الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

تونس : من واقع الأزمة إلى وهم الحل، عين على المستقبل السياسي التونسي

بقلم : محمد العربي العياري. مركز الدراسات المتوسطية والدولية. تونس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

لعبة الفُصول والتأويل الأُحادي للدستور: –

في خطوة ربما تكون مُفاجئة لبعض المتابعين للشأن السياسي، وفي وارد توقعات البعض الآخر، أعلن رئيس الدولة مساء الأربعاء 30 مارس 2022على قراره بحل مجلس نواب الشعب المُنتخب بموجب نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2019. بمقتضى هذا الإجراء المسائي، يفتح رئيس الدولة قوسا جديدا من الأزمات، ينضاف لسابقيها من أزمات الاقتصاد والسياسة والوضع الاجتماعي المتدهور. تأتي هذه الخطوة، ساعات بعد انعقاد جلسة عن بعد لمجلس نواب الشعب، واكبها 121 نائبا من أصل 217، وحيث وافق 116 منهم على مشروع قانون يُلغي الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها رئيس الدولة في 25 جويلية 2021، استنادا على تأويله الخاص للفصل 80 من الدستور التونسي.

باعتماد لعبة التأويل ذاتها، يستند رئيس الدولة على الفصل 72 من الدستور، ليُعلن على حل البرلمان، والاذن بالقيام بالتتبعات العدلية في حق النواب الذين شاركوا في أشغال جلسة يوم 30مارس 2021، وذلك تحت طائلة ما اعتبره تعدّيا على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وهي تهمة قد تصل عقوبتها الى الإعدام بمقتضى أحكام الفصول 60 و63 و72 من المجلة الجزائية. ليُنشر قرار الحل في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية مساء نفس اليوم.

خطوة سياسية مفتوحة على الفهم والتأويل المتعددين

استأثر قرار حل مجلس نواب الشعب، بحيّز من النقاش حول ماهية الخطوة التي أقدم عليها رئيس الدولة، وطبيعتها وتوقيتها السياسي، في إطار تضييق الخناق على المعارضة التي أخذت بُعدا جديدا من حيث الرمزية، وطريقة التفاعل من خلال الجلسة التي انتظمت للتصويت على الغاء مراسيم 25 جويلية 2021 وما بعدها. حيث يشترك المتابعون للشأن السياسي في خطورة الاجراء الرئاسي، وحجم ما سوف يترتب عنه من تداعيات سياسية تهم الداخل المتأزم، والخارج المراقب والمُتوجس من مآلات العملية السياسية في تونس. غير أن الاختلاف في قراءة الحدث، تمحور حول تفصيل يهم مسألة تحديد من المستفيد سياسيا من الاجراء المذكور، وقد تكثّفت الرؤى والتحاليل في فكرتين رئيسيتين.

  • تقول الفكرة الأولى بأن النواب المجتمعين في جلسة 30 مارس 2022 قد حققوا الهدف السياسي من التكتيك المتمثل في احراج رئيس الدولة ودفعه للقيام بالأقصى السياسي وهو حل البرلمان، وهي الخطوة التي تكشف على نوايا الرئيس الحقيقية، بعد أن قام بتجميد عمل البرلمان، وهو اجراء لا معنى سياسي أو قانوني له. يستفيد الفاعلون السياسيون المعارضون لرئيس الدولة من قرار حل البرلمان، عبر توظيف ذلك في عملية حشد الدعم الخارجي للقوى الديمقراطية في الداخل، وترك الرئيس في مواجهة مشاكل الداخل الاقتصادية والاجتماعية، ويُؤكد بشكل واضح وصريح، نواياه المُتمحورة حول الانفراد بالسلطة، وتغيير شكل وطبيعة النظام السياسي، ونسف كل مُخرجات عشرية الانتقال الديمقراطي.
  • أما الرؤية الثانية فتتمحور حول تصور يقول بتكتيك رئاسي دفع بالنواب ومن وراءهم جزء من الطبقة السياسية الحزبية، نحو عقد الجلسة المذكورة، ومن ثمة استثمار ذلك في عملية ادانة قانونية للنواب ومُجمل الطبقة السياسية. بمعنى أوضح، أراد رئيس الدولة منح فرصة محدودة في الزمن للنواب المعارضين، ليُحوّلها الى ادانة جزائية ولىّ ذراع سياسي للدولة –بمنطق الرئيس- حتى يقوم بما كان مُؤجلا منذ 25 جويلية، وهو حل البرلمان، والذي صرح في أكثر من مناسبة بأن الدستور لا يسمح بحل المجلس، غير أنه ارتكز على ما منحه الدستور من صلاحية بموجب الفصل 72 ليضمن استقرار الدولة والسلم الأهلي وغيرها. من خلال تطويع هذا الفصل، أصبح البرلمان من وجهة نظر الرئيس، مسرحا للتوترات وتقسيم الدولة وخلق الأزمات التي قد تعصف بها، وبذلك، تكون الشرعية القانونية لحل البرلمان قد استوفت حُجّتها.

ردود الأفعال: من الادانة والرفض الى الموافقة المشروطة

لم تمض حادثة حل البرلمان دون أن تحصُد موجات من ردود الأفعال، التي اختلفت بحسب مواقع وحسابات الأطراف الداخلية والخارجية.

  • على المستوى الداخلي: كانت أُولى ردود الأفعال، مُراوحة بين الرفض التام والمطلق والادانة الصريحة لحل البرلمان. وبين من اعتبر هذه الخطوة، بداية الطريق لوضوح الرؤية واستكمال شروط الشروع في حوار جدّي وشامل للخروج من المنعطف السياسي الذي، ابتدأت ملامحه منذ 25 جويلية 2021 ولم يتزحزح الى حد الآن. اعتبر جزء من الفاعلين السياسيين والنخب الأكاديمية، أن حل البرلمان، إيذان صريح وواضح بدخول البلاد في نفق الديكتاتورية والالتفاف على المطالب الثورية التي كانت شعار عشرية الانتقال الديمقراطي. صدرت هذه المواقف على “مواطنون ضد الانقلاب، الحزب الجمهوري، التيار الديمقراطي، حزب العمال، حزب حركة النهضة، مجموعة من أساتذة القانون الدستوري”، وغيرهم من القوى والتنظيمات والأحزاب. تدعو هذه التشكيلات السياسية والقوى المدنية والأكاديمية، إلى مواصلة الضغط على رئيس الدولة واستثمار قرار حل البرلمان لعزل الرئيس سياسيا، والشروع في إجراءات عودة البرلمان المنتخب للقيام بأدواره التشريعية، مع تكتُّل القوى الديمقراطية في صف معارضة بنّاءة وفاعلة ضد رئيس الدولة. أما عن باقي الأطراف المدنية، والتي تستأثر برمزية تاريخية وأدوار سياسية واجتماعية، لا يُمكن تجاوزها أو عدم الانتباه لمواطن قوتها التعبوية والاحتجاجية، ونقصد الاتحاد العام التونسي للشغل، الهيئة الوطنية للمحامين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، فقد تراوحت ردود الفعل المُسجلة من قبل هذه الأطراف، بين نُعومة التوصيف لمسالة حل البرلمان، مع التأكيد على ضرورة الانطلاق في حوار شامل، يُخرج البلاد من أزماتها. وبين نقد العملية السياسية التي انفردت بالسلطة قبل 25 جويلية، مع مُباركة إجراءات الرئيس دون الانغماس كُليا في دعمه بصفة لا مشروطة. يتفق طرفا المعادلة، على ضرورة الانتباه للأزمات التي تعصف بالبلاد، والتي تتطلب تشاركية التصورات والرؤى لإيجاد الحلول الفعلية والواقعية. يعني ذلك، أنه لا يمكن القبول بمشاريع الرئيس وعلى رأسها الاستشارة الشعبية التي انتهت يوم 20 مارس 2022، وحصّلت تمثيلية 0.1% من الشعب التونسي. كما لا يمكن ترك إعادة ترتيب العملية السياسية بيد رئيس الدولة لوحده.
  • على المستوى الخارجي: لم تتأخر ردود الفعل من القوى الدولية على خطوة حل البرلمان. حيث سارعت وزارة الخارجية الأمريكية الى اصدار بيان بتاريخ 31 مارس 2022 تتراوح مضامينه بين اعتبار خطوة حل البرلمان انتكاسة غير مرغوبة للمسار الانتقالي الديمقراطي في تونس، وخطوة جديدة في اتجاه تعميق الازمة، مع التنبيه لضرورة عودة البرلمان للقيام بأدواره التشريعية مما يُسهّل في دفع عملية التفاوض مع الجهات الدولية المانحة، والحصول على جُرعات إنعاش للمالية العمومية والاقتصاد التونسي. يكتسي هذا البيان خُطورة واضحة على البلاد ككل، حيث يُفهم الربط بين الاستقرار السياسي وعودة المؤسسات الدستورية، بمسألة الدعم المالي للدولة التونسية، مما يُوضّح بصفة جليّة أسباب تعثُّر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، والجهات المانحة وتذبذب تصريحات المسؤولين التونسيين في هذا الخصوص. كما عبّرت رئيسة اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون، المعروفة ب”لجنة البندقية” في لقاءها مع رئيس الدولة يوم 1 أفريل 2022،وهى هيئة استشارية لمجلس أوروبا وتضم خبراء مستقلين في القانون الدستوري وتختص بتقديم المشورة القانونية للدول الأعضاء فيها، ومساعدة الدول الراغبة في جعل هياكلها القانونية والمؤسسية تتماشى مع المعايير الأوروبية والخبرة الدولية في مجالات الديمقراطية وحقوق الانسان، في بيان مُقتضب على خشية اللجنة من التراجع الخطير في مؤشر الديمقراطية في تونس، وابتعاد الدولة على مربعات الممارسة التشاركية، والخرق الواضح للدستور التونسي. تندرج هذه الادانات الواضحة لخطوات رئيس الدولة، في سياق تمسك بعض الجهات الدولية الفاعلة بمسار 2011 رغم بعض الاحترازات، وهذا ما قد يُضعف هامش المفاوضات مع الجهات المانحة، ويُعمّق العزلة الديبلوماسية التي تعيشها الدولة منذ 25 جويلية 2021.

عين على المستقبل السياسي

تنضاف خطوة حل البرلمان الى غيرها من الخطوات التي أعلنها رئيس الدولة منذ 25 جويلية 2021. غير أن خطورة الإجراءات الرئاسية، تتجاوز مسألة افراغ الساحة السياسية من فاعليها، وتغيير الشكل والنظام السياسي، إلى مُلامسة الانهيار التام والكُلّي للدولة. حيث ما فتئت مُؤشرات أزمات الاقتصاد والمالية العمومية، تصعد نحو حدّها الأقصى. هذا مع فقدان ثقة المؤسسات الدولية في قدرة الدولة التونسية على تجاوز أزماتها، خاصة بعد إعادة تصنيف القدرات الاقتصادية التونسية والوضعية المالية من قبل منظمة “فيتش” الى أدنى المستويات. مع أزمة المواد الاستهلاكية الأساسية وبروز تبعات ذلك على المستوى الاجتماعي، وتصاعد النفور الشعبي والاستياء الدولي من حاصل العملية السياسية في تونس، يُواصل رئيس الدولة في استعراض نتائج الاستشارة يوما بعد إعلانه على حل البرلمان، والتي اعتبرها تصويتا بالثقة على برنامجه السياسي.  غير أن تعدد الازمات، ومراجعة بعض الفاعلين لحدود التقاطعات مع رئيس الدولة (حركة الشعب وبعض أساتذة القانون اللذين لطالما كانوا الصوت الدستوري التبريري والتأويلي لرئيس الدولة)، إضافة الى الدعم المشروط من بعض القوى المدنية مثل المنظمات المهنيّة وهيئة المحامين، زائد الضغط الخارجي الذي يتعاطى مع الواقع التونسي ببراغماتية المصلحة، وتغيُّر احداثيات الخارطة الجغراسياسية، كل ذلك سوف يكبح سرعة تنفيذ الرئيس لخياراته السياسية والاقتصادية. لن يكون هامش المناورة مفتوحا على مصراعيه أمام رئيس الدولة، خاصة مع تنفيذ آخر خطواته التي تتعلق بالتخلص سياسيا من الفاعلين السياسيين، من خلال سلبهم فضاء وشرط التنظُّم والمبادرة وهو البرلمان. الى ذلك، انتظر جزء من الفاعلين خطوة سياسية ما للعودة الى مربع خلق التقاطع السياسي مع رئيس الدولة، وربما تكون خطوة حل البرلمان، هي العنوان الأمثل لهذه القوى ولرئيس الدولة، للبحث على نقاط التقاء سياسي تحت عناوين المصلحة الوطنية، خاصة بعد التخلص من مؤسسة البرلمان التي تُضفي على النواب بصرف النظر على مواقفهم، صفة المشاركين بقوة التمثيل والاختيار الشعبي، في أية تسوية سياسية ممكنة، حيث سيكون  رئيس الدولة مُجبرا تحت اكراهات الواقع الذي تتعمّق أزماته، على اشراك جزء من الخارطة السياسية والمدنية في أشغال حوار بالنيابة. تُقرأُ تصريحات قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية وعمادة المحامين، بعد لقاءهم برئيس الدولة يوم 1 أفريل 2022، في اتجاه الاقتراب من نوع من الحل السياسي، أو بداية الحل والذي سيكون على شاكلة حوار 2013-2014 لكنه في هذه المرة سيكون مختلفا في الشكل والعنوان والمضامين. حيث تتلخّص عناوينه ونقاطه التفصيلية في مربع النقاش حول النظام الانتخابي، ومشاريع قوانين الأحزاب والجمعيات التي وقع تجهيزها من قبل رئيس الدولة عبر لجانه القانونية. سوف يستثمر رئيس الدولة فرصة النقاشات لتخفيف الضغط، وتوظيف ذلك في سياق بحثه على نوع من الدعم المالي الخارجي، وكسب الشرعية الداخلية من خلال نصف حوار أو نصف لقاء مع القوى المدنية وبعض الفاعلين في سيناريوهات المستقبل. أما باقي القوى السياسية والمدنية، فقد تجد في مجرد القبول بالحوار أو النقاش، فرصة سياسية تُستعمل ورقة ضغط وإدانة لرئيس الدولة خاصة وأنه طالما كان رافضا لمنطق الحوار من أساسه. حيث تتحول هذه الورقة إلى محضر ادانة ودليل في نفس الوقت على تهافت مشروع الرئيس من جهة، واستنفاذه لكل أوراقه من جهة أخرى. تحدث بعض المراقبين على ضرورة تطبيق الدستور الذي يُكرر رئيس الدولة في كل مناسبة، احترامه لفصوله. حيث يجب الدعوة الى انتخابات مبكرة في غضون 45 و90 يوما. كما يصعد البعض الآخر بسقف التوقعات السياسية، الى حد الحديث على حكومتين في تشابه مع الوضع الليبي. غير ان هذه القراءات، تتكثّف في معنى وحيد وهو الاقتراب من خط النار السياسي، والمواجهة المفتوحة وفق ثلاثة عناوين: الأول، مواجهة بين الرئيس وخصومه. أما الثاني، فمواجهة بين داعمي الرئيس وخصومه. والثالث مواجهة بين الرئيس وداعميه في لحظة التعقيد الاقتصادي والسياسي القادم.

لا يمكن الانتصار على انتكاسات الانتقال الديمقراطي بخطوات الإدانة والاحتجاج فقط. حيث لا تعني المناكفات السياسية والاحتكام الى القانون شيأ أمام تعنُّت الرئيس، ومسكه بمواطن القوة المادية والرمزية. فمثلما أعاد قيس سعيد نفس أخطاء الفاعلين السياسيين لفترة 2011-2021 والمتمثل في اختصار الإصلاح وإعادة في بناء الدولة، في الشكل والنظام السياسي للدولة فقط، فإن جبهة المعارضة تُعيد استحضار القانون في تفاصيل عزل الرئيس سياسيا، دون أن تهتم كما يجب، بقضية التنظُّم والتكتيك على قاعدة الراهن والمرحلي والضروري، فيما يستمر رئيس الدولة في ممارسة هوايته المفضلة وهي لعبة الفصول.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى