الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثية

النظام الأبوي في المجتمع العربي عند هشام شرابي

اعداد : محمد أحمد الحميري – طالب دراسات عليا في معهد الدوحة للدراسات العليا

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

مقدمة:

يعد هشام شرابي أحد أهم المفكرين والكتاب العرب الذي اخذوا على عاتقهم مسؤولية تناول المجتمع العربي وبنيته الاجتماعية؛ إذ تناوله في سياق نقد حضاري للمجتمع العربي في نظام اسماه المجتمع الأبوي. لقد اعتبر شرابي في العديد من كتاباته لاسيما كتاب “النظام الأبوي ومشكلة تخلف المجتمع العربي” المجتمع العربي يعاني ويعيش أزمة وعي وتخلف، يعود هذا التخلف الى نظامه الأبوية او النظام البطركي الذي هو بنية أساسية ثقافية معادية للحداثة والنقيض الجذري لها، مقدما تحليلًا اجتماعيًا لهذا النظام كأبرز المحاولات العميقة لتناول المجتمع العربي وتفسير تخلفه الحضاري والسياسي من منظور علم الاجتماع.

يرى الكثير من المتخصصين إن مفهوم النظام الأبوي أو البطركية هو مفهومًا اجتماعيًا مرتبطًا بالنظريات والفكر الاجتماعي وتناوله للمجتمع، حيث لا يعبر هذا المفهوم فقط عن سيطرة وسلطوية يقوم بها الرجال على النساء بل هو مفهوم اوسع بكثير ويشير الى القيم والرموز والتصورات للأنا والآخر والعالم ويتمحور حول الأب الطبيعي سواء في الأسرة او السلطة او النسق القيمي بشكل عام. ومن خلال ذلك تسعى هذه الدراسة الى تناولوإبراز أهميته في إطار النظريات الاجتماعية مع التطبيق في ذلك على المجتمع العربي. إي إننا نسعى من وراء هذا التناول الى استكشاف ومعرفة هذا النوع من المصطلحات والوقوف على دوره في تخلف المجتمع العربي كما أشار الى ذلك شرابي. ثم إن التركيز على دراسة هذا المفهوم يهدف الى استشراف إمكانية احداث التغيير الاجتماعي وتقديم التفسيرات والتوضيحات ومعرفة مكامن الخلل بغية إعادة بناء البنى الاجتماعية والسياسية على أسس رشيدة وعقلانية.

إن المجتمعات التقليدية أكثر المجتمعات التي يسود فيها النظام الأبوي، والمجتمع العربي حسب تصنيف العديد من الكتاب والباحثين هو مجتمع تقليدي يسوده نظام أبوي يشكل مجموعة من الأنماط المتنوعة من القيم والسلوك والتنظيم، فرغم تعدد الدراسات السوسيولوجية والأنثروبولوجية التي تناولت المجتمع العربية، إلا انها كانت تنظر للمجتمعات العربية باعتباره مجتمعات جامدة، الأمر الذي دفع ببعض الكتاب كهشام شرابي الى تناول المجتمع العربي بدراسة معمقة عن بنية المجتمع والعائلة العربية، وقد خرج بنتيجة مفادها ان بنية المجتمع العربي يسوده “النظام الأبوي” الأمر الذي جعله متخلفًايكرس علاقات غير متكافئة بين افراد المجتمع سياسيًا واجتماعيًا بعيدًا عن الحداثة والتطور الذي حدث في الدول الرأسمالية. لذا فيمكن ان تتمحور اشكالية البحث في مفهوم النظام الأبوي عند هشام شرابي والمحددات التي اعتمدها في تناوله للنظام الأبوي في المجتمع العربي.

تسعى هذه الورقة الى تناول أبرز الجوانب التي تناولها هشام شرابي في إطار اهتمامه بنقد المجتمع العربي وبنيته الاجتماعية الأبوية؛ إذ تتناول الدراسة مفهوم النظام الأبوي بشكل عام ثم تتناول مفهوم هشام شرابي للنظام الأبوي في المجتمع العربي، بالإضافة الى تناول بعض النقاط المتعلقة بالنظام الأبوي كاعتباره سببَا رئيس للتخلف او اعتبار اللغة أيضًا ركن من اركان وأسباب هذا التخلف. 

في مفهوم النظام الأبوي

النظام الأبوي والهيمنة الذكورية:

تتناول العديد من الأدبيات والدراسات مفهوم النظام الأبوي في إطار الإشارة للهيمنة الذكورية وفي إطار هيمنة الرجل على المرأة، حيث نجد ان مفهوم النظام الأبوي عند غيردا ليرنر هو”تجلي ومأسسة للهيمنة الذكورية على النساء والأطفال في الأسرة، وتوسيع الهيمنة الذكورية على النساء في المجتمع بعامة. وهذا التعريف وفقا لبيرنر ان الرجال يتولون السلطة في جميع مؤسسات المجتمع المهمة، وأن النساء محرومات من سلطة كهذه”[1].

وإذا كان هذا المفهوم لدى البعض بتلك الصيغة، فإن شرابي قد استدرك هذا الأمر معتبرًا ان مفهوم البطركية الذي استخدمه في بعض كتاباته هو مفهوم قريب من مفهوم الأبوية مع توضيحه لجوانب الاختلاف والاقتراب، فالأبوية تاريخًا وبنيويًا تختلف عن البطركية بكونها النظام الأولي الذي انبثق منه النظام البطركي ويرتسم على شكله. إلا إن مفهوم الأبوية أضيق شمولية من مفهوم البطركية، فهو محصور في بنية العائلة والبنى المتفرعة من العائلة كالعشيرة والقبيلة، بينما يضم مفهوم البطركية البنية الاجتماعية بكاملها بما فيها البنية الأبوية ومتفرعاتها[2].

ولا يعني ذلك ان هشام شرابي لا يقصد بالنظام الأبوي الهيمنة الذكورية بل ان مصطلح النظام الأبوي أوسع بالنسبة اليه ويشير الى الهيمنة المطلقة للأب في صورتها البيولوجية أو الاجتماعية على مستوى العائلة/الاسرة، أو الرجل في مقابل المرأة، أو الأب في صورته السياسية ممثلا بالحاكم. أي إنه في المجال الذي تسود فيه القوة على حساب الحجة. بل ان هشام شرابي يرى ان حجر الزاوية في النظام الأبوي والنظام الأبوي المستحدث هو استعباد المرأة، فالمجتمع الأبوي مجتمع ذكوري لا وجود فيه للأنوثة إلا تأكيد تفوق الذكر وهيمنته ليصل به الى القول، “ففي غياب المساواة بين الرجل والمرأة يغيب مبدأ المساواة في المجتمع ككل”[3].

مفهوم النظام الأبوي عند هشام شرابي

يقوم مفهوم النظام الأبوي او البطركية لدى هشام شرابي على أساس وجود روابط تراتبية بين افراد المجتمع، يخضع بموجبها البعض للبعض الآخر، يسميها ذهنية أبوية تأخذ نزعة سلطوية شاملة ترفض النقد ولا تقبل بالحوار الا أسلوبا لفرض رأيها فرضًا. ويفرق شرابي بين النظام الأبوي والنظام الأبوي المستحدث او الجديد تعبيرًا عن التطورات والتحولات التي لحقت بهذا النظام لاسيما في الحالة العربية[4].

النظام الأبوي الجديد كمفهوم يشير إلى البنية الاجتماعية، السياسية، والنفسية التي يتميز بها المجتمع العربي المعاصر. إنه مفهوم ذو ازدواجية نظرية مهمة لأنه يعبر عن تشكيلة اجتماعية هجينة ناتجة عن الانتقال من نظام تقليدي إلى نظام حديث دون استكمال عملية التحول أو الانتقال بصفة نهائية. وهو الأمر الذي جعل المجتمع العربي المعاصر يبدو في هذه الصيغة التي يجمع فيها بين التقليد والحداثة دون أن يكون أي منهما. إنه نظام يعيش الماضي في الحاضر والحاضر في الماضي، إنه مزيج بين التراث والمعاصرة، “نظام غريب يختلف عن أي نظام” على حد تعبير شرابي.[5]

إن مفهوم النظام الأبوي بالنسبة لهشام شرابي ذا طبيعة مزدوجة؛ فالأبوية كمقولة اجتماعية اقتصادية كلية (تحيلنا للمجتمع، الدولة، الاقتصاد) وجزئية (تحيلنا للعائلة والشخصية الفردية) من جهة، وكمقولة نظرية تحليلية او نموذج مثالي من جهة أخرى[6].

يركّز هشام شرابي في تناوله النظام الأبوي في المجتمع العربيعلى النظام الأبوي الحديث بوصفه نمطّا اجتماعيّا وفكريّا، لذلك نجده في إطار ذلك يحاول الإفادة من فيبر وماركس وفرويد، أي إنه يجمع بين عدد من المناهج في إطار متآلف ليحاول تقديم نظرة شاملة لما في المجتمع من بنى وطبقات وعلاقات أساسية، كما إنه يميل الى مفهوم للمجتمع مبرزًا عامل الثقافة ومركزًا على عناصر البنى الفوقية أكثر من الاقتصاد. بالإضافة الى ذلك ينطلق شرابي في فهمه للنظم الأبوي من زاويتي المرحلة التاريخية السابقة والمرحلة المقابلة أي الحداثة، فيسعى من وراء ذلك الى تقديم تفسيرات وفهم للنظام الأبوي وتشكيله. كما انه ينطلق من مقولات ربما لا تمت للواقع وتراث الأمة العربية وتطورها التاريخي، كمسألة الوعي الطبقي حين يعزو فشل تطور او فشل نخبة ما الى وعيها الطبقي وما الى ذلك. ولذلك فمفهوم المجتمع الأبوي كما طوره شرابي يسعى الى نقد وتفكيك السلطة والسلطة السياسية القائمة على الهيمنة والتسلط والقمع، وهذا النقد يسعى الى الانتقال من هذا النظام التقليدي الى نظام الحداثة الذي يسود فيه الحرية بعيدا عن سيطرة الأب.

النظام الأبوي وتخلف المجتمع العربي

لقد رد شرابي أزمة المجتمع العربي في بنيته الأبوية التي تكرس نطق السلطوية في اشكالها المختلفة، بدءًا بالسياسة ونظام الحكم، مرورًا بالنظام الأسري والنظام التربوي والتعليمي، وانتهاءًا بسيادة منطق القبيلة والعشيرة على مستوى البنية الاجتماعية، معتبرًا ان هذه الأزمة في التخلف الذي يعيشها الوطن العربي كامنه في أعماق الحضارة الأبوية والأبوية المستحدثة، ويسري في كل أطراف بنية المجتمع والفرد،تنتقل من جيل الى آخر كالمرض العضال، وهو أيضا مرض لا تكشف عنه الفحوص، تعجز عن تفسيره الأرقام والإحصاءات … يتخذ هذا التخلف اشكالًا عدة تتميز عن بعضها بعضا بصفتين مترابطتين، اللاعقلانية والعجز، اللاعقلانية في التدبير والممارسة، والعجز في التوصل الى الأهداف نرنو اليها. اللاعقلانية في التحليل والتنظير والتنظيم، والعجز عن الوقوف في وجه التحديات والتغلب عليها[7].لنا ان نتساءل هل صفة الأبوية التي وصف بها هشام شرابي المجتمع العربي هي مكمن الداء في معرفة تخلفه كل هذه القرون؟

لقد سعى شرابي الى الكشف عن اسباب التخلف الذي يعيشها المجتمع العربي، لكنه وقع في فخ الاطلاق في اعتباره للنظام الابوي السبب الرئيس للتخلف، فالأطروحة الرئيسية التي اشتغل عليها واعتمدها في دراسته هي ان مصير المجتمع العربي يتوقف على مقدرته في التغلب على نظامه الأبوي والأبوية المستحدثة واستبداله بمجتمع آخر. يمكن الاتفاق معه هنا على انها تبدو سببا للتخلف، لكنها وفقًا لهذا الطرح تبدو موضوعا اشكاليًا يختصر بصفة إطلاقية كل الظواهر، والحقيقة إن تكرار القول بأن الأبوية او البطركية سبب تخلف المجتمع العربي الوحيد يدفعنا الى الاحتراز من الصفة الاطلاقية المغالية والغالبة في تناولات هشام شرابي البحثية، فالاكتفاء بهذا التعليل يسد الطريق أمام مواطن أخرى قد نستضيء بها في تناولنا لسلطة الأب الموروثة والمحدثة.

في تعريف للنظام الأبوي في المجتمع العربي يجعل شرابي الحداثة في مقابل النظام البطركي، فالنظام الأبوي البطركي نظام معرفي قائم على الدين او الأسطورة يتوصل الى الحقيقة بطرق دينية وتعليمية ولغته بيانية ونظامه قائم على السلطة او البيروقراطية وتركيبته الاجتماعية عائلية وقبلية طائفية. والحداثة هي العكس تماما فهي النظام القائم على الفكر والعقل ويتوصل الى الحقائق بطرق علمية نقدية …الخ[8]. أي ان معيار اعتبار مجتمع ما مجتمعا متخلفا او ابويا يقدمها شرابي كمعيار عالمي من منظار الحداثة، وبذلك يصبح في نظره كل ما هو أوروبي هو غربي مرادف لكل ما هو حديث وما هو غير حديث، في الوقت نفسه يتبادر الى أذهاننا أهمية وجدية هذا القول،فهناك مجموعة من المجتمعات ما زالت تعيش تقاليدها وأبويتها السياسية والاجتماعية،وبنفس الوقت تعتبر دول متطورة وفقا للمعايير الليبرالية مثل المجتمع الياباني ومجتمعات الدول الرأسمالية والصناعية في جنوب شرق آسيا، التي تعيش تقاليدها بصورة عنيفة وفيها أحيانا نزعات عنصرية وتنميطية أبوية يكرسها قادتها.

خصائص وسمات النظام الأبوي في المجتمع العربي

يحدد هشام شرابي مجموعة من الخصائص لما يمتاز به النظام الأبوي في المجتمع العربي، سنأتي على ذكر بعضها، وهي[9]:

  • السيطرة والخضوع: يشكل الأب في النظام الأبوي أداة القمع الأساسية، وبزيادة القمع يزداد الايمان بالخرافة وبالتالي يؤدي الى احكام السيطرة على الوضع القائم والخضوع للأب لا بلمعنى البيولوجي فقط بل بالمعنى الثقافي أيضا.
  • التبعية: فالنظام الأبوي لا ينتج ذوات مستقلة بقدر ما ينتج افرادًا سلبيين همهم الوحيد الامتثال للأعراف بدل احترم القوانين وتكريس الولاء للتقاليد بدل طاعة أوامر العقل.
  • الولاء: أي أن العائلة او العشيرة او الدين او الجماعة الإثنية (بدلا من الأمة أو المجتمع المدني) تشكل أساس العلاقات الاجتماعية وما يقابلها فيه من تنظيم اجتماعي.

ويضيف شرابي في موضع آخر خاصيتين من خصائص النظام الأبوي، وهما[10]:

  • النماذج المطلقة: أي ان هناك وعيا مغلقا ومطلقا (في نظرية العمل والسياسة والحية اليومية) في هذا المجتمع، وهو وعي يرتكز على مفاهيم التعالي وما وراء الطبيعة والوحي والانغلاق (بدلا من الاختلاف والتعدد والتساوي والانفتاح …الخ.
  • الممارسات الشعائرية: أي السلوك المبني على الرسميات والعادات والشعائر (بدلا من العفوية والابداع والابتكار …الخ.

مجتمع عربي واحد أم مجتمعات

لقد تعامل هشام شرابي مع المجتمع العربي ككتلة واحدة ومن منظور كوني، وبالتالي يجعلنا نتساءل هل نحن إزاء وجود مجتمع عربي في الواقع أم مجتمعات؟

في اعتقادي إنه وبالرغم من المشتركات التي تتمتع بها المجتمعات العربية، فإنه لا يصح ان نطلق صفات بالمجمل في تناونا لمواضيع تتعلق بالمجتمعات العربية، النظام الأبوي وسلطة الأب الموروثة موضوع اشكالي، فصورة هذا الأب متعددة في كل مجتمع عربي، وليس لها صورة وحضور موحد، فهو حاضر بقوة في مجتمعات ومهزوز في مجتمعات أخرى شرقا وغربا وشمال وجنوبا، ثم ان سلطة هذا الأب تختلف أيضا في صورتها الذهنية كصورة دينية او صورة نظام أبوي سياسيفي هذه المجتمعات.

اللغة كأحد عناصر النظام الأبوي

يشير هشام شرابي في موضع حديثه عن النظام الأبوي والنقد الحضاري إلى مسألة اللغة ونقد خطاب الأبوية والأبوية المستحدثة، فاللغة سلطة في إطار مجموعة من مستويات السلطة الاجتماعية التي تشكل منظور المتحدثين بها، وهي عند شرابي مؤسسة اجتماعية ونظام قيم في آن[11]. ويقصد شرابي بذلك اللغة الفصحى “التقليدية” مفرقا بينها واللغة المحكية الدارجة، هذه التفرقة نابعة باعتبار الفصحى لغة العلم والعامية لغة الطفولة، والاقبال عن لغة العلم يأتي كلغة ثانية تماما وكأنها لغة أجنبية. هذه الثنائية في نظره ترسخ الانقسامات الاجتماعية التقليدية وتطمس الأسس المادية والطبقية للتباين الثقافي، الأمر الذي يجعل من المعرفة اداة نفوذ وتميز، فتتحول المهارة اللغوية الى مصدر جاه وسلطان[12]. هذا الأمر قد يكون صحيحًا من جانب، إلا إنه يفتقر الى دراسات ميدانية في كيفية توظيف اللغة لمصلحة الأب او النظام الأبوي؛ إذ قد يكون العكس إذا ما افترضنا ان استخدام المهارات اللغوية الخاصة قد يكون عامل تنفير للفئات الاجتماعية المختلفة في محاولة السيطرة عليها وتوجيهها، ثم اننا لا نستطيع ان نضع هذا القول على جميع المجتمعات العربية، فالمجتمع العربي ليس كلاً متجانسًا، فهو يختلف من مجتمع الى اخر ويختلف ايضا في درجة استخدامه للفصحى والعامية بل حتى في استخدامه للغة الأجنبية.

ويرى شرابي انه لا يمكن خلخلة النظام الأبوي وخطاب السلطة سوى عن طريق لغتها، فما دامت السلطة في المجتمع العربي في اساسها تقليدية، فإن أول ما يتعين التمرد عليه هو اللغة التقليدية. يمكن القول إن المعركة بالنسبة الى هشام شرابي تبدأ من اللغة ذاتها. والمطروح إذاً لمواجهة التيارات التقليدية هو تجديد لغتنا بحيث لا نقع في شراك اللغة التقليدية التي يتحصن بها التيار الأصولي والتيار الديني[13]. اذاً يقترح شرابي تجديد اللغة، فهي مربط الفرس بالنسبة اليه في الوصول الى انعتاق فكري بغية استيعاب النص الجديد والمفاهيم الجديدة بل يصل به الى القول بضرورة اتقان لغة اجنبية وليس فقط ترجمة الفكر الاجنبي، يقول “فالخروج من الفكر الأبوي والدخول في وعي فكري آخر لا يتم إلا من خلال لغة أجنبية نتقنها إتقانا تامًا ومن ثم بواسطة لغة عربية حديثة نضع اسسها من جديد”[14]. وهذا القول ارى فيه مبالغة وإطلاق؛ فهو في نفس الوقت الذي ينقد النظام الأبوي المستحدث بسبب عجزه عن أحدث قطيعة مع التقليد وعدم قدرته على الاندماج في الحداثة بالشكل الكامل، يقع ربما في فخ المراوحة بين الانتقال الى الحداثة (اللغة الاجنبية) والتقليدية (اللغة الفصحى) أي تبقى هجينة “أبوية المستحدثة”. ثم إذا افترضنا ان التخلص من النظام الأبوي يأتي عبر اللغة الاجنبية، فهل ذلك كافيا في هذا السياق؟ اليست بعض المجتمعات الأبوية العربية او غيرها من تلكالتي غرس فيها الاستعمار لغته الاجنبية وما زالت ترزح تحت وطأة النظام الأبوي والتخلف.

يمكن القول الى حاجتنا الى ثقافة ولغة نقدية تقاوم لغة الاخضاع والهيمنة هو المعيار للتجديد في اللغة والذي افهمه على الأقل حتى لا يكون هناك استيراد لقوالب جاهزة بدون ان يكون لها انعكاس مجتمعي إيجابي واضح، بالإضافة الى ذلك فاللغة باعتبارها لغة طقوس تكرس الأبوي كما يعبر ذلك شرابي ليست بذلك القدر من الأهمية في اعتقادي؛ ففي تراثنا وثقافاتنا المختلفة ما يجعلنا نستخدم ما يؤيد فكرنا وطرحنا. أي إنه بالإمكان استخدام اللغة في التحرير او في التكريس وفقًا للسياق والواقع، فهي إفيون وثورة في آن واحد.

تشكل الأبوية والأبوية المستحدثة في المجتمع العربي

يظهر الجانب السياسي في تناولات شرابي واضحًا، فالصورة التي يرسمها شرابي للتخلف كانت في صور واشكال مختلفة ولكنها تجتمع في معظمها تحت ذلك الشكل من السلطة الذي يكمن في الحيز الخاص داخل بنية العائلة لكن تجلياته الكبرى تتم في الحيز العام داخل البنية الاجتماعية ككل. اي انه يؤكد ان النظام الأبوي كما في التعريف الذي سبق ايراده، بنى صغرى وبنى كبرى، البنى الكبرى تتمثل في المجتمع والدولة والاقتصاد.وفي تناوله لتشكل هذه الأبوية يرى شرابي ان المرحلة العثمانية منذ اواسط القرن التاسع عشر مثلت اول المحاولات الرامية الى التحديث من جانب الامبراطورية العثمانية ومصر، وذلك عبر البدء بتحديث البنى العسكرية والبيروقراطية ثم النظام القانوني وفي مرحلة لاحقة التعليم والاقتصاد وانماط الحياة اليومية في صفوف الجماعات المترفة[15].

لكن جميع اشكال التحديث التالية التي تمت في المجتمع العربي كانت ضمن علاقات الخضوع والتبعية في إطار السيطرة الأوروبية المباشرة، ففي البلدان التي كانت خاضعة للاستعمار المباشر تم تحطيم البنية الاجتماعية واقتلاعها جذريًا، فانتج الاستعمار طبقة هجينة مهيمنة على المجتمع الأبوي الحديث، مشددًا على أهمية الدور الذي لعبه الاستعمار والامبريالية في الميدانيين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي بواسطة النخبة المحلية التي انخرطت في الحداثة والاستعمار. وهذا الوضع أدى الى نمو طبقة مختلطة مختلفة نوعيًا عن الطبقة البرجوازية والطبقة العاملة، فهيمنت على كل أنواع الحكم في المجتمعات العربية، وقد تكّون المجتمع آنذاك من ثلاث طبقات، الجماهير الفقيرة، والبرجوازية الصغيرة، والبرجوازية الحاكمة، وبالرغم من إن الفاعل الرئيسي في تشكيل هذا النوع من النخبة والنظام الأبوي المهيمن على المجتمع، فإنه يعيد مرجع التناقض والقمع والإكراه الى التراث والموروث الإسلامي.

خاتمة:

مثلت اسهامات هشام شرابي الاجتماعية ولاسيما تناوله للنظام الأبوي في المجتمع العربي إضافة مهمة للمكتبة العربية المعنية بتناول المجتمع العربي، وبالرغم من الفترة الزمنية التي قاربت العقدين من لحظة تناول الموضوع والتحولات التي طرأت فيه، إلا انه ما زال يمثل مرجعًا هامًا في دراسة المجتمع العربي رغم النقد والملاحظاتالموجهة له، فقد استشعر هشام شرابي لحظتها الى الحاجة الملحة نحو تأسيس علم اجتماع مختلف عن علم الاجتماع الغربي لمقاربة خصوصيات ما اسماه المجتمع العربي والنظام الأبوي مع إشارته الى الاستفادة من فكر ماركس وفيبر،لكن اللافت هو غياب مراجع تراثية إسلامية في تناولاته المختلفة كإبن خلدون على سبيل المثال.بالإضافة الى ذلك يمكننا ملاحظة المزج اللافت بين الماركسية والقومية العربية والليبرالية في مقام التفكير بالفرد والفردية تواصلا مع الأسرة والمجتمع بمختلف مؤسساته السياسية والاجتماعية.

المراجع:

كتب

شرابي، هشام. النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992.

شرابي، هشام. النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990.

عبدالعالي معزوز. هشام شرابي ونقد النظام الأبوي في المجتمع العربي. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2012.

عطية، أحمد عبدالحليم واخرون. نقد المجتمع الأبوي: قراءة في أعمال هشام شرابي. القاهرة: الاتحاد العربي للجمعيات الفلسفية، 2012.

ليرنر، غيردا. نشأة النظام الأبوي. ترجمة أسامة إسبر. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013.

إبراهيم، سعد الدين وآخرون، المجتمع والدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005.

دوريات:

العياشي عنصر، “الأسرة في الوطن العربي: آفاق لتحول من الأبوية الى الشراكة”، عالم الفكر، العدد 3، المجلد 36، (يناير – مارس) 2008، ص 289.

أوراق بحثية

هشام شرابي، “النظام الأبوي والتبعية ومستقبل المجتمع العربي”. ورقة بحثية قدمت في ندوة العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة، مركز دراسات الوحدة العربية ومركز الدراسات العربية المعاصرة جامعة جورجتان، بيروت، 1986.

[1]غيردا ليرنر، نشأة النظام الأبوي، ترجمة أسامة إسبر (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2013)، ص 450.

[2]هشام شرابي، النقد الحضري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين(بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 89 – 90.

[3]هشام شرابي، النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي، ترجمة هشام شريح (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص 16.

ص 16.

[4]هشام شرابي، النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي، ص 16.

[5]المصدر نفسه، ص 15.

[6]العياشي عنصر، “الأسرة في الوطن العربي: آفاق لتحول من الأبوية الى الشراكة”، عالم الفكر، العدد 3، المجلد 36، (يناير – مارس) 2008، ص 289.

[7]هشام شرابي، النظام الأبوي ومشكلة تخلف المجتمع العربي، ص 14.

[8]المصدر نفسه، ص 36.

[9]المصدر نفسه، ص 59 – 70 – 71 – 72 – 73 – 74 – 75.

[10]هشام شرابي، “النظام الأبوي والتبعية ومستقبل المجتمع العربي” (ورقة بحثية قدمت في ندوة العقد العربي القادم: المستقبلات البديلة، مركز دراسات الوحدة العربية ومركز الدراسات العربية المعاصرة جامعة جورجتان، بيروت، 1986).

[11]هشام شرابي، النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي، ص 105.

[12]المصدر نفسه، ص 105 – 106.

[13]عبد العالي معزوز، هشام شرابي ونقد النظام الأبوي في المجتمع العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص 10.

[14]هشام شرابي، النقد الحضري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين، ص 21.

[15]هشام شرابي، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، ص 75.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى