الاقتصاديةالدراسات البحثية

مفهوم الربح في الفكر الرأسمالي

اعداد الباحث : وليد جلعود – فلسطين

-المركز الديمقراطي العربي

الفصل الأول:

مشكلة الدراسة و خلفيتها:

1.1: المقدمة

يتميز الإنسان عن سائر المخلوقات بصفات ومميزات عديدة، صفات أكبسته القدرة على التأقلم والتكيف مع متغيرات حياته، وأهم ما يتصف به الإنسان هو العقل، وهو ألجزء أو العضو الذي تميز به الإنسان عن سائر مخلوقات الكون، وهو أيضاً ألجزء المسئول عن الفكر والتفكير في الإنسان، وهو الذي ينظم له حياته وأفكاره وممارساته اليومية، ويجعل من قناعاته الإنسانية منهجاً وفكراً قد يسود العالم بأسره.

وبتنوع منظومة العقل البشري وأتساعها، تنوعت أشكال الصراعات بين البشر وتعددت وتعقدت، حيث أصبح الصراع الفكري بين بني البشر سمة أساسية لكل عصر وزمان، ففي بداية الأمر كان الصراعات الإنسانية قائمة على الأرض والموارد والماء والغذاء، وقد خاض الإنسان في سبيل ذلك العدد من الحروب التي أهلكته وأثقلت كاهله، فأبيدت شعوب كاملة في سبيل الموارد، وانتصرت شعوب أخرى لتكمل المسيرة الإنسانية والعمرانية على الأرض.

ومع ظهور المجتمعات المدنية، ورغبة الإنسان في التطوير والتحديث، والتخلص من شرور الحروب والنزاعات التي أهلكت الإنسان، والتطلع لما هو أفضل مادياً ومعنوياً وفكرياً، توفرت للإنسان بفضل التفكير والبحث المستمر عن الحقيقة العديد من العلوم والمعارف التي أهلته لخوض مرحلة التقدم، فالتطور الإنسان في الجانب الإقتصادي، الإجتماعي، السياسي، الفكري، والعلمي. هذا التقدم الكبير الذي حققه الإنسان كان له إبعاده الفكرية والتي ساهمت في خلق صراع فكري كبير بين بني البشر، فظهر المفكرين والمنظرين في المجتمعات البشرية جمعاء، كلاً ينادي بفكره، وكلاً يدعي أنه الأفضل والأقوم لسيادة الأرض وعمارتها، وبدأ المفكرين بنشر أفكارهم بين البشر، وتقديم الدلائل التي تثبت صحة أقوالهم، فظهرت الرأسمالية، الاشتراكية، الشيوعية، الماركسية، البوذية، والماسونية وغيرها من الأفكار التي نادى بها منظروها على أنها نهاية التاريخ.

بدأت هذه الأفكار بتلاحم والتصارع، وبدأت تدفق الأفكار يتسلل إلى عقل الإنسان، وبدأت الصراعات على مستوى “الأنا” البشرية والفكرية بظهور، فكل مفكر يدعي الكمال والمثالية، وأن فكره  وجد ليكون نهاية للعالم الإنساني، ونهاية لتاريخ البشرية.

استمرت هذه الصراعات الفكرية بتلاحم إلى أن وصلت إلى عصرنا الحالي، ولأن التاريخ يكتب بلغة القوي، ولأن المنتصر هو من يضع القوانين للعالم، كانت الرأسمالية هي سمة ولغة العصر الحديث، فعمل منظروها وروادها على نشرها في العالم بكل ما جمعوا من قوة وعزم، ليجعلوها وبنظر الكثيرين لغة العصر الحالي، ونهاية التاريخ، والمنظومة السيادية للعالم بأسره. وقد ركزت الرأسمالية في مشوارها على الفرد بشكل أساسي، وعلى حاجاته السلوكية والنفسية والإشباعية، فوضعت للحرية تعريف، وجعلت من الربح هدفاً، وعملت على تكديس الأرباح بأيدي الأفراد، ودعت الأفراد إلى التملك بكل الوسائل مهما خلت من الأخلاق، فتحول العالم إلى فئتين، فئة صغيرة جداً تمتلك كل الوسائل وتتحكم بالعالم وتمتلك عناصر القوة، وفئة كبيرة جداً لا تملك من قرارها شيء، وظيفتها الأساسية هي أن تكون سوقاً وحقلاً لتجارب الفئة الصغيرة، ومصدراً دائماً لتعظيم ثرواتهم.

لقد تسللت الرأسمالية إلى شعوب العالم بالمصطلحات الرنانة، كالديمقراطية والحرية والتحررية التي يحتاجها أي إنسان، وكرست جُل قوتها لترسيخ الأفكار الفردية والمُلكيات الخاصة والأرباح في أذهان الناس، حتى بات الإنسان يعيش من أجل أن يأكل، ويشرب، ويرتدي الموديلات الحديثة، ويركب السيارات الحديثة، ويكدس أمواله في البنوك دون النظر إلى مخاطر ذلك على البشرية جمعاء، فقد حولت الرأسمالية المال إلى إلهاً يعبده معظم سكان الأرض، وحولت السلوك الإنساني إلى سلوك منزوع الأخلاق، لاهث خلف المُلكية، فما من كارثة في هذا العالم إلا وللرأسمالية يد فيها.

أصبح العالم الآن مرتعاً للرأسماليين، وسوقاً لتصريف منتجاتهم وأفكارهم، فلم يعد للحياة قيمة حقيقة في ظل الممارسات الخانقة والنابعة من الرأسمالية، ولم يعد للإنسان كيان، فماتت الأخلاق، وهدمت الأديان، وأغفلت الحاجات الإنسانية، وأصبح معيار المفارقة والموازنة بين البشر هي الماديات، فمن يملك أكثر هو من يصنع القرار، ومن يكدس الأموال أكثر هو من يصوغ القانون، ومن ينبذ الأخلاق ويجحد بالإنسانية هو عين الصواب في نظر الرأسماليين.

1.2: مشكلة الدراسة

إن ما أحدثته الرأسمالية من تغييرات في مجريات الحياة الإنسانية، وإدخالها للعديد من المصطلحات الإنسانية والفكرية والسياسية والإقتصادية على المسيرة الإنسانية، واستخدامها للعديد من الوسائل الهادفة لنشر أفكارها السوداوية في العالم، وتفسيراتها للعديد من المصطلحات التي تمس الحاجات الإنسانية تفسيراً متوافقاً مع منظومتها الفكرية، جعل منها حقلاً واسعاً للدراسة والتفسير، فلذلك تحاول هذه الدراسة الإجابة عن الاستفسار والسؤال المركزي والرئيسي الآتي:-

  • ما هو مفهوم الأرباح (الربحية) في الفكر الرأسمالي؟

كما تحاول هذه الدراسة الإجابة عن التساؤلات الفرعية الآتية:-

  • ما هو مفهوم الرأسمالية؟ وما هي جذورها؟ وما هي مبادئها بشكل عام؟
  • ما هو دور الرأسمالية في تكديس وتعظيم الأرباح؟ وما اثر ذلك على مجالات الحياة الإنسانية؟
  • كيف تنظر الربحية الرأسمالية إلى الأخلاق؟

1.3: أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى تحقيق الجوانب الآتية:-

  • معرفة ما هو مفهوم الرأسمالية.
  • التعرف على جذور ونشأة الرأسمالية وكيف تشكلت لتصل إلينا بحلتها الحالية.
  • التعرف على المبادئ الأساسية للرأسمالية.
  • معرفة ما هو مفهوم الربح (الربحية) في الفكر الرأسمالي.
  • التطرق إلى نظرة الربحية الرأسمالية إلى الأخلاق بشكل عام، وأخلاقيات الإعمال بشكل خاص.

 1.4: فرضيات الدراسة

       تسعى هذه الدراسة إلى التحقق من صحة الفرضيات الآتية:-

  • تصاعدت وتيرة الرأسمالية في القرنين السابع والثامن عشر لانتشار الصناعة وما رافقها من أموال
  • الهدف الأساسي للرأسمالية هو تعظيم وتكديس الأرباح، وهو القيمة العظمى للرأسمالية.
  • أسمهت الرأسمالية في الإخلال بمجالات الحياة الإنسانية (السياسية، الإقتصادية، والإجتماعية).
  • هناك تجانس وتوافق بين المبادئ الفردية والمُلكية الخاصة وتكديس الأرباح في الفكر الرأسمالي.
  • الأخلاق في نظر الرأسمالية هي ما يحقق ويتوافق مع تكديس وتعظيم الأرباح.

1.5: منهجية الدراسة

في محاولة للوصول إلى إجابة عن تساؤلات الدراسة، والتحقق من صحة الفرضيات، فإن المنهج المتبع في هذه الدراسة هو المنهج الوصفي التحليلي، بالإضافة إلى المنهج الاستقرائي، وذلك لبيان و معرفة وتوضيح مشكلة الدراسة وتساؤلاتها المتمثلة في توضيح  مفهوم الأرباح في الفكر الرأسمالي.

1.6: أهمية الدراسة

تبرز أهمية هذه الدراسة من حيث خطورة الدور الذي تقوم به الرأسمالية في شتى بقاع العالم، فقد انتشرت الأفكار الرأسمالية، وتحولت سلوكيات البشر تبعاً لهذه الأفكار. فتحول الإنسان إلى مستهلك والآلة تتبع الإغراءات التسويقية والاستهلاكية، كما تحولت الأرباح إلى إله يسعى إليه الكثيرون،  ويحاولون كسبه وإرضاءه مهما اختلفت الوسائل والطرق والمناهج المتبعة لتحقيق ذلك. وفي ضوء تفاقم الأزمة المالية العالمية بسبب تكديس الأرباح والإبتعاد عن الأخلاق الإنسانية الصادقة، تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على الرأسمالية بشكل عام، ومفهوم الأرباح وتكديسها بشكل خاص، ومدى تأثيرها على الحياة الإنسانية.

1.7: صعوبات الدراسة

في ضوء الخطورة التي شكلتها الرأسمالية على الحياة الإنسانية، نرى أن الدراسات المتعلقة بالرأسمالية ومعالمها ومصطلحاتها ومبادئها وغاياتها وأهدافها قليلة، خصوصاً الدراسات النظرية والتي تتحدث عن المفاهيم الرأسمالية، كربحية الرأسمالية والأخلاقية الرأسمالية وحرية الفرد والمُلكية الخاصة وغيرها، مع أنها أحدثت الكثير من التغييرات في سلوكيات الإنسان، وأحدثت الكثير من التحولات في حياته. كما نرى أن هناك ندرة في مثل هذه المواضيع والدراسات وخصوصاً العربية منها، مع العلم أن المجتمعات العربية عانت ومازالت تعاني من الغطرسة الرأسمالية.

1.8: مصطلحات الدراسة

  • الرأسمالية (Capitalism): نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي وفكري، تكون فيه وسائل الإنتاج بشكل عام مملوكة مُلكية خاصة أو مملوكة لشركات تعمل بهدف الربح، وتعظيم المنفعة والأرباح. أو هي عبارة عن نظام إقتصادي ذو فلسفة إجتماعية وسياسية يقوم على أساس تنمية المُلكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعاً في مفهوم الحرية. ولقد ذاق العالم بسببه ويلات كثيرة، وما تزال الرأسمالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والإجتماعي والثقافي وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض.
  • الربح (profit): ويطلق عليه بعض الإقتصاديين دخل المشروع، هو الفرق بين مجمل إيرادات المشروع وبين إجمالي تكاليف الإنتاج ونفقات التوزيع التي يتكبدها المشروع في إنتاج منتجاته من السلع والخدمات وإيصالها إلى الزبائن. والربح يتميز عن الأجر الذي يحتسب لصاحب المشروع إذا كان عاملاً فيه وكذلك عن الفائدة التي تمثل ثمناً لاستخدام رأس المال. ولهذا فإن الدخل الصافي للمشروع يمكن أن يتضمن أجر صاحب المشروع العامل فيه ويحسب على أساس أجر المثل، فائدة رأسمال المشروع وتحسب وفقاً لمعدل الفائدة المطبق في السوق إضافة إلى الدخل الخاص بالمشروع بصفته وحدة النشاط الإقتصادي والذي يسمى بالربح المجرد.
  • الفكر (Thought): مجمل الأشكال والعمليات الذهنية التي يؤديها عقل (ذهن) الإنسان، والتي تمكنه من نمذجة (خلق نموذج) العالم الذي يعيش فيه، وبالتالي تمكنه من التعامل معه بفعالية أكبر لتحقيق أهدافه وخططه ورغباته وغاياته.

1.9: الدراسات السابقة

  • كتاب حل الأزمة المالية العالمية “التحرر من إقتصاديات القمار والخداع” لدكتور عبد الستار قاسم: عبارة عن مقطوعة فكرية في الإقتصاد السياسي، وهو اجتهاد الكاتب حول التحرر من الأزمة المالية العالمية والأزمات الإقتصادية التي تسببها الرأسمالية التحررية الحديثةـ يضع الكاتب في هذه المقطوعة الفكرية أسباب نشوء الأزمات العالمية، ومشكلة تكديس الأرباح، ومعضلة الحرية، ومفهوم الأخلاقية الرأسمالية، ثم يعرض حلاً شاملاً للأزمة المالية العالمية.
  • كتاب هل الرأسمالية أخلاقية؟ للكاتب أندريه كونت سبونفيل، والناشر دار الساقي، بيروت، لبنان 2005، ترجمة بسام حجار: يعبر عن وجهة نظر النخبة الفرنسية تجاه مجريات العالم المادي والروحي، وهو يرى أنها ليست إبداعاً فردياً ولا مجتمعياً، بل هي مسار تاريخي تشارك فيه الإنسانية، ويحذر الكتاب من الرأسمالية غير الأخلاقية لأنها وصفة لإنهيار الحضارة، فقد فقدت خصمها القوي الشيوعية الذي كان يوفر لها التبرير السلبي لوجودها، ولأن المجتمعات الرأسمالية لا تحتمل الفراغ فإنها تبحث عن “عدو” يشكل نقيضاً لها، وقد تراءى للبعض أن هذا العدو قد يكون المسلمين، ويقدم الكاتب في هذا الكتاب مشكلة الحدود والتمييز بين الأنساق، ويتساءل أيضاً عن أخلاقية النظام الرأسمالي ودوره في تدهور أحوال المجتمعات وغيرها من الأفكار.

1.10: المصادر والمراجع

        سيتم الاستعانة بعدد من المصادر والمراجع المتعلقة بموضوع الدراسة، منها ما يأتي:-

  • بيلي، جيرو، وآخرون، الكتاب الأسود للرأسمالية، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا، 2006.
  • زلوم، عبد الحي، أزمة نظام: الرأسمالية والعولمة في مأزق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2009م.
  • هيرتس، نورينا، السيطرة الصامتة: الرأسمالية العالمية وموت الديمقراطية، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2007م.
  • الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1982م.

1.11: فصول الدراسة

        جرى تقسيم الدراسة إلى ثلاث محاور (فصول) كالآتي:-

  • المحور الأول: ويتناول مشكلة الدراسة وخلفيتها، أهداف الدراسة وأهميتها، إضافة لفرضيات الدراسة، والمنهج المتبع، وصعوبات الدراسة وأهم مصطلحاتها، والدراسات السابقة.
  • المحور الثاني: يتناول فيه الباحث مفهوم الرأسمالية، جذورها، مبادئها، وأبرز منظري الفكر الرأسمالي.
  • المحور الثالث: ويتناول فيه الباحث مفهوم الربح أو الربحية في الفكر الرأسمالي، نظرة الرأسمالية للأخلاق ودورها في تعظيم الأرباح والفوائد والمنافع الشخصية، الرأسمالية وآفاقها المستقبلية، وأخيراً الخاتمة والنتائج.

الفصل الثاني:

الرأسمالية   … مفهومها ونشأتها و مبادئها و أبرز مفكريها :

الفصل الثاني:

الرأسمالية … المفهوم والمبادئ وأبرز المفكرين

توطئة:

لم تعد الرأسمالية مجرد نظريات وأفكار يتناقلها المفكرين والفلاسفة والسياسيين ورجال الاقتصاد وغيرهم، بل أضحت منهجاً ولغةً لجميع العالم، وقد اتخذت الرأسمالية من العولمة والليبرالية الحديثة سلاحاً فتاكاً لنشر نفوذها وغطرستها وسيطرتها، وقد أثقلت الرأسمالية على عديد من شعوب العالم. لذلك ولتصدي للرأسمالية، فلا بد من معرفة جيدة بمفهومها وأهم مبادئها ومنظريها.

2.1: مفهوم الرأسمالية

للرأسمالية العديد من المفاهيم التي انتشرت في العديد من الكتب والمؤلفات، وهي مفاهيم متعددة ومتنوعة حسب الزمان والحالة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية السائدة، نستعرض ما منها ما يأتي:-

  • الرأسمالية: نظام يقوم على الإيمان المطلق بالفرد، وأن مصلحة الفرد هي نفسها مصلحة المجتمع في شتى ميادينه (الإجتماعية، السياسية، الإقتصادية، الفكرية، الثقافية، …الخ)، وفكرة الدولة في الفكر الرأسمالي تتلخص في حماية ممتلكات وحريات الفرد، وحثه على إستثمار حريته بشتى الطرق، وتشجعيه على فكرة المنافسة في الحياة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. (1)
  • الرأسمالية: عبارة عن استثمار المال، وتحقيق المكاسب والأرباح وذلك بخلق الترفيه، والمتاجرة به، وتحويله لسلعة ربحية. (2)
  • الرأسمالية: نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي وفكري، تكون فيه وسائل الإنتاج بشكل عام مملوكة مُلكية خاصة أو مملوكة لشركات تعمل بهدف الربح، وتعظيم المنفعة والأرباح. أو هي عبارة عن نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية يقوم على أساس تنمية المُلكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعاً في مفهوم الحرية، ومتخذاً من المنافسة العنصر الرئيسي للسيادة في مجالات الحياة المختلفة.

الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1982م.

  1. فولتشر، جيمس، مقدمة قصيرة عن الرأسمالية، ترجمة رفعت علي، دار الشروق للنشر، القاهرة، مصر، 2011م.

ومهما تعددت مفاهيم الرأسمالية وتنوعت، ومهما اختلفت الحالة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والزمانية فإنها تبقى تشترك في سمات أساسية وهي: حرية الفرد، والمُلكية الخاصة والفردية، وسيادة مبادئ المنافسة في شتى مجالات الحياة المختلفة والتي تصل إلى درجة الإحتكار. أي أن الفرد هو المحور الأساسي للفكر الرأسمالي، وهو المحرك الرئيسي للمجتمع.

وبما أن الفرد هو محور حديث الفكر الرأسمالي، فإن مصلحة الدولة أو مصلحة المجتمع مرتبطة بمصلحة هذا الفرد، فالفرد هو قاعدة إنطلاق المجتمع بشتى مجالاته الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والفكرية، ويترجم دور الدولة في منظومة الفكر الرأسمالي بالدور الحمائي (الحامي) لمصلحة الفرد، والإدارة الناجحة والقادرة على حفظ ممتلكات الفرد الخاصة، لذلك تعتبر الدولة في مفهوم الفكر الرأسمالي صالحة طالما كانت قادرة على حماية الفرد وصيانة حقوقه وممتلكاته، وخلاف ذلك تعتبر الدولة مستبدة وظالمة بحق الفرد والذي هو محور العملية الإنتاجية في الفكر الرأسمالي. (3)

لم تعد الرأسمالية الآن مجرد مسمى، بل أصبحت النشيد الذي يرتله الاقتصاديون، والمسئولين، و المثقفون والصحفيون الذين يستطيعون الوصول إلى وسائل الإعلام الرئيسية كالمرئية والمسموعة والمكتوبة، ودور النشر الكبرى، وهي بوجه عام بين أيدي مجموعة صناعية أو مالية أو ذات نفوذ يتيح للرأسمالية أن تتسرب وتتسلل إلى جميع إرجاء العالم، وتفتك بالشعوب، وتهدم الأخلاق، وتكرس الأموال في سبيل تحقيق مصالح ثلة من الأفراد في عالمنا المعاصر. (4)

لقد أدركت شعوب العالم وخصوص الغربية منها وفي ظل التحول نحو مجتمعات المعرفة، واقتصاد المعلومات، أن تحقيق المصلحة الخاصة والفردية مسألة محورية. فقد أدركت حكومات هذه الشعوب اليوم أن العامل الوحيد الذي يبقيها في السباق نحو الريادة والإبداع، ويوفر لها ميزة تنافسية مستدامة، ويكرس لها المزيد من الأرباح هو بدون شك تطبيقها لمفهوم الفكر الرأسمالي في شتى تعاملاتها الحياتية واليومية. لذلك فهي تسعى دائماً إلى تطبيق و نمذجة المفهوم الرأسمالي في رأسمالها الفكري والمادي والبشري، كما وقامت بوضع القوانين التي تخدم مصلحتها، كما وقامت بتأطير للمفاهيم الأخلاقية بما يخدم مصالح الرأسمالية.

الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1982م.

  1. بيلي، جيرو، وآخرون، الكتاب الأسود للرأسمالية، ترجمة انطون حمصي، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا، 2006م.

2.2: نشأة الرأسمالية وجذورها

جذور الرأسمالية موجودة منذ أقدم العصور، فقد تكلم اليونان والإغريق عن نظام المُلكية الخاصة والفردية بوصفها الدافع لتنمية الثورة وزيادة الإنتاجية الجماعية، فقد نادى أرسطو بالنظام المُلكية الفردية، واعتبرها دافعاً لزيادة الثروات. ومع أن أرسطو خالف أستاذه أفلاطون الذي قال بأن المُلكية الفردية تكدس الثروات وتؤدي إلى نشوب الحروب، إلا أنه نادى بأن تخضع المُلكية الفردية للنظم الأخلاقية وذلك لأن مواهب الناس مختلفة ومتفاوتة. (5)

وقد أهتم الرومان أيضاً بالمُلكيات الخاصة وحرية التعاقد وتصرف الإنسان بما يملك كيفما يشاء، وقد مدح الفلاسفة الرومان المزارعين، و وصفوا الزراعة بأنها أكثر المهن احتراماً لأنها _ وعلى حسب وصفهم_ مصدر للثروة الفردية. وبذلك يتضح أن جذور الرأسمالية كانت موجودة في أذهان وعقول الفلاسفة القدماء.

مع سيطرة النظم البرجوازية والإقطاعية وغيرها بشكل كامل وخصوصاً في أوروبا على مجريات الحياة في القرن الخامس عشر، أصبحت معالم الرأسمالية أكثر إقتراباً، فستُعبد الناس، وانتشر نظام الرق، وأصبح العبد مملوكاً بشكل كامل لسيد الأرض، وأخذت البرجوازية بتوسع، وقد عملت البرجوازية على استعباد الناس، وتكريس السلطات والحريات بأيدي أصحاب رؤوس الأموال. ومع تراجع سلطات الكنسية، وإنتشار الحركات الإصلاحية التي نادت بالعقل المتحرر، ظهر الطبيعيون (الفيزيوقراط) الذين آمنوا بأن للفرد حقوق طبيعية في التملك والحريات، وأن على الدولة حماية هذه المُلكيات والحريات، فكانت هذه الصيحات التحررية المقدمة الأولى لتبلور الرأسمالية كفكر.(6)

ومع بدء حركات التمرد على النظام الإقطاعي وسلطات الكنسية في القرنين السادس والسابع عشر، ظهرت المدرسة الطبيعة كمذهب ينادي بفكرة القانون الطبيعي الذي ينص على صيانة حريات الفرد وممتلكاته، وقد نادى منظرو المدرسة الطبيعية بمجموعة من المبادئ أهمها (7):-

  • الإيمان بفكرة القانون الطبيعي وما يترتب على هذا القانون من حقوق وحريات للفرد.
  • المصلحة الفردية والشخصية هي الباعث الأقوى والمحرك الأساسي للنشاطات الإنسانية.
  • مبادئ المنافسة هي الحاكم لمختلف النشاطات الإنسانية.

حمدان، فتحي، الاقتصاد الرأسمالي في موت سريري، دار الفاروق، عمان، الأردن، 2010م.

  1. المرجع السابق.
  2. درويش، إبراهيم، علم السياسة، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1970م.

لقد كانت الصيحات المنادية بالفردية والملكيات الخاصة رداً على الوضع المأساوي الذي عانت منه أوروبا من ظلم الكنسية والأنظمة الإقطاعية، وما أنتجته من استبداد وظلم بحق الإفراد وحرياتهم، لذلك لآقت الصيحات الفردية  آذاناً صاغية من الكثيرين ممن يرغبون بتذوق طعم الحرية والتملك الفردي، فقد عمل منظرو المذهب الفردي على إثراء الحرية الفردية، وحماية الحقوق الشخصية، ومنع السلطات العليا من التدخل في شؤون الأفراد. صحيح أن الحرية والمُلكية الخاصة جميلة، لكن تركها دون ضوابط وأخلاق يجعلها أكثر جشعاً، وأكثر إنحرافاً وبعداً عن القيم الإنسانية.

مع انفجار الثورة الصناعية في أوروبا في نهايات القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، وتلاشي سيطرة الكنسية نهائياً، تبلور مفهوم الفكر الرأسمالي، وأصبح أكثر وضوحاً واستخداماً وإنتشاراً على ألسنة الفلاسفة والمفكرين والمنظرين، خصوصاً بعد تصاعد وتيرة الحركة الصناعية في أوروبا بشكل عام، وبريطانيا بشكل خاص، فقد ظهرت الآلات الصناعية وبذات الزراعية منها، وأضحت الصناعة معلماً مهماً في أوروبا، وتوجه الأفراد نحو التجارة  وزيادة الإنتاج وجني الأرباح والبحث عن الأسواق. (8)

تنامت وتيرة الصناعة في أوروبا، وأصبح هناك العديد من المصانع المنتجة والتي تعرض منتجاتها في الأسواق الأوروبية، الأمر الذي دفع الحكومات الأوربية إلى البحث عن أسواق استهلاكية لتسويق منتجاتها، فلجأت إلى استعمار شعوب الأرض، وعادت الحروب من جديد، لكنها عادت بدافع تكريس الأموال والأرباح في يد أصحاب رؤوس الأموال، وقد قام الكلاسيكيون في أوروبا بدعم هذا التوجه، وفصل الدين عن الأخلاق والتشريعات واقتصاديات الدولة لتكريس مفهوم الرأسمالية. (9)

مع تصاعد السياسات الاستعمارية الهادفة للبحث عن الأسواق وتكديس الأرباح، أخذت الأفكار الرأسمالية تنتشر بصبغات وألوان مختلفة. ويمكن القول هنا أن الرأسمالية مرحت بثلاث مراحل هي: المرحلة الفوضوية التي ألغيت فيها القواعد التي أقامها الإقطاعيون، ومرحلة منع نشاط مجموعات الدفاع عن مصالح العمال وزجها في تيارات التغيير، أو ما يعرف بالرأسمالية الموجهة نحو السوق والإنتاج، بعد ذلك مرحلة سيادة قواعد التنظيم الحكومية الجديدة والتي نادت بالعولمة والليبرالية والتحررية وغيرها.

إما في عصرنا الحالي، فتعرف الرأسمالية الآن بـ “الليبرالية الحديثة” التي تنتهجها أمريكيا في نشر الرأسمالية والتنظير إليها في جميع بقاع الأرض، ويقول د. عبد الستار قاسم في هذا السياق: ” الرأسمالية التحررية (الليبرالية) الحديثة هي عنوان مرحلة العولمة الأمريكية الهادفة إلى تشكيل النظامين السياسي والاقتصادي لدى مختلف الدول وفق الرؤية الأمريكية لما يجب أن تكون عليه الأمور”. أي وفق النظرة الرأسمالية الهادفة إلى جني الأرباح دون التطرق إلى الأخلاق أو عدالة التوزيع الإجتماعي. (10)

حمزة، سعد، علم الاقتصاد، دار الجيل للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 2006م.

  1. حمدان، فتحي، الاقتصاد الرأسمالي في موت سريري، دار الفاروق، عمان، الأردن، 2010م.
  2. قاسم، عبد الستار، التحرر من اقتصاديات القمار والخداع، نشر بدعم من جامعة القدس، فلسطين، 2010م.

2.3: أسس الرأسمالية ومنطلقاتها ومبادئها

تقوم الرأسمالية بشكل أساسي على مبدأ الحرية الفردية للأشخاص. ومع اشتعال الثورة الصناعية في أوروبا، والانطلاق نحو البحث عن أسواق جديدة لتصريف المنتجات، وتصاعد وتيرة الثروات الفكرية والتحررية المنادية لتخلص من سيطرة الكنسية، والأنظمة الإقطاعية والاستعبادية، وما رافق ذلك من ظهور للتيارات المنادية للدفاع عن العمال من جشع أصحاب المصانع ورؤوس الأموال والبرجوازيين، تكونت عدة منطلقات ومبادئ للرأسمالية يمكن إيجازها بما يلي (11):-

  • الحرية الفردية وما يترتب عليها من الإيمان بالفرد إيماناً مطلقاً بوصفه أداة التغيير وصانع المجد والإنتاج للمجتمع والدولة.
  • السوق المفتوح والاقتصاد الحر، والاعتماد على عرض وطلب السوق فقط، حيث أن السوق هو المحرك لعوامل الإنتاج.
  • الاستناد إلى مبدأ المنافسة، مع جواز خصخصة عناصر الإنتاج، واحتكار العديد من الخدمات.
  • عدم تدخل الدولة في شؤون الأفراد، وإقتصادر دورها على حماية ممتلكات الإفراد والحريات.
  • فصل الدين عن الدولة، وعدم مزج الأمور الدينية في شؤون الدولة خصوصاً السياسية والإقتصادية منها، وقد جاء هذا المبدأ إرتداداً لما عانته أوروبا من ظلم الكنسية، وحكمها البائس،
  • فصل الأعمال الإنسانية عن الأخلاق، وخلق قوانين وأنظمة أخلاقية منادية لتكريس الأرباح، أي استخدام الأخلاق فيما يحقق المصلحة الفردية

وقد ركزت الرأسمالية في مسألة الحرية على إعلان الحريات الأربعة وهي: الحرية السياسية التي تدعو لأن يكون للفرد رأيه في شؤون الدولة العامة وخصوصاً أصحاب رؤوس الأموال، بوصفهم قاعدة الإنطلاق في المجتمع، والحرية الإقتصادية الداعية لخلق الاقتصاد الحر، وفتح الأبواب أمام رؤوس الأموال لتنقل بحرية انطلاقاً من مبدأ “دعه يعمل دعه يمر”، والحرية الفكرية التي تتيح للفرد حرية الاعتقاد، والحرية الشخصية المنادية بتحرر الإنسان من جميع الضغوط والأخلاقيات والسلوكيات التي تعيق عمله مهما كانت هذه الأخلاق نبيلة. صحيح أن مسألة الحرية الفردية والتملك الفردي مغرية وجميلة للإنسان، لكن تكريسها دون ضوابط يهمش شكلها الداخلي والخارجي.

يتبين من ذلك أن الفكر الرأسمالي أساسه مادي، حيث فصل الفرد عن مبادئه وأخلاقية ودينه في سبيل تكريسه للمصلحة الشخصية، وحصر الإنسان فقط بالتفكير في كيفية زيادة إنتاجيته وأمواله مهما كانت الوسائل المستخدمة في سبيل ذلك، والإبتعاد عن عدالة التوزيع الاقتصادي والاجتماعي، والدليل الأكبر على ذلك ما تقوم به الرأسمالية حالياً من نشر لثقافة الاستهلاك العمياء بين بني البشر. (12)

كمال، يوسف، الإسلام والمذاهب الإقتصادية المعاصرة، مؤسسة الإسراء للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 1990م.

  1. الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1982م.

2.3: أبرز منظري ومفكري الفكر الرأسمالي

يعد أرسطو من أوائل المنظرين والفلاسفة الذين نادوا بالمذهب الفردي بوصفه الدافع لزيادة الثروات. وقد إستتد العديد من الفلاسفة وخصوصاً فلاسفة المدرسة الطبيعية والفردية إلى أرسطو بوصفه المنظر الأول للفردية، وبوصفه أول من نادى بالفردية.

هناك مجموعة من المفكرين  والفلاسفة الذين نادوا ونظروا للرأسمالية، أهمهم ما يأتي:-

  • آدم سميث: (1723م – 1790م) وهو من أشهر أعلام الاقتصاد والفلسفة في القرن الثامن عشر، وصاحب النظرية الإقتصادية المعرفة بـ “اليد الخفية” التي تنص على أن الأفراد الذين يهتمون بمصالحهم الخاصة، يساهمون أيضاً في المصلحة الخاصة من خلال العائد العام المبني على عوائد الأفراد،. من أهم مؤلفاته كتاب ثروة الأمم، المشاعر الأخلاقية، ومقالات كثيرة في علم الفلسفة والاقتصاد مثل “دعه يمر دعه يعمل” ومواضيع الثراء العام والضرائب. (13)
  • جون ستيورات مل: (1806م – 1873م) يعد مل من ابرز المفكرين الذين دافعوا عن الحرية الفردية، وقد نادى بحرية التعبير والرأي، وهو أيضاً من أبرز الاقتصاديين في بريطانيا في القرن التاسع عشر، و واحد من أهم رواد الفلسفة الليبرالية المنادية بتزويد الجماهير بالحقائق المجردة لبناء العقل البشري تبعاً للمنهج الاستقرائي والفلسفة التجريبية، كما يعتبر من ابرز منظري مذهب المنفعة الفردية. من أهم مؤلفاته مبادئ الاقتصاد السياسي، عن الحرية، الحكومة النيابية، وغيرها من المؤلفات والمنشورات. (14)
  • هربرت سبنسر: (1820م – 1902م) وهو أشهر مؤسسي علم الاجتماع الحديث، و واحد من رواد المذهب التطوري، وقد نادى بعدم تدخل الدولة في شؤون الأفراد، ودافع عن الحقوق الطبيعية للفرد والتي تحتاج لحريات تصونها، وقال أنه من الأفضل عدم تدخل الدولة في النشاطات الإنسانية لان في تدخلها تعطيل للإنجازات الفردية. من أهم مؤلفاته كتاب الرجل ضد الدولة، أسس علم الاجتماع، وهو صاحب المصطلح الشهير “البقاء للأصلح”.

وهناك العديد من رواد الفكر الرأسمالي والليبرالية الحديثة، أشهرهم العالم الإقتصادي كينز الذي وضع النظرية الكنزية التي تخالف أفكار الكلاسيكيين والتي تنص على أن الدولة تستطيع التحكم بالدورات الإقتصادية والتقلبات من خلال السياسات الضريبية والسياسة المالية النقدية. أما في العصر الحالي فيعد الكاتب فرانسيس فوكوياما أشهر منظري الرأسمالية، وهو صاحب كتاب “نهاية التاريخ وخاتم البشر” الذي ينص على أن الرأسمالية والليبرالية الحديثة هي نهاية التاريخ.

أعلام، موقع المعرفة نت                http://www.marefa.org

  1. المصدر السابق.

 

 الفصل الثالث:

 مفهوم الربح في الفكر الرأسمالي … آثاره وتداعياته ونظرته للأخلاق

توطئة

عملت الرأسمالية على نمذجة العديد من الأفكار والمصطلحات التي تخدم رؤيتها وتطلعاتها المستقبلة نحو سيادة العالم، كما وقامت بنشر هذه الأفكار وبث سمومها في أغلب بقاع الأرض، لذلك عملت الرأسمالية على تكوين منظومة فكرية هادفة لخدمة مصالحها بشكل يُعجل ويزيد من فرصة نشر نفوذها في بقاع الأرض.

3.1: مفهوم الربح “الربحية” في الفكر الرأسمالي

تنطلق الرأسمالية في الترويج لأفكارها من المنطلقات الداعية للفردية والمُلكية الخاصة، وهي أفكار تُلاقي رواجاً وقبولاً بين الأفراد، مثل الحرية، التحررية، الديموقراطية، السوق المفتوح، المنفعة الفردية، المصلحة الشخصية، وزيادة الثروات. هذه الأفكار وغيرها ساهمت الرأسمالية في نمذجتها وتسليطها لهدف وهو تكديس الثروات والسلطات بأيدي الإفراد مهما كانت الطريقة المستخدمة في ذلك.

الربح إحدى أهم الأهداف التي سعت الرأسمالية وما زالت تسعى لتكديسه بأيدي الأفراد، حيث انتهجت وفي سبيل جني الأرباح العديد من الوسائل، فاستعبدت البشر، واستعمرت الشعوب، ونشرت الرذيلة، ونحت الدين بعيداً عن المعاملات الإنسانية، واستباحت الأخلاق بدواعي المنفعة الفردية.

والربح بشكل عام هو الفرق بين إجمالي الإيرادات وإجمالي التكاليف لأي مشروع اقتصادي أو تجاري، أي بعبارة أخرى هو المكسب التجاري أو المالي لأي مشروع. وللربح نظريات تتوافق مع نوعية فكر علماء الاقتصاد، كما أن للربح أهداف اجتماعية وإقتصادية. وللربح أيضاً أخلاقيات لكيفية جلبه تتوافق ومصالح المجتمع، أي دون الإضرار بالمنظومة الإجتماعية، أو الإخلال بالعدالة التوزيع الإجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد. (15)

اقتصاد، موقع الموسوعة العربية.

http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=159601&m

يشير الربح في الفكر الرأسمالي إلى تحويل الأفراد وخصوصاّ ذوي رؤوس الأموال إلى منظومة استغلالية لا تخضع لأي ضوابط أو توازنات كتلك التي يخضع لها الأفراد والمؤسسات داخل المجتمعات، بمعنى تحويلهم لحاصدي العالم لتحكمهن للضوابط التي يخضع لها عامة الناس. وهدف هذه المنظومة الرأسمالية ليس فقط جني الأرباح بما يتوافق والحاجيات الفردية وحتى الجماعية، بل تكديس أكبر قدر ممكن من الموارد الطبيعية والبشرية والأسواق والأموال وجعلها بيد ثلة صغيرة جداً من سكان العالم  لتحكمه وفقاً لأهوائها الخاصة. (16)

وليس هذا غريباً على الرأسمالية، فمنذ انطلاقاتها التاريخية نحو الإستعمار والبحوث الجغرافية هدفت إلى البحث عن أسواق جديدة لتصريف منتجات أوروبا، وعملت على أن تكون المحصلة النهائية لهذه الانطلاقات الاستعمارية والبحثية هو نهب ثروات وخيرات هذه الشعوب ونقلها لأصحاب رؤوس الأموال والمتصرفين في دول العالم الكبرى.

وتوصف الربحية الرأسمالية بأنها الجانب أو المقطوعة الإقتصادية للرأسمالية والتي تستند إلى هيمنة الأفراد والقطاع الخاص على ملكية وسائل أو عناصر الإنتاج كرأس المال والعمل والأرض، بغرض الربح، وليس الربح فقط، بل تعظيم الربح لمرحلة ما بعد الإكتفاء الذاتي، مستخدمة في ذلك اقتصاد السوق الحر، والاقتصاد السلوكي الذي تقوم الرأسمالية من خلاله على نشر ثقافة الاستهلاك بين البشر، وجعل الإفراد يقبلون على الشراء بشكل جنوني دون التفكير بمدى انتفاعهم بهذه المشتريات. (17)

ومن خلال هذا الوصف يتضح أن الربحية الرأسمالية تُعنى بنمط إنتاجي معين يكون قادراً على الهيمنة وإقناع الأفراد بتحقيق الأرباح والمكاسب الإجتماعية والإقتصادية الأخرى من خلال إتاحة اكبر قدر ممكن من الحريات، والتنازل عن بعض الأخلاقيات. ولأجل ذلك قامت الرأسمالية بتسويق أنماط حياة سياسية واجتماعية وإقتصادية وفكرية صورت لأي فرد قدرته على أن يكون مليونيراً خلال فترة قصيرة.

إن استخدام الرأسمالية للربح كمحفز للإنتاج والعمل أتاح للأفراد جوازية إتباع جميع أنواع الاستغلال وأساليب المنافسة الرخيصة والدنيئة في سبيل تحقيق الأرباح. فقد يتنازل الإفراد عن مكاسبهم الإجتماعية في سبيل تحقيق منافعهم الخاصة، أو قد يبيع الفرد ضميره في سبيل حفنة من الأموال، وربما قد يبيع دينه وأخلاقه في سبيل إشباع ذاته الربحية.

16.النجار، مازن، صعود المال: التاريخ المالي للعالم، موقع الجزيرة نت، 2010م.

                                                     http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B22E1F79-C59B-4F7A-8BE9-972295B18A11.htm#%D8%AF

  1. السلطان، صالح، الاقتصاد الإسلامي رأسمالي، موقع العربية نت، 2011م.

http://www.alarabiya.net/views/2011/08/22/163455.html

إن الهدف المراد تحقيقه من وراء المُلكية الخاصة في الفكر الرأسمالي هو تحقيق الأرباح، فإذا نفذت أو غابت هذه الأرباح غابت دافعية العمل، ومحفزات الإنتاج. فنجد أن الرأسمالية داخل الدولة تحفز الأفراد على التنافس في جني الأرباح وتنظمه، ولكن الرأسمالية الموجهة صوب العالم بأسره تنمي غريزة شهوة المال في نفوس الإفراد، وتطلق صيحات جنون المال، وتترك هذه الشهوات والصيحات دون ضوابط أخلاقية، ودون توازنات للفوارق بين الأفراد. (18)

لقد أنتجت الرأسمالية للبشرية أشخاصاً رأسماليين أصيبوا بجنون المال، وأعلنوا الحرب على الخير والشر والأخلاق والقيم في سبيل مراكمة الأرباح، هؤلاء الأشخاص لا يقيمون للدين وازعاً، ولا للقانون وزناً، ولا للأخلاق كابحاً لتصرفاتهم الجنونية الهادفة لجني الأرباح وتكديسها في مشاريعهم الاستثمارية الهادفة لخدمة ذاتهم ومنفعتهم الشخصية.

إن عملية جني الأرباح والسعي وراء الرزق ليست محرمة، ولا هي بالخطيئة، لكن ما هو محرم ومنبوذ ومُعيب هو تكديس الأرباح وتعظميها بشكل جنوني يصل إلى درجة إيذاء الآخرين وسلبهم لمالهم بطرق غير شرعية، وإفقارهم وسلبهم لحقوقهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية، ومن ثم التخلي عنهم. أي بمعنى آخر هي أشبه بتصرفات الشيطان، فيوسوس للشخص للقيام بالخطيئة، وحين يفعلها يتركه ويتخلى عنه ويدخله في المحرمات.

وينطلق مفهوم الربح في الفكر الرأسمالي من أن الرأسمالية كنظام لا تحرص على الإنتاجية بهدف الاكتفاء الذاتي، وتوفير الحياة الإقتصادية والإجتماعية الكريمة للإفراد، وتحقيق الحاجيات الإنسانية، والشعور بسعادة، وإنما هي نظام يهدف إلى أن تكون الأرباح ومراكمتها أعلى مراحل يصلها الإنسان، بحيث تحقق له الرفاهية التي لا يصل إليها عامة الناس، أي بأن لا يكون للربحية حدود، ولا كوابح، ولا ضوابط أو نقاط وقوف. (19)

وبسبب هذا النظام شهد العالم العديد من الويلات والكوارث التي أشعلت في عقول الأفراد جنون المال، وحولت المال بالنسبة إليهم إلهاً يحرصون على كسب وده والتقرب إليه، حيث صار المال إلهاً معبوداً للكثير من الأفراد، وأصبح المال هو المتصرف في شؤون حياتهم. فالمال هو الحاكم النهائي حتى في أدق مجريات الحياة الإنسانية بالنسبة للكثير من البشر.

قاسم، عبد الستار، التحرر من اقتصاديات القمار والخداع، نشر بدعم من جامعة القدس، فلسطين، 2010م.

  1. المرجع نفسه.

ويقول د. حسقيل قوجمان في مفهوم الربح في الفكر الرأسمالي “إن طبيعة الربح في النظام الرأسمالي هو انه ذو طابع فردي شخصي، فكل رأسمالي يريد أن يحصل شخصياً على ربح رأسماله. ولدى تقدم الرأسمالية ونشوء الشركات والمؤسسات الرأسمالية والمصرفية يبقى الطابع الشخصي هو الطابع المميز للربح، فنجاح الشركة يعتمد على ما تجنيه من أرباح في أعمالها مما يدفعها إلى منافسة الشركات الأخرى على زيادة أرباحها. وضمن كيان الشركة يسعى كل رأسمالي فيها إلى زيادة أرباحه الشخصية على حساب شركائه مهما كانت الطرق المستخدمة في ذلك”. (20)

نرى هنا أن الطابع الشخصي للربح هو جوهر الرأسمالية. وما تقوم به الرأسمالية من التلاعب في الموازيين الإقتصادية والإجتماعية والسياسية في العالم ما هو إلا تعبير عن هذه المنافسات الشخصية بين الرأسماليين بهدف زيادة الربح. وعلى هذا الأساس الشخصي للربح تنشأ جميع المؤسسات الرأسمالية الصناعية والتجارية والمصرفية بشتى أشكالها. إن الصراع القائم بين الرأسماليين في العالم يشير إلى أفظع إشكال المؤامرات والانحطاطيات الأخلاقية الهادفة لتكريس الربح في أيدي الرأسماليين.

إن فكرة تكريس الأرباح وجنون المال ومراكمة المنافع جعل من الرأسمالية فكراً عالمياً تعتنقه جميع الشعوب طوعاً أو كرهاً وذلك بفرض الحضارة الرأسمالية وقيمها على العالم، فإقتصادياً جعل النظام الإقتصادي الرأسمالي هو السائد في العالم، وذلك بتطويع ودمج الاقتصاديات المحلية ضمن الاقتصاد العالمي عن طريق تحكم النمط الإقتصادي المخصخص وحرية التجارة وآلية السوق في اقتصاد جميع الدول، واجتماعيا بنشر التحررية على النمط الرأسمالي، وهدم الأخلاق التي تعيق تدفق الأفكار الرأسمالية إلى جميع بقاع العالم. (21)

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن فكرة المُلكية الخاصة والمنفعة الشخصية المقرونة بالأخلاق وجني الأرباح بصورة عقلانية ليست المعضلة الرئيسية، بينما تكمن الأزمة الحقيقية في جعل الربح هدفاً وقيمة عليا يتطلع الأفراد لتحقيقها. فجني الأرباح الذي يكون من خلال العمل والجهد المباشر والحقيقي وضمن المعقول يعتبر مشروع وجائز في الأنظمة البشرية، فما من فرد في العالم إلا ويسعى إلى تحصيل رزقه وقوت يومه، لكن الربح الذي يأتي دون تعب ومن خلف شاشات الحواسيب والمكاتب المكيفة ودون تحقيق خدمات مباشرة هو ربح رأسمالي يكدسه صاحبه، ويحاول أن ينميه بشتى الوسائل. (22)

  1. قوجمان، حسقيل، مفهوم الربح في الرأسمالية الإشتراكية، منظمة الحوار المتمدن، العدد 1291، 2005م.

                                                                                                            http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=43438

  1. حمدان، فتحي، الاقتصاد الرأسمالي في موت سريري، دار الفاروق، عمان، الأردن، 2009م.
  2. قاسم، عبد الستار، التحرر من اقتصاديات القمار والخداع، نشر بدعم من جامعة القدس، فلسطين، 2010م.

ومن أجل تعزيز مفهوم الأرباح، وتكديس المال، وجعله القيمة العليا في نظر الكثيرين، قام منظرو الرأسمالية بابتكار العديد من المفاهيم والأنظمة الرأسمالية الداعية لاستحواذ الأموال بطرق سهلة، منها الأنظمة المالية والمصرفية الحديثة التي تقدم خدمات الإقراض والتمويل، وأسواق السندات التي تسمح بالاستثمار في ممتلكات الدولة، وأسواق الأسهم التي تقدم خدمات المضاربة والتي تحولت فيما بعد إلى قاعات كبيرة للقمار المشروع، وخدمات التأمين على الحياة والمخاطر والتي تخالف الدين والأخلاق، والسماح بانتقال الثروات والأموال من الغرب المتحرر إلى الشرق الذي يعاني من ويلات التخلف. (23)

ومن أجل ضمان حتمية وصول هذه الأنظمة إلى الناس، وسرعة تداولها في مجالات الحياة الإنسانية، عملت الرأسمالية على نشر ثقافة الاستهلاك بين الناس، وربط الاستهلاك بالتقدم الحضاري، ونشر الرذيلة والإباحية. وقد أدى هذا كله إلى إقبال الناس وخصوصاً البسطاء وذوي الدخول المحدودة على الاستهلاك والشراء دون التفكير بمدى قدرتهم على تغطية هذه النفقات، فمع سهولة القروض التي تقدمها البنوك الرأسمالية للأفراد ودون ضمانات كثيرة، أقبل العديد من البسطاء للاقتراض من هذه البنوك وبذلك لإشباع رغباتهم في الشراء والاستملاك الغير مبرر له.

وفيما يتعلق بالترويج ونشر القيم الإستهلاكية، وخلق أرضية مناسبة للمنطلقات الربحية والمادية، تتسلح الرأسمالية ولتبرير أفعالها الجانحة وجرائمها الدموية بمثل عُليا نبيلة مثل الدفاع عن الديمقراطية، الحرية، النضال ضد الديكتاتورية، الدفاع عن قيم الغرب، في حين إنها تدافع أصلاً عن مصالح طبقة مُتملكة تريد أن تستولي على أموال وموارد الشعوب وفرض وصايتها عليها. ويساعد في نشر هذه السياسة حكام اقتصاديون وسياسيون وصحافة ووسائل إعلام. (24)

لم تترك الرأسمالية باباً إلا وقد طرقته، فربح في نظر الرأسماليين هو القيمة العليا، وهو يحتاج إلى تضحيات كثيرة في سبيل الحصول عليه، فأصبحت وسائل الإعلام تحت تصرف الرأسماليين، وأصبح أغلبية رجال السياسية والاقتصاد منظرين ومنفذين للسياسات الرأسمالية، وأصبح القرار المتعلق بأغلبية سكان العالم في أيدي من يملكون المال والثروات الهائلة، يصدرون قراراتهم وفقاً لمصالحهم الخاصة والربحية. وقد قام الرأسماليين بإنشاء منظمات دولية تشرف إشرافاً مباشراً على نشر الثقافة الرأسمالية بين الشعوب، أهمها: صندوق النقد الدولي، البنك المركزي الدولي، ومنظمة التجارة الدولية، والأمم المتحدة، وغيرها من المؤسسات الدولية.

  1. النجار، مازن، صعود المال: التاريخ المالي للعالم، موقع الجزيرة نت، 2010م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B22E1F79-C59B-4F7A-8BE9-972295B18A11.htm#%D8%AF

  1. بيلي، جيرو، وآخرون، الكتاب الأسود للرأسمالية، ترجمة انطون حمصي، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا، 2006م.

ويتوهم كثير من الناس أن ما وصل إليه العالم اليوم من تقدم علمي وتكنولوجي وإقتصادي وإجتماعي وسياسي هو أهم أهداف الفكر الرأسمالي، ولكن تكمن حقيقة هذا الأمر في أن ما توصل إليه عالمنا اليوم من تقدم حضاري ومعرفي هو نتيجة للاستثمار المالي والفردي الهادف للحصول على الأرباح من خلال الاستثمار التعليمية والصحية والمصرفية وغيرها بسبب حاجة البشر إليها بشكل كبير.

ومع افتراض أن هذا التقدم الذي واكب عالمنا اليوم هو هدفاً رأسمالياً سعت الرأسمالية لتحقيقه للبشرية جمعاء، فقد عملت الرأسمالية على تحقيق هذا الهدف من خلال نشر الرذيلة، وشرعنة الربا، وقاعات القمار، وتنحية الدين، وهدم الأخلاق. أي حققت الرأسمالية هدفها بطريق غير شرعية وغير أخلاقية كرست المنفعة الشخصية، وما بُني على باطل فهو باطل، ولأن الجزاء من جنس العمل، ولأن الحصاد من نوع البذور، فإن هذا التقدم  سيواجه خطر الانهيار، فهو قائم على أساس باطل وغير أخلاقي، وسوف يتعرض للعديد من الهزات والأزمات.

وتقول نورينا هيرتس في هذا السياق ” إن التطور العلمي والإصلاح الإقتصادي لا يتم مع الأسف ضمن إطار يراعي الحاجات الإنسانية في حالته الراهنة. بل والأدهى من ذلك فإن التطور العملي والنمو الإقتصادي  يتم بالطريقة الغبية و المتوحشة التي يسير بها عالمنا اليوم، ولهذا تبعات لا تخفى على الإنسان المعاصر وعلى المجتمع والمنتظم الدولي، إذ يكفي أن نستحضر بشكل مباشر جنون البقر، إنفلونزا الطيور، والحمى القلاعية والجمرة الخبيثة، ولائحة الأمراض الجديدة مفتوحة على مصراعيها لاستقبال أمراض جديدة للعصر الحديث، كل ذلك بسبب الثورة العلمية التي تسعى للربح بأقصى سرعة حيث يصبح معها إيذاء بني الإنسان أو جعله فأر تجربة شيئا ًعادياً. المهم هو الربح السريع و الإنتاج و لو على حساب المنتوج والمستهلك” (25)

تحول عالمنا اليوم إلى ثكنة اقتصادية وسياسية واجتماعية رأسمالية هادفة لتكديس الأرباح والسلطة بأيدي ثلة من الرأسماليين المنتفيين، فأصبح علماء الاقتصاد وخصوصاً الرأسماليين منهم يهتمون بالقضايا الإنسانية والإجتماعية بحثاً عن قنوات جديدة لجني الأرباح. ولذلك أبعدوا المفكرين والسياسيين عن دائرة القضايا الإنسانية والإجتماعية، فلذلك أصبح العالم الآن ” عالم أو أمة شركات ” ذو بعد واحد وهو البعد الرأسمالي الهادف لتكريس الأرباح، وهو ما أشار إليه الفيلسوف الألماني هربرت ماركوز في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد”. (26)

هيرتس، نورينا، السيطرة الصامتة ” الرأسمالية وموت الديمقراطية “، ترجمة صدقي خطاب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 336، 2007م.

  1. المرجع نفسه

ويمكن إجمال أهم النقاط التي تتعلق وتدور حول مفهوم الربح في الفكر الرأسمالي:-

  • الربح أهم الأهداف التي سعت الرأسمالية وما زالت تسعى لتكديسها بأيدي الأفراد، وقد صنعت من اجل هذا الهدف العديد من القوانين التي مكنت الرأسماليين من تحقيق الأرباح.
  • الربح في الفكر الرأسمالي يعني تحويل الأفراد وخصوصاّ ذوي رؤوس الأموال إلى منظومة استغلالية لا تخضع لأي ضوابط أو توازنات كتلك التي يخضع لها الأفراد والمؤسسات داخل المجتمعات، أي جعل أصحاب رؤوس المال فوق القانون، وفوق القيم الأخلاقية، بهدف تكريس الإرباح وجني الأموال.
  • عملت الرأسمالية ومنذ انطلاقاتها الأولى على نهب خيرات الشعوب والبسطاء وذوي الدخل المحدود، وقد ظهر ذلك جلياً في حملاتها الإستعمارية، آخرها حرب العراق، وأفغانستان، وفيتنام.
  • الربح الهدف الأساسي للرأسمالية، فإذا غاب هذا الهدف، غابت معه الإنتاجية وعناصر العمل والتحفيز والدافعية التشغيلية.
  • السعي وراء الرزق وجني الأرباح ليست معضلة، وإنما المعضلة الأساسية هي أن تكون الأرباح وعملية جنيها هي الهدف الرئيسي، وليس فقط جني الأرباح، وإنما تكديسها والهوس بها لدرجة تصل إلى ما بعد الإكتفاء الذاتي بكثير.
  • طبيعة الربح في النظام الرأسمالي هو انه ذو طابع فردي شخصي، فكل رأسمالي يريد أن يحصل شخصياً على ربح رأسماله. وترك السلوك الإقتصادي والاجتماعي والسياسي مفتوحاً أمام رغبات الأفراد دون وازع أو ضابط يجعله أكثر جشعاً وأكثر حرصاً على جني الأموال والأرباح، مما يخلق العديد من الأزمات، أهمها الأزمات الأخلاقية وأزمات الثقة، والإنهيارات المالية كتلك التي شهدها العالم عام 1929م، 2008م، وما زال يشهدها في وقتنا الحالي.
  • من اجل تحقيق الهدف الربحي للرأسمالية، قامت الرأسمالية بنشر الثقافة الإستهلاكية، وهوس الشراء، والرذيلة، والانحطاط بين البسطاء وعامة الناس ليكونوا صيداً سهلة لمؤسسات الإقراض المالي والتي تجني من ورائهم الكثير من الفوائد.
  • أصبحت الأسواق التجارية وصالات البورصة وأسواق الأسهم قاعات ربوية كبيرة مشروعة التداول بين الناس، تهدف إلى جني الأرباح بأسهل الطرق ودون عناء.
  • ما حققته البشرية من تقدم ورقي في عصر الرأسمالية والعولمة والليبرالية الحديثة لم يكن هدفاً أرادت الرأسمالية أن تقدمه للبشرية، بل هو نتيجة للاستثمارات البشرية في مختلف قطاعات الخدمات الإنسانية.
  • أصبح العالم اليوم ذو بعد واحد وهو البعد الرأسمالي الهادف لتكريس الأرباح، ومن هنا ينبع مفهوم الربح في الفكر الرأسمالي. فالرأسمالية نظام يسعى ومن خلال أصحاب رؤوس الأموال و وسائل الإعلام والسياسيين إلى نشر الفكر الرأسمالي الهادف لجني الإرباح بشتى الطرق.

3.2: نظرة الرأسمالية للأخلاق ودورها في تكديس الأرباح

تدعي الرأسمالية أنها أخلاقية، وأنها أتت بكم كبير من الأخلاق، وأنها تهدف إلى بناء جيل أخلاقي، والدليل على ذلك أنها لآمست آلام الأفراد في زمن الإقطاعية والعبودية والبرجوازية، وأنها حررت الفرد من الطغيان والإستبداد والظلم، وأتاحت لهم الحريات بأنواعها، السياسية والإجتماعية والإقتصادية والفكرية، بل وجلبت للعالم النظام الديمقراطي والذي تزعم أنه قائم على احترام الآراء والحريات.

الأخلاق في الفكر الرأسمالي هي السلوكيات والقيم التي تُدر الأرباح ولا تتعارض مع المبادئ الرأسمالية، فكل خُلق يتعارض مع مصالح الرأسمالية يكون منبوذ ومُنحى بعيداً، كما وتقوم الرأسمالية بتبرير تنحية هذا الخُلق، فمثلاً الصدق مطلوب ومهم للرأسماليين لأن أغلب المعاملات المالية والتجارية تحتاج إلى الصدق، وإحترام الوقت مقبول في الرأسمالية، لأن المبادلات التجارية ترتكز على عنصر الزمن، وللزمن قيمة، فقد يحقق أرباحاً، وقد يُفلس شركات في لحظات. (27)

وفي مقابل هذه النظرة الوردية لإحترام الصدق والوقت في النظام الرأسمالي، نجد أن الزنا مشروع ومقبول في الفكر الرأسمالي، فنجد أن القانون الرأسمالي يُشرع إقامة بيوت الزنا والرذيلة، كما ويُشرع هذا القانون الزواج المثلي، والشذوذ الجنسي وغيره بدواعي الحريات الشخصية. ولا يتهاون الرأسمالي في استعباد من عجز عن سداد إلتزاماته المالية وسحقه دون شفقة أو رحمة، فقد رأيينا كم تشرد من البشر في أمريكيا والدول الغربية جراء حدوث الأزمة المالية والعقارية في عام 2008م ممن عجزوا عن الوفاء بإلتزاماتهم للبنوك الرأسمالية الربوية. (28)

هذه الأخلاقيات وغيرها والتي تهدف إلى حني الإرباح أنتجت مجتمعات مريضة إجتماعياً وفكرياً وصحياً، حيث تلوث الجو الإجتماعي في هذه المجتمعات، وأصبح تفكير الأفراد يصب فقط فيما يحقق الأرباح، ولا يتطرق أو يلتفت إلى الأخلاق وما يحمي الفرد من التهشيم والانهيار.

كيف لمن يدعي الأخلاق، ويدافع عن الحريات، وينادي بحقوق المرأة أن يعرض جسدها للبيع في حانات الزنا وبيوت الرذيلة؟. وكيف لمن يدعي الأخلاق، ويكرم الفرد بصفته قاعدة الإنطلاق في المجتمع أن يُهين هذا الفرد ويحوله لعبد؟. وكيف لمن يُنادي بحقوق الإنسان في المحافل الدولية والعالمية أن يقبل بإستغلال جهل العامة، وبساطة الفقراء، ويدخلهم في دوامة القروض والفوائد؟. هذه هي أخلاق الرأسمالية، أخلاق موجهة نحو جني الأرباح فقط، فلا تُراعي الحاجيات الإنسانية، ولا الفروقات بين الأفراد.

  1. قاسم، عبد الستار، التحرر من اقتصاديات القمار والخداع، نشر بدعم من جامعة القدس، فلسطين، 2010م.
  2. المرجع نفسه.

ويقول آندريه كونت سبونفيل في هذا السياق معلقاً على الصلة بين الأخلاق والاقتصاد: ” العلوم لا أخلاق لها، والتقنيات لا أخلاق لها، فكيف بالاقتصاد، وهو علم وتقنية؟ لا أخلاق في الحساب (في الحساب لا حساب للأخلاق)، لا أخلاق في الفيزياء، لا أخلاق في الأحوال الجوية، فلم الإصرار إذن على الأخلاق في الاقتصاد؟ نعم السوق تحتاج إلى ثقة، ولكن السوق نفسها تستبعد من يشتهرون بالاحتيال، وتعاقب من يخون هذه الثقة. وهذه الثقة وهذا العقاب لا ينبعان من الأخلاق، بل ينبعان من السوق ذاتها، وهذا ما يُكسب السوق الفعالية والكفاءة. وليست الأخلاق هي التي تحدد الأسعار، بل قانون العرض والطلب، وليست الفضيلة هي التي توجد القيمة، بل العمل. وليس الواجب هو الذي ينظم الاقتصاد، بل السوق”. (29)

يتضح هنا أن الرأسماليين لا تحركهم الأخلاق، بل تحركهم مصالحهم، وهم لا يقدِّمون المصالح العامة على المصالح الخاصة، لأنهم أنانيون، وأصحاب ثروة لا أصحاب إيثار.  وهناك من يُثري دون أن يعمل، وهناك من يكدّ في العمل ويبقى فقيرًا. وأفضل وسيلة لكي تصبح ثريًا في بلد رأسمالي هو أن تكون رأسمالي، أي أن تكون بلا أخلاق، لاهثاً خلف المال وهوس الشراء والإستهلاك.

ويقول آدم سميث: ” نحن لا نتوقع أن نظفر بطعامنا بدافع الكرم من القصابين أو الخبازين، بل بدافع حرصهم على مصالحهم. فنحن بهذا لا نتوجه إلى ما هو إنساني فيهم، بل نتوجه إلى أنانيتهم، ونحن لا نخاطبهم بما لدينا من حاجات، بل بما ينتظرونه هم من مغانم”. وهنا ينفي سميث الدور الإنساني والأخلاقي في تبادل الحاجيات بين البشر، أي الإندفاع وراء ما يحقق الربح فقط، ويشبع الذات بالماديات فقط دون التطرق إلى ما هو سامي أو أخلاقي (30)

لقد أثبتت الرأسمالية مكانتها في العالم الآن، فهي لا تلتفت إلى الإنتقادات الأخلاقية وغير الأخلاقية، فهدفها الثروة، وأن تحقق الربح بأقل التكاليف السياسية والإجتماعية والإقتصادية، فهي لم تلتفت إلى حقوق العمال، ولا ربطت الاقتصاد والسياسية بالأخلاق، ولم تنشغل بالصراعات الطبقية وبؤس الفقراء كما فعل ماركس وغيره، بل طلبت من الأفراد أن يكونوا فقط بلا أخلاق وأنانيين لكي يكونوا أثرياء.

ومن خلال هدم الأخلاق، وأنانية الإفراد، إنتصرت الرأسمالية على كثيراً من الأفكار، كالشيوعية والاشتراكية وربما الإسلامية أيضاً، فمن خلال سيئات الرأسمالية، ومن منطق الأنانية،  أقامت الرأسمالية فكراً داهم العالم بأسره.

سبونفيل، اندريه، هل الرأسمالية أخلاقية؟، ترجمة بسام حجار، دار الساقي، بيروت، لبنان، 2005م.

  1. المرجع نفسه.

3.3: الرأسمالية وآفاقها المستقبلية

الرأسمالية متقلبة ومتعددة الأوجه والإتجاهات، فهي قادرة على التعاطي مع المنعطفات والتقلبات التي تواجه خط سير أهدافها وتطلعاتها، كما أنها متعددة الألوان والمسميات، ولها من الأعذار ما يقنع الكثيرين على حُسن أدائها وفاعليتها وقدرتها على تخطي الأزمات التي تواجهها.

عند إنهار النظام الإقتصادي العالمي عام 1929م أثر الكساد العظيم الذي ضرب العالم، قامت الرأسمالية بإشراك الدولة في إعادة صياغة وضبط توازنات السوق، فقد قررت حكومات الدول الرأسمالية في تلك الفترة التدخل لإعادة الحياة للأسواق العالمية. فمع أن مبادئ الرأسمالية تنص على عدم تدخل الحكومات أو الدول في آليات عمل السوق، إلا أنه وفي سبيل تحقيق الرأسمالية لمصالحها وديمومتها عملت على السماح للحكومات بتدخل لإعادة التوازن للأسواق وتجاوز هذه الأزمة.

وقد كانت الكنيسة في أوروبا تحرم الفائدة وتعتبرها شكلاً من أشكال الربا ومن ثَمّ فهو خطيئة، لكن مع تطور الرأسمالية، ومن أجل تسهيل حركة القروض، عملت الرأسمالية وبواسطة رجال الدين على تمرير هذه الفائدة بهدف جني الأرباح. ومع أن الكنسية تعتبر الفائدة ربا وهي خطيئة وفيها تأثيم أخلاقي، إلا أن الرأسمالية أغرقت العالم بالربا إلى أن أوشك نظامها الإقتصادي على الانهيار. (31)

والجدير بالذكر هنا أن لدى الرأسمالية قابلية للتعاطي مع جزء من الأفكار الاشتراكية والماركسية الداعية لحماية العمال، والتخفيف من حدة الصراع الطبقي بين الفقراء والبرجوازيين. ويستخدم هذا التعاطي من قبل الرأسمالية في حالة الإضرابات العمالية، لكن الرأسمالية تغطي هذه الأفكار بغطاء يبعدها عن التناقضات والجدليات التي قد تتعرض لها.

وفي أثناء الأزمة المالية العالمية والعقارية التي ضربت العالم عام 2008م، عملت الرأسمالية على تطبيق بعد الأفكار الإسلامية في مصارفها ومؤسساتها المالية. فقد نادى العديد من قادة الغرب بضرورة الإلتفات إلى التشريعات المالية الإسلامية بوصفها علاجاً لتفادي الأزمة والركود الإقتصادي.

يتضح هنا أن الرأسمالية وعلى مدى مسارها التاريخي عملت على تصحيح مسارها بما يتوافق مع أهدفها الرئيسية، وأهمها تحقيق المنفعة وجني الإرباح، ففي سبيل تحقيق الأرباح قامت الرأسمالية بإعادة العديد من مبادئها لتتوافق مع تطلعاتها المستقبلية.

  1. النجار، مازن، صعود المال: التاريخ المالي للعالم، موقع الجزيرة نت، 2010م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B22E1F79-C59B-4F7A-8BE9-972295B18A11.htm#%D8%AF

ولا تسمح الرأسمالية للأمور أن تُفلت من قبضة يدها، ولا تسمح للأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية أن تدهور إلا إذا كان ذلك يخدم مصلحتها، لأن في إنهيار هذه الأوضاع خسارة كبيرة للقائمين على هذا النظام الرأسمالي. ومن أجل  ذلك تقوم الرأسمالية وبصورة دورية بإيجاد حلول للازمات التي تواجهها، لكن تبقى حلول مؤقتة، فالرأسمالية تعاني خللاً داخلياً يتمثل أساساً بجعل الربح قيمة عليا، فتكون الحلول التي تقدمها الرأسمالية حلولاً عرضية لا تلامس معالجة المشكلة الأساسية التي يقوم عليها الفكر الرأسمالي وهي جني الربح، فلذلك يكون الخلل الداخلي قابلاً للإنفجار بين الحين والآخر. (32)

لقد تحدث ماركس عن أن الإنتاج الفائض متأصل في الرأسمالية، ويجري تفريغه في أزمات دورية تهدف غالباً لجني الإرباح بعيداً عن أي إطار أخلاقي. لكن هذه الأزمات لا تقضي على الرأسمالية، بل تزيد من  تكريس نفوذها واستبعادها لشعوب العالم، وتزيد من قدرة تجاوزها لهذه الأزمات_ مع العلم أنها تبقى حلولاً عرضية_، فقد تغرق الرأسمالية العالم مثلاً بالإمراض في سبيل تسويق سلعها.

وصلت الرأسمالية الآن إلى مرحلة الليبرالية الديمقراطية الحديثة، وهي المرحلة التي تنبئ بها الكاتب فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ وخاتم البشر”، حيث إستند فوكوياما إلى الأفكار والجدليات الهيجيلية والتي تتحدث عن أن التاريخ يتطور بصيرورة، وبانهيار المنافس الأقوى للرأسمالية وهو الدولة الشيوعية، أصبحت الليبرالية أمراً واقعياً لجميع شعوب العالم، وسيقوم العالم بوضع فرضيات ونتائج هذه النهاية. ومع أن تنبؤات فوكوياما لم تكن جميعها دقيقة، فهو نظر للرأسمالية من زاوية أنها نجاح رباني مقدم للبشرية، لا من زاوية أنها نظام قائم على الجشع والخداع والربا. (33)

وعن مستقبل الرأسمالية، وقدرتها على إدراك الأمور، تتعالى صيحات متعددة في العالم، أهمها:-

  • إنهيار النظام الرأسمالي بشكل كامل نتيجة لجشعه وكثرة أزماته التي عانى منها العالم.
  • أن تقوم الرأسمالية بالجمع ما بين اقتصاد السوق والدولة، في حالة من التعايش، وفي ظل وجود قيود من قبل الداخل والخارج على كل منهما، وأن ذلك سيكون في إطار أبعاد أخلاقية وسياسية، ولن يتوقف هذا الدور الرقابي على الدولة الوطنية، ولكن سوف يعكس وجوده اتجاه عالمي. (34)
  • ظهور نخبة جديدة تقود الرأسمالية تعرف بـ “النتوقراطية”، وهي مرحلة ما بعد الليبرالية الحديثة، حيث تقوم تكنولوجيا المعلومات فيها بتغيير طرق ومبادئ تفكير وسلوك البشر، وسيكون العالم أمام اقتصاد وسياسة وأسرة وتعليم وحتى أفراد من أنواع مختلفة كلياً عما عرفه التاريخ، لكنها ستواجه صراع مع الرأسماليين التقليديين والباحثين عن الإرباح بشكل تقليدي، وربما ينتج شكلاً جديداً للرأسمالية. (35)

قاسم، عبد الستار، التحرر من اقتصاديات القمار والخداع، نشر بدعم من جامعة القدس، فلسطين، 2010م.

  1. اليبلاوي، حازم، النظام الرأسمالي ومستقبله، موقع الجزيرة نت، 2011م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B033F880-0895-492F-9B34-9DF97A08A00C.htm

  1. المرجع نفسه.
  2. ألكساندر بيرد وجان سوديرقفست، النتوقراطية.. نخبة القوة الجديدة وحياة ما بعد الرأسمالية، موقع الجزيرة نت، 2011م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A5B3DDF1-F928-45C7-BB2F-550E910655F9.htm

3.4: الخاتمة والنتائج

ليس كل ما هو موجود في الرأسمالية مرفوض، فهناك الكثير من الأفكار التي نادت بها الرأسمالية، وهي مقبولة عند غالبية البشر، بل ويُجمع عليها الكثير من المفكرين على إختلاف آرائهم، سواء كانوا إشتراكيين أم شيوعيين أو حتى إسلاميين. فالمُلكية الخاصة تدفع الفرد نحو الإنتاج والتقدم، والفرد يكون أكثر حرصاً على ماله ومنفعته الخاصة من المال العام. فهذه المبادئ وغيرها والتي تنادي بها الرأسمالية مقبولة عند الجميع.

والمشكلة ليست في المُلكية الخاصة ولا الفردية التي تنادي بها الرأسمالية، لكن المشكلة تتعلق في ما صنعته الرأسمالية من جنون وحُب للمال، بحيث حولت الفرد إلى جابي للأموال والأرباح، فغيبت وعيه، وزرعت بداخله شهوة الكسل والإستهلاك، وهوس الشراء والتسوق، وأدخلته في المحرمات كالربا والزنا والقتل والعقوق، بحيث تجرد الفرد من إنسانيته وأخلاقه ودينه.

وتحاول الرأسمالية أن تنشر أفكارها في شتى بقاع العالم، وأن تحمل الآثار السلبية لتقلباتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية للعالم بأسره. فبعد أن نجحت الرأسمالية في أمريكيا والدول  الغربية من إنتاج فرد غائب عن الوعي، ولا يلتفت إلا للمال والشهوات، قامت بعولمة أفكارها وبثها لجميع شعوب العالم، وهذا من منطلق سيادة العالم، فالرأسمالية تعتقد أن الله تعالى أوكل إليها مهمة قيادة العالم، وإنقاذ البشرية من الكوارث، وإن ما حققته من نجاح هو نتاج لرضا الرب الدنيوي عنها.

ومن أهم النتائج التي توصل إليها الباحث ما يأتي:-

  • الهدف الأساسي للرأسمالية هو جني الأرباح، فالأرباح في الرأسمالية قيالأشكال خصوصاًن خلالها خلق منظومة بشرية استغلالية تهدف إلى تحقيق الأرباح بشتى الطرق والوسائل.
  • الرأسمالية موجودة منذ العصور القديمة، لكنها تطورت وأخذت العديد من الأشكال خصوصاً في القرن الخامس عشر ومروراً بالثورة الصناعية والفكرة في أوروبا حتى وصلت إلينا بحلتها الجديدة، وهي تعرف الآن بالليبرالية الحديثة.
  • أسمهت الرأسمالية في إنتشار الأمراض الإجتماعية، وخلق بيئة سياسية وإقتصادية غير صحية، وإندفاع الأفراد نحو الرذيلة وهدم الأخلاق بوصفها العلاج السحري للثراء.
  • الأخلاق في الرأسمالية هي القيم التي تُمكن الرأسمالي من تحقيق الأرباح، كشرعنة الربا، وإنتشار الرذيلة وغيرها، ونشر ثقافة الكسل والإستهلاك، وثغرات الخدمات.
  • تتجانس المبادئ الرأسمالية مع هدف تكريس الإرباح في الفكر الرأسمالي، بل وتوافق معها.
  • علمت الرأسمالية على صياغة القوانين التي تخدم مصالحها، كنشر ثقافة الاستهلاك وغيرها.
  • المصادر والمراجع:-
  • الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1982م.
  • الصدر، محمد باقر، اقتصادنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، 1987م.
  • بيلي، جيرو، وآخرون، الكتاب الأسود للرأسمالية، دار الطليعة الجديدة، دمشق، سوريا، 2006.
  • حمدان، فتحي، الاقتصاد الرأسمالي في موت سريري، دار الفاروق، عمان، الأردن، 2010م.
  • حمزة، سعد، علم الاقتصاد، دار الجيل للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، 2006م.
  • درويش، إبراهيم، علم السياسة، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1970م.
  • زلوم، عبد الحي، أزمة نظام: الرأسمالية والعولمة في مأزق، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2009م.
  • سبونفيل، اندريه، هل الرأسمالية أخلاقية؟، ترجمة بسام حجار، دار الساقي، بيروت، لبنان، 2005م.
  • فولتشر، جيمس، مقدمة قصيرة عن الرأسمالية، ترجمة رفعت علي، دار الشروق للنشر، القاهرة، مصر، 2011م.
  • قاسم، عبد الستار، التحرر من اقتصاديات القمار والخداع، نشر بدعم من جامعة القدس، فلسطين، 2010م.
  • كمال، يوسف، الإسلام والمذاهب الإقتصادية المعاصرة، مؤسسة الإسراء للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 1990م.
  • هيرتس، نورينا، السيطرة الصامتة ” الرأسمالية وموت الديمقراطية ، ترجمة صدقي خطاب، سلسلة عالم المعرفة، العدد 336، 2007م.
  • مرسي، فؤاد، الرأسمالية تجدد نفسها، سلسلة عصر المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، 1990م.
  • المصادر الإلكترونية:-
  • ألكساندر بيرد وجان سوديرقفست، النتوقراطية.. نخبة القوة الجديدة وحياة ما بعد الرأسمالية، موقع الجزيرة نت، 2011م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/A5B3DDF1-F928-45C7-BB2F-550E910655F9.htm

  • اليبلاوي، حازم، النظام الرأسمالي ومستقبله، موقع الجزيرة نت، 2011م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B033F880-0895-492F-9B34-9DF97A08A00C.htm

  • السلطان، صالح، الاقتصاد الإسلامي رأسمالي، موقع العربية نت، 2011م.

http://www.alarabiya.net/views/2011/08/22/163455.html

  • النجار، مازن، صعود المال: التاريخ المالي للعالم، موقع الجزيرة نت، 2010م.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/B22E1F79-C59B-4F7A-8BE9-972295B18A11.htm#%D8%AF

  • قوجمان، حسقيل، مفهوم الربح في الرأسمالية الاشتراكية، منظمة الحوار المتمدن، العدد 1291، 2005م.                                                                                     http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=43438

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى