الدراسات البحثيةالمتخصصة

أثر الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي

اعداد : عصام عبدالمنعم البدري محمد  – اشراف : د. سحر عبدالرؤوف – كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

يُعتبر الأمن الغذائي من أكبر التحديات التي تواجه الوطن العربي؛ فعلى الرغم من توافر كافة العوامل التي تُتيح للدول العربية تحقيق الإكتفاء الذاتي والأمن الغذائي سواء من عوامل طبيعية ( تربة صالحة للزراعة، توافر المياه، التنوع المناخي) وعوامل بشرية (الأيدي العاملة الرخيصة)، إلا أن الدول العربية مازالت تُعاني من نقص في انتاج الغذاء إذا ما قورن الطلب على الغذاء مع المعروض منه، ولتعويض النقص وتغطية فائض الطلب تستورد الدول العربية ما يقرب من نصف احتياجاتها  من السلع الغذائية بفاتورة تبلغ قيمتها 110 مليار دولار سنويًا هذا في ظل الأوضاع والظروف العادية، ولكن مكمن الخطورة في أوقات الأزمات إذ ترتفع  أسعار السلع الغذائية مع إحجام الدول المصدرة لتلك السلع عن التصدير لأسباب أمنية وإستراتيجية ومن وآيات ذلك ما شهده العالم في الأزمة المالية 2008_2009 وتلاها من أزمة غذائية، فضلًا من أزمة كورونا والتي مازالت تبعاتها مستمرة حتى الآن، وبينما تحاول الدول معالجة كافة أوضاعها في محاولة منها للتعافي من أثار الأزمة وإذا بالحرب الروسية الأوكرانية تُلقي بظلالها على العالم أجمع لتفاقم ليس فقط من حدة الأزمة الغذائية وانما انبثقت عنها العديد من الأزمات ك مشكلة التضخم، وأزمة الطاقة، أزمة سلاسل الإمداد، لكن ما يعنينا هنا هو مشكلة الأمن الغذائي وما مدى تأثير الحرب الروسية الأوكرانية عليه، ولكن قبل الحديث عن أثر الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي سنتطرق أولًا لتحديد ماهية الأمن الغذائي ومحددات وأبعاد الأمن الغذائي العربي وكذلك أبرز التحديات التي تواجه الدول العربية في سبيل تحقيق أمنها الغذائي فضلًا عن دور التكنولوجيا في تحقيق الأمن الغذائي في الدول العربية و صولًا لبعض النتائج والتوصيات التي نأمل  أن تساهم في معالجة أزمة الأمن الغذائي في الوطن العربي.

المشكلة البحثية:

تتمحور المشكلة البحثية في تساؤل رئيسي قوامه: ما مدى تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي؟ والذي يندرج تحته العديد من التساؤلات الفرعية والتي تتمثل في: ماهية الأمن الغذائي؟ وما أبعاد ومحددات الأمن الغذائي العربي؟ وما أبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي؟ وهل يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في معالجة الفجوة بين العرض والطلب على الغذاء؟

أهمية البحث:  

تتجلى أهمية الدراسة في الموضوع ذاته إذ تعالج الدراسة أزمة تعد من أخطر الأزمات التي تهدد أمن وسلامة الشعوب وتمثل خطرًا على مستقبل الوحدات السياسية ومدى استقراراها، وتجمع الدراسة بين شقين: (الشق الأكاديمي النظري) الذي يركز على الإطار النظري للتعريف بماهية الأمن الغاذئي ومعرفة أبعاده ومحدداته والأسباب التى انبثقت منها الأزمة مع إلقاء الضوء على أثر الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي، وفي الوقت ذاته تعتمد الدراسة على (الأسلوب الإمبريقي تطبيقيًا) اعتمادًا على دراسة أسباب نشوء الأزمة وأبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي في الوقت الراهن أوعلى المدى القريب، وبالتالي فإن نتائجها يمكن أن تساهم في تقديم رؤية لصناع ومتخذي القرار المعنيين بالأمر لمعالجة الأزمة والوقوف على أبعادها لمحاولة تفادي تفاقمها في المستقبل القريب.

هدف الدراسة:     

لذلك وتأسيسًا على ما تقدم: نستهدف من خلال هذه الدراسة الإجابة على جملة التساؤلات التي تصاحب المشكلة البحثية من خلال التعريف بماهية الأمن الغذائي، ودراسة أبعاد ومحددات الأمن الغذائي العربي، وكذلك تسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي، ودور التكنولوجيا في معالجة الفجوة بين العرض والطلب على الغذاء، و وصولًا لعرض بعض إنجازات واسهامات الدول العربية في مجال الأمن الغذائي ووضع بعض التوصيات التي نأمل أن تساهم في معالجة الأزمة.

منهج الدراسة (البحث):

اعتمد الباحث في هذه الدراسة على عملية الإستقراء بشكل رئيسي والذي يقوم على ملاحظة واقع الأزمة لمعرفة أسبابها والوقوف على أبعادها لتدارك تداعياتها المستقبلية. إلا أنه يوجد إقتراب علمي آخر سنلجأ إليه في ثنايا تناولنا للمسألة وهو الأسلوب الحليلي مع اتباع بعض الإجراءات القياسية لفهم طبيعة البيانات والمتغيرات التي تؤثر في الأزمة.

تحديد الدراسة:

_النطاق الزمني للدراسة (فترة الدراسة): يتحدد النطاق الزمني للدراسة ابتداءًا من 24 فبراير 2022 باعتباره التاريخ الذي اندلعت فيه الحرب الروسية الأوكرانية وبداية ظهور أزمة سلاسل الإمداد والأمن الغذائي وحتى 30 سبتمبر 2022 باعتبار أن الحرب مازالت قائمة وأن جُل تداعياتها لا يمكن  تداركها الآن وانما ستظهر على مدى ليس بالبعيد، لذلك اختص الباحث هذه الفترة لتسهيل الدراسة ليس إلا.

_ النطاق الجغرافي (المكاني) للدراسة: تم تحديد نطاق الدراسة الجغرافي وهو الوطن العربي من الخليج للمحيط باعتباره محل الدراسة مع التركيز على بعض النماذج التي تعد أكثر تأثرًا بالأزمة وكذلك النماذج التي حققت نتائج ملموسة في ملف الأمن الغذائي. وإن كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد ألقت بظلالها على العالم أجمع الذي يُعاني من أزمة الأمن الغذائي مع تفاوت الدرجات، إلا أن تحديد النطاق الجغرافي للدراسة انما هو للتسهيل ليس إلا حتى يتمكن الباحث  من حصر المشكلة في نطاق محدود.

تقسيم الدراسة (خطة البحث):

  • المبحث الأول: ماهية الأمن الغذائي.
  • المبحث الثاني: أبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي:

_ أزمة كورونا.

_الحرب الروسية الأوكرانية.

  • النتائج والتوصيات.
  • الخاتمة.

 المبحث الأول: ماهية الأمن الغذائي

_ مفهوم الأمن الغذائي: يُعتبر الأمن الغذائي مفهوم مرن؛ حيث وضعت له العديد من التعريفات التي تختلف في أبعادها ومكوناتها لكن يظل جوهرها ثابتًا ووردت محاولات عديدة في الكثير من الكتب المنشورة لوضع مفهوم للأمن الغذائي؛ لذلك كان من الضروري أن نتعرض للتطور التاريخي لمفهوم الأمن الغذائي الذي بات يعكس إقرارًا واسعًا بتعقيدات قضاياه المطروحة على المستوى الاقتصادي والسياسي. نشأ مفهوم الأمن الغذائي في سبعينات القرن الماضي أثناء المناقشات التي جرت حول المشاكل الغذائية الدولية خلال أزمة الغذاء العالمية وتطور المفهوم في العقود التالية ليعكس التغييرات في منهج التفكير الرسمي حيال مسألة الأمن الغذائي حيث كان التفكير في بادئ الأمر مُنصبًا حول مشاكل الإمدادات الغذائية لضمان توافر المواد الغذائية الأساسية واستقرار أسعارها على المستوى الوطني والعالمي.

نص تقرير مؤتمر الغذاء العالمي لعام 1974 على “إن توافر إمدادات الغذاء العالمية على الدوام يجعل من المواد الغذائية الأساسية كافيًا للحفاظ على التوسع المطرد في الاستهلاك الغذائي وللتعويض عن التقلبات في الإنتاج والأسعار”. وفي عام 1983 رسخ تحليل منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أهمية الحصول على الغذاء، مما أدى إلى التعريف القائم على التوازن بين العرض والطلب من معادلة الأمن الغذائي، فقد ورد فيه “يجب التأكد من أن جميع الناس في جميع الأوقات قادرين على الحصول فعليًا واقتصاديًا على الأغذية الأساسية التي يحتاجون إاليها”. وقد عرفت وزارة الزراعة الأمريكية الأمن الغذائي في تقرير لها ورد فيه “يتحقق الأمن الغذائي على مستوى الأسرة عندما يتمكن جميع الأفراد في الأسرة، في جميع الأوقات، من الحصول على ما يكفي من الغذاء لحياة صحية نشطة”.[1]

غير أن هذه التعريفات تختلف عن المفهوم التقليدي للأمن الغذائي الذي يرتبط بتحقق الإكتفاء الذاتي باعتماد الدولة على مواردها وامكاناتها في في إنتاج احتياجاتها الغذائية محليًا. ولكن بالنظر إلى تعريف الفاو سنجد أنه أكثر انسجامًا مع التحولات الاقتصادية الحاضرة وما رافقها من تحرير التجارة الدولية في السلع الغذائية.

وتُتعتبر زيادة إنتاج المحاصيل الزراعية لتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي من السلع الغذائية من إحدى المقومات الرئيسية للأمن الغذائي العربي. وقد تمكنت الدول العربية من تحقيق الإكتفاء وفائض تصديري في بعض السلع الغذائية كالخضروات والأسماك إلا أنها وبالرغم من تحقيق زيادة في انتاج الحبوب والمحاصيل، سنجد أن قيمة الفجوة للسلع الغذائية الرئيسية استمرت في الإرتفاع واستمر العجز في عدد من المحاصيل الرئيسية، حيث تستورد الدول العربية حوالي نصف احتياجاتها من الحبوب و63% من الزيوت النباتية، و71% من السكر، وقد مثلت  هذه السلع حوالي 76% من قيمة فجوة السلع الغذائية الرئيسية في 2007.

وتتحكم مجموعة من العوامل والمحددات في في كمية الانتاج الزراعي وحجم الفجوة الغذائية في الدول العربية تتمثل في:

_ محددات الأمن الغذائي العربي:

تعتمد قدرات الدول وامكاناتها للإنتاج الزراعي، و مدى ما تحققه في مجال أمنها الغذائي، على الرصيد الذي تملكه من الموارد الزراعية الأساسية، وأيضًا على معدل ما تبلغه من مستويات الكفاءة في استغلال وتوزيع تلك الموارد بين أوجه استخداماتها البديلة، والتوافق الأمثل فيما بينها، وبصفه عامة تزخر المنطقة العربية بقدر وافر من الموارد الزراعية الطبيعية التي تُتيح لها إمكانية زيادة الإنتاج الزراعي وتحقيق مستويات أفضل من الأمن الغذائي إذا أُحسن استخدام تلك الموارد مع توفر مناخ ملائم للإستثمار الزراعي بما في ذلك الآلية المناسبة لتوفير التمويل اللازم للتنمية الزراعية، وسوف يتم التركيز على العوامل التالية:

  • الموارد الزراعية: تختلف الدول العربية من حيث المساحة التي تشغلها الزراعة في كل منها نظرًا لعوامل عديدة من بينها الجغرافيا والبيئة وتوفر الموارد الطبيعية. حيث تبلغ المساحة الجغرافية للمنطقة العربية حوالي 1343مليون هكتار، تمثل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة حوالي 233.24 مليون هكتار أي بنسبة 17.34% والتي يزرع منها فقط 74.12 مليون هكتار بنسبة 31.78% من إجمالي مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في الوطن العربي.[2]

جدول يوضح المساحة الجغرافية والمزروعة ومساحة الأراضي الصالحة للزراعة بالمنطقة العربية

    البيان المساحة المزروعة   مساحة الأراضي الصالحة للزراعة
المنطقة العربية 2016 2017 2018 2016   2017 2018
المساحة الجغرافية للمنطقة العربية 65.76 72.86 74.12 232.22   232.76 233.24
        1,342.72      

 

يتضح من خلال الجدول السابق أن نسبة المساحة المزروعة إلى المساحة الجغرافية على مستوى الوطن العربي قدرت بنحو 5.52% بينما وصلت إالى نحو 6.32% على المستوى العالمي عام 2018 نتيجة وقوع المنطقة العربية في الإقليم الجاف، الأمر الذي يعكس ضرورة تبني سياسة التوسع في إنتاج محاصيل مقاومة للجفاف والحرارة وزيادة الإنتاجية من وحدة المساحة لتتناسب ومعدلات النمو السكاني في المنطقة، وتعكس المؤشرات السابقة مدى خطورة الموقف وعدم تبني سياسات فعالة حيال التنمية الزراعية وهو ما يؤثر بالسلب على الإنتاج الزراعي وصحة المواطنين ويعرض دول الوطن العربي للخطر إذ باتت غير قادرة على توفير غذائها بصورة تتناسب مع تزايد معدلات استهلاك السلع الغذائية نتيجة تزايد النمو السكاني، وهو ما ظهر جليًا في بعض الحالات الراهنة كالمجاعات التي تعيشها اليمن، والصومال، وسوريا، بالرغم من كبر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في هذه الدول، إلا أنها تعاني من العديد من المعوقات والتي من أهمها الرعي الجائر، والحروب والنزاعات المسلحة، ونقص الموارد المائية، وهجرة العديد من سكان هذه البلاد نتيجة الأوضاع الداخلية. ويتوقع أن تتفاقم ظاهرة التصحر في الدول العربية وأن تكون لها أثار سلبية في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعيةوالبيئية ما لم يتم وضع الضوابط والآليات لمواجهة هذه التحديات، وتهيئة الظروف لاستغلال الموارد التي تتمتع بها المنطقة العربية.

  • الموارد المائية: تتصف الموارد المائية في الوطن العربي بالندرة، وتتفاقم هذه الندرة على كافة المستويات بمرور الوقت ففي حين تعادل مساحة الوطن العربي 10.8% من مساحة اليابسة في العالم فإنه يحتوي على 0.7% من إجمالي المياه العذبة الجالرية في العالم، ويتلقي 2.1% فقط من إجمالي أمطار اليابسة. تعكس المؤشرات السابقة مدى ما يعانيه الوطن العربي من فقر مائي، كما تجدر الإشارة أيضًا إلى تعرض الأراضي الزراعية العربية للتدهور نتيجة الانجراف والتملح واستنزاف واجهاد التربة، وإلى توسع العمران على حساب الأراضي الزراعية إضافة إلى ما تواجهة المنطقة من تحديات تتمثل في شح الموارد المائية وضعف كفاءة الري، وضعف برامج استصلاح الأراضي، وتدهور الأراضي الزراعية وانخفاض انتاجية بعض المحاصيل بشكل عام مقارنة بمستوياتها في الدول المتقدمة، وعدم توفير مناخ للاستثمار مما جعل القطاع الزراعي هو الأقل جذبًا للاستثمار والأضعف مردودًا مقارنة بالقطاعات الأخرى، كما تشمل تلك المعوقات ضعف الانفاق والاستثمار في البحوث العلمية الزراعية، ونقص الكوادر البشرية المدربة التي يعول عليها في إدارة التنمية، ولكي نستطيع مواجه مثل هذه الظروف علينا وضع سياسات تكيف مع المتاح من الموارد المائية وأحسان وترشيد استغلالها من خلال اتباع أنظمة الري الحديثة وغيرها من الآليات.[3]
  • الموارد البشرية: تُعتبر الموارد البشرية العنصر الحاكم والفاعل في عملية التنمية، وهي في ذات الوقت غاية التنمية وهدفها النهائي. ومن ثم، فإن أهمية الموارد البشرية لا تتمثل في كمها العددي، وإنما تتجاوزه إلى أبعاد مختلفة تتمثل في خصائصها وسماتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى استقرارها وقدرتها على الإنتاج. تُشير التقديرات إلى أنه بحلول 2050 سيزيد عدد سكان المنطقة العربية من 390 مليون نسمة إلى نحو 655 مليون نسمة، وهو ما يشكل ضغط على الموارد المتاحة، وينبغي أن تشكل الجهود الرامية إلى الحد من هذا النمو السكاني، عن طريق خفض معدل الخصوبة جزءا لا يتجزأ من استرتيجية الأمن الغذائي في المنطقة. وتشير البيانات إلى زيادة أعداد سكان المنطقة العربية إلى 431.38 مليون نسمة في عام 2020 مقارنة بنحو 412.77 مليون نسمة عام 2017، كما قدر معدل نمو السكان الريفيين في المنطقة العربية خلال الفترة 2017ـ 2020 بنحو 13.91%. إن زيادة معدل النمو السكاني في المناطق الريفية هو ما يشكل أهم التحديات التي تواجه الجهود التنموية المتمثلة في مجالات زيادة الإنتاج الزراعي وإتاحة فرص التشغيل خفضًا للفقر وتحسين معدلات الأمن الغذائي[4].

            رسم بياني يوضح عدد السكان الكلي والريفيين بالوطن العربي (مليون نسمة)

وبناء على ما سبق، فإن أرتفاع معدلات النمو السكاني تؤدي إلى زيادة الطلب على الغذاء وبالتالى زيادة العجز الغذائي، وهذا التزايد الكبير في النمو السكاني وتعاظم الضغوط على الموارد المحدودة من المياه والأراضي يثير القلق حول مستقبل الأمن الغذائي العربي، غير أنه يمثل نقطة قوة تتجلى في توافر العامالة الرخصية والكافية لإدارة عملية الإنتاج إذا ما أُحسن توظيفها.

_ مكونات وأبعاد الأمن الغذائي:

يتضمن مفهوم الأمن الغذائي أربع مكونات رئيسية تم تحديدها من قبل منظم الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة تتمثا فيما يلي:

  • توافر الغذاء: ويعني وجود كمية غذاء تكفي للإستهلاك المحلي، مع الاستيراد أو الحصول على المساعدات الغذائية بشكل ثابت.
  • الحصول على الغذاء: وتتمثل بوجود موارد مختلفة أو دخل يكفي من أجل الحصول على الغذاء.
  • استخدام الغذاء: بمعنى استخدام المواد الغذائية ومعاملتها بالشكل الملائم، من خلال تخزينه بشكل جيد، مع التعرف على الممارسات الصحية للتغذية وتطبيقها.
  • الاستقرار: بمعنى توفر الغذاء في جميع الأوقات، وإن كانت تلك الأوقات خاصة بحالات الطوارئ كموضوع دراستنا لأثر الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي.[5]

كما يتضمن الأمن الغذائي أبعاد عدة أبرزها:

  • البعد الأخلاقي: ويتعلق هذا بحالة الإنسان الحالية والمستقبلية، لأن الغذاء أمر أساسي في حياة الإنسان، لهذا يجب عد الإضرار بالأمن الغذائي أو الغذاء.
  • البعد الاجتماعي: هو البعد الذي يتأثر بالعناصر الاجتماعية المُجملة، ومن تلك العناصر التحكم في زيادة عدد السكان والخصوبة مع التخطيط السكاني، والحراك الجماعي في المجتمع.
  • البعد الاقتصادي: ويساعد البُعد الاقتصادي على تأمين الأمن الغذائي، ويكون من خلال توفر عدة عناصر منها الموارد الطبيعية، الخدمات وتطور الصناعة، ووجود الاتصالات والمواصلات (سلاسل الإمداد).
  • البُعد السياسي: وهو المتعلق بدور الدولة في الإشراف على السياسات والبرامج الخاصة بالأمن الغذائي، والتنمية في كافة المجالات بما فيهم التنمية الزراعية للمحافظة على استراتيجيات الأمن القومي.[6] 

المبحث الثاني: أبرز التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العربي

أولًا: أزمة COVID 19:

بذلت الدول العربية جهود جبارة في تنويع السلة الغذائية في السنوات القليلة الماضية، وارتفع الناتج الزراعي في الوطن العربي من 75.2 مليار دولار في 1997 إلى 98 مليار دولار في 2007 وإلى 140.75 مليار دولار في عام 2017، غير أن الدول العربية تواجه تحديات كبيرة في ملف الأمن الغذائي وزاد من حدة الأزمة ظهور فيروس كورونا، عندها أدرك العالم العربي مدى أهمية الأمن الغذائي، بعد أن شهد العالم إغلاقات لمختلف القطاعات الاقتصادية، ومنها سلاسل إمداد الغذاء العالمية، خاصة على صعيد التصنيع الغذائي وإغلاق الأسواق، وفرض قيود على حركة البضائع والأفراد التي نتج عنها نقص في الأيدي العاملة المساهمة في الإنتاج الزراعي. حيث تعتمد الدول العربية بشكل أساسي على استيراد حاجتها الأساسية من المواد الغذائية رغم توفر الموارد الطبيعة اللازمة للزراعة[7].

كما أصدرت المنظمة العربية للتنمية الزراعية تقرير يُفيد بأن معظم الدول العربية تواجه تحديات متعددة الأوجه والأبعاد إزاء مواجهة تداعيات جائحة كورونا على الأمن الغذائي، وتتمثل تلك التحديات في:

_ صعوبة الوصول لأسواق مدخلات الإنتاج نتيجة لسياسات الإغلاق التي اتبعتها الدول وبالتالي نقص الإنتاج وارتفاع الأسعار.

_ نقص العمالة نتيجة لتقييد حركة الأفراد وما ترتب عليه من أثار سلبية انعكست على مساحة الأراضي المزروعة مما ترتب عليه نقص الإنتاج والمعروض من السلع الغذائية وبالتالي ارتفاع الأسعار.

_ انخفاض المخزونات الإستراتيجية للدول دون تعويض نتيجة نقص الإنتاج والحاجة لتلبية الإستهلاك المحلي.

ويتضح مما سبق خطورة ما تعانية الدول العربية من أزمة تكاد تهدد بقائها واستقرار أنظمتها السياسية، لذلك سرعان ما تداركت بعض الدول خطورة الأزمة وبدأت في إعداد استرتيجيات للأمن الغذائي لا تقل أهمية عن استرتيجيتها الأمنية في كافة الأبعاد، وبينما مازالت الدول العربية تخوض زمار المعركة لمحاولة التعافي مما أحدثته جائحة كورونا من أثار وتداعيات على أمنها الغذائي وإذا بالحرب الروسية تُلقي بظلالها على العالم أجمع لتعيد الكرة مرة أخرى.

ثانيًا: الحرب الروسية الأوكرانية:

تمثل الأزمة الروسية الأوكرانية تهديدًا جديًا و وجوديًا مباشرًا للأمن الغذائي العربي يستدعي حلولًا عاجلة لتقليل تبعات هذه الأزمة، وأخرى طويلة الأمد لتفادي تكرار أثارها، لذلك يجب على الدول العربية إعادة النظر في تعريفها لمفهوم الأمن القومي العربي وتضمين الأمن الغذائي باعتباره أحد مكوناته، وإعادة الإعتبار لمفهوم الأمن الغذائي العربي والذي طالما كان الحديث عنه يعد من باب الرفاهية، إلى أن يتم تحقيق الإكتفاء الذاتي لكل الدول العربية من الغذاء عبر رفع معدلات الإنتاج المحلي والتوسع في زراعة المحاصيل الرئيسية، فلا مناص من العودة مرة أخرى لكن بإرادة حقيقية ونظرة مستقبلية، لدراسة إمكانيات وفرص التكامل الغذائي العربي من أجل تعزيز الأمن الغذائي لكافة دول المنطقة عبر الاستثمار في مشروعات زراعية عربية مشتركة، وذلك في ظل وجود فوائض مالية عربية ضخمة وأراضي عربية شاسعة قابلة للزراعة، وموارد وتجارب عربية متميزة في مجالات عدة ترتبط بشكل أو بأخر بعملية إنتاج الغذاء ولا ينقصها فقط غير التكامل.

وإذا ما ذهبنا لبحث تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربي سنجد أن روسيا هي أكبر مصدر للقمح في العالم ب37.3 مليون طن سنويًا، في حين تأتي أوكرانيا في المركز الرابع ب18.1 مليون طن سنويًا، لكن ما يمثل الخطورة هو أن معظم الدول العربية التي يمثل الخبز فيها غذاءً رئيسيًا تعتمد بشكل رئيسي على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا، بعد أن أظهرت لنا نتائج البحث أن عام 2020 على سبيل المثال شهد استحواز الدول العربية وحدها على 11% من صادرات القمح العالمية، واستيرادها نحو 13.165 الف طن من القمح من روسيا، ونحو 7.598 الف طن من أوكرانيا وهو ما يمثل 42.1% من مجمل صادرات طرفي الأزمة وفقًا لبيانات احاد المصارف العربية، هذا فيما يتعلق بالدول العربية مجتمعة أما بالنظر لكل دولة على حدى سنجد أن مصر على سبيل المثال هي أكبر مستورد للقمح في العالم وأكبر مشتر للقمح الروسي الذي استوردت 22% من صادراته في عام 2020 وكذلك المستورد الأول للقمح الأوكراني إذ استوردت في ذات العام نحو 17% من صادراته، أما بقية الدول العربية فليست أحسن حالًا أو أقل اعتمادًا[8].

إن الاندفاع تجاه التفكير في الأمن الغذائي بمعنى أن يكون هناك دعم وإنفاق كبير قد لا يحقق المتوقع منه بسبب متطلبات الإنتاج التي تتطلب تكامل وتوافر عناصر الإنتاج، وبسبب تعقيدات العولمة أصبحت بعض المنتجات تتركز في مناطق محددة حول العالم، والأهم في هذه المرحلة هو الاستمرار في دعم التقنيات التي تعزز القدرة على إنتاج منتجات متنوعة في ظروف بيئية مختلفة وأدوات وعناصر فيها وفرة محلية، وتشجيع الجامعات ومراكز البحث في الوطن العربي على الاستثمار في هذا المجال. في ظل هذه الأرقام يبدوا منطقيًا أن يكون الشرق الأوسط والوطن العربي من المناطق الأكثر تأثرًا بالأزمة، والأكثر تضررًا من استمرارها وإطالة أمدها في ظل إمتلاك معظم الدول مخزونًا استرتيجيًا من القمح يكفي فقط لأشهر معدودة، مع تضرر إمدادات القمح المتوقع، وخاصة أن العمليات العسكرية تتركز في شرق أوكرانيا التي تحتوي على الأراضي الزراعية الأعلى خصوبة والأوفر محصولًا والأكثر إنتاجًا للقمح على نحو يمكن الجزم معه بحدوث تراجع في معدلات إنتاجه مما سيؤثر بالسلب على الأسعار الحالية والمستقبلية، وفي ظل القرارات التي اتخذها طرفي الأزمة ولاسيما روسيا بحظر تصدير الحبوب حتى نهاية أغسطس على أقل تقدير لتأمين احتياجاتها المحلية بعد العقوبات القاسية التي فُرضت عليها[9].

يلعب الاتحاد الروسي وأوكرانيا دورًا حاسمًا في الاقتصاد العالمي لأنهما مصدران رئيسيان للنفط الخام والغاز الطبيعي وخامات المعادن المختلفة…إلخ. وبالإضافة إلى ذلك، فكلاهما لاعبان رئيسيان في القطاع الزراعي العالمي لأنهما منتجان رئيسيان للقمح، والأسمدة، وزيوت الطعام. وبذلك فإن أي تخفيض في الكميات المصدرة من تلك السلع سيؤدي إلى أزمة عرض حول العالم تؤدي إلى التضخم ومضاعفة التأثير على الأفراد، وهو ما تجلى فعليًا على الوضع الحالي نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية التي خلقت حالة من التضخم طالت دول العالم أجمع وبالأخص الوطن العربي الذي يعتمد بشكل في تلبية احتياجاته الغذائية على الخارج وبالاخص روسيا وأوكرانيا[10].

تكمن الفائدة الحقيقة من الأزمة الروسية الأوكرانية في سرعان تدارك الدول العربية لخطورة الأزمة ومدى أهمية تحقيق الأمن الغذائي بكافة أبعادة ومكوناته، مما سمح لبعض الدول العربية إعادة النظر في سياساتها وتحالفاتها، من خلال وضع الخطط والإسترتيجيات على المدى القريب والبعيد، فعلى المدي قريب من خلال تنويع مصادر الحصول على السلع والمواد الغذائية، وترشيد الاستهلاك، وتوفير مخزون استراتيجي لأوقات الأزمات. أما على المدى البعيد لجأت بعض الدول لإعادة دعم الاستثمار في قطاع الإنتاج الزراعي، وتقديم الدعم لمجال البحث العلمي في هذا القطاع، وإن كان بعض الدول قد اتبعت هذه السياسة من قبل الأزمة الروسية الأوكرانية وخير مثال على ذلك هو السياسة المصرية التي اتخذت قرارات استصلاح مليون ونص فدان زراعي وإنشاء الدلتا الجديدة، وإعادة إحياء مشروع توشكى، ودعم قطاعات الإنتاج الغذائي سواء الزراعي أو الصناعي سعيًا منها لتحقيق أمنها الغذائي.

وختامًا، يظل ملف الأمن الغذائي في الوطن يمثل هاجس لدوائر صنع القرار في الوطن العربي في ظل الأوضاع الحالية، وما يشهده العالم من متغيرات تتطلب من قادة الدول العربية إعادة ترتيب الأوراق والنظر في السياسات الحالية والمستقبلية لإدراج مفهوم الأمن الغذائي في الإسترتيجيات الأمنية باعتباره أحد مكونات الأمن القومي التي لا تقل أهمية عن كافة مكونات الأمن القومي من أمنية، وعسكرية، واقتصادية،…إلخ، ودعم سُبل البحث العلمي في مجال إنتاج الغذاء، وإعداد الدراسات المستقبلية لمواكبة التطور العلمي لتعزيز دور التكنولوجيا في تحقيق الأمن الغذائي، وتدريب الكوادر البشرية العاملة في مجال الزراعة وإنتاج الغذاء لإستخدام أحدث الطرق والآليات في عملية الإنتاج.  

_ قائمة المصادر والمراجع:

1ـ تقرير عن “الأمن الغذائي في الوطن العربي”، الأمانة العامةـ إدارة الأبحاث والدراسات التابعة لإتحاد المصارف العربية، يوليو2020.

2ـ الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، 2019.

3ـ سمير عدلي يوسف، “مؤشرات الأمن الغذائي وتدنية العبء المزدوج”، الفجوة الغذائية وانتشار بعض الأمراض المرتبطة بنقص التغذية وسلامة الأغذية في مصر، المؤتمر الخامس لمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي، القاهرة، 2005.

4ـ    تقرير عن “تأثير الأزمة الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربيـ تحديات تواجه الدول العربية في تأمين حاجاتها من الحبوب والطحين والخبز”، اتحاد المصارف العربية، العدد 496، مارس2022.  https://2u.pw/2a7Zm .

5ـ عمرو حسين الصديق، “تأثير الأزمة الأوكرانية الروسية على الأمن الغذائي وتداعياتها على الدول العربية”، المركز الديمقراطي العربي برلين، 14 أبريل 2022. https://democraticac.de/?p=81697 .

6ـ كنزي سيرج، “الأمن الغذائي في ظل الحرب الروسية الأوكرانية”، المركز المصري للفكر والدراسات الإسترتيجية، 1 يناير2022. https://ecss.com.eg/19551/ .

[1] تقرير عن “الأمن الغذائي في الوطن العربي”، الأمانة العامةـ إدارة الأبحاث والدراسات التابعة لإتحاد المصارف العربية، يوليو2020، ص1.

[2] الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية العربية، المنظمة العربية للتنمية الزراعية، 2019.

[3] المنظمة العربية للتنمية الزراعية، مرجع سابق.

[4] المنظمة العربية للتنمية الزراعية، مرجع سابق.

[5] تقرير عن “الأمن الغذائي العربي”، مرجع سابق، ص2.

[6] سمير عدلي يوسف، “مؤشرات الأمن الغذائي وتدنية العبء المزدوج”، الفجوة الغذائية وانتشار بعض الأمراض المرتبطة بنقص التغذية وسلامة الأغذية في مصر، المؤتمر الخامس لمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي، القاهرة، 2005، ص35.

[7] تقرير عن “الأمن الغذائي العربي”، مرجع سابق، ص6.

[8]  تقرير عن “تأثير الأزمة الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العربيـ تحديات تواجه الدول العربية في تأمين حاجاتها من الحبوب والطحين والخبز”، اتحاد المصارف العربية، العدد 496، مارس2022.  https://2u.pw/2a7Zm

[9] عمرو حسين الصديق، “تأثير الأزمة الأوكرانية الروسية على الأمن الغذائي وتداعياتها على الدول العربية”، المركز الديمقراطي العربي برلين، 14 أبريل 2022. https://democraticac.de/?p=81697

[10] كنزي سيرج، “الأمن الغذائي في ظل الحرب الروسية الأوكرانية”، المركز المصري للفكر والدراسات الإسترتيجية، 1 يناير2022. https://ecss.com.eg/19551/

3/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى