط، نظرًا إلى أهمية موقع أفغانستان الجغرافي في قلب آسيا، التي لا تبعد سوى بضع مئات من الكيلومترات عن منابع النفط في الشرق الأوسط وبحر قزوين[2].

إلا أنه بعد حوالي عقدين سينتهي الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان بحلول سبتمبر المقبل، ورغم أنه كان من الممكن أن يمثل هذا التطور نقطة تحول إيجابية كبيرة في تاريخ أفغانستان، إلا أنه على عكس ذلك، هناك مخاوف ضخمة من تبعات هذا الانسحاب، بالنظر إلى ما قد يرتبه ذلك من سيناريوهات عدة على مستوى الوضع الداخلي، أو على مستوى الصراعات الدولية والإقليمية على أفغانستان، وخاصة على المنطقة المحيطة بها والدول ذات النفوذ مثل الهند والصين، وهي سيناريوهات سلبية في المجمل يعززها انقسام النخبة الأفغانية وضعف مؤسسات الدولة الأفغانية، سواء القوات الأمنية أو مؤسسات إنفاذ القانون وانحسارها عن مساحة كبيرة من الأراضي الأفغانية[3].

ومن هنا يمكن تحديد مراحل التدخل الأمريكي في أفغانستان، ودور حركة طالبان الأفغانية في هجمات 11 سبتمبر على أمريكا، إضافة إلى الموقف الدولي من الهجوم الأمريكي على أفغانستان عقب هجمات 11 سبتمبر، وأخيرًا تأثير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على كل من الصين والهند، وبناءً على ما سبق استخدم الباحث في الدراسة الحالية المنهج التاريخي من خلال تتبع مراحل التدخل الأمريكي في أفغانستان وخاصة بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، إلى جانب المنهج الوصفي التحليلي من خلال تحليل الموقف الدولي من الهجوم الأمريكي على أفغانستان، إضافة إلى تأثير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على كل من الصين والهند.

أولًا: كيفية التدخل الأمريكي في أفغانستان

عقب أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وذهب ضحيتها الآلاف من المواطنين الأمريكيين، تم توجيه أصابع الاتهام إلى تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن، ونظام طالبان في أفغانستان، ومن هنا أعلن بشكل رسمي بتاريخ 12 سبتمبر 2001 بأن الهجوم على الولايات المتحدة الأمريكية، والاعتداء عليها يعتبر هجومًا على كافة أعضاء حلف الناتو، وذلك بموجب المادة الخامسة من معاهدة الدفاع المشترك للشمال الأطلسي.

وخلال شهر سبتمبر من العام نفسه، عقدت الأمم المتحدة مؤتمرًا دوليًا في مدينة بون الألمانية، دعا له قادة المعارضة الأفغانية، بهدف الإعلان عن تأسيس حكومة أفغانية انتقالية لمدة 6 أشهر، ومناقشة بنود الدستور الأفغاني الجديد، والحديث عن عملية إعادة إعمار أفغانستان[4].

وفي نهاية المؤتمر، قدمت الأمم المتحدة توصية بضرورة تشكيل قوة دولية للمساعدة الأمنية ISAF، وذلك بموجب قرار مجلس الأمن رقم (1386)، والذي صدر بتاريخ 20 ديسمبر 2001 (موقع مجلس الأمن، قرار رقم 1386)، وبناء على القرار الأممي، أنشئت الـISAF لمحاربة الإرهاب في أفغانستان ومساعدة الحكومة الأفغانية المؤقتة على ضمان الأمن في كابول والمناطق المحيطة بها، ليتسنى للحكومة الأفغانية المؤقتة ولأفراد الأمم المتحدة العمل في ظروف آمنة، ومن هنا تولت الولايات المتحدة الأمريكية قيادة ISAF في كابل منذ نهاية العام 2001 حتى 2003، ومن ثم سلمت الولايات المتحدة القيادة لحلف الناتو وذلك بتاريخ 11 أغسطس 2003 بناءً على طلب من الأمم المتحدة، وموافقة الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي[5].

وفي العام 2008 أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما قرارًا بإرسال 17000 جندي أمريكي لأفغانستان وذلك لتقديم دعم أمني إضافي للانتخابات الأفغانية، مما خفف ذلك من الضغط المفروض على قوات حلف الناتو، الناتج عن رفض الرأي العام الأوروبي لتدخل دولهم في الحرب في أفغانستان، ولكن مع ذلك أرسل حلف الناتو 5000 جندي آخر من أجل توفير الأمن للانتخابات الأفغانية خلال عام 2008.

وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، أعلن عن نيته بسحب كافة الجنود الأمريكيين المتمركزين في أفغانستان ويناهز عددهم الـ12 ألف جندي، وذلك بحلول العام 2021، وكان قد صرح أنه ما كان يجدر مطلقًا بالولايات المتحدة أن تتورط في أفغانستان في الأساس، ولكن إذا سحبت الولايات المتحدة جنودها من المرجح أن يطلق هذا الانسحاب سلسلة تفاعلات لدى القوات الدولية التي لا تزال موجودة هناك، حيث أن هناك ما يقرب من 7000 جندي آخرين من دول أوروبية ستغادر أفغانستان في حال مغادرة الولايات المتحدة، شأنهم شأن القوات التركية والأردنية والإماراتية التي كانت متمركزة في أفغانستان وغادرتها في ذلك الوقت، والتي تعكس وجهات نظر ترامب خيبة أمل عامة من قبل الكثير من الولايات المتحدة الجمهور حول المشاركة الأمريكية هناك، لا أحد يحب الحروب التي لها بداية ولكن بلا نهاية[6].

ثانيًا: طالبان ودورهم في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر

عقب أحداث 11 سبتمبر، نفت حركة طالبان أن يكون زعيم القاعدة آنذاك أسامة بن لادن علاقة بتلك الهجمات، وقام الملا عمر أحد زعماء طالبان باستدعاء مجلس كبار العلماء والمكون من 1000 عالم للتشاور في تسليم ابن لادن، أو إعلان الجهاد ضد أمريكا، فدعا المجلس ابن لادن إلى الخروج طواعية، إلا أن أمريكا رفضت ذلك، واستبعد الملا عمر اتخاذ أي إجراء قضائي ضد ابن لادن ما لم تتسلم الحركة أدلة قاطعة تثبت تورطه بتلك الأحداث، وفي حال وجود تلك الأدلة يجب تسليمه للمحكمة الأفغانية وإفساح المجال للعلماء من ثلاث دول إسلامية ومن منظمة المؤتمر الإسلامي لمتابعة الإجراءات القضائية.

ففي مطلع العام 2000 بتاريخ 19 يناير كان غضب طالبان قد تصاعد ضد الغرب، إثر إصدار مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1333، والذي قام بفرض عقوبات على طالبان، وشمل حظرًا شاملًا للأسلحة وحجزًا لممتلكات طالبان أو الرحلات الدولية من قبل الخطوط الجوية الوطنية آريانا[7].

كما أعلن حينذاك مجلس الأمن أن حركة طالبان المسيطرة على أفغانستان تعتبر المركز العالمي للإرهاب الدولي، مطالبًا بتسليم ابن لادن، إلا أن رد الحركة كان غاضبًا مؤكدة على أنها لن تقوم بطرد ابن لادن أبدًا، وبالتالي تسارعت الأحداث وكانت هجمات سبتمبر 2001 قد حفزت حكومة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن إلى حشد الحلفاء والأنصار لعملياتها العسكرية ضد أفغانستان والقيام بتوزيع الأدوار على الحلفاء لمساعدتها في حملتها العالمية[8].

ثالثًا: الموقف الدولي من الهجوم الأمريكي على أفغانستان

كان هناك توافق إلى حد ما في الموقف من الهجوم الأمريكي على أفغانستان، حيث بدا الموقف الدولي مساندًا لأمريكا في حربها المزعومة ضد الإرهاب، كما وأيدت غالبية الدول العربية تلك الحرب، والذي أدى إلى عرض المساعدة والعون إلى القوات الأمريكية، واتضح الموقف الدولي من الهجوم الأمريكي على أفغانستان من خلال ما يلي:

  1. موقف المؤتمر الإسلامي: عقد وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الدولي والبالغ عددهم 57 اجتماعًا طارئًا في العاصمة القطرية الدوحة بتاريخ 10 أكتوبر 2001، ودعا خلاله أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني المنظمة الإسلامية إلى إنشاء صندوق لمساعدة الشعب الأفغاني معلنًا تبرع قطر بعشرة ملايين دولار له، كما وأظهرت نتائج المؤتمر موقفًا جماعيًا من الإرهاب بعد الهجمات التي ضربت أمريكا[9].
  2. السعودية: عقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعًا طارئًا في جدة بتاريخ 23 سبتمبر 2001 بهدف بحث الأوضاع في المنطقة، إلا أن المجلس الوزاري لم يحدد إن كانت ستمنح تسهيلات عسكرية إضافية إلى واشنطن، في حين وافقت السعودية على السماح للطائرات الأمريكية باستخدام أجوائها في حال قيامها بأي عملية ضد أفغانستان، كما وأعلنت السعودية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طالبان، وبتاريخ 25 سبتمبر أمرت كافة مبعوثي طالبان بمغادرة بلادها خلال 48 ساعة[10].
  3. إيران: أظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية موقفًا مغايرًا، حيث أشار وزير الخارجية الإيراني آنذاك كمال خرازي إلى أن بلاده يمكن أن تدعم الحلف الدولي لمكافحة الإرهاب بشرط أن يكون في إطار الأمم المتحدة، مؤكدًا على أن بلاده لن تقدم أي مساعدة لواشنطن وحلفائها في حال ضرب أفغانستان، متهمًا واشنطن بالسعي إلى زيادة نفوذها في آسيا الصغرى، كما وقال خامنئي إن أمريكا تزعم وجود بعض المتهمين بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر في أفغانستان، وتريد التسلل إلى المنطقة وتوسيع نفوذها في آسيا الوسطى قرب حدود إيران الشرقية[11].
  4. باكستان: فيما كان موقف باكستان التعاون التام مع أمريكا بكافة إمكانياتها إلا أن حكومتها كادت أن تسقط تحت وقع انفجار الشعور الإسلامي الداخلي والخارجي في البلاد ضد تلك المساندة التي بلا حدود، فقد قامت بفتح آفاق بلادها كلها: أجواءها، أراضيها، موانئها، ووضعت تحت تصرفها جميع قواعدها وجندت قواتها لتلبية احتياجات أمريكا اللوجستية والميدانية وسواها مما تستدعيه الحملة على حركة طالبان، وتعتبر مساندة باكستان أهم الروافد وأقوى الوسائل في نجاح الحرب الأمريكية، فلولا مساندة باكستان غير المحدودة لما تمكنت أمريكا من كسب الحرب لتلك السرعة القياسية بالنسبة للمواقع الحصينة التي يحتوي فيها خصومها، فقد كانت باكستان تملك كافة مقومات نجاح الحرب في مواجهة حركة طالبان وهي الخبيرة بها والتي أرست قواعدها وثبتت وجودها ورعتها ودعمتها طيلة الأعوام الماضية التي حكمت فيها أفغانستان واستقام لها الحكم في البلاد حتى تحولت باكستان عنها لصالح أمريكا[12].
  5. موقف الأمم المتحدة: اجتمع مجلس الأمن في اليوم الثاني للأحداث وأصدر بالإجماع القرار رقم 1368 بتاريخ 12 سبتمبر 2001، مؤكدًا على مبادئ وأهداف الأمم المتحدة وعزمه على مكافحة تهديدات السلم والأمن الدوليين الناجمة عن أعمال الإرهاب بكافة السبل، كما وأقر الحق الأصيل للدول في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس طبقًا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، كما وأدان المجلس هجمات 11 سبتمبر واعتبرها تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، معبرًا عن تضامنه مع شعب وحكومة أمريكا، ودعا إلى تقديم الفاعلين والمنظمين والقائمين بتلك الأحداث للعدالة مع محاسبة المسؤولين عن مساعدتهم ودعمهم أو إيوائهم[13]، وفي 28 أيلول/سبتمبر 2001 أصدر مجلس الأمن بجلسته 4385 القرار 1373، ويعتبر ملزمًا لكافة الدول لصدوره بناءً على الفصل السابع من الميثاق، ويخول المجلس فرض إجراءات عقابية على الدول في حال عدم التعاون وتتراوح تلك الإجراءات ما بين الحصار الجزئي والكلي للعلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وفقًا للمادة 41 من الميثاق، واستخدام القوة المسلحة بإعلان الحرب طبقًا للمادة 42 من الميثاق[14].
  6. موقف حلف شمال الأطلسي الناتو: دعم حلف الناتو أمريكا بشكل كامل، حيث صرح الأمين العام للحلف جورج روبرتسون عقب الهجوم أن الحلف الأطلسي سيتعامل مع هذه الاعتداءات بموجب المادة الخامسة من ميثاق الحلف التي تدعو إلى التضامن العسكري في حالة الاعتداءات على أحد أعضائه، وطبق الحلف نص هذه المادة للمرة الأولى منذ تأسيسه، فقد أعلنت بريطانيا عن استعدادها لتقديم أقصى ما يمكن من مساعدات للبحث عن منفذي الهجوم، حيث قامت بريطانيا بنشر أكثر من 20 ألف جندي بريطاني في الخليج العربي في مناورات تدريبية شاركت فيها 20 سفينة، وحاملة الطائرات (إيلاستربوس) وعلى متنها 15 مقاتلة قاذفة من طراز (هاريير)[15].
  7. فرنسا: أعلن رئيس الوزراء الفرنسي حينذاك جوسبان عن إرسال بلاده حاملة الطائرات (ديجول) إلى المحيط الهندي مقابل الشواطئ الباكستانية، كما وأعلن الناطق باسم وزارة الدفاع أن حاملة الطائرات تلك تحمل 1950 جنديًا، كاشفًا أن أربع طائرات من نوع (ميراج 17) تقوم بمهمات رقابية واستطلاع فوق أفغانستان، إضافة إلى وجود قوة فرنسية تتكون من 60 عسكريًا يقومون بمهمة حراسة مطار مزار شريف[16].
  8. ألمانيا: في بداية الأمر كان موقف ألمانيا هو إدانة الهجوم والتحفظ على المشاركة في هذا التحالف الدولي، حيث صرح وزير الدفاع رودلف شارنج أن الأمر لا يتعلق بالمشاركة في حرب، بل معرفة الرد بالطريقة المناسبة، وأن الرد لن تمليه الرغبة في الانتقام، وعلى جانب آخر وافق البرلمان الألماني على إرسال 3900 عسكريًا ألمانيًا من مختلف الوحدات العسكرية للمشاركة في الحرب على أفغانستان، حيث أكد المستشار الألماني شرودر أن قرار المشاركة جاء في إطار تنفيذ ألمانيا التزاماتها تجاه حلف الناتو، واستجابة لطلبات واشنطن[17].
  9. الهند: أظهر الموقف الهندي العداء التاريخي لكل من باكستان وحركة طالبان، حيث عرض رئيس الوزراء الهندي على أمريكا استخدام قواعدها العسكرية في حربها ضد حركة طالبان ونظامه في أفغانستان، كما وأعلنت عشرات الدول العربية والإسلامية والآسيوية تعاونها الاستخباري والإعلامي والتشريعي والمالي الكامل مع واشنطن، لتوفير المعلومات التي لديها كإسهام منها في الحملة على الإرهاب[18].
  10. الصين: عقب أحداث سبتمبر بدأت الصين توجهات جديدة في علاقاتها الدولية، خاصة أنها قبل أحداث سبتمبر كانت في تسابق وتنافس مع واشنطن اقتصاديًا، وبسقوط حركة طالبان عاد التعاون إلى العلاقات الصينية- الأفغانية، ورأت من مقتضيات مصالحها الاستراتيجية دعم حكومة الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، وعليه تسارعت وتيرة زيارات المسؤولين الأفغان إلى بكين ولقاءاتهم مع قادة الصين، كما وأعادت الأخيرة سفارتها في كابول، وأعادت التزامها باحترام حدود وسيادة الأراضي الأفغانية، إضافة إلى أنها تعهدت خلال مؤتمرات الدول المانحة بتقديم القروض والمنح والهبات والمساعدات الفنية لأفغانستان، حيث قدمت حوالي 200 مليون دولار في شكل مساعدات متنوعة، واستثمرت 600 مليون دولار في مشاريع داخل أفغانستان، وأثناء زيارة الرئيس الأفغاني أشرف غني تعهدت الصين بمعونة قيمتها 330 مليون دولار حتى 2017، وهو مبلغ كبير بالمقارنة بما قدمته الصين من دعم على مدار الثلاث عشر سنة الماضية، والبالغ 250 مليون دولار، فقد دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة عندما أصدرت الدولتان إعلانًا مشتركًا حول تأسيس الشراكة الاستراتيجية التعاونية في يونيو 2013[19].
  11. روسيا: أعلنت روسيا بشكل رسمي عن دعمها السياسي والمعنوي واللوجستي للحملة العسكرية التي تقودها واشنطن على حركة طالبان، والذي تجلى في فتح المطارات في أوزباكستان وطاجاكستان أمام الطيران الحربي الأمريكي، وبالرغم من الدعم الروسي لإعلان الحرب على طالبان إلا أن روسيا لم تتدخل بشكل مباشر إلى جانب دول التحالف، ويبدو موقفها أمرًا طبيعيًا حيث أن محاولات واشنطن لإسقاط طالبان هي في النهاية تخدم مصالح روسيا التي ترى في تصاعد قوة المد الأصولي في آسيا الوسطى خطرًا يهدد أمنها القومي[20].

رابعًا: تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان وتأثيراتها على التوازن الداخلي

يمكن تصور العديد من التداعيات المتوقعة سواء على صعيد التوازن الداخلي أو التفاعلات الدولية والإقليمية حول الوضع في أفغانستان، عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ومن أبرز تلك التداعيات ما يلي:

  1. توسع سيطرة طالبان على الأراضي الأفغانية:

تعتبر سيطرة طالبان على المزيد من الأراضي الأفغانية من أهم النتائج الأساسية المباشرة لانسحاب القوات الأمريكية، حيث سرَّعت طالبان من هذه الاستراتيجية مع بدء عمليات الانسحاب، وما ترتب على ذلك من حدوث فراغ في القوة، ما سيؤدي فيما بعد إلى قلب موازين القوى مع الحكومة الأفغانية خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك بسبب الدور الذي ستلعبه هذه السيطرة في تسريع تحول ولاءات النسبة الكبرى من المجتمعات والقيادات المحلية الأفغانية إلى طالبان، إضافة إلى تعزيز القدرات القتالية لطالبان في مواجهة قوات الأمن الأفغانية، خاصة مع قدرة حركة طالبان على توفير الوظائف التقليدية للدولة، وعلى رأسها وظيفة الأمن التي ستزداد أهميتها النسبية بشكل كبير خلال مرحلة ما بعد الانسحاب، وخاصة في حالة حدوث حرب أهلية، إضافة إلى احتمال تزايد نشاط تنظيم (داعش) و(القاعدة)[21].

ورغم أن إجمالي عدد قوات الأمن الأفغانية البالغة 307 ألف عنصر في يناير 2021، مقابل 200 ألف مقاتل يعملون لدى طالبان، إلا أن البيئة الجغرافية في أفغانستان لا تجعل موازين القوى مرتبطة بشكل مباشر بالأعداد، كما أن الجيش لا زال يعاني من مشكلات ضخمة، بدءًا من الانقسامات العرقية والمذهبية وعدم التمثيل العادل للمكونات العرقية داخل هيكل القيادة، وانتهاءً بطبيعة التسلح، ورغم أن واشنطن سوف تحتفظ بحوالي 700 جندي عقب الانسحاب، إلا أن هؤلاء لن يكونوا جزءًا من ميزان القوة مع الحركة، حيث ستنحصر مسؤوليتهم في حماية المجمع الدبلوماسي ومطار كابول وتقديم الاستشارات لقوات الدفاع والأمن الأفغانية[22].

  1. تراجع متوقع في أنشطة التدريب ومكافحة الإرهاب:

أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، خلال المرحلة الأولى من بدء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، أن تخفيض حجم القوات العسكرية الأمريكية لن يؤثر على التزاماتها تجاه أفغانستان، سواء فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب أو التدريب أو تقديم الاستشارات أو تقديم الدعم للقوات الأفغانية، كما وأكد فيما بعد الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن في خطاب ألقاه بتاريخ 14 أبريل 2021، على أن واشنطن سوف تعيد تنظيم قدراتها الخاصة بالحرب على الإرهاب وقدراتها في المنطقة لمنع إعادة ظهور الإرهابيين مجددًا في أفغانستان، إلا أنه من الناحية العملية تراجعت مصداقية تلك الوعود لأسباب عدة أبرزها صعوبة تنفيذ بعض هذه الالتزامات، وخاصة مكافحة الإرهاب والتدريب والدعم الفني لقوات الأمن الأفغانية وذلك في ظل عدم وجود قوات أمريكية على الأرض، باستثناء العناصر المسؤولة عن حماية الدبلوماسيين[23].

ومن وجهة نظر الرئيس الأفغاني أشرف غني، عبر بشكل صريح عن قلقه من فرص استمرار الدعم الفني واللوجستي، والتي تصل إلى احتمال عدم استمرار الدعم المالي أيضًا الأمر الذي سيؤثر بالتأكيد على قدرة الجيش الأفغاني على القيام بمهامه الأساسية، وربما عدم قدرته على البقاء، وذلك في تصريح له بشهر يناير 2018، عندما قال: “إنه لا يمكن الحفاظ على الجيش الأفغاني لمدة ستة أشهر بدون الدعم المالي الأمريكي”، ولكن الدعم المالي الأمريكي لقوات الأمن الأفغانية (الجيش والشرطة) قد بدأ في التراجع في العام المالي 2021، فقد بلغ خلال الفترة 2014- 2020 بمتوسط 3.75- 4.5 بليون دولار سنويًا، لكن الكونغرس وافق فقط على 3 بليون دولار للعام 2021، وطرحت واشنطن في هذا السياق بديل الانتشار العسكري في بعض دول الجوار الأفغاني أو استخدام التسهيلات العسكرية في هذه الدول لتنفيذ أية عمليات ضرورية داخل أفغانستان، لكنه بديل يواجه تعقيدات عديدة، وقد رفضته باكستان صراحة[24].

  1. تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية:

لا يوجد تقييم محدد حول مستقبل العمليات العسكرية الأمريكية ضد تنظيم (داعش) في أفغانستان والذي يقدر عدد عناصره ما بين 2000- 4000 لعام 2019، والاحتمال الأغلب هو إهمال واشنطن لتلك العمليات لأسباب تتعلق بتراجع الأهمية النسبية لأفغانستان بشكل عام لصالح ملفات أخرى على رأسها صراعها مع الصين، وغياب الوجود العسكري المباشر اللازم لهذه المواجهات، وبالتالي يصبح هناك احتمالان بشأن مستقبل تنظيم (داعش)، الأول هو الدخول في صراع مع حركة طالبان والقاعدة للسيطرة على مساحة من الأراضي الأفغانية تشمل الحفاظ على ولاية خراسان كنقطة ارتكاز للتنظيم في منطقة جنوب ووسط آسيا، والثاني هو اضطرار عناصر التنظيم إلى الخروج من أفغانستان عبر التوجه إلى وسط آسيا أو أفريقيا، وذلك على خلفية إدراك التنظيم صعوبة البقاء في أفغانستان في ظل البيئة الجديدة وهيمنة طالبان والقاعدة[25].

إلا أن الاحتمال الأغلب تجاه القاعدة هو استمرار حالة التحالف القائمة بينها وبين طالبان لأسباب تتعلق بحاجة طالبان إلى دعم القاعدة خلال المرحلة المقبلة في مواجهة الحكومة الأفغانية حتى وإن ظل هذا الدعم غير معلن وتحت السطح، حيث أكدت تقارير عدة استمرار هذا التعاون بين الجانبين رغم عدم رضا واشنطن ورغم ما نص عليه اتفاق الدوحة في فبراير 2020 من إلزام طالبان بفك ارتباطها بالقاعدة، فقد تغض واشنطن الطرف عن هذا التحالف طالما أنه لن يستهدف المصالح الأمريكية وهو الاحتمال الأغلب[26].

خامسًا: تأثير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على الصين

لقد نشرت مجلة “ذا أتلانتيك” مقالًا في 25 حزيران يونيو 2020، حول تأثير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على العلاقة مع الصين، مشيرة إلى المبررات التي يدافع عنها داعمو الانسحاب الأمريكي من أفغانستان باعتبارها ستعمل على تقوية التنافس مع الصين، ثم دحض وتفنيد تلك الحجج باعتبارها ستعمل على إضافة المزيد من الصعوبات على السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان من الناحية العسكرية والدبلوماسية والمالية، ومن ثم لن تتمكن من تعزيز منافستها مع بكين في إطار منافسة القوى العظمى[27].

وحسب ما نشره المقال، فإن الأسباب التي تقوم الإدارة الأمريكية بترويجها حول أسباب الانسحاب العسكري من أفغانستان والمتمثلة بتعزيز القدرة التنافسية مع الصين، غير مقنعة، فملامح استراتيجية واشنطن تجاه أفغانستان لفترة ما بعد الانسحاب تثير الشكوك والغموض بشأن قدرة واشنطن على التنافس الفعال مع بكين، حيث يبدو أنها ستقوض من القدرة الاستراتيجية لواشنطن في مواجهة الحزب الشيوعي الصيني[28].

ومع انقسام الآراء داخل المجتمع الأمريكي ما بين مؤيد ومعارض لقرار الانسحاب، قدم مؤيدو القرار ثلاث مبررات ستتمكن من خلالها الإدارة الأمريكية من تعزيز تنافسها مع بكين، حيث سيتيح الفرصة لإعادة نشر المعدات العسكرية الأمريكية المتواجدة في أفغانستان في منطقة المحيط الهندي- الهادي، إضافة إلى أنه من المتوقع أن يتيح الفرصة للدبلوماسيين والبيروقراطيين الأمريكيين لتكريس المزيد من الاهتمام والجهد لبكين بعيدًا عن المستنقع الأفغاني، فضلًا عن أن الانسحاب سيمكن الدولة من تمويل المبادرات التي تعزز مكانة واشنطن لتمكنها من التنافس مع الصين عبر توفير الأموال التي كانت ستستمر الدولة في إنفاقها لو لم تنسحب من أفغانستان، ومن ثم تخصيص مليارات من الدولارات للمنافسة مع بكين[29].

سادسًا: تأثير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على الهند

من المؤكد أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سيغير من الواقع في جنوب شرق آسيا، فمن المتوقع أن يرفع ذلك من أهمية باكستان داخل المنطقة في نظر واشنطن، وهناك شعور قوي بأن الهند هي الخاسر الرئيس من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ما يعني أن دور الهند سيتضاءل إلى حد كبير في تنمية أفغانستان وتنظر الهند إلى التطورات الأفغانية الأخيرة بخوف مبرر في غالب الوقت، نظرًا لتاريخها السابق مع أفغانستان عندما كانت تسيطر عليها حركة طالبان بين عامي 1996- 2001، إلا أنه مؤخرًا تبلور تطور في التفكير الهندي، حيث أشارت إلى أنها لم تعد تنفر من الانخراط في مسائل أكثر جوهرية من طالبان، ومقابل ذلك من المحتمل أن ترحب حركة طالبان بالتقارب مع الهند، وخاصة أن هناك حسابات ومتغيرات دولية وإقليمية تدعم بقوة احتمالات حدوث تقارب بين الجانبين خلال الفترة المقبلة[30].

ومن الملاحظ سابقًا أنه منذ عملية السلام الأفغانية كان دور الهند فيها هامشيًا في أحسن الأحوال، منذ أن توقفت الهند عن أي اتصال مباشر مع حركة طالبان الأفغانية، إلا أنه في نوفمبر 2018 حينما أجرت روسيا محادثات مع طالبان وأعضاء المجلس الأفغاني الأعلى للسلام وقوى إقليمية أخرى شاركت الهند بوفد غير رسمي من دبلوماسيين اثنين إلى موسكو، وكانت من بين الدول التي دعيت لتكون مراقبًا على اتفاق السلام الذي تم توقيعه في الدوحة أواخر فبراير 2020، حيث قال وزير الخارجية الهندي جايشانكار في كلمة ألقاها عبر الإنترنت: إن عملية السلام يجب أن تكون أفغانية، ويقودها أفغان، مؤكدًا على ضرورة احترام السيادة الوطنية الأفغانية وسلامة أراضيها، كما وشاركت الهند في مؤتمر جنيف، ومؤتمر قلب آسيا في دوشانبي، إضافة إلى مشاركتها في مؤتمر إسطنبول.

وخلال العام 2017 ألقى الرئيس الأمريكي السابق ترامب حول استراتيجيته الأفغانية- الباكستانية، دعا خلاله الهند إلى مواصلة مساعدة أفغانستان اقتصاديًا، وعقب توقيع اتفاق الدوحة بين واشنطن وطالبان في أواخر فبراير عام 2020، وفي بيان مشترك عقب محادثاته مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي في نيودلهي، أكد ترامب للقيادة الهندية على تقارب الأفكار حول مستقبل أفغانستان بقوله: إن الهند وواشنطن تتشاركان في مصلحة واحدة، وهي أن تبقى أفغانستان موحدة وذات سيادة وديمقراطية وشاملة ومستقرة ومزدهرة[31].

وفيما يتعلق بالمصالح والاستثمارات الهندية في أفغانستان، فمنذ العام 2001 قدمت الهند مساعدات لأفغانستان قدرت بحوالي 3 مليارات دولار، وفي العام 2012 قامت حكومة الهند باستضافة قمة دلهي الاستثمارية حول أفغانستان والتي دعت فيها القطاع الخاص في الدول الإقليمية إلى الاستثمار في أفغانستان، وإنشاء ما أطلقت عليه حلقة حميدة من التنافس الاقتصادي السليم في أفغانستان، إضافة إلى أنه خلال فبراير 2021 وقع غني ورئيس الوزراء الهندي تاريندرا مودي خلال قمة افتراضية اتفاقية لبناء سد “شحتوت” بالقرب من كابول ومن المتوقع أن يوفر مياه الشرب الآمنة ومياه الري والكهرباء للمناطق المجاورة.

وهناك إجماع متزايد مفاده أن حركة طالبان ليست معادية للهند تمامًا، فمنذ العام 2001 لم تدل طالبان بأي تصريحات معادية للهند، ولم تهاجم المشاريع التي تمولها الهند في أفغانستان، وقد تواصلت وكالات الاستخبارات الهندية في السنوات الأخيرة مع العناصر المهيمنة في حركة طالبان، وجرى إطلاق سراح المهندسين والعاملين الهنود المخطوفين السبعة الذين كانوا يعملون في مقاطعة باغلان بأفغانستان في مايو 2018، على دفعات، كان آخرها في سبتمبر 2020 من خلال المفاوضات مع طالبان[32].

وأشارت تقديرات هندية إلى أن حركة طالبان ليست بالضرورة متجانسة، وأن هناك صراعات داخلها يمكن للهند الاستفادة منها لصالحها، ولا يمكن النظر إلى طالبان من خلال المنظور الديني فحسب، بل من منظور إثني قومي أوسع، فطالبان فخورة بالبشتون وقوميون للغاية، ولمجرد أن تصبح طالبان جزءًا من حكومة أفغانية قوية وآمنة ومستقرة، فإنها ستطالب بإعادة أراضيها التي يسكنها البشتون في باكستان، حيث لم تصدق أي حكومة أفغانية على الحدود بين البلدين (خط دوراندا) بما في ذلك الحكومة التي قادتها طالبان بين عامي 1996- 2001.

وبدورها، أشارت طالبان إلى أنها لا تزال على استعداد للعمل مع الهند، حيث دحضت الحركة التقارير الإعلامية التي تفيد بالتحالف مع الجماعات الجهادية في كشمير، معلنة أنها لا تفضل التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى، فمن المتوقع أن تنتهج حركة طالبان نهجًا براغماتيًا مع الدول المجاورة والمحيط الإقليمي بالنظر للمتغيرات والاختلافات الكبيرة بين واقع اليوم، وما كان قائمًا قبل حوالي عشرين عامًا، ما يجعلها حريضًا على عدم خسارة الهند وعدم الانحياز ضدها، فهناك ما يجمع الهند بأفغانستان من علاقات وأواصر تاريخية وعرقية وثقافية، فالشباب الأفغاني يرتبط ببوليود والكريكيت، والأهم من ذلك فإن طريقة حياة البشتون موغلة في القدم، ولا تزال سائدة في الغالب بين قبائل البشتون أو الباثان كما هو معروف في الهند[33].

سابعًا: سيناريوهات مرحلة ما بعد الانسحاب

يمكن طرح العديد من السيناريوهات لأثر الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والمتمثلة بالتالي:

السيناريو الأول: تشكيل حكومة انتقالية:

تم طرح البديل من خلال مبعوث الولايات المتحدة الخاص بأفغانستان زلمان خليل زاد في مارس 2021، إلا أنه قوبل بالرفض آنذاك من قبل الحكومة الأفغانية، ورغم ذلك قد يعاد طرح هذا البديل مرة أخرى بضغط من القوى الدولية، يدعم هذا السيناريو بعض القوى السياسية الداخلية الطامحة إلى المشاركة في السلطة والتي لا زالت ترى في طالبان شريكًا محتملًا يمكن دمجه بالحياة السياسية، بجانب رفضها لفكرة الحرب، ينسحب ذلك بشكل خاص على “الحزب الإسلامي” بقيادة قلب الدين حكمتيار الذي وقع اتفاق سلام مع الحكومة الأفغانية عام 2016، ودعا الحزب طالبان بتاريخ 17 أبريل – بعد 3 أيام من إعلان بايدن الالتزام بالانسحاب من أفغانستان- إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار يقوم على خمسة مبادئ، تشمل إقامة حكومة جديدة تحظى بقبول جميع الأطراف مع اكتمال الانسحاب الأجنبي بحلول أيلول/ سبتمبر2021، والتزام كافة الحكومات الأجنبية بوقف أي عمليات عسكرية أو استخباراتية في أفغانستان، وإطلاق سراح كافة المعتقلين الذين تم اعتقالهم خلال العقدين الأخيرين لأسباب سياسية أو عسكرية، ورفع أسماء جميع الأفغان من قائمة الإرهاب في واشنطن، والتزام المجتمع الدولي بدفع تعويضات لأفغانستان عن الخسائر الناتجة عن الغزو الأمريكي خلال العقدين الأخيرين، ولتأكيد حضوره العسكري على الساحة نظم الحزب عددًا من التظاهرات المسلحة إحداها بتاريخ 5 مارس والأخرى بتاريخ 13 أبريل[34].

وواجه هذا السيناريو تحديات من أهمها وجود خلافات داخل النخبة السياسية ذاتها، التي برزت في مناسبات عدة، وأخذت أكثر من مستوى وأكثر من شكل، مثل الخلاف بين الرئيس أشرف غني وعبد الله عبد الله بسبب نتائج انتخابات 2019، والذي انتهى بتوقيع اتفاق بتاريخ 17 مايو 2020، إضافة إلى خلاف قلب الدين حكمتيار وبرهان الدين رباني، وقد حاول أشرف غني استيعاب هذه التيارات من خلال استحداث بعض المؤسسات التي تم الاتفاق على تأسيسها بموجب الاتفاق السياسي مع عبد الله، شملت إنشاء المجلس الأعلى للدولة، والمجلس الأعلى للمصالحة الوطنية برئاسة عبد الله عبد الله[35].

السيناريو الثاني: الحرب الأهلية:

يوجد استعداد لعمليات تعبئة داخل الفصائل الأفغانية، خاصة القيادات المحلية وأمراء الحروب، الطامحين إلى الحفاظ على مكاسبهم في مواجهة تهديد طالبان، ولن تقتصر الحرب الأهلية على طالبان من جهة والحكومة الأفغانية والفصائل الأفغانية وأمراء الحروب والزعامات المحلية من جهة أخرى، بل من الممكن انضمام تنظيم القاعدة إلى جانب طالبان، فرغم ما تضمنه اتفاق طالبان- واشنطن الموقع في فبراير 2020 من التزام طالبان بقطع علاقاتها مع تنظيم (القاعدة)، إلا أنه لا توجد شواهد عملية على اتخاذ طالبان إجراءات محددة على هذا الصعيد، وأشارت التقارير الأمريكية الصادرة عن وزارة الدفاع والاستخبارات إلى استمرار علاقات التعاون وتبادل الدعم بين الجانبين، كما وأكدت تقارير الأمم المتحدة الاستنتاج ذاته، ولم يتضمن الاتفاق الأمريكي مع الحركة أية آليات يمكن من خلالها التحقق من تنفيذ التزاماتها بهذا الشأن، كما لم يتم ربط الانسحاب الكامل بمدى تنفيذ طالبان لهذا الالتزام[36].

السيناريو الثالث: بقاء الوضع على ما هو عليه:

يفترض هذا السيناريو قدرة الحكومة الأفغانية على الحفاظ على بقائها دون القدرة على هزيمة طالبان، فيما تظل الأخيرة متمسكة بإدارة الصراع مع الحكومة دون القدرة على دفعها إلى الانهيار، ويظل هذا السيناريو مرهونًا باستمرار الدعم الدولي للحكومة الأفغانية، سواء من طرف أمريكا أو بعض القوى الأخرى التي لا تتوافق مصالحها مع سيطرة طالبان على أفغانستان، والمتمثل بكل من روسيا والصين والهند وإيران وباكستان[37].

إن السيناريو المرجح تنفيذه أكثر من غيره وهو سيطرة طالبان على أفغانستان وعودتها إلى الحكم مرة أخرى يظل هو السيناريو الأكثر احتمالًا، بصرف النظر عن بعض السيناريوهات المؤقتة التي ستمر بها أفغانستان خلال المرحلة المقبلة.

الخاتمة:

بعد حوالي عقدين من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وخلال شهر سبتمبر 2021، خرجت القوات الأمريكية من الأراضي الأفغانية، ورغم أنه كان من الممكن أن تكون تلك نقطة تحول إيجابية في تاريخ أفغانستان، إلا أن هناك مخاوف كبيرة من تبعات هذا الانسحاب، إن كان على المستوى الداخلي أو على مستوى الصراعات الدولية والإقليمية على أفغانستان، والتي قد تؤدي إلى انقسام النخبة الأفغانية وضعف مؤسسات الدولة، سواء القوات الأمنية أو مؤسسات إنفاذ القانون، وانحسارها عن مساحة كبيرة من الأراضي الأفغانية.

فنرى أن هناك صراع دولي بين الدول الإقليمية كالصراع القديم والمتواصل بين الهند وباكستان، فأفغانستان هي موقع الصراع بين البلدين، ومرشح للاستمرار بقوة خلال مرحلة ما بعد الانسحاب في ظل استمرار حالة الصراع بين البلدين، حيث تشكلت حول أفغانستان خلال السنوات الأخيرة مجموعة من المصالح الجديدة للقوى الدولية والإقليمية.

كما وتطورت مصلحة الصين في أفغانستان والمتمثلة في العمل على دمجها ضمن الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني، في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، وهو تطور يكتسب أبعادًا وتداعيات سياسية مهمة بالنسبة للصين، فلا شك أن ضم أفغانستان إلى هذا الممر سيمثل فرصة كبيرة لتوسيع حجم النفوذ الصيني في أفغانستان وفي إقليم جنوب شرق آسيا، إضافة إلى أن نجاح ربط أفغانستان بهذا الممر سيضمن دخول أفغانستان منطقة النفوذ الصيني، وتعميق ارتباطها بباكستان، بعيدًا عن دائرة النفوذ الهندي.

كما ويجهض هذا التقارب الجهود الهندية التي رمت إلى تعميق نفوذها داخل أفغانستان على حساب باكستان، فدخول الصين على خط العلاقات الباكستانية- الأفغانية يتجاوز مسألة تطوير “الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني”، ليشمل أبعادًا أمنية مثل العمل على إنهاء حالة التوتر في العلاقات الباكستانية- الأفغانية، نظرًا لعدد من القضايا موضوع الخلاف بين البلدين منذ سقوط نظام طالبان، حيث أنشأ الأطراف الثلاثة آلية للحوار الثلاثي بشأن القضايا الأمنية المشتركة.

[1] موقع مجلة الناتو (2007). التهديدات الإرهابية لدول حلف الناتو بين الحقيقة والوهم

http://www.nato.int/docu/review/2007/issue1/arabic/art4.html

[2] مرزوق، بكرو وأمين، بوزيان (2017). التدخل العسكري لحماية حقوق الإنسان “ليبيا نموذجًا”. رسالة ماجستير، جامعة مولاي الطاهر، الجزائر، ص43

[3] فضلي، نادية (2010). السياسة الأمريكية اتجاه أفغانستان؟ مجلة دراسات دولية، مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، العدد 45، ص87

[4] موقع أخبار الأمم المتحدة (2001). www.un.org/french/doc/1368

[5] موقع بي بي سي (2010). أفغانستان: خريطة لتوزيع وانتشار القوات الأجنبية.

http://www.bbc.com/arabic/worldnews/2010/11/101120_troops_map

[6] باركر، توماس (2021). التداعيات الإقليمية لانسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان.

www.whashingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/altdayat-alaqlymyt-lanshab-alwlayat-almthdt-mn-afghnistan

[7] مجلس الأمن الأمم المتحدة (2000). www.un.org/french/doc/1368

[8] رشيد، أحمد (2004). طالبان. ترجمة: نضال بغدادي، دمشق: دار الرأي للدراسات والنشر، ص67

[9] عبد الباقي، مصباح (2012). الاتفاقية الاستراتيجية بين نظام كرزاي وأمريكا. الجزيرة نت

http://www.aljazeera.net/opinions

[10] المصدر نفسه.

[11].النحال، محمد سلامة (2007). الحرب ضد الإرهاب. عمان: دار زهران، ص94

[12] السالم، عبد العزيز (2002). في ظلال أحداث 11 سبتمبر بأمريكا. جريدة الرياض، ص22

[13] الأشعل، عبد الله (2006). العالم العربي والشرعية الدولية الجديدة. مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، العدد 164، القاهرة، ص73

[14] عماد، عبد الغني (2002). المقاومة والإرهاب في الإطار الدولي لحق التقرير. مجلة المستقبل العربي، العدد 275، مركز الدراسات الوحدة العربية، بيروت، ص59

[15] كالدويل (2001). الجماعة والشفافية والتحول في أفغانستان. مجلة الناتو

www.nato.int/docu/afghanistan

[16] الربيعي، كوثر عباس (2013). البعد الأفغاني في الانتخابات الأمريكية. مركز الدراسات الدولية، جامعة بغداد، ص39

[17] المصدر نفسه، ص40

[18] المصدر نفسه، ص41

[19] روزنبرج، ماثيو (2014). China’s Uighur Unrest Is Opportunity for Afghanistan. نيويورك تايمز نشر بتاريخ 6 نوفمبر 2014 http://www.nytimes.com

[20] أشعيا، وليم (2001). روسيا وعالم ما بعد 11 سبتمبر. جريدة الشرق الأوسط، العدد 8433، ص11

[21] روسيا اليوم (2021). أكثر من ألف عسكري أفغاني دخلوا إلى طاجاكستان فرارًا من طالبان. نشر بتاريخ 5 يوليو 2021 https://cutt.us/q3AdG

[22] Afghanistan: Background and U.S. Policy: In Brief”, Updated June 11, 2021, Congressional  Research Service, CRS Report, R45122, June 11, 2021.

[23] روسيا اليوم (2021). أكثر من ألف عسكري أفغاني دخلوا إلى طاجاكستان فرارًا من طالبان. نشر بتاريخ 5 يوليو 2021 https://cutt.us/q3AdG

[24] Afghanistan: Background and U.S. Policy: In Brief”, Updated June 11, 2021, Congressional  Research Service, CRS Report, R45122, June 11, 2021

[25] خليل زاد (2021). أفغانستان: الحكومة وطالبان ترفضان مقترحًا أمريكيًا بإدخال تعديل على عملية السلام المتعثرة. فرانس 24، نشر بتاريخ 7 مارس 2021   https://cutt.us/IGASI

[26] فرانس 24 (2021). الولايات المتحدة تدعو السلطات الأفغانية وطالبان لتشكيل حكومة سلام انتقالية قبل إجراء الانتخابات. نشر بتاريخ 9 مارس 2021 https://cutt.us/llmEY

[27] Fikra Forum (2021). كيف تؤثر سياسة الصين تجاه أفغانستان على نهجها في الشرق الأوسط. بواسطة كاري سويت وتومي شتاينر، بتاريخ 14 أكتوبر 2021. https://www.washingtoninstitute.org/

[28] الشروق (2021). تأثير الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على منافسة الصين. نشر بتاريخ 2 يوليو 2021. https://www.shorouknews.com/

[29] المرجع السابق.

[30] زيدان، أحمد موفق (2021). الهند: ضحية الانسحاب الأمريكي من أفغانستان. موقع الشرق. https://m.al-sharq.com/opinion/21/09/2021

[31] المرجع السابق.

[32] موتي، ألطاف (2021). هل ستكون الهند الخاسر الأكبر في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي؟ الجزيرة مباشر، نشر بتاريخ 24 يوليو 2021. https://mubasher.aljazeera.net/opinions/2021/7/24

[33] المرجع السابق.

[34] خليل زاد (2021). أفغانستان: الحكومة وطالبان ترفضان مقترحًا أمريكيًا بإدخال تعديل على عملية السلام المتعثرة. فرانس 24، نشر بتاريخ 7 مارس 2021   https://cutt.us/IGASI

[35] فرانس 24 (2021). الولايات المتحدة تدعو السلطات الأفغانية وطالبان لتشكيل حكومة سلام انتقالية قبل إجراء الانتخابات. نشر بتاريخ 9 مارس 2021 https://cutt.us/llmEY

[36], Ali Yawar. 2021. End of the Post-Election Impasse? Ghani and Abdullah„s new power-sharing formula”, Afghanistan Analysts Newtwork, 20 Mayoflandscape/endanalysts.org/en/reports/politicalhttps://www.afghanistan 2020

[37] Ibid.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى