الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

قراءة في نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية: الجمهورية في مواجهة اليمين الشعبوي

بقلم : محمد العربي العياري/مركز الدراسات المتوسطية والدولية /تونس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أُسدل الستار يوم الأحد 24 أفريل 2022، على الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، حيث اختار الناخبون، الرئيس المنتهية ولايته “ايمانويل ماكرون” رئيسا لعهدة جديدة بنسبة 58.4%. تجدر الإشارة الى أن انتخابات 2022 شهدت عُزوف فئات اجتماعية مختلفة، وخاصة من فئة الشباب، الذي يبدو أنه لايزال في مواجهة مفتوحة مع الجمهورية.  كانت هذه الانتخابات- وفق توصيف بعض المتابعين –  محطة اختبار لقيم الجمهورية، التي تُواجه انتكاسات وتراجعات بفعل تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي، الذي تعمّقت أزماته على وقع أزمة “الكوفيد”، وانحسار الدور الفرنسي في عديد الملفات الإقليمية والدولية، لعل آخرها، ملف الحرب الروسية الأوكرانية، الذي آلت كل تفاصيله الى طاولة السياسة الألمانية. كذلك، ملفات ليبيا ودول الساحل والصحراء الافريقية، وخاصة، العلاقات مع دول الانتقال الديمقراطي، أهمها تونس، هذا دون أن نُغفل ملف العلاقات مع الجزائر.

تميّزت الانتخابات الرئاسية الفرنسية لسنة 2022، بترشُّح شخصيات تتباين رؤاها وتصوراتها حول قضايا الداخل الفرنسي، من اقتصاد ووضع اجتماعي، وحريات فردية وغيرها، واُخرى تتعلق بالدور الاقتصادي والديبلوماسي وحتى العسكري لفرنسا خارجيا. انقسمت هذه التصورات بين أربعة أسماء سياسية، يُمثّل كل واحد منها، تيارا إيديولوجيا، وتموقعا سياسيا، يُرتّب بمقتضاه خياراته لفرنسا داخليا وخارجيا، وتتمثّل هذه التيارات السياسية في:

  • التيّار اليساري بزعامة “جان لوك ميلنشون Jean Luc Mélenchon” الذي يتزعم حركة “فرنسا الأبيّة”، والذي يخوض غمار المنافسة على رئاسة فرنسا للمرة الثالثة. يُعتبر “ميلنشون” –كما يصفه البعض- لسان الدفاع عن الجالية الإسلامية والأقليات في فرنسا، وعن الحريات الفردية عموما. كما يُعتبر من المتحمُسين لجعل فرنسا أكثر عدالة اقتصادية وإعادة الاعتبار للأدوار الاجتماعية للدولة. رغم عدم تمكُّن “ميلنشون” من حصد بطاقة عبور للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، الا أن رؤيته التي طوّرها أكثر منذ انشقاقه عن الحزب الاشتراكي، ضمنت له تأييدا مُحترما وسط الجاليات المتنوعة في الداخل الفرنسي، ولا يزال رقما مُجمّعا لقوى اليسار الاجتماعي وحتى الراديكالي.
  • تيار اليمين بزعامة “ايريك زمورÉric Zemmour” الذي اعتمد في حملته الرئاسية على مُسلّمة تتمثل في أن “الفرنسيين فقدوا الثقة بمستقبل بلادهم وأن الدولة فقدت سيطرتها على بعض الأمور مثل القضايا المتعلقة بالمهاجرين”. كان هذا الاستنتاج والذي كثّفه “ايريك زمور” في كتابه “الانتحار الفرنسي Le Suicide Français”، كلمة السر وشيفرة العبور، لحملته الرئاسية عبر حزبه “الاسترداد” والتي بُنيت على عداء واضح للأقليات، وما اعتبره ضعف الدولة في مواجهة تحديات موجات الهجرة، وتغيّر الملامح الثقافية والاجتماعية والسياسية للدولة الفرنسية.
  • اليمين الشعبوي برئاسة “مارين لوبانMarine Le Pen”، عضو البرلمان الاوروبي منذ سنة 2009 والتي تُطارد حلم رئاسة الجمهورية الفرنسية، وتُدرك الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية للمرة الثانية على التوالي، حاملة معها حلم الجبهة الوطنية الذي ورثته عن الأب المؤسس، ومن ثمة الانسلاخ سياسيا عن الحرس القديم، وتأسيس “التجمع الوطني”، ليصبح الرافعة السياسية لمشروعها الذي لازال يعتبر أن قيم الجمهورية الفرنسية تعيش أسوء أيامها، وأن المجتمع الفرنسي فقد كامل خصوصياته الحضارية. تجدر الإشارة، الى أن حدّة الخطاب الذي طالما ميّز “مارين لوبان”، شهد هذه المرة تراجعا ملحوظا خاصة فيما يتعلق بمسألة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وعداء الأقليات.
  • تيار الوسط بزعامة “ايمانويل ماكرونEmmanuel Macron” مؤسس حزب “الجمهورية الى الأمام” والذي حصد 58.4% من أصوات الناخبين، ليُتوّج رئيسا لفرنسا لعُهدة ثانية في زمن استثنائي بحكم أزمات سياسية واقتصادية متتالية. واجه الرئيس الفرنسي في عهدته الأولى ملفات حارقة منها، أزمة “الكوفيد” والصراع الديبلوماسي والسياسي مع الدولة الإيطالية فيما يخص الشأن الليبي والافريقي عموما. كذلك، موجات من الاحتجاجات الشعبية (السترات الصفراء)، وتداعيات الأزمة الاقتصادية التي لم يستطع الخبير السابق في صندوق النقد الدولي أن يجد لها طريقا الى الحل، من خلال سُلطاته الرئاسية.

ربما يُعيد الرئيس الفرنسي، في عهدته الجديدة، التفكير فيما سبق أن صرّح به لوسائل الاعلام في 2019، حين اعتبر أن الاتحاد الأوروبي يعيش على وقع مخاطر كبرى، تتمثل في أن البلدان الأوروبية نسيت بأنها مجموعة وتتصرف باعتبارها سوقا توسعية، وكذلك خسارة الحليف الأمريكي، وأيضا فقدان القدرة على الاستثمار والمحافظة على الأسواق التقليدية. هذه المرة، سيكون “ماكرون” وجها لوجه مع قضايا حارقة وملحة تُؤثر على موقعه في الداخل الفرنسي، وقد تُهدد مكانة الجمهورية الفرنسية سياسيا وديبلوماسيا.  على طاولة الرئيس الفرنسي ما يكفي من الملفات التي سوف تختبر قدراته على إدارة المستقبل السياسي، مثل الملف الروسي والعلاقات مع ألمانيا التي يبدو بانها افتكت الدور السياسي منذ اندلاع المواجهة الروسية الأوكرانية. أيضا ملف التسوية السياسية الليبية، والموقف من المتغيرات السياسية في دول مثل تونس وبعض الدول الافريقية التي لم تعد تتجه نحو فرنسا مثل دولة مالي.

تُعبّر الأرقام النهائية للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، على تغلغل ثقافة سياسية خلقت لنفسها أرضا خصبة داخل المجتمع والدولة الفرنسية. فأن يحتل اليمين الشعبوي بزعامة “مارين لوبان” المرتبة الثانية، فإن ذلك، يُؤشر على أزمة حقيقية، ربما هي نتيجة لتراكمات الإخفاق الاقتصادي المُعولم، والأزمة الاجتماعية الحادّة التي تعصف بجزء كبير من الدول الأوروبية. كما تبدو توجهات اليمين سواء بزعامة “مارين لوبان” أو “ايريك زمور”، رجع الصدى لأفكار جزء من الناخب الفرنسي الذي غدا أوروبيا أكثر منه فرنسيا بالجنسية أو الانتماء الثقافي والحضاري. لا يمكن أن تمر ملفات الأمن والتدخل العسكري والطاقة، ومحاولات التأثير السياسي في بعض من دول العالم، مع مسائل الجاليات الافريقية المتنوعة، واضطرابات الضواحي، زائد تبعات أزمة “الكوفيد”، دون أن تكون مُكلفة اجتماعيا واقتصاديا، وحتى سياسيا في مستوى اكراهات التعاقد الأوروبي والدولي، وعلى صعيد الداخل المُتحوّل ديمغرافيا واجتماعيا وسياسيا. من جانب آخر، يُعيد اليسار الفرنسي بقيادة “ميلنشون” حشد نسبة هامة من الناخبين الفرنسيين، الذين تربطهم علاقات تاريخية مع الاشتراكية الفرنسية، والتي اتخذت لنفسها عنوانا سياسيا جديدا مع رؤى وتصورات “ميلنشون” الذي وجد في قضايا الأقليات، وخطابات الاقصاء التي يُنتجها اليمين، ثم نقاط الأزمة الاجتماعية، عناوين كبرى لرؤية سياسية سمحت له على المستوى الشخصي، ولليسار الفرنسي بصفة عامة، من المحافظة على وزن سياسي وثقافي لا يمكن تجاوزه أو استبعاده من دائرة الرهان السياسي، سواء في المحطات الانتخابية، أو النقاشات الكبرى فيما يهم السياسة الفرنسية. أما ما أسماه بعض المراقبين بتيار “الجمهورية” في إشارة للرئيس “ايمانويل ماكرون”، فبالعودة الى تفاصيل الحملة الانتخابية، وما رافقها من نقاشات بين مختلف المعنيين بالرئاسة الفرنسية، فإن رصيد “ماكرون” قد تغذّى من “زلاّت” سياسية وخطابية لمنافسيه الرئيسييّن وخاصة مثّلي اليمين الشعبوي، أكثر منه ايمان الناخب الفرنسي بجدوى وحيوية البرنامج السياسي لتيار الوسط أو حزب” الجمهورية الى الأمام”. تبدو حصيلة العُهدة الأولى ل”ماكرون” غير مُطابقة للوعود التي أطلقها لحظة ترشُحه للرئاسة في عهدتها الأولى، إذ أن خيارات السلطة السياسية فيما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وقضايا الأقليات والهجرة، زائد التعامل مع ملفات الخارج اقتصاديا وعسكريا وديبلوماسيا، والتي لامست في بعض المناسبات، حدود التّلاسُن الديبلوماسي مع الدولة الإيطالية، أبانت جميعها على نوع من العجز فيما يتعلق بإدارة مثل تلك الملفات، الى الحد الذي جعل بعض المراقبين يصفون فرنسا بالدولة العاجزة، أو المجتمع المُعطّل بتعبير المفكّر الفرنسي “جاك رونسيير”. الى ذلك، تبدو إعادة انتخاب “ماكرون” لعُهدة جديدة على رأس الدولة الفرنسية، مسألة تتعلق بترتيب تفاضُلي لشخصيات أحدها يُمثّل خطرا على قيم الجمهورية (اليمين الشعبوي)، والآخر، لازال يبحث على تعبيرته السياسية خارج فضاء الإيديولوجيا التي استهلكت كامل وقتها السياسي (اليسار بزعامة “ميلنشون”). ربما يكون “ماكرون” من وجهة نظر الناخبين الفرنسيين، أكثر ثقة فيما يهم -على الأقل – مواصلة التعاطي مع الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخليا وخارجيا، بنفس آليات وطرائق الجمهورية الفرنسية. أو كذلك، مواصلة التعويل على شخصية اقتحمت عالم السياسة من خارج المؤسسات الوسيطة التقليدية، وبرؤية كانت حينها، بمثابة انقلاب فكري وايديولوجي، على تُرسانة التصورات الاشتراكية الاجتماعية الديمقراطية، التي قولبت المجتمع والدولة الفرنسية منذ خمسينات القرن العشرين.

انتهى الزمن الانتخابي للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. غير أن الزمن السياسي بدأ منذ لحظة الإعلان عن النتيجة النهائية. فبين 58% و42% سوف تتحدد أشكال التحالفات والرؤية السياسية للحكومة القادمة، مع بداية فصل الصيف، حيث سيكون لفارق 16% بين “ماكرون” و “لوبان”، القدرة على خلط الأوراق من جديد، أو ربما المحافظة على نفس العناوين فيما يهم تشكيل الحكومة الفرنسية.

الى ذلك، بإلقاء لمحة سريعة على ما يمكن أن تكون عليه المواقف من الدولة الفرنسية على الصعيد الدولي، فإن الرؤية قد تتكثّف في احدى السيناريوهات التالية: إما أن تنعزل  فرنسا سياسيا -بصفة مؤقتة -الى حين إيجاد تسويات سياسية للعديد من الملفات الدولية القديمة والجديدة (سوريا-ليبيا-روسيا/أوكرانيا- الصين)، مع تسليم الأدوار والقدرة السياسية لدول أخرى مثل المانيا التي خبرت جيّدا التفاوض بشأن الملفات المذكورة، وإما أن ينهمك الرئيس الفرنسي في تجسيد ما يُردّده أثناء الحملة الانتخابية من ضرورة مراجعة بعض الخيارات وإصلاح القوانين والنّظر بعمق فيما يمكن أن تستفيد منه فرنسا على المستوى الأوروبي والدولي. الى ذلك، كانت نتائج الانتخابات الرئاسية دليلا –على حد توصيف بعض الملاحظين السياسيين- انتصارا للجمهورية في مواجهة الشعبوية المتطرفة.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى