الدراسات البحثيةالمتخصصةالنظم السياسي

دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة التصور عن النظام السياسى

إعداد الباحثة : مريم محمد عبد العاطى يوسف جمال الدين – المركز الديمقراطي العربي

إشراف : د.أمل حمادة

 

المقدمة:

أين، كيف، ماذا، لماذا، وغيرها من أدوات الإستفهام التى اوجدها المرء لتعبر غن حالة تساؤله عن الأمور حتى يصل إلى مرحلة من المعرفة، وقد تصور الإنسان هيكل بشكل مبدئى تتجسد فيه الإجابات والحقائق التى تحوى في داخلها المعارف التى ستنهى بدورها حالة الإستفهام، وهذه الأدوات الإستفهامية، وتلك الحالة من التساؤل، وهذا الهيكل الذى تتجسد فيه المعرفة، لايقتصر على مجال دون الأخر ولا على شعب دون الأخر أو لغة دون الأخر، إنه هيكل مرتبط بالإنسان فى كل زمان ومكان، حتى عندما عجز الإنسان عن طرح سؤاله بلسانه او بلغة محددة، ظل هذا الهيكل المجسد للإجابات التى ستظهر بها المعرفة، هيكل واضح ومكتمل فى داخله، هذا الهيكل الذى يجسد تساؤل الإنسان فى أى شئ عن وحداته وطبيعتها، كيفية حدوث الأفعال داخل المجال الذى يدور التساؤل حوله، زمان ومكان الأفعال، وغير ذلك من عناصر إعتقد الإنسان أنها أساس حركة كل شئ فى كل مجال، وأنه للتعرف على حقيقة الأمور لابد من بناء هذا الهيكل الذى يجسد كيف تتحرك الأمور فى مجالها وكيف تسكن وماهى هذه الوحدات والأمور وأين يقع مجالها وإلى أين تتجه..إلخ, هذا الهيكل الذى يملأ مساحة مجردة من فكر الإنسان, تملأ هذه خانات عنصر هذه المساحة تصورات, تولد بدورها تصورات جديدة, كالتى يملأها التصور عن السكون والحركة, ليولد تصورات جديدة كالتصور الفلسفى, الذى ينتج بدوره تصور عن النظام السياسى.

إذا هذا الهيكل الذى يحاول الإنسان ملء خاناته يدور حول ماهية الأمور وحقيقتها التى تتضمن أساس الأمور الساكن الثابت الذى لا يتحرك، كما أنها ترصد الكيفية التى يتحرك ويتفاعل بها الأمر داخل مجاله مبينا مصدر حركته التى جعلته يتفاعل فى مجاله بهذه الكيفية.

والإنسان فى محاولته للإجابة على كل شئ وملء خانات هذا الهيكل يحاول أيضا الوصول بتعميمات لما يصل له من قوانين حاكمة لهذا الكون حتى أنه يحاول تعميم هيكل واحد للإجابات يوفر أجابة لكل سؤال وفى أى مجال، بمعنى أن الإنسان قد يصل إلى كيفية واحدة تحرك الأمور و وحدات ثابتة تعكس نفسها فى مختلف الوحدات الأخرى فى مختلف المجالات ومبادئ واحدة توضح أين تكمن ماهيات الأمور أى أين يكمن ما هو ساكن محرك لكل شئ داخل الشئ، وهو بهذا ينتج تصورات فلسفية يفسر بها العالم من خلال ذاك الهيكل الذى يصنعه أيا كانت الأفكار التى يحويها هذا الهيكل فهو يصف تصور عن حركة الأشياء فى شكلها المجرد الذى يحوى مبادئ يطبقها ويعكسها المرء بالضرورة على باقى العالم ليفسره ولينتح تصورات عما يجب أن تكون عليه الأمور فى هذا العالم، ولا يخرج من هذه التصورات ما هو سياسى، أى التصور عن النظام السياسى.

وبهذا ينتج المرء تصوره عن السكون والحركة فى شكلهما المجرد، أبسط شكل ممكن يحتوى على مبادئ توضح الكيفية التى تحدث بها الحركة فى الكون و حالة السكون التى توفر مساحة لتأمل الأمور وبالتالى التعرف على جوهرها، وهذا ما يوضح بالضرورة أين هى الأشياء مما يجب أن تكون عليه. يبنى هذا التصور المجرد على حقائق علمية عرفها الفرد عن الحركة الفيزيائية فى هذا العالم، أو قد يبنى من تصورات مخيلة غير مبنية على أساس علمى، على أى حال يبدأ الفرد فى تعميم تلك القوانين التى إرتضى أن تكون هى المفسرة للعالم ويخرج منها تصور فلسفى ينتج عنه تصورات عما يجب أن يكون ولا يخرج من دائرة التصورات التصور عن النظام السياسى، وهذا ما تحاول الدراسة معرفته، هو إلى أى مدى يؤثر التصور عن السكون والحركة على التصور عن النظام السياسى وذلك من خلال إستقصاء علاقة كل منهما بالتصور الفلسفى وذلك فى إطار وجود تصور واضح لما يعرف بالتفكير المجرد الذى يتسبب فى هذه العملية بالأساس لدى الإنسان التى تمثل أساس لوجود هذا الرابط ين التصورين.

 

ولعل الإجابة على ذلك بتوكيد تأثير هذا التصور على ذاك تحوى فى داخلها مساحة لتخيل الكيفية التى تجرى بها العلاقة والعناصر التى تتمثل فيها العلاقة، والأهم من ذلك هو إمكانية إنتاج تصور جديد عن النظام السياسى فى كل مرة ينتج فيها تصور عن السكون والحركة، أى مساحة الممكنات، كما قد يفتح هذا المجال لتوضيح سبب إنتاج تصورات عن النظام السياسى غير نافعة وغير قابلة للتطبيق، وهذا ما سيوضح تفصيلا فى البحث.

المشكلة البحثية:

لا شك أن للفلسفة علاقة كبيرة بكل العلوم ودور أكبر فى صياغة التصورات عما يجب أن يكون فى هذه العلوم, ولا يخرج من دائرة هذه العلوم العلوم السياسية, ولا شك أن هذه الفلسفة تتأثر أيضاً بهذه العلوم وبالحقائق التى يتم إكتشافها فى إطارها لا سيما تلك التى تتعلق بالفيزياء والتى لا يخرج من إطارها تلك التصورات عن حالتى السكون والحركة فى الكون, ولا يخرج هذا من إطار عملية التجريد التى يجريها الإنسان فى ذهنه, ولأن الفلسفة تتأثر بالحقائق العلمية وتؤثر بما تتأثر به على باقى العلوم فإن هذه الدراسة على هذا تسعى إلى محاولة التعرف على إنعكاس لهذه العلاقة والذى يتجلى فى سؤال عن دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات عن النظام السياسى فى إطار عملية التفكير المجرد التى يقوم بها الإنسان.

 

الأسئلة البحثية:

إنطلاقاً من المشكلة البحثية يمكننا بلورة سؤال رئيسى وهو:

ما هو دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات عن النظام السياسى؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيسى عدد من الأسئلة الفرعية وهى:

  • ما هو التفكير المجرد وما علاقته بالفلسفة؟
  • كيف يمكن أن تؤثر التصورات حول السكون والحركة على الفلسفة؟
  • ما هو دور الفلسفة فى توجيه صياغة التصورات عن النظام السياسى؟
  • هل من الممكن الإستدلال على علاقة بين التصور حول السكون والحركة وصياغة التصورات عن النظام السياسى؟
  • إلى أى مدى يمكن أن يؤثر التحكم فى التصور عن السكون والحركة على مساحة الممكنات التى توفر صياغة لتصورات جديدة عن النظام السياسى؟
  • كيف يمكن أن يؤثر التصور عن السكون والحركة على صياغة تصورغير قابل للتطبيق للنظام السياسى؟

أهمية الدراسة:

تتمثل أهمية الدراسة فى إعتبار نظرى هام وهو ندرة الدراسات والبحوث العلمية التى تدور حول هذا الموضوع حيث تمثل الدراسة مقاربة إجتهادية أولية لدراسات أكثر عمقاً لهذا الموضوع, هذا فضلاً عن أهمية الموضوع فى حد ذاته والذى يسمح بربط أمرين هاميين ألا وهما التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى, وما سينتج عن إرتباط هذين الأمرين من توفير إمكانية للتحكم فى التصور عن النظام السياسى وبيان مساحة للممكنات جديدة تنبع من التلاعب بالطرف الأول وأثر هذا التلاعب على الطرف الثانى, كما أنها ستوضح أين يمكن أن يكمن هذا الخطأ المسبب لفشل بعض التصورات فى التطبيق أو الإستمرارية.

منهجية الدراسة:

  • المنهج التاريخى:

يعتمد المنهج التاريخى على رصد الأحداث وتحليلها وتفسيرها, وهو يهتم كثيراً بالظروف التى نشأت فيها الحادثة, ويهدف إلى الخروج بتعميمات, وقد شهد هذا المنهج تطور كبير, من مجرد سرد الأحداث وتجميعها, إلى التحليل والتفسير لهذه الأحداث.والعلاقة بين التاريخ والسياسة ممتدة على الرغم من تراجع هذه العلاقة فى أول القرن العشرين إلا إنها إستعادة قوتها مرة أخرى. ويعتمد هذا المنهج على خطوات أساسية تتمثل فى : تحديد المشكلة ووضع الفروض ثم الإنتقال إلى جمع بيانات وتحليلها وتفسيرها, وذلك للخروج بتعميمات.

[1]وستظهرالفائدةمن هذاالمنهج فى البحث عن التطورات التى ظهرت فى العلاقة بين التصورات حول السكون والحركة والفلسفة, وبين الفلسفة والنظام السياسى, من خلال جمع ما يظهرذلك من بيانات وتحليلها, للوصول فى النهاية لبلورةعلاقة عامة بين كلا طرفين, للإنتقال لإثبات وبلورةالعلاقة بين التصورات عن السكون والحركة والنظام السياسى فى النهاية.

  • المنهج الإستقرائى:

يعتمد المنهج الإستقرائى على السير من الخاص إلى العام وذلك باستخدام عمليات عقلية للوصول الى قواعد كلية, فهو إنتقال من جزئيات إلى كليات.[2]

وسيتم إستخدامه فى هذا البحث من أجل الإنتقال من تلك الحقائق الجزئية الموجودة فى أمثلة تاريخية توضح الإرتباط بين التصورات عن السكون والحركة والفلسفة وبين الفلسفة والنظام السياسى إلى حقائق كلية توضح وجود علاقة وطبيعة هذه العلاقة.

  • المنهج الإستدلالى:

الإستدلال هو برهان يبدأ من قضايا مسلم بها ويصل إلى قضايا ملزمة عنها, وهى قضايا تنتج عنها بالضرورة ولا حاجة إلى إثباتها بالتجربة. وهو يعتمد على عمليات منطقية. وتختلف القضايا التى تعتبر صحيحة والتى تستخدم فى الإستدلال من نظام إستدلالى لأخر, وأهم شئ أن توصف القضايا أو الجمل بالكفاءة والإحكام.وتتنوع أدورات وصور الإستدلال, وما يهمنا منها هنا هو الإستدلد الغائى الذى يسعى لإثبات حقيقة المستخدم فيه منه التحليل الباحث حيث لا يفرض هذا المنهج حقيقة ثم يصل لها, ولكنه يبدأ من جزئيات حقيقية ينتقل منها إلى حقيقته المرغوب فى إثباتها, ويعتمد على أدورات منها البرهان و التجريب العقلى الذى يعتمد على التخيل وإجراء التجارب فى العقل للوصول لنتائج ولكن بشكل علمى حيث يعتمد على حقائق علمية.[3]

وسيفيدنا هذا المنهج فى البحث فى الإستدلال على العلاقة بين التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى وذلك بعد إثبات ارتباط كل منهما بعلاقة بالفلسفة.

  • مناهج علم النفس السياسى:

لم يعد هناك شك من وجود رابط قوى بين علم النفس والسياسة حيث يستفيد كل منهما من الأخر, وذلك بطريقة نظريقة وعملية, حيث تتعرف السياسة على النظريات الحاكمة للنفس البشرية, ويتعرف على النفس على السياق الإجتماعى والتاريخى والسياسى الذى يمر به الإنسان والذى يساعد علم النفس على دحض أو صياغة نظرياته.[4]

وتختلف تلك التصورات التى تفسر مسببات السلوك الإنسانى, فمنها من يرجع السلوك للأعصاب, وأخرى للوراثة, وغيرها للبيئة, وتتعد وتتنوع التصورات التى تتعامل مع النفس البشرية.[5]

وعلى الغرم من هذا التعدد إلا أن هناك حقائق عامة يختلف فقط حول تفسير أسبابها, منها تلك الحقيقة التى تتمثل فى سعى الإنسان الدائم للمعرفة وقدرته المحدودة فى التعرف على حقيقة كل شئ ومحاولاته للإبداع والإبتكار, ودفعه كل هذا لضياغة تصورات مجردة عن الأمور تساعده فى الحكم عليها حيث تعد هذه الأمور خصال بشرية لا يمكن نفيها.[6]

وعلى هذا سيستفيد البحث من هذا المنهج فى توضيح سبب تأثر الإنسان بالحقائق عن السكون والحركة فى صناعته لفلسفته عن الكون والسبب فى الإخفاق فى صياغة تصورات سياسية مناسبة فى إطار قدرته على التفكير المجرد, كما سيساعد فى توضيح تلك السمة المهمة فى الإنسان وهى السعى نحو الإبداع دائماً والتى ستفيد فى توضيح تلك المساحة من الممكنات التى يخلقها الإنسان فى كل شئ بسبب سعيه نحو الإبتكار.

الأدبيات السابقة:

لم تحظى القضية التى يدور حولها البحث بإهتمام كبير وبتركيز مباشر لذلك كان من الصعب على الباحثة إيجاد دراسات سابقة تمس الموضوع بطريقة مباشرة وتقدم دراسة مشابهة فى الكيفية التى تم بها تناول الموضوع, ولكن يمكننا أن نعتمد هنا على عدد من الدراسات التى أولت دور الحقائق عن السكون والحركة فى توجيه الفكر الفلسفى وإنتاج التصورات السياسية أهمية, وتلك التى إهتمت بالتفكير المجرد و الكيفية التى يتم بها تعميم الأحكام من خلال الحقائق التى يجمعها الفرد عن الكون حوله.

وبهذا ستتمثل الدراسات فى جانبين الأول يهتم بالتفكير المجرد والكيفية التى يتم بها إنتاج الأحكام فى إطاره, والثانى يدور حول السكون والحركة وكيف تؤثر التصورات التى تدور حولهم على الفكر سواء كان فلسفى أو فيها يتعلق بالتصور عن النظام السياسى, والجدير بالذكر أن فى تلك الدراسات اتاعبة للجانب الثانى سيتجلها فيها دول التصور الفلسفى فى إنتاج تصور عن النظام السياسى أيضاً.

أولاً: دراسات التفكير المجرد:

1-Lera Boroditsky and Micheal Ramscar, the role of body and mind in abstract thought.[7]

تدور هذه الدراسة حول التفكير المجرد وتعريفه وتوضيح دوره من حيث كونه يجعل الناس يتخيلون أموراً لم يروها من قبل وذلك من خلال الخبرات السابقة التى تعرضوا لها والتى تجعلهم بعد ذلك قادرين على الحكم على ما يواجهونه وإنتاج تخيلات تدور حول الامور من حولهم وهذا كله من خلال المقدر العقلية للإنسان المتمثلة فى التفكير المجرد القادر على إستخلاص الأفكار العامة من كل ما هو محيط. وبعد هذه المقدمة فى التعريف تبدأ الدراسة بربط عنصرين هامين وتوضيح علاقة التحكم إحداهما فى الأخر أو توجيه إحداهما للأخر إن صح التعبير وذلك كله يدور من خلال وفى إار التفكير المجرد, هذين العنصرين هما المسافة والزمن, حيث أوضحت الدراسة إن الناس يحددون الزمن من خلال معرفتهم للمسافة, أى أن حقيقة المسافة تجعلهم يحددون مكانهم بشكل عام فى كل شئ, من خلال إنلاقهم من القيمة التى تحدد مكانهم فى المكان, لتعميمها إلى قيمة محايدة, وتجريدها من مفهومها المكانى, وتحديد وجودهم الزمانى من خلال ممارسة لإنعكاس هذه القيمة المحايدة على الزمان للخروج بإستنتاج حول موقعهم الزمانى, وهذا كله من خلال التجريد, أو عملية التفكير المجرد, التى تمنح الإنسان الفرصة لتجرد كل ما يراه, وإستخدام النواتج المجردة تلك بعد ذلك فى إنتاج حقائق جديدة فى مجالات مختلفة من خلال ممارسة إنعكاس للقيمة الناتجة بعد تجريد القيمة التى سبق رصدها من مجال أخر.

وعلى هذا أجرى الباحثين فى هذه الدراسة العديد من الدراسات على عينات للتأكد من صحة هذه الفكرة, الفكرة المتعلقة بإرتباط تحديد الزمن بالمسافة من خلال التفكير المجرد, وأحد هذه التجارب هى أنهم وضعوا كرسى أمام كل فرد فى التجربة وجعلوه يتخيل مرة أنه يتحرك للكرسى ومرة أخرى أن الكرسى يتحرك تجاهه, وفى كل مرة سألوه نفس السؤال, إذا كانت لديك مقابلة يوم الأربعاء وتم تأجيلها يومين, متى ستكون المقابلة؟, الجدير بالذكر أن النتائج أثبتت أن أكثر من نصف العينة عند تخيلهم أن الكرسى يتحرك تجاههم جاوبو أن المقابلة ستكون يوم الإثنين, على الرغم من أن الإجابة الصحيحة هى الجمعة, وذلك نتاج لتأثرهم بموقعهم المكانى, وتقديهم للزمان بحسب المكان والمسافة, حيث تخيلهم تحرك الكرسى تجاههم جعلهم يعمموا الحكم على الزمان فتخيلوا الزمان يسير بإتجاه عكسى تجاههم لا بعيد عنهم, أى إلى الماضى لا إلى المستقبل.

وتعد هذه الدراسات من الدراسات الهامة التى يتجلى فيها الدور الكبير للتفكير المجرد وسيطرته على أبسط أمور حياتنا تلك التى تتسم بالتعقيد الباطنى والبساطة الظاهرية.

وعلى هذا تمثل الدراسة أهمية كبيرة للباحثة لتجلى الفكرة الأساسية فيها والتى تتمثل حجر الأساس فى هذه الدراسة وهى دور التفكير المجرد والحقائق الموجهة له فى إنتاج أفكار جديدة, وتبقى الخطوة الأصعب هنا هو إثبات أن هذه الحقيقة توجه تلك, أى أن المسافة توجه الزمن, أو أن التصور عن السكون والحركة يوجه التصور عن النظام السياسى, وهذا دور هذه الدراسة ومثيلاتها.

2-ويلارد فان أورمان كوين, من وجهة نظر منطقية.[8]

فى إطار عدد من المقالات تحدث ويلارد فان أورمان عن التفكير المجرد ووظيفته وكيف تؤثر الإنتاجات المجردة على إنتاجات العقل فى الحكم على الأمور, وكيف تتكون تلك المنتجات المجردة من كل ما هو مادى, وكيف يحدث فى إطار هذه العملية إنتاج لأفكار التى قد يشمل بعضها تصورات متكاملة عن أى شئ.

فى الواقع إن ويلارد فان أورمان لم يتحدث عن التفكير المجرد من قبيل الإعجاب به ولكنه ليحذر من الخطأ الناتج عن هذه العملية ويدعو لتفكير برجماتى يبتعد عن فكرة تجريد الأمور وإطباق الأحكام التابعة ليها على أحكام أخرى, على سبيل المثال إذا طبقنا ذلك على البحث سنجد أن أورمان يحبذ عد الخلط عند بناء تصور عن النظام السياسى بين المبادئ التى ستحكم فكرة السلطة بأى مبادئ أخرى من أى نوع, وعدم إستخدام الأحكام أو المنتوجات المجردة فى تلك العملية.

وسواء أيد أورمان تلك العملية ووجد أن لها فائدة أم لا فهذا لا يعنينا, ولكن ما يعنينا هنا أو ما يهم الباحثة هى الكيفية التى ذكرها أورمان, الكيفية التى تحدث من خلالها عملية الغنتقال من مبادئ تحكم شئ, تجرد هذه المبادئ, لتصبح حاكمة لإنتاج شئ أخر, هذا ما تعتقده الدراسة يستحق التقدير فى مقال أورمان.

والواقع أن الحكم على درجة تأثير المبادئ الموجهة والحاكمة لشئ, وتجريدها, ودورها فى توجيه مبادئ تحكم شئ أخر, من الصعب إنهاء رصد الربط بين مبادئ ومبادئ فى مقال, ومن الصعب أيضاً الحكم على أهمية هذا التفكير من مجرد تصور لكيفية عمله, وعلى هذا تظل أهمية التفكير محل بحث, وتظل العلاقة بين كل منتج تجرد مبادئه وتتصل بمنتج فكرى جديد مبهمة, ويبقى دور الدراسات فى إستكشاف تلك العلاقت سواء من التاريخ أو غيره, كتلك العلاقة التى تربط بينالتصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى.

ويمكننا أخيراً أن نستعرض بشئ من الإيجاز تصور أورمان عن التفكير المجرد الذى واجهه كما سبق أن ذكرنا بالرفض لما يسببه من أخطاء وفضل البرجماتية بتصوره الخاص.

رأى أورمان أن كل شئ له منتوجات عبر الزمان والمكان منتشرة, هذه المنتوجات هى مادية, تتمثل هوية الشئ فى مجموع تلك المنتوجات عبر الزمان والمكان, ومن هذا التجمع يبدأ الإنسان بصنع تصور واهى عن الكليات, حيث الكليات هى تلك الهوية الجماعية, وهذا العملية تجرى على كل شئ, ويخرج الإنسان بالمبادئ الناتجة ويجردها, ليستخدمها فى الحكم على أمور أخرى قد لا تنتمى لنفس الهوية, مما ينتج خطأ فى التفكير.

ثانياً دراسات السكون والحركة:

1-جورج بوليتزر, مبادئ أولية فى الفلسفة.[9]

فى إحدى فصول كتابه تحدث جوروج عن الميتافيزيقين وجذور ومصادر فكرهم وسمات هذا الفكر, ومن أهم ما ميز هذا الفكر كمصدر محرك وسمة أساسية متمثلة فى منتوجات مفكريه هو تمجيد السكون, حيث منح الميتافيزيقين أهمية للسكون عن الحركة, السكون الذى رأوه فى الطبيعة وإعتقدوا وجوده, السكون الذى يحكم كل قوانون يسيطر على كل ما هو إجتماعى وإنسانى, السكون الذى سيتولى قيادة المبادئ الحاكمة لأى نظام سياسى, حيث كل ما هو قائم سياسياً أبدى لا يتغير.

إن الميتافيزيقين كما أوضح جورج هم عكس الدياليكتيك, ويتمثل منهجهم فى منهج فكرى بسيط, أهتم بالسكون ولم يعطى الحركة قدرها, وأنتج من هذا الإيمان بالسكون وهذا التصور عنه تصور فسر منه العالم كله, حيث جعل الطبيعة ثابتة, والإنسان ثابت, والمجتمع ثابت, كل شئ ساكن ثابت حقيقته قائمة أبدية لا تتغير, وعلى هذا كل شئ قائم بذاته مفصول عن كل ما حوله, له هوية لا تتغير ولا تمتزج بخلافه.

والجدير بالذكر أن هذا الإيمان بالسكون لم تأت من فراغ, ولكن من تصور عن السكون والحركة فى هذا العالم نتج من الإكتشافات العلمية المصاحبة لتلك الفترة, حيث مجدت تلك الإكتشافات من السكون فنتج فكر تأثر بها فأنتج تصور عن السكون والحركة رأى أن الحركة سراب أو تتم بشكل آلى متكرر لا معنى له, يشبه دوران الأرض حول الشمس,حيث الحركة وإن وجدت فهى ألية ظاهرية لا تعبر عن باطن الشئ.

وعلى هذا أنتجوا تصورهم عن نظام سياسى تحكمه الرأسمالية بشكل أبدى ولا يتغير أبداً.

وتعد هذه الدراسة مهمة للغاية لأنها أحد الدراسات التى توضح دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة التصور عن النظام السياسى عند إحدى الفئات الفكرية, وما سيميز دراستنا هذه هو محاولة لتعميم هذه الفكرة, كما أن دراستنا ستتميز بدراسة هه الفكرة فى إطار العملية العقلية المنتجة لها وهى التفكير المجرد, وذلك حتى تتضح الكيفية التى تحدث بها العملية بشكل أفضل, لا فقط إيضاح للفكرة, ولكن الكيفية التى تحدث بها الفكرة بشكل عام.

2-جوروج بوليتزرو جي بيس و موريس كافيين, أصول الفلسفة الماركسية.[10]

تدور هذه الدراسة حول توضيح الأسس والأصول للفلسفة الماركسية التى تجعلها سارية وممكنة مهما إختلف الزمان والمكان, وأهم أسس هذه الفلسفة هو الصراع الذى يحدث بين الأضداد, ذاك الصراع الضابط للتحول الكيفى فى هذه الطبيعة, وهو أساس حركة الكون, وهو بدوره محرك لكل شئ أخر حتى الإنسان, وسيحرك هذا بدوره المجتمع وينقله إلى حالة أفضل من خلال ذاك الصراع القائم بين الرأسمالية والإشتراكية, الصراع الكامن بين الطبقات.

وقد ظهر هذا التصور عن الكيفية التى يتحرك بها الكون مع إزدهار العلوم الحديثة وإنتاج أفكار جديدة حلت مكان القوانين السابقة, حيث أظهر علم الأحياء وجود كائنات تقع بين الحيوان والنبات, كما ظهرت إمكانية تحول الطاقة و فكرة تطور الانواع, وبهذا ظهر إخفاق فكر الميتافيزيقين القائم على الثبات والسكون, حيث أثبت أن الثبات ظاهر وأن الحركة هى الأساس, ويرى الماركسيون أن الحركة تبدأ من المادة, فالمادة تسبق الوعى.

وتتمثل أهمية هذه الدراسة كسابقتها فى توضيح دور التصور عن السكون والحركة فى التأثير على التصورات الفلسفية المنتجة للتصور عن النظام السياسى, وتتمثل أهمية دراستنا وميزتها عن تلك الدراسة المعروضة مثل ما ميزها عن السابقة وهو بلورة دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة التصور عن النظام السياسى وتعميمه, وذلك فى إطار عملية التفكير المجرد التى يقوم بها الإنسان.

3-إمام عبد الفتاح إمام, المنهج الجدلى عند هيجل.[11]

يوضح الكاتب هنا أن الفكر ما هو إلى سلسلة من المثلثات وذلك فى شكله الخالص ولا يخرج من ذلك الفكر الهيجلى, ذاك المنهج الذى يتشابه فيه ماركس مع هيجل فقط الفارق هو مثالية هيجل, ويوضح الكاتب أنه قبل دراسة الفكر أياً كانت الطبيعة المتمثل فيها سواء منطق أو خلافه فإنه لابد من دراسة وفهم طبيعة ومصادر هذا الفكر ومن أين جاء وكيف تكون وما هى أسسه, ومن المصادر التى ذكرت من ضمن المصادر المنتجه للفكر الهيجلى ومنهجه الجدلى هو التصور عن السكون والحركة المتمثل فى تأثر هيجل بالفكر الأيلى وبالعلوم الطبيعية, ذاك الفكر الأيلى التى ساهم فى إنتاج فكرة سلب السلب التى سيلى ذكرها, وفكرة أن الوجود واحد وله محرك واحد  أيضاً, كما أنه تأثر بالعلوم الطبيعية وبالمنتوجات الفكرية المتعلقة بتحول الطاقة والكائنات الصعب تصنيفها إلى نبات أو حيوان, وبهذا أنتج هيجل فكره حيث ينصب الجدل على الحركة عكس الميتافيزيقيين, هذه الحركة الحادثة بفعل صراع الأضداد داخل الكيان الواحد, وما يهمنا هنا هو دور التصور عن السكون والحركة الناتج من تأثره بفكر السابقين أو بالعلوم الطبيعية على فكر هيجل وإنتاجه من منهج جدلى بقوانينه.

ويمكننا هنا عرض هذه القوانين مع إيضاح كيف ظهر تأثره بالتصور عن السكون والحركة فى تلك القوانين, حيث القانون الأول فى التغير الدائم الناتج عن الصراع بسبب وجود الأضداد فى الكيان الواحد, حيث تتجه الأمور بهذا إلى مصيرها, والثانى يتمثل فى ترابط السيرورات والمصائر التى تتوجه لها الأمور, والثالث هو المراحل التى تمثل عملية الصراع داخل الكيان الواحد والتى تنتج الكيفية التى توصله إلى مصيره الواحد بين الكيانات وهى إثبات الشئ ثم نفيه ثم نفى النفى, والقانون الرابع هو تحول الكم إلى الكيف حيث يتراكم الكم ليوصل للكيف, كل هذا نتاج العلوم الطبيعية والتصورات الفكرية عن السكون والحركة التى وصفت كيف يتحرك العالم فأنتج هيجل قوانين ومنهج ومنطق ومنظور فلسفى يفسر العالم وينتج منه تصورات جديدة.

وبهذا تظهر أهمية هذه الدراسة مثل مثيلاتها السابق ذكرهن من حيث كونها توضح دور السكون والحركة فى إنتاج الفكر, ولكنها تتميز يإيضاح دور ذاك التصور فى إنتاج قوانين منطقية تنظم عملية التفكير السليم, حيث كيف تتحرك الأمور هو ما يحدد كيف يجب أن يفكر الإنسان فيها وفى تطورها, وبهذا لا تتميز هذه الدراسة التى تقوم بها الباحثة عن تلك المعروضة بشئ يزيد عما تميزه هذه الدراسة عن الدراسات السابق ذكرهن من حيث كونها تبلور العلاقة بين التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى, وذلك فى إطار عملية التفكير المجرد.

4-أرسوطاليس, الطبيعة.[12]

هذه الدراسة المترجمة من قبل إسحاق حسين هى دراسة تعرض كتاب الطبيعة لأرسطو وذلك مع شروح إبن السمح وإبن عدى ومتى بن يونس وأبى الفرج بن الطيب. وفى هذا الكتاب تم عرض وجهات نظر أرسطو عن الحركة حيث رأى أن هناك فارق ما بين الحركة والتغير, حيث كل حركة تغير وليس كل تغير حركة, والكون تغير وليس حركة, حيث التغير يكون من حالة لأخرى, أى يختلف عن الحركة من حيث كونة يشمل إختلاف الحالة التى سيصبح عليها الكيان المتحرك, والحركة  تتكون من متحرك ومحرك وزمان ونقطة إنطلاق ونقطة يتم الوصول إليها, والكون لا يتحرك حيث الحركة تحدث فى الوجود من حيث الإنتقال من حالة وجودية إلى حالة أخرى, ولكن الكون لا يتحرك حيث لا توجد حالة وجود أخرى قد ينتقل إليها الكون مختلفة عن حالته, وتحدث أرسطو عن المحرك الأول لكل شئ وبين أهميته, وأوضح أنه توجد مبادئ تتحكم فى حركة الاجسام تختلف بين المادة المكونة للجسم والصورة القابلة للتحرك وهى التى تكسب الشئ ماهيته, وعبر عن هذا بفكرة الوجود بالقوة والوجود بالفعل, حيث على سبيل المثال الحيوان يمتلك خصائص الغنسان ولكنها موجودة لديه بالقوة وليس بالفعل وهذا ما اكسبه الماهية التى هو عليها, ولكنه يمكن أن يتحرك ليتغير من هذه الحالة الوجودية لحالة جديدة إنسانية على سبيل المثال, والحركة لا تحدث عبث ولكن لهدف.

وهذه الدراسة توضح كيف يؤثر التصور عن السكون والحركة فى خلق مبادئ وأفكار تمس أمور أخرى كتلك المتصلة بموضوع الماهية والوجود بالقوة والفعل, كما أنها توضح كيف يمكن أن يوجد تصور ناتج من شخص عن السكون والحركة غير قائم على دلائل علمية ويؤثر على فكره وهذا ما يميزها, وكلا الأمرين تحويهما الدراسة وسيظهر ذلك فى المباحث المهتمة ببلورة دور السكون والحركة فى توجيه الفكر بشكل عام والتصور عن النظام السياسى بشكل خاص, سواء كان هذا التصور نتاج إكتشاف علمى أو تصور شخصى غير مبنى على أى أسس علمية.

5-معتصم السيد أحد و الحسين أحمد السيد, نسبية النصوص والمعرفة الممكن والممتنع.[13]

تناول هذا الكتاب ,وهو عبارة عن سلسلة محاضرات عرضها أية الله السيد الحسين مرتضى الشيرازى وكتبها الكاتبين السابق عرض إسميهما, تناول فى أجزاء منه شرح أثر ظهور فكرة النسبية فى الحركة كتصور عن الكيفية التى تحدث بها السكون والحركة فى الكون على الحقيقة والخاصة المقدمة على شكل نصوص, حيث يناثش الكتاب كيف تأثر عدد من المفكرين بفكرة النسبية وأنه لا يوجد شئ مطلق وأن كل شئ تتحدد حركته نسبة إلى مرجه, وظهر هذ التأثر فى أمور عدة منها تعاملهم مع الحقيقة حيث بدأ البعض يعتبر أن الحقائق هى الأخرى نسبية, وأن مدى صحة أو عدم صحة الحقائق يتوقف على العقل المتلقى, ولا يخرج من إطار تلك الحقائق تلك المعروضة فى نصوص, ولا يخرج من تلك الأخير الديانات.

والكتاب بعد عرضه لهذه الفكرة يقدم نقد لها يعتمد على فكرة أنه لا يمكن ممارسة هذا الإنعكاس من مبادئ تحرك الامور الفيزيائية لمبادئ تحكم المعرفة الإنسانية وتلقيها للأمور ومصداقية ما تتلقاه, خاصة الدينى منها, وقد إعتمد المحاضر أية الله الشيرازى فى ذلك على آيات قرآنية, ولا يهمنا عرضه لوجهة نظرهه هنا ولكن ما يهم هى الكيفية التى قامت عليها.

وممن عارضهم المحاضر أية الله الشيرازى فى حديثه كانط الذى فرق بين الشئ لذاته والشئ لأجلى, حيث كل ما يدرك نسبى, وما نتلقاه من الخارج هو ظاهر الشئ وليس كينونته. كما تحدث المحاضر عن الفينومينولوجيا والتى تدور حول التصورات الذهنية, وأهمية الشعور بإعتباره الحقيقة اليقينية, وهذا ما يحدد حقيقة الشئ, والتى لأجلى بالطبع وليست لذات الشئ. وعلى هذا وصف المحاضر هؤلاء بالتيارات التشكيكية التى تزعزع الحقيقة.

وما يهمنا فى هذه الدراسة هى الفكرة التى عرضتها من تأثير للتصور عن السكون والحركة على مجالات مثل تلك المعرفية, وسواء كما أن الكاتب عرض وجهة نظره فى قضية هامة وهى الخطأ فى إنتاج الأفكار المبنية على التصور عن السكون والحركة عندما يتم تطبيق تلك القوانين فى مجال لا يتسق مع المجال المنبثقة عنه هذه القوانين, وهذا يدل على إيمانه بفكرة لا نؤيدها ولا نعارضها فى هذا البحث وهى إختلاف المبادئ الحاكمة لسكون وحركة الوحدات من مجال لأخر. وتتميز الدراسة التى نقوم بها نحن بعض العلاقة وبلورة دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة التصور عن النظام السياسى وذلك فى إطار عملية التفكير المجرد وهذا بعيداً عن تقييم لهذه العملية أو سرد معايير تحكم أدائها.

المفاهيم:

يعد الإهتمام بتحديد المفاهيم أساس الصياغة العلمية الصحيحة لقضايا أى علم, ومن ثم حاولت الباحثة أن تحدد مفاهيم الدراسة بما يتناسب مع طبيعتها وأهدافها.

  • التصور:

صاره صورا أى جمعه، و صوره جعل له صورة وجسمه، و تصور أى تكونت له صورة وشكل، وتصور الشئ أى تخيله وأستحضر صورته فى ذهنه، والتصور فى علم النفس هو إستحضار صورة فى العقل، وعند المناطقة هو إدراك ماهية الشئ.[14]وقد إختلف تعريف التصور من عالم لأخر وكانت نقطة الإختلاف الأساسية التى تبلورت عبر الزمن مع تطور المنظور التقليدى إلى سلوكى وهكذا فى التعامل مع تعريف هذا المفهوم من إعتباره عملية عقلية تختص بإسترجاع صور سبق وتعرض الإنسان لها إلى عملية عقلية تعتمد ليس فقط على الإسترجاع ولكن تعديل وتطوير ما جمعه الإنسان فى ذاكرته من العناصر المحيطة التى تعرض لها.[15]وعلى هذا يظهر تعريف التصور بإعتباره عملية عقلية تسترجع ما فى الذاكرة مما تعرض له الإنسان و تطور وتعدل عليه وهذا التعريف هو ما ستعتمد عليهالدراسة.[16]

  • التجريد:

جرد الشئ قشره وأزال ما عليه، و المعنى اللغوى للتجريد هو عزل صفة أو علاقة عزلا ذهنيا وقصر الإعتبار عليها ، أو ما يترتب على ذلك. والمجرد هو ما يدرك بالذهن دون الحواس. إذا المجرد من المفهوم هو ما يدرك بالذهن عنه بعيدا عن المادة بشكل عام.[17] التفكير المجرد حسب تعريف بياجيه هو أصعب مراحل التفكير حيث يعتمد على التعامل مع الأمور بعيدا عن كل ما يتصل بحالها الأن، حيث تنزه عن كل ما يتصل بها للوصل الى تعميمات.[18]وتستخدم التعميمات الناتجة عن عملية التفكير المجرد للحكم وتحليل العناصر المحيطة بالإنسان، حيث يتجرد الإنسان فى فكره من الواقع ليصل لتعميمات يعيد بالضرورة إستخدامها للحكم على هذا الواقع أو كل ما يتعلق بالمبادئ التى جردها بالضرورة.وبهذا يصبح التصور المجرد هو رسم لعموميات تحكم الأمور ناتجة مما إحتك به الإنسان فى حياته وقابلة للتطوير والتعديل.[19]

  • السكون والحركة:

سكن الشئ أى أوقفت حركته[20]، وحرك أى خرج عن سكونه، وتحرك أى حرك فى قوة.والحركة تحدث للجسم عندما يتعرض لقوة توجهه فى إتجاه معين سواء كانت هذه القوة ذاتية أو خارجية، حيث ينتقل الجسم بهذا من نقطة إلى نقطة أخرى، ويتحدد أثر القوة الموجهة بعلاقتها بكتلة الجسم.[21] يمكننا التعرف على السكون والحركة من حيث مفهوميهما وذلك فى إطار علم الفيزياء حيث الحركة هى عندما يغير الجسم مكانه خلال فترة زمنية معينة, حيث ينتقل من نقطة إلى أخرى فى مساحة زمنية معينة بسرعة معينة يمكن قياسها, وذلك فى إطار تغلبه على ما يعرف بالقصور الذاتى وهو مقاومة الأجسام للتغير, وهذا التغير يحدث بسبب قوة سواء ذاتية أو خارجية, والحركة هى عكس السكون.[22]

  • الفلسفة:

كلمة فلسفة مشتقة من “فيلوس” ومعناها حب, و “سوفيا” ومعناها الحكمة, وكانت كلمة “سوفوس” تعنى الحكيم, ذاك الذى لديه عقل راقى, وقد إستخدم هذا اللفظ للتعبير عن المعرفة وحبها والتطوق للوصول لها وذلك على لسان كل من “كريسس” الذى وصف “لسولون” بأنه طاف البلاد متفلسف أى متطلب للمعرفة, و على لسان “بركليس” الذى إعتبر الفلسفة هى الجد وراء التهذب.[23]الشئ فسره تفسيرا فلسفيا، الفلسفة هى دراسة المبادئ الأولى، والفيلسوف هو الباحث عن علل الأشياء وأسبابها الأولى.[24]إذا الفلسفة تتميز بالرغبة فى حل مشكلات العالم وتفسيره تفسير شامل, ويتسم الفليلسوف بحبه للمعرفة, وهذا فى محاولة عامة منه لتكوين فكرة عامة عن العالم والإنسان والعلاقات المتبادلة بينهما وكشف القوانين الكلية التى تسيطر على الكون.[25]

  • النظام السياسى:

نظم الأشياء ألفها وضم بعضها إلى بعض، والنظام هو الترتيب والإتساق[26]، وساس الناس أى تولى رياستهم،  وساس الأمر أى دبره وأصلحه، والساسة هو مدبرو الشئون العامة،  والسياسة هى تدبير أمور الدولة.[27] النظام السياسى حيث عرفه “ماكس فيبر” بأنه النظام الذى يتضمن تنفيذ الاوامر فى منطقة معينة بصورة مستمرة حيث تمارس السلطة فى هذه المنطقة من خلال جهة إدارية معينة, أما ” ألموند” فقد إهتم أكثر بالجانب الوظيفى فى تعريف النظام السياسى حيث أوضح ما يحدث داخل النظام من تفاعلات يقدم من خلاللها وظائف التكامل والتكيف والامن.[28]وأخرون عرفوه بأنه مجموعة أنماط متداخلة من عمليات صنع القرار التى تترجم أهداف المجتمع وعلاقاته من خلال جسم عقائدى أضفى صفة الشرعية على القوة السياسية فحولها الى سلطات مقبولة من الجماعة.[29]وعلى هذا يمكن أن نوضح أن النظام السياسى هو مجموعة عناصر تتولى مهمة إبقاء المجتمع, ولها السلطة التى تخول لها القيام بهذه الوظيفة, وهو أحد أنظمة المجتمع, فيوجد غيره النظام الإقتصادى والثقافى على سبيل المثال.وتلك العناصر التى يتكون منها النظام هى: تنظيمات سياسية, قواعد سياسية, علاقات سياسية, و وعى سياسى, وهذه العناصر تتفاعل مع بعضها البعض, كما يتفاعل النظام السياسى مع باقى الأنظمة الاخرى فى المجتمع.[30]

تقسيم الدراسة:

تم تقسيم الدراسة إلى فصلين رئيسيين, يتناول الفصل الأول أربعة موضوعات رئيسية هى: علاقة التفكير المجرد بالفلسفة, تأثيرالتصورات حول السكون والحركة على الفلسفة, دورالفلسفة فى توجيه صياغة التصورات عن النظام السياسى, العلاقة المستدل عليها بين التصورحول السكون والحركة وصياغة النظام السياسى. بينما يختص الفصل الثانى بتناول موضوعين رئيسيين وهما:أثر التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات جديدة للنظام السياسى, دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات غير قابلة للتطبيق عن النظام السياسى.

 

محاولة الإنسان ليصل إلى هيكل محدد يساعده على تفسير الكون كانت دافع له لإنتاج فلسفات تفسر العالم خلق منها تصورات عدة وجهت كل ما هو سياسى وإجتماعى وتأثرت تلك الفلسفات بدورها بمختلف الحقائق التى إختلفت درجة توجيهها لهذه الفلسفات ولا يخرج من إطار تلك الحقائق التصورات سواء الناتجة أو غير الناتجة عن حقائق علمية عن السكون والحركة, وذلك كله فى إطار مهارة فكرية لدى الإنسان وهى التفكير المجرد التى تنامت والتى إستغلها الإنسان لسد إحتياجه للمعرفة من خلال صنع تعميمات وإستخدامها فىالحكم على كل ما حوله.

وعلى هذا تم تقسيم الفصل الأول إلى أربعة مباحث وهى:

المبحث الأول: علاقة التفكير المجرد بالفلسفة.

المبحث الثانى: تأثيرالتصورات حول السكون والحركة على الفلسفة.

المبحث الثالث: دورالفلسفة فى توجيه صياغة التصورات عن النظام السياسى.

المبحث الرابع: العلاقة المستدل عليها بين التصورحول السكون والحركة وصياغة النظام السياسى.

المبحث الأول

علاقة التفكير المجرد بالفلسفة

فى هذا المبحث سنتناول بالتعريف كل من التفكير المجرد والفلسفة مع محاولة إيضاح طبيعة العلاقة بين كل منهما والتى ستوضح بدورها علاقة ذلك بالبحث المتمثل فى محاولة لتوضيح طبيعة العلاقة بين التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى.

كما سبق أن ذكرنا  فى البداية فإن تعريف التفكير المجرد يتمثل فىعزل صفة أو علاقة عزلا ذهنيا وقصر الإعتبار عليها ، أو ما يترتب على ذلك. والمجرد هو ما يدرك بالذهن دون الحواس. إذا المجرد من المفهوم هو ما يدرك بالذهن عنه بعيدا عن المادة بشكل عام.[31] التفكير المجرد حسب تعريف بياجيه هو أصعب مراحل التفكير حيث يعتمد على التعامل مع الأمور بعيدا عن كل ما يتصل بحالها الأن، حيث تنزه عن كل ما يتصل بها للوصل الى تعميمات.[32]وتستخدم التعميمات الناتجة عن عملية التفكير المجرد للحكم وتحليل العناصر المحيطة بالإنسان، حيث يتجرد الإنسان فى فكره من الواقع ليصل لتعميمات يعيد بالضرورة إستخدامها للحكم على هذا الواقع أو كل ما يتعلق بالمبادئ التى جردها بالضرورة.وبهذا يصبح التصور المجرد هو رسم لعموميات تحكم الأمور ناتجة مما إحتك به الإنسان فى حياته وقابلة للتطوير والتعديل.[33]

وكما سبق أن أوضحنا فى تعريفنا للفلسفة حيث كلمة فلسفة مشتقة من “فيلوس” ومعناها حب, و “سوفيا” ومعناها الحكمة, وكانت كلمة “سوفوس” تعنى الحكيم, ذاك الذى لديه عقل راقى, وقد إستخدم هذا اللفظ للتعبير عن المعرفة وحبها والتطوق للوصول لها وذلك على لسان كل من “كريسس” الذى وصف “لسولون” بأنه طاف البلاد متفلسف أى متطلب للمعرفة, و على لسان “بركليس” الذى إعتبر الفلسفة هى الجد وراء التهذب.[34]الشئ فسره تفسيرا فلسفيا، الفلسفة هى دراسة المبادئ الأولى، والفيلسوف هو الباحث عن علل الأشياء وأسبابها الأولى.[35]إذا الفلسفة تتميز بالرغبة فى حل مشكلات العالم وتفسيره تفسير شامل, ويتسم الفليلسوف بحبه للمعرفة, وهذا فى محاولة عامة منه لتكوين فكرة عامة عن العالم والإنسان والعلاقات المتبادلة بينهما وكشف القوانين الكلية التى تسيطر على الكون.[36]

وبهذا يمكننا أن نستدل على العلاقة بين كل من التفكير المجرد الذى يجرد الأمور بعيداً عن المادة ليصل إلى أفكار عامة أى تعميمات تحلل الأمور وتفسرها وتستخدم فى الحكم على ما يواجهه الإنسان فى حياته, والفلسفة التى تعتمد على تكوين تصورات عامة وكلية وشاملة عن الكون فى محاولة لتفسير هذا العالم وبيان العلاقة بينه وبين الإنسان, حيث يجتمع كل منهما فى التعميمات, الأفكار العامة الشاملة الكلية التى تفسر الكون, بل وتفسر كل ما يواجهه الإنسان فى حياته, وتتجلى هنا مكانة الفلسفة كعملية تتجلى فيها مقدرة الإنسان على التفكير المجرد, حيث تمثل مساحة للممارسة الفكرية تلك, كما يتجلى المنتج الفلسفى, أى التصور الفلسفى عن الكون, كنتاج تلك الممارسة ,التفكير المجرد, وهذه العملية.

إذاً التفكير المجرد مهارة إنسانية وعملية يقوم بها العقل للوصول لتعميمات, والفلسفة ممارسة إنسانية ترجو الوصول لوصف كلى وتعميمات حول الكون, وبهذا تظهر المقدرة والمهارة الإنسانية ألا وهى التفكير المجرد فى تلك العملية التى يمارسها الغنسان ألا وهى التفلسف لإنتاج تصورات فلسفية تفسر العالم وتمثل منتوجات تتجلى فيها عملية التفكير المجرد.

وبهذا إعتمد البحث على التفكير المجرد كمقدرة عقلية موجودة لدى الإنسان تتجسد فى ممارساته الفلسفية.

وحيث أن البحث يهتم بدور التصور عن السكون والحركة فى صياغة التصور عن النظام السياسى, وحيث أنه سيتم الإعتماد على إثبات العلاقة بين الطرفين وبيان طبيعة تلك العلاقة من خلال تحليل منتوجات فلسفية تتضح من خلالها تلك العلاقة عبر الزمن, وحيث أنه تظهر العلاقة جلية بين التفكير المجرد والفلسفة, فإنه يمكننا القول أن التصور عن السكون والحركة كما يوجه الفلسفة كما سنوضح لاحقاً, فإنه يمثل مبدأ وحقيقة توجه التفكير المجرد, الذى كما سبق أن ذكرنا ينتج تعميمات, تستخدم بعد ذلك فى الحكم على الأمور, وبهذا يتجلى دور التصور عن السكون والحركة, كحقيقة يتناولها التفكير المجرد لينتج منها حقائق جديدة ويحكم بها على الأمور, مثل تلك الحقائق المتعلقة على سبيل المثال بالتصور عن النظام السياسى.

وبهذا يتضح العلاقة بين التصور عن السكون والحركة والنظام السياسى من خلال التصور الفلسفى عن الكون وذلك بشئ من الإختصار سيلى تفصيله فى المباحث والفصول اقادمة, تلك العلاقة التى تمارس فى إطار عملية عقلية ألا وهى التفكير المجرد, تلك العملية التى توضح دور أى حقيقة فى الحكم وفى إنتاج تصورات عن كل ما يواجهه الإنسان من خلال خبراته السابقة التى قام بتجريدها وتعميمها, ولا تخرج من تلك الحقائق الحقائق المفسرة للسكون والحركة, ولا تخرج من تلك الامور التى يحكم عليها الإنسان أموره السياسية.

وبهذا تظهر رغبة الباحثة فى إظهار دور الحقائق عن السكون والحركة وتصوراتها فى إنتاج تصورات جديدة بإعتبارها حقيقة مجردة عن الكون وذلك من خلال عملية عقلية وهى التفكير المجرد, ويمكن التحقق من هذا الدور من خلال دراسة المنتوجات الفلسفية عبر التاريخ, وذلك لان تلك المنتوجات هى أفضل ما يعبر عن عملية التفكير المجرد.

المبحث الثانى

تأثيرالتصورات حول السكون والحركة على الفلسفة

فى هذا المبحث سيتم تناول العلاقة بين التصور عن السكون والحركة والفلسفة من خلال إظهار طبيعة تأثير ذاك التصور عن السكون والحركةعلى التصور الفلسفى الذى قد يتبناه المرء والذى سيستخدمه فى تفسير العالم, وعلى هذا سيتم عرض تعريف موجز للفلسفة وسمات التصور الفلسفى, بالإضافة الى الحديث عن السكون والحركة وذلك فى إطار حديث أشمل وأعم عن الفيزياء, ثم سيتم الإنتقال الى توضيح طبيعة العلاقة بين الطرفين وذلك من خلال أمثلة تجلت فيها هذه العلاقة عبر التاريخ, وإستنتاج لتصور أوضح عن طبيعة العلاقة, وإمكانية التحكم فيها, والذى سيظهر بدوره أسباب القصور فى التصورات الفلسفية القائمة على تصورات عن السكون والحركة, ومساحة الممكنات التى تتجلى فيها إمكانية التلاعب بما هو فلسفى من خلال التلاعب بالتصورات عن السكون والحركة.

أولاً سنتحدث عن الفلسفة وذلك من خلال تقديم تعريف لها وذكر موجز للمراحل التاريخية التى مرت بها مع إبراز لطبيعة الموضوعات التى تشلمها, ثم سيتجلى الجزء الهام فى إظهار ذاك التساؤل الرئيسى للفلسفة الذى سيتجلى من خلاله المعنى الحقيقى لها والذى سيولد بدوره حقيقة لا مفر منها وهى أن الفلسفة تمارس من قبل الجميع وفى أى وقت ووهذا كله من أجل الوصول الى تحديد للتصور الفلسفى بشكل واضح يمكن من دراسته والتعامل معه.

نبدأ بالحديث عن تعريف الفسلفة حيث كلمة فلسفة مشتقة من “فيلوس” ومعناها حب, و “سوفيا” ومعناها الحكمة, وكانت كلمة “سوفوس” تعنى الحكيم, ذاك الذى لديه عقل راقى, وقد إستخدم هذا اللفظ للتعبير عن المعرفة وحبها والتطوق للوصول لها وذلك على لسان كل من “كريسس” الذى وصف “لسولون” بأنه طاف البلاد متفلسف أى متطلب للمعرفة, و على لسان “بركليس” الذى إعتبر الفلسفة هى الجد وراء التهذب.[37]

وعلى هذا تظهر أهم موضوعات الفلسفة من خلال تعريفها, حيث كل ما يشمل مساحة للتساؤل وإمكانية للمعرفة يمكن أن نعتبره موضوعاً للفلسفة, ولكن بشكل عام يمكن جمع موضوعات الفلسفة فى الآتى:دراسة ما وراء الطبيعة حيث البحث عن العلة المتحكمة فى كل شئ, دراسة العالم المتنوع حولنا فيما يعرف بالفلسفة الطبيعية, دراسة للإنسان وذلك من خلال جوانب عدة مثل: دراسة المنطق الذى يحكم الفكر الإنسانى, دراسة العاطفة فى علم الجمال, ودراسة الرغبة علم الأخلاق, وأخيراً تتجلى دراسة الفلسفة أيضاً فى تحديد ما تجب عليه الأمور فى مجالات عدة مثل فلسفة القانون.[38]

ويمكننا هنا الإشارة بشئ من الإيجاز إلى تاريخ الفلسفة وأهم المحطات التى تتجلى فيها دراسة مثل هذه الموضوعات, حيث ينقسم تاريخ الفلسفة الى محطات كبرى أساسية ألا وهى: الفلسفة اليونانية, الفلسفة الرومانية اليونانية, الفلسفة فى العصور الوسطى, وأخيراً الفلسفة الحديث, حيث إستخدم اليونان على سبيل المثال معارف من قبلهم لصياغة فلسفتهم الخاصة حيث انتقلوا من التفكير فى الكون الى الإنسان نفسه ثم البحث المنظم, ثم أتى بعد ذلك دور الفلسفلة الرومانية اليونانية التى ظهرت بعد سقوط بلاد اليونان حيث حلت الفلسفة محل الإعتقاد الدينى فى هذه المرحلة المتسمة بغياب الأخلاق, وبعد ذلك يأتى العصر الثالث حيث الفلسفة النصرانية حيث سقطت بلاد الرومان فى أيدى الأمم المتبربرة الذين إتخذوا من أفكار الرومان وسيلة لبناء حكم قوى متمدن, ولكن الكنيسة كانت ترفض كل تلك الفلسفات فعم الظلام الفكرى على تلك البلاد فترة حتى جاء عصر النهضة حيث استعادت الفلسفة بعض من مجدها ولكنها لم تخرج عن المزيج بينها وبين الدين خاصة النصرانى حيث كان يُنبذ كل ما ليس له علاقة بالنصرانية,بعد هذا يأتى العصر الحديث الذى يستمر حتى اليوم وفيه ظهر إحياء للعلوم وإصلاح دينى طور من الفلسفة وموضوعاتها منها الإهتمام بالفردية ومحاولة أن تكون الفلسفة علماً طبيعياً, فقد اتمست الفلسفة فى هذه المرحلة بالإرتقاء الى حالة أكبر من التعقل.[39]

وهنا نأتى الى النقطة الهامة والتى تتجلى بعد ما أوضحناه عن طبيعة الفلسفة وتاريخها وهى أن الفلسفة هى من أسس حياة الإنسان لإرتباطها بعنصرين هامين لا تفرغ حياة أى إنسان منهما, وهما: العقل والمعرفة اليقينية, حيث تمثل الفلسفة المجال الذى يتحرك فيه العقل ساعياً للوصول لتلك المعرفة اليقينية التى _وعلى الرغم من عدم وصوله لها_ يظل باحثاً عنها بدون ملل, وهذه الحالة التى تشمل ممارسة عقلية وغاية تتمثل فى المعرفة لا يخلو منها أى سلوك إنسانى ولا تخلو منها أى عملية تفاعلية بين الإنسان وأى شئ أخر سواء كان سعى هذا الإنسان للمعرفة من أجل ذاتها أو من أجل تحقيق منفعة أخرى, فهو على أى حال يحاول الإجابة على تساؤلات كبرى تؤهله للتعامل مع القضايا الصغرى.[40]

بالنسبة للمنهج يمكنناهنا أن نوضح أن المنهج هوالطريقة التى تستخدم للإستدل ألاوهى محاولة للكشف عن الحقيقة, حيث يوضح المنهج الطريقة المثلى للتفكيروالتى تقوم بدورها على مبادئ تبين جميعهاكيف يمكن الوصول للحقيقة.  وتتنوع المناهج الفلسفية بحسب المسألة والحجة التى ستستخدم فى تناول هذه المسألة.[41]ولايهمناهنا ذكرهذه المناهج تفصيلاًولكن يكفى الإشارة لحقيقة وجود منهج وقواعد نصل من خلالها لحقيقة, هذه القواعد فى حد ذاتها قائمة على حقائق تم إكتشافها, وإستخدام منهج هوشئ هام للغاية لتحديد طبيعة الممارسةالفلسفية, وإذاكان ما يمارسه الإنسان فلسفةأم لا.

وأخيرا أنه يمكن أن نجمع جميع التفسيرات الفلسفية للعالم التى أنتجت تصورات حول العالم فى تياريين أساسيين وهما: المادى والروحى, أوالعلمى واللاعلمى, حيث يستند الأول لما نراه أونلمسه, أما الثانى فيستند إلى ما لا نراه أونلمسه مثلاً لأفكار. ويتخذ للتعبيرعن إحدى التيارين كلمات عديدة, فيمكن أن نتحدث عن التيارالروحى بإستخدام كلمات مثل: الوعى أوالنفس, ويمكننا أننتحدث عن المادى بإستخدام كلمات مثل: الأرض أوالوجود,ونستند إلى أحدالتيارين عادةً فى تفسيرالعالم على المستوى الفلسفى, ويندرج تحت هذين التيارين مختلف التيارات الفلسفية.[42]

وأخر ما نود ذكره هنا هو تأثر الفلسفة بالحقائق التى يتم إكتشافها عن هذا الكون, فالفلاسفة يستعينون بالحقائق التى يكتشفونها هم عن هذا الكون أو غيرهم سواء كانت هذه الحقائق علمية أو غير ذلك وأياً كان طبيعة المنهج المستخدم فى اكتشافها ويبنون على أساسها فلسفاتهم حيث تخرج من تلك الحقائق قواعد تفسر نظام الكون يحدد على أساسها منطق للتفكير الصحيح فى هذا الكون للخروج بحقائق جديدة ناتجة عن تلك المكتشفة نصيغ بها منظور جديد لهذا العالم نصنع من خلالها تصورات جديدة عن مختلف أمور حياتنا, ولا نستقصى الحقائق الفيزيائية خاصة تلك التى تتعلق بالسكون والحركة فى الكون من بين تلك الحقائق الموجهة والمؤثرة للفلسفات على مر التاريخ.[43]

وهنا يمكننا أن نوضح إجمالاً عما تدورتلك الفلسفة التى تجد طريقها فى كل موضوع وحياةكل إنسان, وفى الإجابةعلى هذ االسؤال نوضح شكل للتصورالنهائى عماهوفلسفى, إن الفلسفة كما ذكرنا تدورحول الحقيقة, البحث عنها من أجل وصول لحقائق تتميز بالشمول لتفسر العالم وصنع تصورات عما يجب أن يكون, يتميزهذاالسعى بإتباعه لمنهج قائم على قواعد.

وثانياً هنا سننتقل إلى الحديث عن السكون والحركة: تعريف كل منهما وتاريخ الإستكشافات العلمية حولهما, وذلك من خلال توضيح أشمل للفيزياء كعلم يهتم بدراسة السكون والحركة مع توضيح العناصر التى تشملها حالتى السكون والحركة التى يمارسها أو يتعرض لها الجسم وذلك من خلال عرض تصور موجز لتلك العناصر.

يمكننا أولاً التعرف على السكون والحركة من حيث مفهوميهما وذلك فى إطار علم الفيزياء. إن السكون والحركة فى إطار الدراسة الفيزيائية يمكننا تعريفها كالتالى: الحركة هى عندما يغير الجسم مكانه خلال فترة زمنية معينة, حيث ينتقل من نقطة إلى أخرى فى مساحة زمنية معينة بسرعة معينة يمكن قياسها, وذلك فى إطار تغلبه على ما يعرف بالقصور الذاتى وهو مقاومة الأجسام للتغير, وهذا التغير يحدث بسبب قوة سواء ذاتية أو خارجية, مع العلم أنه لابد من وجود نقطة نستطيع من خلاللها تمييز حركة الجسم حيث أن الحركة نسبية, والحركة هى عكس السكون الذى يمثل حالة تختلف عن حركة الجسم وهو انتقالة حيث يمكن رصد هذا الإنتقال بالعين المجردة, وعلى هذا تظهر السمات الأساسية التى تمييز حركة الأجسام وسكونها, حيث تتسم حالة الحركة بوجود: أولاً: مسافة فى الفراغ ينتقل خلالها الجسم من نقطة لأخرى وذلك لغرض معين, ثانياً: مدة زمنية إستغرقها الجسم فى الإنتقال, ثالثاً: المادة التى يتكون منها الجسم والتى تمثل محدد أساسى لخاصية القصور الذاتى, رابعاً: القوة الموجهة للجسم توضح لكثير عن طبيعة الحركة التى يمكن أن تنتج مع العلم أن القوة يمكن أن تكون ذاتية أو خارجية, خامساً: وهو الأهم هنا وهى الكيفية التى ينتقل بها الجسم فهناك أنواع للحركة بحسب طبيعة الجسم.[44]

وهنا سننتقل إلى توضيح طبيعة العلاقة بين الفيزياء والفلسفة مع إظهاركيفية تأثرالفلسفة بالحقائق الفيزيائية, خاصة تلك التى تتعلق بالسكون والحركة وذكرأيضاً تلك التصورات الغيرعلمية عن السكون والحركة وتأثيرهاعلى الفلسفة من خلال تتبع لأمثلة تاريخية توضح ذلك.

وقبل العرض هنا علينا توضيح نقطة هامة ألا وهى أن التصورات عن السكون والحركة فى الكون ليست جميعها تصورات ناتجة عن معرفة علمية ودراسة وتحليل فيزيائى لأمور طبيعية فى الكون ولكن منها ما هو ناتج عن ممارسة تأملية ووجهات نظر لمفكرين حللوا حركة الأشياء فى الكون بالعين المجردة واستدلوا من هذا على الحركة بشكل عام فى الكون وخلقوا تصورات عن السكون والحركة كانت مرجع ومحرك لفلسفاتهم, وفى الحالتين الموضوع فيزيائى سواء إعتمد على منهج علمى أم لا.

وهنا من الأهمية أن نستعرض تطور التصورات الفيزيائية وغير الفيزيائية حول ماهية وكيفية سيران السكون والحركة فى هذا الكون, وكيف إرتبط تلك التصورات بإنتاج تصورات فلسفية جديدة لتفسير العالم وكما ذكرنا فقد تأثرت هذه التصورات الفلسفية بحقائق عن طبيعة الحركة ليست لها علاقة بإستنتاجات علمية, وأخرى تأثرت بالتطور العلمى.

يبدأ هذا الرصد للتطورات بالعودة 300 سنة للخلف حيث بدأت تظهر دراسة منهجية للفيزياء التى يحتل موضوع السكون والحركة جزء أساسى منها, وظهرت التطورات ابتداء من جاليليو فى توضيحه لطبيعة حركة الجسم المنتظمة, ثم نيوتن وقانونه الذى يظهر فى قوله باستمرار حركة الجسم بسرعة ثابتة إن لم يتعرض لما يعيقه.[45]بعد ذلك ننتقل إلى ألبرت أينشتاين فى حديثه عن النسبية الخاصة والعامة, حيث تتمثل الخاصة فى توضيح فكرة أهمية وجود مرجع لقياس الحركة, فالحركة نسبية وتختلف من مرجع لأخر, ثم العامة فى حديثها عن الزمان والمكان.[46]

وقد سبق هذه الدراسات المنهجية دراسات أخرى إعتمدت على الحدس فى العصور التى سبقت تلك الإكتشافات, منها تلك التى توصل إليها أرسطو فى حديثه عن الحركة فى توقف الجسم عن الحركة عندما تتوقف القوى المحركة له,وقد أوضح أرسطو أن تختلف من الكائنات الطبيعية التى تتمثل حركتها فى كونها ذاتية أى تخرج منها, والكائنات المصطنعة التى يوجد ما يحركها, وقد أوضح أرسطو أيضا أن التغيير يتمثل فى تطبيق ما هو موجود بالقوة إلى الوجود بالفعل, وهذا التغيير يختلف عن الجسم فى حالة ثباته وسكونه.[47]

ولا يخرج من دائرة من أنتجوا تصورات عن السكون والحركة العلماء المسلمين وقد كانوا عديدين ويكفينا هنا إستعراض ما قاله إخوان الصفا فى إحدى رسائلهم عن السكون والحركة حيث أوضحوا أن للحركة ستة أوجه وأن التغير هو تبديل فى صفات الموصوف, والحركة والتغير هما أساس الكون حيث تأسس الكون على الإنتقال من العدم إلى الوجود, وأن الجسم أولى بالسكون عنه للحركة حيث السكون يتمثل فى موضع الجسم فى حالة تلمس أبعاده الثلاثة, أما الحركة فهى تنقل الجسم فى بعد واحد.[48]

.وبالنظر إلى هذه الأمثلة نجدها تمس التطور التاريخى للفلسفة بشكل ما والذى تمثل فى فلسفات الإغريق ثم العصور الوسطى ثم الفلسفة الحديثة, ذاك التطور الذى أثر وتأثر بشكل ما بكل ما هو حقيقى أياً كانت الطريقة التى توصل من خلالها المفكرين والعلماء للحقيقة, حيث رسم الفلاسفة تصورات عن السكون والحركة وجعلوا منها حقيقة بدأوا من خلالها التحليل للكون وتفسيره, كما توصل العلماء الى تصورات عن السكون والحركة كان لها دور كبير فى التأثير على الفلسفة والفكر, وهذه هى العلاقة بين الفلسفة والفيزياء بل وكل ما يمكن أن يكون حقيقى, وهذه هى العلاقة بين الفلسفة والسكون والحركة بل وكما يمكن أن تظهر أهميته ووجوده فى الأمور.[49]

ولتوضيح طبيعة العلاقة المتجلية عبر التطور التاريخى السابق ذكره يمكننا أولاً عرض عدد من الأمثلة للفلسفات المتأثرة فى تلك المراحل التاريخية بالحقائق حول السكون والحركة السابق ذكرها:

  • الميتافيزيقيين وقد سبقت ظهور فلسفاتهم إكتشافات جاليليو ونيوتن عن الحركة, كانوا يرون أن السكون يكمن فيما هو خارج وفوق الطبيعة بينما الطبيعة فى حركة ظاهرية لا ترتقى لمستوى التغيير أى الإنتقال من حالة لأخرى, لم تكن العلوم متطورة فى هذه الفترة حتى تحلل الحركة بشئ من الدقة ولهذا ارتكزت إلى تحليل السكون, أى تلك الحالة الثابتة التى تتواجد عليها الأمور والتى تتجلى فيها الحقيقة والماهية, ترتب على هذا المنظور حقيقتى السكون والحركة, وهذا الإرتكاز للتفسير الغير علمى أو الروحى كما سبق أن أشرنا إلى هذا معنى هذا المفهوم إلى رسم تصور لكيفية الحركة بين مكونات هذا الكون, حيث للمكونات حالة ثابتة تتحد بقوى خارج الطبيعة, وعلى هذا خرج من بين كل ذلك المنطق التقليدى بمبادئه الثلاثة الشهيرة: حيث “ا” هو “ا”  و”ا” ليست “لا أ” و “ا” إما ان تكون “ا” او “لاا” ولا ثالث بينهما, كان لكل هذا تأثير على المستوى السياسى سيتم ذكره لاحقاً ولكن يكفينا هنا ما تم إيضاحه.[50]
  • إذا نظرنا إلى هيجل وماركس حيث تزامنت إنتجاتهم مع قوانين جاليليو ونيوتن عن الحركة السابق ذكرها, سنجد أن كل منهما يتفقا على المنهج الجدلى ولكنهما يختلفان فى طبيعته حيث فسر هجيل العالم بشكل مثالى بينما إرتكز ماركس الى تفسير مادى للعالم, كان يرى هيجل أن الحركة فى العالم تكمن فى الإنتقال من نقطة دنيا إلى نقطة أعلى, والمحرك الأساسى هنا هو صراع الأضداد, وعلى هذا الأساس أنتج منهجه فى الوصول للحقيقه, أو منطقه, الى يعتمد على هذا المبدأ فى تفسير الحركة بالإضافة إلى منظوره المثالى فى تفسير العالم للتعرف على حقائق الأمور, وقد إتفق ماركس معه كما ذكرنا ولكنه إختلف حيث فسر العالم تفسير مادى فإرتكز الى المادة ولم ير ما هو خارجها أو غيرها كمحرك للعالم, مع العلم أن فى هذه الفترة ظهرت استنتاجات جديدة على المستوى العلمى أثرت فى التصور عن السكون والحركة منها اكتشافات حول الطاقة والحيوانات مهدت لواقع مادى جديد,حيث بدأ العلماء يرون كيف يمكن أن تتحول الطاقة من حالة إلى أخرى, وكيف أن الحدود الفاصلة فى التصنيف بين ما هو نبات وما هو حيوان تلاشت لوجود كائنات يصعب تصنيفها فى إحدى الحالتين, فهى بين نبات وحيوان, وبهذا تلاشت الحدود الفاصلة بين الأمور, وظهرت ككل يتحرك, يحوى فى داخله الحياة والموت معاً, أى يحوى فى داخله الأضداد فى طريق تطوره, وكانت تطور فكرهم مصاحب لتطور المعرفة الجديدة والتى أثرت أفكارهم بتصورات تساعد فى تحليل وتفسير العالم لا سيما التى تتعلق بالسكون والحركة, حيث أين تكمن الحركة الأساسية فى هذا الكون, وكيف هى, جاوب كل من هيجل وماركس على طريقتيهما, وعلى الرغم من الإختلاف إلا أن التأثر بوجود محرك أساسى للكون تظهر فيه كيفية الحركة كان مشترك بين إثنتيهما, فهجيل رأى أن السكون يكمن فى فكرة تحرك كل ما فى العالم, وتحدث هذه الحركة من خلال صراع الأضداد, وأنتج من هذا مبادئ هامة للمنهج الجدلى, كانت وسيلة للوصول للحقيقة, وماركس رأى عكس ذلك, حيث الحركة فى المادة, ولكنه إتفق فى فكرة صراح الأداد, وطبقها بعد ذلك فى أفكاره السياسية.[51]
  • وبالنسبة لنسبية أينشتاين فنجد أن تصورها عن السكون والذى يتمثل فى الحالة التى نرصد فيها حقائق الامور, والحركة والتى تتمثل فى كيفية التغير فى هذا الكون, كان لتصوراتها عن هذه الأمور من نسبية الحركة وتحديدها من خلال مرجع صداه الكبير فى التأثير على المستوى الفلسفى والفكرى, حيث رأى البعض أن المعارف مثل باقى الأمور فى حركتها, نسبية تختلف من شخص لأخر, وأن الحقيقة نسبية أيضاً.[52]
  • وقبل ذلك كله نجد تصور أرسطو عن السكون والحركة ومفهومه عنهما كيف أثر فى تحديده لماهية الأمور ومعنى تغييرها ومساحة الممكنات التى يمكن أن تنتقل فيها, وهذا ما سبق أن أوضحناه أعلاه من تصوره ومفهومه عن الوجود الذى تمثل فى وجود بالقوة ووجود بالفعل,
  • ومن العلماء المسلمين أيضاً إخوان الصفا وقد سبق أن أوضحنا كيف حددوا مفهوم السكون والحركة وكيف كان لهذا المفهوم محوريته وكيف ساعدهم فى تفسير العالم وأثر فيما يعتبرونه حقيقة, حيث تأثروا بفكرة الوجود بالقوة والوجود بالفعل عند أرسطو,وفى تكوين تصور عن الزيادة فى صفة الشئ باعتبارها تباعد عن المركز والنقصان عكس ذلك, وفى تصورهم عن مفهوم الفساد بإعتباره أحد موصوفات الشئ التى عندما يتحرك من من القوة الى الفعل أى عندما يتيغر الشئ ويتحرك من حالة إلى أخرى يصل إلى حالة جديدة ألا وهى الفساد على سبيل المثال, أى أنه تحديدهم للسكون والحركة أثر فى تفسيرهم لتطور الأحوال التى يمر بها الشئ.[53]

إن هذه الأمثلة توضح أهمية تحديد مفهوم للسكون والحركة كبداية لأى تفكير وتفسير لهذا العالم, فى الواقع نحن نسعى دائماً لتحديد ماهيات الامور وهذا لا يتأتى إلا فى حال ثباتها لتحديد سماتها الأساسية التى لا تتغير, كمل أننا نسعى للتحكم فى هذا العالم, وهذا لن يتأتى إلا بمعرفة كيفية حركته إلى أين يتجه.إن تحديد مفهوم السكون والحركة وكيفية كل منهما إختلف من مفكر لأخر, لكن الجميع إتفقوا على أهمية هذين المفهومين, فمن العلماء من إرتكز إلى المادة بمختلف عناصرها كمحرك, ومنهم من إرتكز إلى قوى غير مادية تحرك العالم, منهم من رأى أن العالم يتحرك من نقطة أسفل لأعلى, ومنهم من رأى العالم فى صراع دائم, وعلى أساس ما حددوه من مفاهيم خلقوا مناهج للنظر والتفكير فى الأمور حتى يتعرفوا على الحقيقة, وخلقت من هذه المناهج منطقهم الخاص.

ومن هنا يمكننا أن نلخص تصور أكثر وضوحاً للعلاقة بين مفهوم الحركة والسكون والفلسفة:

  • هناك تفسيرين للتعرف على هذا العالم من المنظور الفلسفى إحداهما مادى والاخر غير مادى.
  • يتأثر المفكرين بالإكتشافات العلمية فى صياغة مفاهيمهم.
  • إذا إعتمدوا على تفسير يتأثر بالأمور العلمية أم لا, يعتمد على تفسير مادى أم لا, ففى كل الاحول سيكون التفسير شامل بشكل ما يفسر العالم وينتج منهج يوصل للحقيقة وتصورات عما يجب أن يكون.
  • فى توضيح هذا التفسير عن العالم يعتمد المفكرين فى إبراز تصور عن المحرك الاساسى لهذا الكون, وكيفية الحركة فى هذا الكون, وحالة السكون أين تكمن, مع الربط بشكل ما بين إمكانية وجود حالة سكون وماهية الامور وحقيقتها.
  • يعتمد المفكرين بشكل ما على التفسيرات العلمية للسكون والحركة فى معظم الأحيان لتفسير العالم, ويعممون ما يخرج من إستنتاجات على مختلف الامور الحياتية وذلك للتعرف على حقيقتها.
  • يمكننا أن نستعين بالتصور السابق رسمه عن السكون والحركة من حيث وجود سمات لهذه الحالة من قوى محركة ومسافة ننطلق فى إطارها وزمن تتخذه الحركة وكيفية للحركة ومادة تتحرك تتمثل فى سماتها حقيقة الشئ المتحرك, قد نستعين بهذا التصور فى رسم تصورات المفكرين عن العالم وذلك من خلال وضع إجابتهم فى فلسفاتهم عن هذه الأمور, حتى نخرج بتحديد لمكان الحقيقة فى وجهة نظرهم, والتى تتمثل فى حالة السكون, وكيفية التحرك فى هذا العالم, والذى قد يمثل النهاية أو ما يجب أن يكون, وأخيراً التعرف على سبيل الوصول للحقيقة وذلك لتحديد منطقهم فى التفكير.

وعلى هذا يمكننا أن نوضح أن التصور الفلسفى لا يخلو من توضيح لمحرك وقوة توجه هذا العالم وحالة تتجه بنا هذه القوة اليها وكيفية نتحرك بها فى انطلاقنا ووصف لحالتنا نسبة الى الحالة التى نسعى لها, كما إنها تشمل تحديد لمصدر الحقيقة ومنطق للحصول عليها وتقييمها, وهذا بالتأكيد يتأثر بالتصور عن السكون والحركة الذى يشمل توضيح لكيفية الحركة فى هذا العالم ومن هو المحرك وإلى أين نتجه وأين تكمن الحقيقة وما هو المنطق الحاكم لها المتمثل فى توضيح الكيفية الصحيحة التى تنتقل وتتحرك بها الأمور من حالة لأخرى.

وهنا لابد أن نوضح إستنتاج هام مما سبق عرضه ألا وهو مساحة الممكنات الكبيرة فى المنتوجات الفكرية التى يمكن أن يصل لها الإنسان مع غياب وجود حقيقة واضحة عن عدة أمور وإعتماد الإنسان طريقة تتصف بالتخمين بشكل ما فى طريقته للوصول لتصورات عن تلك الحقائق تتأثر هذه الطريقة بتصورات الإنسان عن ما هو حقيقى وبالحقائق العلمية التى تظهر, حيث يمكننا أن نتخيل العديد من التصورات الفلسفية المفسرة للكون مع كل حقيقة علمية جديدة قد يخرج بها العلم عن هذا العالم أو مع كل تصور جديد عن حقيقة هذا الكون.

وهذه الطريقة التى تتجلى بها مساحة الممكنات الكبيرة المرتبطة بالتطور فى إكتشاف الحقائق يمكنها أن تكون أيضاً سبب واضح لفشل الإنسان فى التوصل لتصورات عن العالم إعتماداً على تلك الحقائق حيث يهرع الإنسان بالتعميم أو يخطأ بالتوظيف, فمثلاً نجد من يرى فى الكائنات الحية تصارع بين العناصر المكونة لها يهرع الى تعميم تلك الفكرة على المجتمعات الإنسان والتنظيمات السياسية ويبدأ فى سرد الكيفية التى يجب أن تكون عليها الأمور.

من هنا نصل إلى بلورة عنصر هام فى إطار الإتصال بين مفهومى السكون والحركة والتصورات الملحقة بهما وبين التصور الفلسفى الناتج, ألا وهو المجال, حيث لكل عناصر مجالها الذى تمارس فيه سكونها وحركاتها, والإنتقال بمبادئ تحكم السكون والحركة فى مجال ما وبدء تعميمها على باقى المجالات أو محاولة توظيفها ومعرفة النتائج المتمثلة فى إنعكاسها فى مجال أخر يسببب خلط بين مجال وأخر ويسبب خطأ كما سبق أن ذكرنا, كما أن التوظيف إذا تم بشكل صحيح وعرف الإنسان العلاقة التى تربط بين جميع المجالات فى هذا الكون من الممكن فى هذه اللحظة أن يكتشف حقائق فى مجال يستطيع تعميمها على مجال أخر.

من هنا يظهر سبب إتساع مساحة الممكنات المتعلقة بعملية إنتاج تصورات جديدة عن هذا العالم والمرتبطة بإنتاج مفاهيم جديدة تدور حول التصور عن السكون والحركة, كما أنه يظهر سبب وجود الخطأ فى عملية التعميم والخروج بإستنتاجات من مجال وتوظيفها فى مجال أخر بطريقة غير صحيحة, هذا ما يصنع الأوهام, وهذا هو الخطوة الأولى فى الإخفاق, فالإنسان يكتشف المبادئ, ويبدأ بتعميمها, لكنه لا يراعى قواعد الحالة التى يعمم فيها المبادئ, فتبدأ الأخطاء, فما يسرى على الكائنات الحية, لا يسرى بالضرورة على المجتمعات البشرية, وإن أمكن أن يسرى فلابد أن نتعرف على الكيفية الصحيحة التى يطبق بإستخدامها إنعكاس المبادئ الحاكمة لما هو طبيعى على ما هو إنسانى, وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.

وهنا يمكننا أن نلخص ما سبق ذكره و كما سبق أن ذكرنا العلاقة ما بين التصورعن السكون والحركة سواءكان علمى أوغيرعلمى والتصورالفلسفى عن العالم, حيث يمثل المحرك الأساسى للعالم الباعث الرئيسى للحركة فى داخله وهذايكون المحرك فى التصورعن السكون والحركة فى العالم, كما أن الكيفية التى يعتقد أنها تمثل السكون والحركة فى هذا العالم بشكلها, تكون هى نفسها تلك الكيفية المعتقد أنه اتحرك العالم, وتمثل هذه الكيفية مبدأ أساسى للتعرف على حقيقةالأمور ومنطق للتفكير, حيث كيف تتحرك الأمور يجيب عن أين تكمن حقيقتها وكيف يجب التفكير فيها وفى تسلسل حركاتها, كما أن حالة السكون فى شكلها تكون هى بدوره االحالة التى يمكن من خلالها إكتشاف ماهية وحقيقة الامورعلى المستوى الفلسفى.

 

المبحث الثالث

دورالفلسفة فى توجيه صياغة التصورات عن النظام السياسى

فى هذا المبحث سنتناول تعريف النظام السياسى من خلال البدء بتوضيح ما هو النظام ثم التطرق إلى الحديث عن النظام الإجتماعى ثم السياسى بإعتباره أحد الانظمة الإجتماعية, وبهذا سيكون ذلك مسلك لتوضيح تعريف النظام السياسى وعناصره بوظائفها وخصائصه, ثم سننتقل إلى الحديث عن التصور السياسى, من أين يأتى وكيف يتكون ومما يتكون, بعد هذا ننتقل للحديث عن العلاقة بين التصورات عن النظام السياسى والفلسفة عبر التاريخ مع محاولة لبلورة هذه العلاقة فى هيكل محدد.

أولاً سنبدأ بتعريف النظام, حيث عرفه ” أورده لايير” بأنه: عدد من العناصر التى تنتمى لشئ والتى يتبدل إحداها بتبدل الأخر, كما عرفه “موريس” بأنه: نموذج معين لتنظيم ما, ثم عرفه “هول وفاكن” بأنه: مجموعة مواضيع وعلاقة هذه المواضيع بمعطياتها. على هذا يمكن تعريف النظام بأنه عناصر تتفاعل مع بعضها البعض بحيث إذا تعرض إحداها للتبدل, تبدل الأخر بالضرورة.[54]

ولا يخرج من إطار هذه الأنظمة النظام الإجتماعى حيث يتكون من جماعات وأفراد بينها فاعليات تكون النظام وهذا كما عرفه المفكرين حيث عرفه “هارون جاموس” بأنه جماعات بينهم تفاعل فى محيط ما, وعرفه “مارسيل” بأنه علاقات بين أفراد المجتمع تختلف من مجتمع لأخر لهذا لابد من دراسة كل المجتماعات للحصول على تصور مجرد للنظام الإجتماعى, أما عن ” روبرت واهل” فقد أوضح أن النظام الإجتماعى هو نظام تخرج منه أنظمة أخرى لا سيما السياسى.[55]

وعلى هذا يمكن أن نوضح ما هو النظام السياسى حيث عرفه “ماكس فيبر” بأنه النظام الذى يتضمن تنفيذ الاوامر فى منطقة معينة بصورة مستمرة حيث تمارس السلطة فى هذه المنطقة من خلال جهة إدارية معينة, أما ” ألموند” فقد إهتم أكثر بالجانب الوظيفى فى تعريف النظام السياسى حيث أوضح ما يحدث داخل النظام من تفاعلات يقدم من خلاللها وظائف التكامل والتكيف والامن.[56]وأخرون عرفوه بأنه مجموعة أنماط متداخلة من عمليات صنع القرار التى تترجم أهداف المجتمع وعلاقاته من خلال جسم عقائدى أضفى صفة الشرعية على القوة السياسية فحولها الى سلطات مقبولة من الجماعة.[57]

وعلى هذا يمكن أن نوضح أن النظام السياسى هو مجموعة عناصر تتولى مهمة إبقاء المجتمع, ولها السلطة التى تخول لها القيام بهذه الوظيفة, وهو أحد أنظمة المجتمع, فيوجد غيره النظام الإقتصادى والثقافى على سبيل المثال.وتلك العناصر التى يتكون منها النظام هى: تنظيمات سياسية, قواعد سياسية, علاقات سياسية, و وعى سياسى, وهذه العناصر تتفاعل مع بعضها البعض, كما يتفاعل النظام السياسى مع باقى الأنظمة الاخرى فى المجتمع.[58]

والجدير بالذكر أن كل عنصر له وظيفة منها ما له وظيفة أحادية حيث تقتصر على السياسة فقط, ومنها من له وظائف متعددة سياسية وغيرها, ويمكننا أن نحصر بشكل عام الوظائف التى يقوم بها النظام السياسى وهى: تحديد أهداف المجتمع, تعبئة الطاقات, دجج عناصر المجتمع وتوحيده, وتقليل الفجوة بين الرسمى فيما هو سياسى والتطبيق حتى يكتسب الشرعية.[59]

ويتمتع بهذا النظام السياسى بخصائص عديدة وهى: الأعلوية حيث له السلطة ويستطيع أن يتخدم القوة وذلك من أجل تعبئة الطاقات, الإستقلال الذاتى النسبى حيث يتمتع بقوانين مميزه تحكم علاقات عناصره, يتفاعل مع باقى النظم فى المجتمع لانه وليدها, له التأثير الاكبر فى هذا التفاعل.[60]

يختلف النظام السياسى عن الدولة حيث الدولة هى أحد مؤسسات النظام السياسى ولكن لها دور رئيسى وفعال ولكن هذا لا ينفى دور باقى المؤسسات, وتتكون الدولة من الهيئات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية, وتقوم بدور رئيسى , ولكن يوجد أيضاً مؤسسات أخرى مثل التنظيمات المجتمعية التى تقوم بدور سياسى, ولكن كما سبق الذكر للدولة دور أكبر, ولكن لا يمكن إختزال النظام السياسى بأكمله فى الدولة.[61]

وكما سبق أن أوضحنا فى حديثنا عن التصور بإعتباره صورة ذهنية فى العقل تكون نماذج عن العالم الخارجى سواء مشابهة او غير مشابهة له وتتكون بفعل ما نحتك به فى البيئة وما نتعرف عليه, وهى تتبدل وتتغير بتبدل وتغير معارفنا.فيمكننا هنا أن نطبق هذا الكلام على التصور عن النظام السياسى بإعتباره إنتاج عقلى من المعطيات البيئية يخرج شكل جديد او شبيه بشكل قائم ويتغير بتغير معارفنا وما نقابله, ومن تعريف النظام السياسى يمكننا أن نوضحه أن تصوره هو نتاج العقل الإنسان الذى إستشعر الإحتياج إليه فأنشأه وأنشأ له وظيفة, وبتغير وتبدل ما يراه تغيرت وتبدلت وجهات نظره وتصوراته حول النظام السياسى, وأنتج تصورات عديدة مختلفة عبر التاريخ.

ومن التعريف السابق عرضه عن النظام السياسى يمكننا أن نوضح أن أى تصور يمكن أن نطلق عليه تصور عن النظام السياسى لابد أن يتناول ثلاث مكونات أساسية وهى: العناصر المكونة للنظام السياسى, وظائفها, خصائص النظام السياسى من أعلوية وخلافه, وهذه التصورات عن النظام السياسى تنتج وتتأثر بما يعرفه الإنسان وما يتصول إليه من أفكار وحقائق, وهذا ما سيفيدنا لاحقاً.

والأن سنتناول عرض العلاقة بين الفلسفة والتصور عن النظام السياسى وذلك من خلال عرض أمثلة تاريخية وتحرى طبيعة العلاقة فى هذه الأمثلة وتحليلها.وستتنوع هذه الامثلة ما بين عصور مختلفة ومفكرين إختلفت وجهات نظرهم عن هذا العالم حتى يسعنا التعرف على شكل للعلاقة يصلح للتعميم.

وعلى هذا سنتناول كل من: أفلاطون بإعتباره يمثل الفلسفة الكلاسيكية وإعتمد على العقل فى وصوله لما يجب أن يكون, القديس اوجستين كمثال للفلسفات المتأثر بمنظور دينى وبإعتباره يمثل مرحلة تلت المرحلة اليونانية وهى العصور الوسطى  وإختلفت عنها بشكل ما , ميكيافيللى لأهمية منظوره الواقعى وإختلافه عن باقى وجهات النظر , و هيجل بإعتباره يمثل الفلسفة الحديثة كما أن فى عصره ظهرت إنتاجات علمية أثرت على الفكر.

وبهذا يتنوع العرض بين العصر القديم والأوسط والحديث كما أنه يشمل من كان له منظور مثالى ومن كان له منظور مادى كما أنه يضم من تأثروا بفلسفاتهم بالدين ومن تأثر بالعلم ومن إتخذ الواقع كما هو بصورته السيئة مصدر لصنع فلسفته وبهذا إختلفوا فى مصادر الحقيقة وطرق الحصول عليها.

وهذا التنوع سيضمن توضيح أفضل لطبيعة العلاقة بين الفلسفة والنظام السياسى من خلال المنتوجات الفكرية لكل فرد من هؤلاء التى ستتجلى فى الإرتباط بين التصور السياسى والفلسفى أياً كانت طبيعة التصور الفلسفى ومهما إختلف العصر, كما أنها ستساعد فى التعرف بشكل أدق على طبيعة العلاقة وكيفية الإرتباط بين الطرفين,وسيتم هذ من خلال عرض لملخص لفلسفة كل منهم ثم تصورهم عن النظام السياسى,وفى النهاية سنصل إلى جزء تحليلى للأمثلة جميعها.

أولاً سنبدأ بأفلاطون,هو كما ذكرنا فيلسوف يونانى كلاسيكى, وقد إعتمد على عقله فى الوصوله للحقيقة, ويمككنا إستعراض ملخص لفلسفته التى تطورت بتطور الاحداث التى شهدها, وفى المقابل سنتعرف على هذا التطور فى تصوره عن النظام السياسى مع كل مرحلة تطور فيها فكره الفلسفى لما شهده من أحداث.

فى البداية يمكننا هنا توضيح فلسفة أفلاطون ومنظوره الشامل لهذا العالم, كما أوضح فى كتابه الجمهورية فهو يرى أن الإنسان لابد من أن يطور نفسه وذلك من خلال سعيه للفضيلة, التى سيعتمد فى الوصول إليها على العقل, فهو الذى سيساعده على إستعادة عالمه المثالى والإرتقاء بعيداً عن الجسد للورح, حيث كان يؤمن بفكرة المثل, ووجود عالم مثالى بعيداً عن هذا العالم, وبعد النفس عن العالم المثالى بسبب إلتصاقها بالجسد, والإنسان لابد أن يسعى للعودة لهذا العالم المثالى, من خلال العقل, الذى سيوصله مرة أخرى لروحه , التى ستتمثل بها الفضائل, وليس كل إنسان قادر على ذلك, لهذا يتعرض البعض للجزاءات.[62]

ولا يختلف كثيراً منظوره عن النظام السياسى فى هذه الفترة عن فلسفته ومنظوره عن العالم, حيث رأى أن الدولة تحاكى الفرد, ولهذا يمكن أن نطبق عليها نفس الأفكار, مع إختلاف المكونات, حيث على البشر فى دولتهم أن ينتقلوا من النقطة التى يكونون فيها إلى الفضيلة, وهذا من خلال حكم الفلاسفة الذين سيوفرون عنصر العقل كموجه لكيان الدولة للوصول إلى حالة الفضيلة, وسيعتمد هذا على مبادئ أخرى مثل الشيوعية التى ستساعد على التخلص من سيطرة المادة على الروح.[63]

بعد هذا جاء فى حديثه عن النظام السياسى فى محاورة السياسى وكان أكثر علمية بشكل ما, والعلم هو النوع الوحيد من الوعى الذى يستحق أن يسمى معرفة, وقد أعتمد على الجدل للوصول الى المعرفة الصحيحة لكيف يجب أن تكون الأشياء فى عالم المثل, إذن فلسفته ورؤيته عن عالم المثل وعن الطريق الذى لابد أن يسير فيه الإنسان وعن المعرفة والعقل كوسيلة للوصول ظلت كما هى, ولكنه فقط أصبح أكثر علمية فى طريق الوصول لها .[64]

كما أنه ختلف فى توضيح إجراءات تطبيقها فى كيان الدولة حتى تصبح أكثر علمية بدورها, حيث أصبح أقل مثالية عن ما كان عليه فى الجمهورية, حيث أشرك ما هو حسى فى عملية الجدل من أجل الوصول للفضيلة, وبهذا ألغى بشكل ما الخط الفاصل بين ما هو عام وما هو خاص, فالفكرة العامة والمثال الذى كان بعيداً عن كل ما هو مادى أصبح أقرب الان وأصبحت التجربة مهمة للوصول للمثال من خلال الجدل, وبهذا يصبح حديثه أكثر واقعية وعلمية, وهذا إنعكس بدوره على تصوره السياسى, حيث لم يعد يرى فارق بين الرجل الذى يحكم منزله كصورة خاصة جزئية عن الحكم وبين السياسى الذى يحكم المدينة كاملة, وأصبحت السياسة فن معرفى ويدوى, وليس معرفى فقط, وهنا تتجلى أهمية التجربة, وأهمية المحسسوسات, ودورها للوصول للحقيقة المتمثلة فى المثل.[65]

وبهذا التنازل عن تصوره القديم يخبر ضمنياً إستحالة إقامة حكم مثالى, إذن إحتفظ بتصوره عن العالم وعن ما يجب أن يكون, ولكن أختلفت طريقته فى تطبيقه فأصبح أكثر علمية, وإنعكس هذا على تصوره السياسى, وهذا التنازل بسبب ما أصبح يراه من إضطراب وعدم نظام فى العالم.[66]

وبعد هذا يأتى فى القوانين, حيث تحدث أن أفضل نظام سياسى ممكن, وذكر هنا قوانين تشبه قوانين إسبرطة, حيث كان أهم ما يشغل بال المشرع هو الحرب, فالمدن فى حالة حرب مستمرة ولابد أن تكون مستعدة لذلك, وهو بهذا يمس أدنى فضائل أفلاطون ألا وهى الشجاعة, والتى تأتى فى مرتبة أقل بعد الإعتدال الذى تفوقه الحكمة, والمشرع لابد أن يهتم بأعلى قيمة فى سلم الفضائل, والشعب تسكره المخاوف والألام لذلك لابد من أن يحكمهم حكيم لا تسكره ولا تخيفه هذه الامور.[67]

وقد رأى أن القوانين الأسبرطية تواجه خطأ وهى أنها لا تعطى الفرصة للمواطنين لتذوق الملذات, هذا فقط الذى سيعلمهم كيف يتحكمون بملذاتهم, وهذا ما سيوصل الإنسان للفضيلة وهذا ما يستحق أن يدرج فى قوانين, كما تحدث عن مزج الحكمة بالحرية وذلك من خلال مزج الديمقراطية بالحكم الملكى .[68]

وبهذا نرى أن فلسفته ورؤيته ظلت كما هى من حيث وجود عالم مثل وفضيلة لابد أن نصل لها بالحكمة, ولكنه طور طريقة الوصول إليها من خلال حديثه عن التربية والقوانين والمزج بين الملكية والديمقراطية, حيث رأى فى تلك الامور أكثر واقعية لتنفيذ أفضل نظام حكم ممكن, فها سيطور الناس ويخلصهم من الرذائل, كما أنه سيشركهم فى الحكم, وسيخلق مدينة تتطور من خلال قوانينها بتطور سكانها, ليصلوا لنفس الهدف ألا وهو الفضيلة, ولعل هذا التطور سببه التطور فى العناصر الموجودة أمامه والتى أظهرها التاريخ من توضيح أكثر لطباع الناس وحقيقتهم.

ثانياً سننتقل للقديس أوغسطين,وهو صاحبة فلسفة قائمة على دين منزل, وقد تأثر فى فلسفته بفلسفة أفلاطون وعدل عليها بما يناسب عصره ودينه, وهو يعتبر الدين مصدر للحقيقة ولكنه لم يقلل أبداً من أهمية العقل والفلسفة, لكنه فقط عدل على ما جاء به الفلاسفة اليونان حتى يتناسب مع إيمانه, فى كتاباته كتب بوصفه لاهوتياً أولاً وليس فيلسوفاً.[69]

حيث إعتمد فى فلسفته على المبادئ المستقاه من الكتاب المقدس, ولم يقلل من شأن المعرفة ولا العقل فى مقابل الإيمان والمبادئ الإلهية, حيث اعتبرهما يساعدنا فى الوصول للإيمان الصحيح, ولكن المعرفة وحدها والعقل وحده لن يوصلان من وجهة نظره إلى شئ, ولعل هذا من وجهة نظره ومن مصدر فلسفته فإن الإنسان سيعتمد على هذه الادوات للوصول للإيمان الصحيح فى حياته لأن هذا هو ما يجب أن يفعله, فهو فى حالة من الخطيئة التى لابد من أن يتخطاها, وينطلق إلى نعمة الحياة الازلية بعد أن يتطهر من خطاياه.[70]

ولم يخرج تصوره عن النظام السياسى من تصوره وفلسفته الشاملة عن الحياة, حيث رأى أن المجتمع لابد أن يصل من خلال تجمعه هذا للفضيلة, لأن الإرتباط بمجتمع إنسانى يوصل الإنسان إلى رقى يساعده للوصول لهذه الفضيلة أكثر من محاولة وصوله وحده, وعلى هذا تتكون الدولة على الحق الذى تبنى عليه العدالة, وهنا يختلف مع فلاسفة اليونان الذين لم يضعوا تصورات ممكنة عن العدالة, وبهذا لم تفد فلسفتهم بشئ أى شخص.[71]

وفى رأيه فإن صورة العدالة الاسمى هى الصورة الإلهية, التى بدورها تكون ممكنة أيضاً, وحتى يخرج الإنسان من حالة الخطيئة والوصول للفضيلة المتمثلة فى العدالة الإلهية, لابد عليه ان ينطلق بعيداً عن جسده لنفسه ثم من نفسه لعقله ثم من عقله لله, وهذه التراتبية هى طريق الوصول وهى الكيفية التى سينطلق بها, ولكن الإنسان غير قادر على التحكم فى ذاته, وعلى هذا ينشأ المجتمع السياسى الذى سيقوم بتأديبه, ومن هنا تأتى أهمية الكنيسة فى المجتمع حيث هى مؤسسة النعمة الإلهية التى ستخلص الإنسان من خطاياه, وسيكون للحاكم حق الطاعة العمياء, حتى تتحقق الوحدة الوطنية فى ظل الحكم الإلهى.[72]

أما بالنسبة لميكيافيللى فنجد أنه رأى من المنفعةالغاية التى تبرر كل وسيلة أياً كانت للوصول لها, وهذه المنفعة تتمثل فى تعظيم الذات, التى تنعكس فى تعظيم الوطن بالنسبة للنظام السياسى, وقد راى مكيافيللى من الواقع مصدر للحقيقة, ووجه للطريقة الصحيح للوصول لما يربو له المرء, وقد رأى أن تصورات الفلاسفة اليونانيين واهية, حيث أنه لا يوجد ما هو مثالى, فاالمثال والواقع يلتقيان بالضرورة.[73]

وعلى هذا ظهر ذلك فى تصوره عن الحكم السياسى حيث رأى أنه كيف يعيش الناس يوضح كيف ينبغى أن يُحكموا, وقد رأى أنه يمكن أن يتم الإستغناء عن الاديان بوجود حاكم قوى.[74]

وعلى هذا أثر تصوره عن أن الواقع مصدر الحقائق وأن الغاية هى الوصول للمنفعة وان الوصول لهذه الغاية يبرر كل الوسائل وأن الواقع هو الذى يحدد ما يجب أن يكون وأن الدين ليست له أهمية كبيرة فى توجيه الناس للحق, أخرجت كل هذه التصورات عن العالم والأفكار تصور عن نظام سياسى يتحدد بطبيعة الحياة التى يعيشها الناس ويربو إلى تعزيز الوطن وذلك من خلال سيطرة الحاكم الذى من حقه فعل أى شئ للوصول لما يريد.

وأخيراً نصل إلى هيجل, حيث إعتمد هيجل فى رؤيته للإنسان على أنه ناقص له غرائزه وأنانيته وعليه أن يحاول أن يتخلص منها ويصل للكمال, حيث رأى هيجل أن هناك عالم الأفكار الكامل الذى يوجه كل الأمور المادية التى تمثل إنعكاس له, و أن الكيفية التى ينتقل بها الأشياء من حالها إلى حالة أفضل هى الصراع بين الاضداد التى تعتمد على الغنتقال من حالة دنيا إلى حالة أعلى.[75]

وقد إنعكس كل هذا فى تصوره عن النظام السياسى حيث رأى أن الدولة هى الوسيلة التى يصل الفرد من خلالها للكلية وهذا يحدث من خلال إصدار القوانين حيث تمثل الدولة الفرصة لتمثيل الأخلاق من خلال المؤسسات, وفى الدولة سيتجاوز الفرد أنانيته وسيتعرف على الكثير من الاخلاق, وهذا من خلال وسيلة أخرى غير القوانين ألا وهى التعليم, فالدولة هى الغاية النهائية التى لابد أن يصل لها الفرد, لأن وجود الفرد المحض المتمثل فى عقله الذاتى لا يساعده للوصول للكمال, وفى الدولة يتجاوز الفرد هذا أيضاً ليصل لحالة أفضل توصله للكمال, حيث فى الدولة يتعلم الفرد ما هو معقول من رغباته ويندرج تحت عقل أكبر من عقله الذاتى المحض, وتوجهه الأخلاق المتمثلة فى مؤسسات وقوانين.[76]

والجدير بالذكر هنا هو أن المثل والافكار المطلقة التى تحدث عنها هيجل والتى ذكر أن الدولة تسهل الوصول لها يقر هيجل أنه لا يمكن إدراكها بشكل كامل حيث أن الدولة تقدم العقلانية وتجعلها ممكنة لكنها ليست المطلق فى حد ذاته ولا توصل إليه بشكل كامل, ولكن هذه المطلقات هى التى توجه كل شئ. [77]

وكما تحدث عن صراع الأضداد فى الحياة بشكل عام تحدث عنه داخل الإنسان, هذا الصراع الذى سيوصله للحق, وهذا الصراع سيتواجد فى الدولة فى طريق إرتقائها من حالة أدنى لحالة أعلى.[78]

وهنا يمكننا أن نبدأ فى الربط ما بين التصور الفلسفى عن الكون والتصور عن النظام السياسى حيث كما سبق أن ذكرنا فإن التصور الفلسفى له مكونات هامة منها ما يعرضه من مصدر لمعرفة الحقيقة وكيفية للوصول لهذه الحقيقة فى منطق للتفكير ومحرك أساسى للعالم روحى أو مادى, بالإضافة إلى كيفية للحركة فى هذا العالم للإنتقال من حالة ساكنة تظهر فيها الحقيقة إلى حالة التحرك لحالة جديدة تمثل ما يجب أن يكون.

وكما سبق أن ذكرنا فإن التصور عن النظام السياسى يتكون من سلطة محركة تقوم بتحقيق أهداف المجتمع للإنتقال من حالة هو عليها إلى حالة جديدة وذلك من خلال وظائف تقوم بها عناصر فى هذا النظام وعلى هذا الأساسى يحصل النظام على شرعيته.

ولمعرفة العلاقة والترابط بين كل من التصورين يمكننا هنا البدء بتحليل الأمثلة التى سبق ذكرها من التاريخ:

أولاً بالنسبة لأفلاطون ظهر تطور تصوره عن النظام السياسى مع مراحل تطور منظوره الفلسفى عن العالم حيث ظلت الأفكار الأساسية قائمة كما هى من حيث عالم المثل ودور العقل والفضيلة التى يجب على الإنسان الوصول لها, ولكن مع تطور رؤيته للنفس البشرية أصبح تصوره السياسى أكثر واقعية فى الطرقة أو الإجراء التى يجب أن ينتقل بها المجتمع السياسى من حالته التى هو عليها إلى الحالة التى يجب الوصول لها.

ولكن فى جميع الاحوال نجد أن تصوره عن النظام السياسى إرتبط بشكل ما بتصوره الفلسفى عن العالم حيث كما يوجه العالم عالم من المثل وكما تمثل الفضلية الحالة التى يجب أن يصل لها الغنسان وكما يمثل العقل الكيفية التى يجب إستخدامها للوصل كان ذلك هو نفس الشئ فى تصوره السياسى الذى مثل المجتمع الشبيه بالإنسان الذى عليه أن يرتقى من حالته إلى حالة الفضيلة ويستخدم فى ذلك العقل المتمثل فى حكم الفلاسفة, أو أى إجراء أكثر علمية ظهر مع تطور فكره.

وبهذا نرى كيف ارتبط تصوره الفلسفى وتطور هذا التصور بتصوره عن النظام السياسى, حيث كان المحرك فى تصوره الفلسفى هو المحرك فى تصوره عن النظام السياسى, أو رمز عن هذا الحرك, ألا وهو عالم المثل, وكانت الحالة المرجوة التى يجب أن نصل لها فى منظوره الفلسفى هى الحالة التى وجه إليها النظام السياسى فى وجهة نظره, ألا وهى الفضيلة, الكيفية التى رأى أنها مناسبة للإنتقال وهو العقل, كانت هى الحاكمة والموجهة فى نظامه السياسى.

وعلى هذا كان المحرك فى تصوره الفلسفى هو المحرك فى تصوره عن النظام السياسى, وكيفية الإنتقال والحركة فيهما كانت واحدة, والحالة التى يجب أن تكون عليها الأكور أيضاً كانت واحدة, والحقيقة الامور المتمثلة فى عالم المثل كانت هى الاخرى واحدة.

وثانياً إذا نظرنا للقديس أوجستين سنرى أن تصوره الفلسفى كان قائم على الآلهة كمحرك للعالم والحالة التى عليها العالم هى حالة سيئة ناتجة عن الخطيئة لابد أن تنتقل إلى حالة أخرى وهى الفضيلة حيث تتحق عدالة وهذا بكيفية جديدة لا تحوى العقل فقط ولكنها تشمل الدين أيضاً.ولم يخرج تصوره عن النظام السياسى من هذا حيث جعل ذاك المجتمع يسير فى ركاب العالم كله متجه من حالة الخطيئة إلى الفضيلة بكيفية وحدة وهى الدين أولاً بدون إهدار دور العقل.

وعلى هذا كانت رؤيته عن العالم فى حالته الخاطئة وتوجهه لحالة أخرى فاضلة بكيفية تعتمد على الدين, كانت تلك الرؤية المفصلة لتصوره الفلسفى هى أساس تصوره السياسى.

ثالثاً نصل إلى ميكيافيللى حيث سيطرت الواقعية على منظوره السياسى الذى لم ينتج من فراغ بل نتج من تصوره عن الحياة التى فى حالة الأزمات يمكن أن يستخدم فيها المرء ما يريد حتى يحصل على المنفعة, حتى إذا أساء إستخدام الدين, فما هو مثالى هو واقعى وكيف يعيش الناس هو كيف يجب أن يكونوا, ظهر كل هذا فى تصوره السياسى وكانت هذه العبارات هى ما يوضح فلسفته, فكانت الحالة التى بها الناس فى فلسفته هى الحالة التى يقع بها الناس فى تصوره السياسى, والغاية التى لابد أن يصل لها الناس فى فلسفته هى الغاية فى نظامه السياسى, والكيفية واحدة, هى الوسيلة التى ستوصلنا إلى هذه الغاية, ما نريد أن نصل له هو ما يحركنا, والكيفية هى فعل أى شئ يوصلنا إليه, كانت هذه الفلسفة, وكان هذا هو طرقة الحكم.

وعلى هذا راى ميكيافيللى أن ما يحركنا هو غايتنا التى ستنقلنا من نقطة إلى أخرى بكيفية واحدة تتمثل فى كل وسيلة ممكنة تحقق هذه الغاية سواء فى الحياة بشكل عام أو على المستوى السياسى.

رابعاً هيجل رأى هيجل أن مايحرك الكون هو الفكرة الساكنة الثابتة أما المعطيات المادية فهى إنعكاس لهذه الفكرة وتطبيقاً لها, والإنسان فى حالة ناقصة لابد أن يصل إلى الكلية التى تمثله وذلك من خلال أخلاقه, أخلاقه التى ستساعده فى صراعه الداخلى بين الخير والشر, هذا الصراع الذى يمثل كيفية الحركة فى الكون.

إنعكس كل هذا على تصوره السياسى حيث رأى أن الدولة تجمع سيكمل الإنسان من خلال تقنين الاخلاق التى ستعمل بدورها على حسم ذلك الصراع الداخلى الإنسانى والذى سيوصله إلى الحالة الأفضل.

وعلى هذا تظهر العلاقة بين التصور الفلسفى والتصور عن النظام السياسى حيث ينتج التصور عن النظام السياسى من التصور الفلسفى الذى يشمل تفسير أشمل وأعم لهذا العالم, وتحتل العناصرالمتمثلة فى تفسير الحالة القائمة التى يعيشها العالم والحالة الأفضل التى لابد أن يصل لها والكيفية التى سينتقل بها من حالته إلى الحالة الجديدة والقوى المحركة لهذا العالم معالم أساسية لكل من التصورين.

وعلى هذا أيضاً يظهر أن التصور عن النظام السياسى وليد التصور الفلسفى عن العالم فهو إنعكاس لأفكاره وتطبيقها على مستوى تجمع بشرى, فلا يمكن أن يخرج تصور الإنسان عما يجب أن يكون فى النظام السياسى الذى هو جزء من العالم ومرحلة من مراحل التطر الإنسانى عن تصوره عن العالم كله وما يجب أن يكون فيه.

وبعد عرض توضيح لإرتباط التصور الفلسفى عن العالم بالتصور عن النظام السياسى يمكننا هنا أن نلاحظ كما سبق الذكر الإرتباط فى إطار عدد من العناصر تتمثل فى المحرك الأساسى للعالم والصورة التى نرغب فى الوصول لها والكيفية التى يسير بها الكون والتى على أساسها سنسير نحن, وهذا بدوره يكون واضحاً فى صورته العامة فى التصور الفلسفى ويمارس إنعكاس له فى التصور السياسى, وما يهمنا هنا الإشارة للإرتباط بين هذه العناصر الموجودة فى التصور الفلسفى والتصور عن النظام السياسى والعناصر الموجودة فى التصور عن السكون والحركة السابق ذكرها, من محرك ونقطة بداية وجسم يتحرك وكيفية للحركة, وهذا ما سيتم توضيحه بشى من التفصيل فى المباحث القادمة.

وكماسبق أنذكرنا العلاقة بين التصورالفلسفى المفسرللعالم والتصورعن النظام السياسى, حيث يمثل التصورعن النظام السياسى وليد لهذا التصورالفلسفى عن العالم, فالمحرك والموجه للمجتمع لايبتعد كثيراً عما يوجه العالم اويمثل حتى إنعكاس له, كما أن الصورة التى يجب أن يصللها المجتمع بأهدافه لاتبتعد كثيراً عن ركاب حركة العالم فى طريقه لحالة أفضل, بالإضافة إلى أن الكيفية فى الإنتقال التى تمثلها العناصر المكونة للنظام السياسى بوظائفها لاتبتعد كثيراً عن الكيفية الموجه للعالم, وتتخذ من هذه الكيفية الموجهة للعام أساس ومبدأ للحركة.

 

المبحث الرابع

العلاقة المستدل عليها بين التصورحول السكون والحركة وصياغة النظام السياسى.

فى هذا المبحث سنعرض طبيعة العلاقة بين التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى و ذلك من خلال إسترجاع هذه التصورات من العرض السابق وعلاقة كل منهما بالتصور الفلسفى وعرض تفصيل لطبيعة الإرتباط والعناصر التى يتجسد فيها الإرتباط ثم الإنتقال إلى الإستدلال على وجود إرتباط بين التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى.

بإستراجع تفاصيل العناصر المكونة للتصور عن السكون والحركة مما سبق ذكره سنجد أنه كان يتكون دائماً من محرك يولد القوة الدافعة للجسم والتى ستحركه وهذه القوة إما ذاتية أو خارجية, كما أنه كان يتضمن الجسم الذى سيتحرك بوصف لكتلته التى ستحدد طبيعة قصوه الذاتى ومن ثم طبيعة تأثره بالقوة المحركة له وشكل الحركة الناتج, كما أنه كان يتضمن النقطة التى سيصل لها الجسم, والمسافة التى سيقطعها, والمدة الزمنية التى سيستغرقها للإنتقال, وأخيراً الكيفية التى كان سيتحرك بها.

أما عن التصور الفلسفى عن العالم فسنجد أنه كما سبق الذكر يتكون من تصور عن المحرك الأساسى لهذا العالم والذى يمثل المفسر الاول سواء مادى أو روحى, كما أنه يشمل وجود صورة لما يجب أن يكون لابد أن يتجه لها العالم, ووصف للعالم وتقييم لحالته من خلال هذه الصورة التى لابد أن يصل لها, وكيفية تتحرك بها الامور فى هذا العالم, أى كيفية الإتصال بين القوى المحركة سواء مادية أو معنوية وبين العالم, ويظهر إنعكاس هذه الكيفية فى تطور الامور فى هذا العالم وإنتقالها من حالة لأخرى, وهذه الكيفية قد تمثل طريقة للتفكير للوصول للحقيقة بما أنها تخبرنا بخطوات تحرك الامور وإنتقالها وبكيفيات الإنتقال من حالة لأخرى, فهى بذلك تمثل البنية الأساسية والقواعد الرئيسية والمبادءئ التى لابد ألا يتجاهلها المرء فى استنتاجاته المنطقية حول العالم.

أما عن التصور عن النظام السياسى فكما سبق الذكر فهو يتكون من سلطة تحرك المجتمع من حالة إلى حالة أخرى لتحقيق أهدافه وذلك من خلال عناصر تقوم بوظائف بكيفية معينة تحقق هذا الهدف, وهذا ما يجعل السلطة مقبولة من قبل المجتمع.

وكما سبق أن ذكرنا العلاقة ما بين التصور عن السكون والحركة سواء كان علمى أو غير علمى والتصور الفلسفى عن العالم, حيث يمثل المحرك الأساسى للعالم الباعث الرئيسى للحركة فى داخله وهذا يكون المحرك فى التصور المجرد عن السكون والحركة فى العالم, كما أن الكيفية التى يعتقد أنها تمثل السكون والحركة فى هذا العالم بشكلها العام, تكون هى نفسها تلك الكيفية المعتقد أنها تحرك العالم,وتمثل هذه الكيفية مبدأ أساسى للتعرف على حقيقة الأمور ومنطق للتفكير, فكيف تتحرك الأمور يمثل مبدأ أساسى عندما تفكير فيها وفى التعامل معها وتوجيهها والتعرف على حقيقتها, كما أن حالة السكون فى شكلهاالعام تكون هى بدورها الحالة التى يمكن من خلالها إكتشاف ماهية وحقيقة الامور على المستوى الفلسفى.

وكما سبق أن ذكرنا العلاقة بين التصور الفلسفى المفسر للعالم والتصور عن النظام السياسى, حيث يمثل التصور عن النظام السياسى وليد لهذا التصور الفلسفى عن العالم, فالمحرك والموجه للمجتمع لا يبتعد كثيراً عما يوجه العالم او يمثل حتى إنعكاس له, كما أن الصورة التى يجب أن يصل لها المجتمع بأهدافه لا تبتعد كثيراً عن ركاب حركة العالم فى طريقة لحالة أفضل, بالإضافة إلى أن الكيفية فى الإنتقال التى تمثلها العناصر المكونة للنظام السياسى بوظائفها لا تبتعد كثيراً عن الكيفية الموجه للعالم, وتتخذ من هذه الكيفية الموجه للعام أساس ومبدأ للحركة فى إطار إنتقالها لتحقيق أهدافها.

وعلى هذا يمكننا الربط بين التصور عن السكون والحركة وبين التصور عن النظام السياسى حيث يحتل المحرك فى التصور عن السكون والحركة مكانته كمحرك فى التصور عن النظام السياسى او ممثل له كما أن الكيفية التى تحدث بها الحركة تماثلها كيفية فى النظام السياسى يتحرك بها النظام وينتقل من أجل الوصول لأهدافه, كما أن تلك الحالة التى يمكن رصد سكون الجسم فيها تشابه تلك الحالة التى يمكن رصد سكون المجتمع وحقيقته فيها.

وبهذا تظهر العلاقة بين العناصر الممثلة للتصور عن السكون والحركة من محرك وحالة الجسم فى سكونه وكيفية حركته للإنتقال لحالة مختلفه وبين العناصر المكونة للنظام السياسى من سلطة محركة تحاكى او تماثل او تمثل إنعكاس لهذا المحرك فى التصور عن السكون والحركة و حالة سكون يمكن عندها رصد حالة المجتمع و الحالة التى لابد أن يصل لها وأخيراً الكيفية التى سينتقل بها من حالته إلى حالة جديدة والتى لن تخرج عن الكيفية التى تحدث بها الحركة فى هذا العالم.

ويمكننا هنا للتوضيح عرض تفاصيل ما سبق ذكره من خلال أحد الامثلة التى عرضناها من قبل ألا وهو هيجل,وإختيار هيجل لسبب وهو أن هيجل يتضح فى فكره الإنعكاس الذى تحدثنا عنه من قبل وهو إنعكاس التصور عن السكون والحركة فى الكون فى التصور الفلسفى وإنعكاس التصور الفلسفى ومبادئه فى التصور عن النظام السياسى, أى إنعكاس المبادئ الحاكمة للسكون والحركة على التصور عن النظام السياسى.

ويمكننا هنا أن نسترجع ما سبق ذكره عن التطورات العلمية حول السكون والحركة وتأثر مفكرين بها مثل هيجل,حيث ظهرت قوانين جديدة تفسر تطور العالم, حيث أوضحت دور المتناقضات فى العالم خاصة العلوم الطبيعية وكيف تتطور الحياة فى تلك الكائنات من خلال الصراع بين عناصرها التى تحوى أضداد الامور فى داخلها وبينها وبين الطبيعة للإستمرار, وتتجه دائماً لحالة أعلى من الحالة الدنيا التى كانت بها, فالحياة صراع الاضداد,وبهذا منح أهمية أكبر للحركة بدلاً من السكون, الحركة التى أوضحت أن الحدود الفاصلة بين الامور لم تعد كذلك, فحقيقة الامور نسبى بشكل ما, كما أن هذا جعل الإهتمام بالنظر للصورة الكلية يزداد,أى أن الحدود تلاشت فأصبح الشئ يحوى الامور وعكسها التى تتصارع فتولد حركة ساعية للوصول لحالة من السكون.

وبهذا إنتقلت الأفكار المفسرة لتطور الطبيعة والكائنات الحية حتى تكون أفكار تمثل نواة لتصور فلسفى عن العالم كله ينتج تصورات عن نظم سياسية, وبهذا تكون تصوره الفلسفى عن الكون الذى شمل تفسير روحى للعالم حيث عالم المثل الموجه للكون والحالة التى يجب ان يصل لها العالم وهى الحالة الأفضل والتى لن يصل لها إلا بكيفية واحدة وهى صراع الاضداد المتواجدة فى كل شئ, وإنعكس هذا على تصوره عن النظام السياسى حيث التجمع الإنسانى لابد أن يصل بالإنسان لحالة أفضل بنفس الكيفية السابقة حيث عليه أن يعلى من قيمة الخير فى صراعه مع الشر من خلال الأخلاق التى ستوصل الإنسان للحالة الأفضل.

وبهذا ظهر إنعكاس التصور عن السكون والحركة على النظام السياسى حيث مثلت حالة السكون التى تظهر فيها حقيقة الأشياء هى الحالة التى نتعرف من خلال لها على ماهية وحقيقة وضع النظام السياسى تلك الصورة التى تظهر فى صراع الأضداد والتى مثلت وجهة نظره حول وضع النظام السياسى فى بدايته, كما أنها الصورة التى تظهر فى انتصار أحد الأضداد على غيره والتى تظهر أيضاً فى الحالة التى يربو النظام السياسى للوصول لها, والمحرك واحد فى الحالتين, مبادئ ومثل يتحرك على أساسها كل شئ وتطبق فى كل شئ, فهى ثابتة ساكنة لا تتغير, تظهر فيها حقائق الاموروهذا ظهر فى أن الموجه للأمور فى حركتها ظهر فى إنعكاسه كموجه للنظام السياسى حيث الفكرة العامة التى توجه كل شئ لا يخرج منها النظام السياسى, والكيفية التى سينتقل بها النظام من حالته إلى الحالة التى يريد الوصول لها وتحقق أهدافه هى نفس الكيفية التى تتحرك بها الطبيعة وهى صراع الأضداد التى لابد أن ينتصر إحداها على الاخر وهذا ما تقوم به الدولة فى محاولتها لتغليب كفة الخير والفضيلة والاخلاق على الشر.

وبعد هذا العرض يمكننا أن نتسأل عن الأخطاء التى قد تنتج من هذه الكيفية فى الإنتقال من التصور عن السكون والحركة وإنعكاسه على التصور السياسى, حيث ترافق عملية الإنعكاس هذه الكثير من الأخطاء, كما أنه قد يفتح المجال أمامنا لتخيل عدد التصورات السياسية التى قد تنتج من التلاعب بهذا التصور عن السكون والحركة سواء كان ذلك من خلال إكتشافات علمية جديدة او بتصورات غير علمية, وهذا ما سيتم شرحه بالتفصيل فى الفصل القادم.

 

كما سبق الذكر فإن التصور عن السكون والحركة أثبت دوره فى صياغة وتوجيه التصور عن النظام السياسى, وهذا يدفعنا للتعمق فى دراسة هذه العلاقة من حيث مدى إمكانية إنتاج تصورات جديدة ومبتكرة فى كل مرة يصدر بها تصور جديد ومبتكر للسكون والحركة, وإلى أى مدى قد يسهم تأثر التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات عن النظام السياسى غير قابلة للتطبيق وما سبب ذلك.

وعلى هذا يتناول الفصل الثانى مبحثين وهما:

المبحث الأول:دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات جديدة عن النظام السياسى.

المبحث الثانى:أثر التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات غير قابلة للتطبيق للنظام السياسى.

 

 

المبحث الأول :دور التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات جديدة عن النظام السياسى

مما سبق عرضه يمكننا هنا أن نستنتج أن العناصر التى تتجلى فيها العلاقة بين التصور عن السكون والحركة وبين التصور عن النظام السياسى هى المحرك الرئيسى والأول الموجه والمسبب لسكون وحركة كل شئ فى هذا العالم من وجهة نظر المتصور و الكيفية التى تحدث بها هذه الحركة والتى تمثل المبادئ الموجه للحركة والتى يتم الإقتداء بها، وتنعكس هذه العناصر وتلك الكيفية فى التصور الفلسفى الذى يفسر العالم وفى التصورات التى تنتج عنه، ولا يخرج منها التصور عن النظام السياسى بالطبع، حيث يحتل هذين العنصرين مكانة المحرك الأساسى لهذا التصور فى إطار العلاقة بينه وبين التصور عن السكون والحركة التى تعتمد على توجيه الأخير للأول.

وبهذا يمكننا تخيل العلاقة بين التصور عن السكون والحركة وبين التصور عن النظام السياسى حيث يوجه الأول الثانى وذلك من خلال عنصرين الأول هو طبيعة المحرك الموجه للعالم والتى تظهر فى إنعكاس يمثل هذا المحرك على المستوى السياسى و كيفية تحدث بها الحركة تمثل مبادئ حاكمة بدروها للحركة داخل النظام السياسى والتى ستنقله من الحالة التى هو عليها إلى حالة أفضل يربو لها، ولا ننسى حالة السكون التى يظهر إنعكاسها فى الحالة التى تتضح فيها ماهية الأمور حيث تمثل الحالة الساكنة فى التصور المجرد عن السكون والحركة مبادئ عامة تحكم الحالة التى يمكن أن تسمى ساكنة بشكل عام والتى تتضح فيهل ماهية وحقيقة الأمور حيث تسمح بإمكانية وصف الأمور وتحليلها، وتنطبق هذه المبادئ على النظام السياسى الذى إذا أراد المرء وصفه وتحليله توجه إلى حالة تتضح فيها حقيقة النظام وهى حالة السكون، حيث تطبق المبادئ الحاكمة لوجودها والموضحة لها حتى يصل المرء إلى الحالة التى تظهر فيها حقيقة التظام ليحلله.

ويمكننا هنا تخيل ما الذى يمكن أن يحدث فى كل مرة تتغير فيها الإجابات الممثلة لهذه العناصر، أى فى كل مرة يتكون تصور جديد عن السكون والحركة تظهر فيه تصورات مختلفة عن المحرك الموجه للحركة فى العالم و الكيفية التى تتحرك بها الأمور وحالة سكونها، فى كل مرة سيظهر فيها تصور جديد بإجابات جديدة عن هذه الأمور سنجد فى المقابل ظهور تصورات فلسفية جديدة تفسر العالم يخرج منها تصورات جديدة عن النظام السياسى، وبهذا تظهر المساحة للكبيرة من الممكنات التى تتمثل فى ظهور تصور جديد عن النظام السياسى يواكب كل تصور جديد عن السكون و الحركة سواء كان علمى أو غير علمى ناتج عن تصور فى مخيلة أى مفكر، وهذا ما ظهر من العروض التاريخية السابق ذكرها فى الفصل الأول والتى أوضحت إقتران التطور الفلسفى لتفسير العالم الذى بدوره يقترن بإنتاج تصورات جديدة عن النظام السياسى مع تطور إنتاج تصورات جديدة عن السكون والحركة فى هذا العالم.

وعلى هذا يمكننا القول أن مساحة إنتاج تصورات عن النظام السياسى متسعة ويقترن إتساعها بشكل ما مع إنتاج تصورات جديدة حول السكون والحركة فى هذا العالم، وهذا ما يشكل مساحة الممكنات، ففى كل مرة نتخيل إجابات جديدة تسد خانات العناصر المكونة لتصور عن السكون والحركة سنجد فى المقابل تصور جديد و مختلف ربما لم نتخيله من قبل عن التصور عن النظام السياسى.

ويمكننا هنا عرض مثال بسيط مثلا اذا اعتبرنا نسبية أينشتاين مفسرة للحركة وجاء عالم أعتبر هذه النسبية هى قانون واحد مفسر لكل حركة فى هذا الكون وبدأ يطبق إنعكاس لمبادئها على مختلف المستويات وفى مختلف المجالات التى لن يخرج السياسى منها وإتخذ من فكرة أن كل شئ فى حالة حركة وأن حركة الشئ لا تقدر فى المطلق ولكنها تقدر نسبة إلى حركة شئ أخر، وبدأ وإن وفق فى ذلك أم لم يوفق يطبق إنعكاس لهذه الفكرة على التصور عن النظام السياسى، وبعد تفكير توصل أن النظام السياسى يتكون من عناصر لكل منها سرعته من هذه العناصر الحاكم أيا كانت طبيعته والمحكومين، وأن أى تقييم لسلوك الحاكم فى إدارته وحكمه لا يقدرفى المطلق ولكن نسبة إلى المقيم لحركته وسلوكه، وعلى هذا فإن إستقرار النظام سيعتمد على إتساق حركة المحكومين مع الحاكم حيث لا يستشعر المحكومين بغرابة الحاكم أو سوء حكمه، وعلى هذا يصبح أفضل شكل للنظام السياسى ذاك النظام الذى يتسق فيه تصور الحاكم وسلوكياته مع تصور المحكومين وسلوكياتهم حيث يربو كل منهم لأهداف واحدة وكيفية واحدة تحقق هذه الأهداف نسبة الى بعضهم البعض وبعيدا عن اى حكم مطلق.

المبحث الثانى :أثر التصور عن السكون والحركة فى صياغة تصورات غير قابلة للتطبيق للنظام السياسى

وعلى هذا يمكننا أن نوضح إنطلاقا من هذا البحث سبب التصورات عن النظام السياسى الغير قابلة للتطبيق، ولكن قبل أن نوضح ذلك علينا أن نؤكد أنه يستشعر الإنسان خطأ الشئ وعدم صوابه عندما لا يحقق الشئ المراد منه ولا يستيع تطبيقه، وعلى هذا يمكننا أن نوضح أن أحد الأسباب التى قد تخلق تصور غن النظام السياسى غير مناسب أو خاطئ أو غير قابل للتطبيق، وذلك إذا أعتبرنا كما سبق الذكر أن النظام السياسى لابد أن ينتج من تصور بشكل ما عن السكون والحركة، فإن المسببات لهذا الخطأ قد تكوت كالأتى: أولا حقيقة عدم وجود قانون واحد وشامل يحدد حركة كل شئ وبهذا سيمثل تطبيق إنعكاس أى قانون موجه لحركة وسكون شئ على أى شئ أخر هو إحداث خلل حيث سيقوم المرء بمحاولة تطبيق قوانين على شئ لا تنتمى له، ثانيا إفتراض إمكانية وجود قانون واحد يوجه كل شئ ولكن غير المعروف هذا القانون لهذا يستعاض عنه بقوانين يعتقد أنها توجه كل شئ وفى النهاية بعد التطبيق يظهر فشلها، ثالثا وحدة القانون الموجه وصحة معرفتنا به ولكن يحدث سوء فى تطبيق إنعكاس هذا القانون على العناصر التى تندرج تحته.

ويمكننا أن نوضح هذا من مثال الباحث السابق ذكره الذى قد ينتج تصور خاطئ عن النظام السياسىإنطلاقا من معرفته لنسبية أينشتاين بسبب عدم وحود قانون واحد ينظم كل شئوبالتالى ليست القوانين النسبية الموجه للحركة الفيزيائية تنعكس بالضرورة على الامور الاجتماعية، أو أنه يوحد قانون واحد موجه ولكنه لا يتوافر فى النسبية، أويوجد قانون واحد يتوافر فىالنسبيى ولكنه طبق إنعكاسه بشكل خاطئ.

وكل ما سبق ذكره يحدث كما ذكرنا فى المبحث الأول من الفصل الأول فى إطار عملية عقلية وهى التفكير المجرد التى يقوم فى إطارها الإنسان بتجريد المادة للوصول لعموميات يحكم بها على ما حوله وينتج بها تصورات جديدة, من تلك الأمور التى يجردها الإنسان الكيفية التى يحدث بها السكون والحركة, ومن تلك المنتوجات التى تخرج من هذه العملية التصور عن النظام السياسي, والإرتباط بين كل من التصور عن السكون والحركة والتصور عن النظام السياسى وعلاقتهم بالتفكير المجرد يتجلى فى المنتج الفلسفلى للإنسان. هذا ما سعت الدراسة لتوضيحه وهذا ما تم الإستفادة منه فى تحديد طبيعة السبب فى إنتاج تصورات غير قابلة للتطبيق والكيفية التى يمكن من خلالها إنتاج تصورات جديدة.

والجدير بالذكر أنه يتوجب على الباحثة لفت النظر إلى إمكانية إنعدام او نسبية الدور الذى يمكن أن يمارسه التصور عن السكون والحركة فى صياغة التصور للنظام السياسى وذلك فى حالة واحدة تلك الحالة المتمثلة فى إيمان المفكر أو الشخص المنتج للتصور بعدم وحدانية المبادئ الموجهة للسكون والحركة فى هذا الكون وبالتالى أحقية عدم تطبيقها وإنتقالها من مجال لأخر.

المراجع:

أولاً المراجع باللغة العربية:

إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, (2011), المعجم الوجيز, القاهرة, مجمع اللغة العربية.

إبراهيم درويش, (1978), النظام السياسى:دراسة فلسفية وتحليلية, (الطبعة الرابعة), القاهرة, دار النهضة العربية.

إخوان الصفا,(1999), رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا, (الطبعة الثانية), بيروت, دار صادر.

أرسطوطاليس, (1965), الطبيعة, ترجمة: إسحق بن حنين, (الطبعة الأولى), القاهرة, المكتبة العربية.

أ.س.رابوبرت, (2014), مبادئ الفلسفة, ترجمة:أحمد أمين, (الطبعة الأولى), القاهرة, وكالة هنداوى.

إمام عبد الفتاح إمام, (2007), المنهج الجدلى عند هيجل: دراسة لمنطق هيجل, (الطبعة الثالثة), بيروت, التنوير.

ألبرت أينشتاين & ليوبولد إنفلد, (1999), تطور الأفكار فى الفيزياء من المفاهيم الاولية إلى نظريتى النسبية والكم, ترجمة:أدهم السمان, (الطبعة الثانية), دمشق, دار طلاس.

الحسين أحمد السيد & معتصم السيد أحمد, (2012), نسبية النصوص والمعارف الممكن والممتنع: سلسلة محاضرات أية الله السيد مرتضى الحسين الشيرازى , (الطبعة الأولى), بيروت, دار الحجة البيضاء.

الطاهر وعزيز, (1995), المناهج الفلسفية, (الطبعة الأولى), بيروت, المركز الثقافى العربى.

برتراندر راسل, (2016), مشكلات فلسفية, ترجمة:سمير عبده, (الطبعة الأولى), دمشق, دار التكوين.

حربى عباس عطيتو,(2010), مدخل إلى الفلسفة ومشكلاتها,(الطبعة الاولى, القاهرة, دار المعارف الجامعية.

حسان محمد شفيق ألعانى, (1986), الأنظمة السياسية والدستورية المقارنة, (الطبعة الاولى), بغداد, مطبعة جامعة بغداد.

جورج بوليتزر & جى بيس & موريس كافين, (2001), أصول الفلسفة الماركسية, ترجمة: شعبان بركات, (الطبعة الأولى), بيروت, المكتبة العصرية.

جورج بوليتزر, (2001), مبادئ أولية فى الفلسفة, ترجمة:فهيمة شرف الدين, (الطبعة الخامسة), بيروت, دار الفارابى.

جوزيف كروبس & ليو شتراوس, (2005), تاريخ الفلسفة السياسية: من ثيوكيديديدس حتى إسبينوزا, ترجمة: محمود سيد أحمد, (الطبعة الأولى), القاهرة, المجلس الأعلى للثقافة.

جوزيف كروبس & ليو شتراوس, (2005), تاريخ الفلسفة السياسية: من جون لوك حتى هيدجر, ترجمة: محمود سيد أحمد, (الطبعة الأولى), القاهرة, المجلس الأعلى للثقافة.

د.صالح جواد الكاظم & د. على غالب العافى, (1990), الأنظمة السياسية, (الطبعة الأولى), بغداد, دار الحكمة.

عارف صالح الكرمدى, (2015), مبادئ الميكانيكا الحيوية والتحليل الحركى, (الطبعة الأولى), الحديدة, كلية التربية البدنية والرياضية.

عبد الرحمن بدوى, (1977), مناهج البحث العلمى, (الطبعة الثالثة), الكويت, وكالة المطبوعات.

د.عقلة مبيضين & د.محمد أبو نصار & د.محمد عبيدات, (1999), منهجية البحث العلمى القواعد والمراحل والتطبيقات, (الطبعة الثانية), عمان, دار وائل.

قدرى حفنى, (2000), لمحات من علم النفس: صورة الحاضر وجذور المستقبل,(الطبعة الاولى), القاهرة, الهيئة المصرية العامة للكتاب.

محمد شلبى,(1997), المنهجية فى التحليل السياسى المفاهيم المناهج الإقترابات والأدوات, الجزائر: المؤلف.

محمد محمود ربيع, (1987), مناهج البحث فى العلوم السياسية, (الطبعة الثانية), الكويت, مكتبة الفلاح.

ويلارد فان أورمان كوين, (2006), من وجهة نظر منطقية, ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل, (الطبعة الأولى), بيروت, المنظمة العربية للترجمة.

ثانياً: المراجع باللغة الإنجليزية:

(2011), Abstract thinking, (Frst. Ed.),Alberta, the albert foundation for the arts.

Borodisky Lera & Ramscar Michael, (2002, March), the roles of body and mind in abstract thinking, Psychology science.

Gregory Richard, (2005), The oxford companion to the mind,  (Sec.Ed.), Washington, Washington post.

MCweeny Roy, (2011), Motion and mass: first steps into physics, learning development institution, www.learndev.org/scienceworkbasic.html, 10/5/2015.

M.kosslyn Stephen, (2005, April), Mental images and the brain, Psychology press.

[1]محمد شلبى,(1997), المنهجية فى التحليل السياسى المفاهيم المناهج الإقترابات والأدوات,(ص ص 56-69), الجزائر: المؤلف.

[2]د.محمد عبيدات & د.محمد أبو نصار & د.عقلة مبيضين, (1999), منهجية البحث العلمى القواعد والمراحل والتطبيقات, (الطبعة الثانية), (ص 48), عمان, دار وائل.

[3]عبد الرحمن بدوى, (1977), مناهج البحث العلمى, (الطبعة الثالثة), (ص ص 82-121), الكويت, وكالة المطبوعات.

[4]قدرى حفنى, (2000), لمحات من علم النفس: صورة الحاضر وجذور المستقبل,(الطبعة الاولى), (ص 5), القاهرة, الهيئة المصرية العامة للكتاب.

[5]المرجع السابق,ص ص 203-215.

[6]المرجع السابق,ص ص 7-14.

1-Lera Borodisky & Michael Ramscar, (2002, March), the roles of body and mind in abstract thinking, Psychology science.

[8] ويلارد فان أورمان كوين, (2006), من وجهة نظر منطقية, ترجمة: د.حيدر حاج إسماعيل, (الطبعة الأولى), بيروت, المنظمة العربية للترجمة.

[9] جورج بوليتزر, (2001), مبادئ أولية فى الفلسفة, ترجمة:فهيمة شرف الدين, (الطبعة الخامسة),بيروت, دار الفارابى.

[10] جورج بوليتزر & جى بيس & موريس كافين, (2001), أصول الفلسفة الماركسية, ترجمة: شعبان بركات, (الطبعة الأولى), بيروت, المكتبة العصرية.

[11] عبد الفتاح إمام, (2007), المنهج الجدلى عند هيجل: دراسة لمنطق هيجل, (الطبعة الثالثة), بيروت, التنوير.

[12] أرسطوطاليس, (1965), الطبيعة, ترجمة: إسحق بن حنين, (الطبعة الأولى), القاهرة, المكتبة العربية.

[13] معتصم السيد أحمد & الحسين أحمد السيد, (2012), نسبية النصوص والمعارف الممكن والممتنع: سلسلة محاضرات أية الله السيد مرتضى الحسين الشيرازى , (الطبعة الأولى), بيروت, دار الحجة البيضاء.

[14] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, (2011), المعجم الوجيز, (ص99), القاهرة, مجمع اللغة العربية.

2-Richard Gregory, (2005), The oxford companion to the mind,  (Sec.Ed.), (Pp.1-4), Washington, Washington post.

3-Stephen M.kosslyn, (2005, April), Mental images and the brain, Psychology press, Pp.333-334.

[17] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, المرجع السابق,ص373.

 5-(2011), Abstract thinking, (Frst. Ed.), (p2), Alberta, the albert foundation for the art.

6- Lera Borodisky & Michael Ramscar,,Ibid.,p185.

[20] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, المرجع السابق,ص316.

[21] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, المرجع السابق,ص146.

9-Roy MCweeny, (2011), Motion and mass: first steps into physics, learning development institution, www.learndev.org/scienceworkbasic.html, 10/5/2015.

[23]أ.س.رابوبرت, (2014), مبادئ الفلسفة, ترجمة:أحمد أمين, (الطبعة الأولى), (ص17), القاهرة, وكالة هنداوى.

[24] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, المرجع السابق,ص480.

[25] حربى عباس عطيتو,(2010), مدخل إلى الفلسفة ومشكلاتها,(الطبعة الاولى,(ص21), القاهرة, دار المعارف الجامعية.

[26] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, المرجع السابق,ص623.

[27] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف, المرجع السابق,ص328.

[28]حسان محمد شفيق ألعانى, (1986), الأنظمة السياسية والدستورية المقارنة, (الطبعة الاولى), (ص ص8-13), بغداد, مطبعة جامعة بغداد.

[29]درويش, (1978), النظام السياسى:دراسة فلسفية وتحليلية, (الطبعة الرابعة), (ص4), القاهرة, دار النهضة العربية.

[30]د.صالح جواد الكاظم & د. على غالب العافى, (1990), الأنظمة السياسية, (الطبعة الأولى), (ص ص5-9), بغداد, دار الحكمة.

1-the albert foundation for the arts,Ibid,P2.

2-Lera Borodisky & Michael Ramscar,Ibid,Pp.185.

[33] ويلارد فان أورمان كوين,المرجع السابق,ص ص 149-150.

[34]أ.س. رابوبرت, المرجع السابق, ص17.

[35] إبراهيم أنيس & أحمد محمد الحوفى & على النجدى ناصف,المرجع السابق,ص480.

[36] عباس عطيتو, المرجع السابق, ص21.

[37]أ.س. رابوبرت, المرجع السابق,ص17.

[38]المرجع السابق, ص ص 17-18.

[39]المرجع السابق, ص ص 60-73.

[40]برتراندر راسل, (2016), مشكلات فلسفية, ترجمة:سمير عبده, (الطبعة الأولى), (ص ص 163-171), دمشق, دار التكوين.

[41]الطاهر وعزيز, (1995), المناهج الفلسفية, (الطبعة الأولى), (ص ص 7-8), بيروت, المركز الثقافى العربى.

[42]جوروج بوليتزر,المرجع السابق, ص29.

[43]محمد محمود ربيع, (1987), مناهج البحث فى العلوم السياسية, (الطبعة الثانية), (ص267), الكويت, مكتبة الفلاح.

[44]عارف صالح الكرمدى, (2015), مبادئ الميكانيكا الحيوية والتحليل الحركى, (الطبعة الأولى), (ص ص 23-31), الحديدة, كلية التربية البدنية والرياضية.

[45]ألبرت أينشتاين & ليوبولد إنفلد, (1999), تطور الأفكار فى الفيزياء من المفاهيم الاولية إلى نظريتى النسبية والكم, ترجمة:أدهم السمان, (الطبعة الثانية), (ص ص 13-17), دمشق, دار طلاس.

[46]المرجع السابق, ص ص 179-180.

[47]أرسطوطاليس, المرجع السابق, ص ص 489-498.

[48](1999), رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا, (الطبعة الثانية), (ص ص 188-189), بيروت, دار صادر.

[49]ألبرت أينشتاين & ليوبولد إنفلد, المرجع السابق, ص48.

[50]محمد محمود ربيع, المرجع السابق, ص ص 266-271.

[51]محمد محمود ربيع, المرجع السابق,ص ص 283-278.

[52]معتصم السيد أحمد & الحسين أحمد السيد,المرجع السابق, ص11.

[53]إخوان الصفا, المرجع السابق,ص ص 188-189.

[54]حسان محمد شفيق ألعانى,المرجع السابق,ص ص 8-9.

[55]المرجع السابق,ص ص 9-11.

[56] المرجع السابق,ص13.

[57]إبراهيم درويش,المرجع السابق,ص4.

[58]د.صالح جواد الكاظم & د. على غالب العافى,المرجع السابق, ص5.

[59]إبراهيم درويش, المرجع السابق, ص7.

[60]المرجع السابق,ص8.

[61]المرجع السابق,ص9.

[62]ليو شتراوس & جوزيف كروبس, (2005), تاريخ الفلسفة السياسية: من ثيوكيديديدس حتى إسبينوزا, ترجمة: محمود سيد أحمد, (الطبعة الأولى), (ص ص 64-81), القاهرة, المجلس الأعلى للثقافة.

[63]المرجع السابق, ص ص 81-91.

[64]المرجع السابق, ص ص 112-113.

[65]المرجع السابق, ص ص 113-115.

[66]المرجع اسابق,ص ص 116-118.

[67]المرجع السابق, ص ص,124-127.

[68]المرجع السابق,ص ص,127 -130.

[69]المرجع السابق, ص ص263-270.

[70]المرجع السابق, ص ص270-276.

[71]المرجع السابق,ص ص282-287

[72]المرجع السابق,ص ص292.

[73]المرجع السابق,ص ص430-435.

[74]المرجع السابق,ص ص 435-454.

[75]ليو شتراوس & جوزيف كروبس, (2005), تاريخ الفلسفة السياسية: منجون لوك حتى هيدجر, ترجمة: محمود سيد أحمد, (الطبعة الأولى), (ص373), القاهرة, المجلس الأعلى للثقافة.

[76]المرجع السابق,ص ص 374-375.

[77]المرجع السابق, ص ص 375-376.

[78]المرجع السابق,ص ص377-378.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى