الاعلاميةالدراسات البحثيةالمتخصصة

الصناعة الثقافية في المجتمع الرأسمالي: بين تسليع الإنتاج الثقافي وإمكانية تسييس الجمهور

اعداد : محمد نجاد – باحث في الإعلام والدراسات الثقافية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

شهد أوائل القرن العشرين انتشارًا جديدًا لأشكال التواصل الجماهيري، وظهور صناعة ثقافية هائلة تهدف إلى تحقيق الربح من خلال إنتاج وتوزيع المنتجات الثقافية. وقد كان تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر من أوائل العلماء الذين نظّروا لهذه الظروف الثقافية الجديدة، وأسموها “الصناعة الثقافية”. وقد زعموا أنه في المجتمع الرأسمالي الحديث، أدى التحول في تسليع الثقافة إلى تغيير الثقافة نفسها، لتتحول إلى وسيط هام للسيطرة الأيديولوجية، ووسيلة حيوية للحفاظ على النظام الرأسمالي. ووفقًا لأدورنو وهوركايمر، فإن هذه الظاهرة شملت جميع المنتجات الثقافية من أفلام هوليوود إلى الموسيقى، مما خلق شكل من الثقافة الشعبية لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمستهلكين الرأسماليين. أما بالنسبة لوالتر بنيامين، فهو يذهب نحو الاتجاه الأقل سلبية وتشاؤم من أدورنو وهوركايمر، حيث يدعي أن هذا التغيير في الصناعة الثقافية يمكن أن يعطينا القدرة على تسييس المعنى وتسييس الفن. ويُنظر لأفكاره بشكل أقرب لأسلوبنا المعاصر.

والجدير بالذكر أن هؤلاء المفكرين وغيرهم ينتمون لنفس المدرسة “مدرسة فرانكفورت”، وهي مدرسة النظرية والفلسفة الاجتماعية المرتبطة بمعهد البحوث الاجتماعية في جامعة جوته فرانكفورت، ألمانيا، لكن تم نقلها بعد ذلك إلى الولايات المتحدة تحت تهديد الأنظمة الشمولية في أوروبا. وقد تم تأسيسها خلال فترة ما بين الحربين، عام 1923م. وتكوّنت أساسًا من المنشقين الماركسيين الجدد الذين لم يكونوا راضين عن الأنظمة الرأسمالية، والفاشية، والشيوعية. ومن أبرز المفكرين المرتبطين بالمدرسة هو تيودور أدورنو المدير المشارك مع ماكس هوركهيمر ووالتر بنيامين، المذكورون سابقاً. وهناك أيضا مفكرون متأخرون آخرون أصبحوا مرتبطين بمدرسة فرانكفورت مثل أكسل هونث وأوسكار نجت، واللذان يعتبران إرثا في مدرسة فرانكفورت حتى في المؤسسات. ويورغن هابرماس، وهو أحد أشهر مؤسسي مدرسة فرانكفورت وأتباعها أو تلاميذها. ولدينا أيضًا أشخاصًا آخرين لن يتم ذكرهم في هذه الورقة مثل ايريك فروم، وليو لونثال، وهيربرت ماركيوز، وغيرهم. ومع ذلك، فإن العديد من هؤلاء المفكرين المرتبطين بالمدرسة لديهم حجج مختلفة، و ينظرون لهذه الحجج بطرق مختلفة.

وهكذا، تناقش هذه المقالة الحجج الرئيسية في “الصناعة الثقافية”، من خلال طرح نقاشات ثيودور أدورنو وماكس هوركهيمر، من جهة. ونقاشات والتر بنيامين عن الاستنساخ الميكانيكي للعمل الفني، من جهة أخرى. وذلك لأن لدى بنيامين أطروحة تختلف عن أطروحة أدورنو أو هوركهايمر. فمن بعض النواحي، لدى أدورنو وهوركهايمر فهمًا جذريًا للعلاقة بين الإنتاج الثقافي والمفهوم الثقافي، فهم ينظرون لصناعة الثقافة بسلبية. ومن وجهة نظر بنيامين، فالإنتاج الثقافي يسمح لنا بإمكانية تسييس الفن وتسييس الجمهور، وهذه النظرة الإيجابية لصناعة الثقافة هي أقرب إلى فهمنا المعاصر للعلاقة بين وسائل الإعلام والجماهير.

ماهي صناعة الثقافة؟

مصطلح “صناعة الثقافة” هو مصطلح تم صياغته من قِبل أدورنو وهوركهيمر في مقالتهم “صناعة الثقافة: التنوير كخداع جماعي، وهو فصل في كتاب بعنوان “ديالكتيك التنوير” الذي يناقش مفهومهم الشهير عن “صناعة الثقافة”. في هذا الفصل، رأى أدورنو وهوركهايمر أن الصناعة الثقافية في المجتمع الرأسمالي، باعتبارها جانبا من جوانب التنوير، قد خانت نفسها من خلال السماح للمنطق الأساسي بالاستحواذ على الحياة الاجتماعية البشرية، وهذه الفكرة تطورت في الأساس من “النظرية النقدية”. وقد ارتبطت النظرية النقدية بعمل “مدرسة فرانكفورت”. وعلى الرغم من أن الشخصيات البارزة في مدرسة فرانكفورت أمثال أدورنو، وهوركهايمر، كانوا مدينين للماركسية، لكنهم ينتقدونها أيضا. وقد استعاروا مزيجاً من الماركسية والفلسفة النقدية والتحليل النفسي لتقديم نقد للنظام الاجتماعي الرأسمالي و “صناعة الثقافة” على وجه الخصوص.

أما مصطلح “النظرية النقدية” فقد ذكره هوركهايمر في مقالته الأكثر شهرة والواسعة القراءة، “النظرية التقليدية والنقدية” والمعروفة باسم “بروجراماتك “، حيث يصف شكلًا من النظرية التقليدية التي تتبع خطاب ديكارت حول الأسلوب وانتقاد ماركس للاقتصاد السياسي. ويدرس نقاط الضعف في هذه النظرية، ثم يعارض النظرية التقليدية لنظرية ماركسية “انتقادية” متفوقة. لذلك، فقد تحول هوركهايمر من المادية الماركسية إلى “النظرية النقدية” الماركسية المتفوقة.

والجدير بالذكر أن السياق الزمني الذي نشأت فيه النظرية النقدية، كان المفكرين فيها ضحايا للأنظمة الشمولية مثل الفاشية في إيطاليا أو النازية في ألمانيا. وقد تعرضوا للاضطهاد خاصة من قبل ستالين في روسيا بعد الثورة الروسية، التي أجبرتهم على الفرار إلى الولايات المتحدة. وقد رأى ادورنو وهوركايمر في الولايات المتحدة أن الرأسمالية واقتصاد السوق الحر هما أنظمة استبدادية وشمولية كالموجودة في المانيا وغيرها، مع اختلاف أن الدولة هي المؤسسة المركزية في ذلك النظام. ففي الصناعة الثقافية، يشبه هوركايمر في بعض الأحيان الطريقة التي تتبعها الدولة الشمولية الفاشية في إيطاليا أو النازيين في ألمانيا، كما لو أن النقاش الرئيسي يكمن في إشكالية، هل السوق هو مؤسسة أم أنه منتج للسلع الثقافية؟.

لذلك، فقد خلقوا نوعًا من النظرية النقدية التي تأثرت بمجموعة من أدوات النظرية الماركسية، بالإضافة الى استعارتهم لأفكار من مدارس أخرى مثل التحليل الفرويدي والفلسفة الهيغلية. والمفهوم الرئيسي لهذه الأفكار تم أخذه من تصريح شهير لماركس، نقلاً عن إنجلز هو أن أي شخص ماركس لكن ليس ماركسي. والهدف الرئيسي الذي يربط مفكري مدرسة فرانكفورت، هو تطوير رؤية سياسية تقدمية من خلال القيام بعمل نظري، حيث كانوا يحاولون إلهام الناس بالتغيير نحو اتجاه أفضل وبطريقة فضلى.

ويمكن ربط أطروحة أدورنو وهوركهايمر حول “صناعة الثقافة” بنوع من النظريات التي تبدو مجتمعا جماهيريا والثقافة الجماهيرية، لكنها داخلية وسلبية. وذلك لأنه يمكن أن ينظر إليهم على أنهم نوع من المثقفين النخبويين الذين يقولون ويحكمون من موقع امتياز يمنح فقط لأولئك الذين لديهم مواقع مؤسسية. والفرق بين الأنواع الأخرى من منظري المجتمع الجماهيري هو أنهم يريدون التحرر من أجل إيجاد طريقة جماعية لفرض التحرر. لقد كانوا يصفون الجمهور الحاصل على المنتجات الجماعية والسلع الثقافية كمستهلكين سلبيين. لكن كان هناك نوعاً مختلفاً من المفكرين الماركسيين الذين يحاولون بالفعل استكشاف طريقة مختلفة لأن تكون ماركسياً. وبالرغم من ذلك، فإن العلماء غير الماركسيين يجادلون بنوع من نظرية المجتمع الجماهيري، حيث يكون فيه المفكرين كمحللين، خاصة فيما يتعلق بموقف التغيير الموسيقي الذي تم انتقاده كثيراً.

وهناك مفاهيم قليلة مفيدة لفهم أين يأتي كلاً من أدورنو وهوركهايمر بالنظرية النقدية بشكل عام، فهي تأتي من المفهوم الأساسي الذي يرتبط صراحة بالنظريات التي تنتقد الصناعة الثقافية. ويكمن وجود المفهوم الرئيسي في “الجدلية” ، و”التنوير”. لذلك، فإن المقالات الأساسية الموجودة في الصناعة الثقافية تحتوي على التنوير الجدلي. ومن خلال هذه النقاشات، ينتقد أدورنو وهوركهايمر بشكل راديكالي التنوير، وعلى وجه التحديد، الطريقة التي طور بها التنوير فهماً محددًا أو تنفيذًا عمليًا للقيم التي أصبحت مهيمنة. فعلى سبيل المثال، نحن نفكر في كثير من الأحيان في عصر التنوير باعتباره الحقبة التاريخية التي ينتصر فيها العقل بتطبيق العقلانية البشرية التي حلت محل الأسطورة، ويفترض أن تكون هذه القيم إيجابية فقط. ومن ثم، يفترض أن البشر سيتم تحريرهم وستنتصر العقلانية البشرية في النهاية. وهذه القيم لم تعد قابلة للتطبيق مع عملية انتاج الثقافة، وذلك بسبب التسليع.

  • ماهو التسليع ؟

السلعة في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي لكارل ماركس، هي أي بضاعة أو خدمة تنتجها العمالة البشرية، وتعرض في السوق كمنتج للبيع العام. وكما يتم التعامل مع بعض الأشياء الأخرى التي لها سعر كسلع. فعلى سبيل المثال، العمل البشري، والأعمال الفنية، والموارد الطبيعية، على الرغم من أنه قد لا يتم إنتاجها خصيصًا للسوق، أو أن تكون سلعاً غير قابلة للاستنساخ.

لكن مع توسع الرأسمالية، تزداد عملية التسليع  أكثر فأكثر بما في ذلك الكيانات والعمليات التي تعتبر عادة “طبيعية”. ومن الصعب تحديد مفهوم الطبيعة في هذه الحالة، خاصة مع وجود العديد من طبقات المعنى، بما في ذلك البيئات الخارجية وكذلك البشر أنفسهم. لذلك، يؤكد المفكرون، وخاصة الماركسيون على التناقضات والعواقب المادية والأخلاقية غير المرغوب فيها الناجمة عن تسليع الموارد الطبيعية، كمدخلات الإنتاج والخدمات البيئية.

وذلك لأنهم يفكرون بطريقة مختلفة، ويدعون أن التسليع يخلق مشاكل أكثر مما يوجد حلولا على كلاً من الإنسان والطبيعة. ويقولون إن ما يجب على الانسان تعلمه هو كيفية تطبيق العقلانية في الطبيعة. أما أن نتعلم كيفية استخدام الطبيعة من أجل السيطرة على الطبيعة والبشر الآخرين، فهذه مشكلة تكمن في الانتصار الكارثي على حساب الطبيعة. وبالرغم من أنه دائماً ما كان التنوير يحرر البشر، إلا أننا نخلق المزيد من المشاكل وندمر الطبيعة. ويكمن الخلل في انه لدينا عدد قليل ممن ينتمون لطبقة اجتماعية معينة تهيمن على الموارد، وتتلاعب بالبشر الآخرين. بالإضافة إلى أنه أصبح التقدم التقني مهيمنا من خلال تطبيق الرأسمالية كمحدد خاص لمزيد من الإنتاج. لذلك، كان هذا بمثابة هجوم ضد طريقة فهم التنوير كعقلانية متصورة.

ونتيجة لذلك، فقد خلق هؤلاء المنظرين بديلاً نظريًا أو سلاحًا ضد هذا الوضع، وأسموه “النظرية النقدية”. وحددوا أن هدف هذا النظرية يكمن في تحرير البشر من العبودية. لذلك، سيكون البشر قادرين وواعدين على هذا الشرط من الاستغلال، وسوف يقاتلون من أجل تحقيق التحرر وتحرير أنفسهم. لذلك، فالنظرية النقدية ليست “نقدية” فقط لأنها تنتقد المفاهيم السائدة في الفلسفة الوضعية، بل لأنها أيضا تخبرنا أن الواقع ليس شيء حتمي، بل يمكننا تغييره. وبالنسبة للفلسفة الوضعية فتعتبر عملية لوصف الفعل كما هو. والوضعية هدفها هو وصف الواقع من الناحية الموضوعية. أما النظرية النقدية فتهدف إلى وصف الواقع كشرط تاريخي يمكننا تغييره للحتمية الأخلاقية والسياسية، لتغييره للأفضل، بطريقة جماعية وللجماعة. وهكذا، تصبح مفاهيم أدورنو وهوركهايمر والمفاهيم الأخرى ذات الصلة التي كثيرا ما تستخدم في نقد الصناعة الثقافية، هي ما تشكل صناعة الثقافة.

وهناك بعض المفاهيم الأخرى ساهمت أيضاً في تشكيل صناعة الثقافة مثل الاغتراب، وهو الآثار النفسية للاستغلال وتقسيم العمل. والأداتية، وهو إعادة التأهيل بكيفية معاملة الناس كأدوات من خلال مفاهيم تم تفكيكها من سياقها التاريخي. وغيرها من المفاهيم التي تطورت وكانت محورية في أطروحة أدورنو وهوركهايمر.

وإذا عدنا إلى نقاش الصيغة الأساسية للسلع، فإن ماركس يقول إن هذه هي الطريقة التي تبدأ بها الرأسمالية. يقول ماركس، إذا كنا سندخل سوقا، فلن نرى سوى السلع والأشياء الذين يمكننا شراؤها أو بيعها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، ما هي السلعة؟ يقول ماركس أن السلعة هي شيء غامض، وتتكون من قيمتين مختلفتين هما “قيمة الاستخدام” و”قيمة التبادل”. فلو أخذنا المنزل، على سبيل المثال. أستطيع العيش داخل المنزل أو يمكنني تأجيره. فلو كنت أعيش داخل المنزل فهذه “قيمة الاستخدام”، أما إذا قمت بتأجير المنزل فهذه هي “قيمة التبادل”. ويضيف هوركايمر أن قيمة التبادل قد أصبحت الآن تحدد من خلال قدرة أي سلعة على الإنتاج في السوق. فإذا كانت هناك سلع أخرى ذات قيمة تبادل عالية، فهذا أمر يحدد كل شيء. فالسلعة يمكن أن تكون عديمة الفائدة ولا يمكن أن يكون لها قيمة استخدام واحدة، لكن إذا كانت لديها قيمة تبادل جيدة، فهذا هو ما يهم. ويقول ماركس وغيره من المفكرين، أن الرأسمالية تهتم بشكل أساسي بقيمة التبادل، خاصة في الدول المعاصرة وفي المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وهذا أدى بدوره إلى تشييء السلع.

  • ما هو تشييء السلع ؟

لقد استعار كارل ماركس هذه الفكرة من سيجموند فرويد، وهي تنتمي للطريقة التي ينظر بها الناس أو يتخيلون اللباس. فعلى سبيل المثال، حالة محددة من التشييء هو اختزال النظرة الجنسانية في أحذية النساء. وذلك حين يصبح بعض الرجال منجذبين عندما يرون أحذية النساء، وتصبح أحذية النساء هدفا للرغبة الجنسية وليس الرغبة في المرأة. ويمكن تطبيق هذه المفهوم على أي نوع من العمليات التي تحل محل شيء آخر لفهم أو تفسير الشيء الذي لا نراه في العالم الحقيقي وراء تداول السلع مثل الإنتاج الاجتماعي والتصور الذي هو علاقة اجتماعية، وليس فقط الأشياء المادية التي يتم تبادلها بالمال.

وتشييء السلع هو العملية التي يمكن خلالها تبادل السلع بالمال الذي يصبح المعادل العالمي، وأساس هذا النمو لا يتعلق بتبادل المال، بل هو المال نفسه. فالمال يعتبر كمكافئ عالمي يمكن أن ينطوي على قيمة أي سلعة. ووفقا لماركس، فإن المال يجعل المكان المصدر الحقيقي للقيمة بي صورة عمالة بشرية، وهذا ما يدعى تشييء السلع.

ويقول أدورنو أن هذا هو سر نجاح الرأسمالية كطريقة للإنتاج. لكنه ينتقد مع هوركهايمر تركيز الإعلام أو الثقافة على قيمة التبادل بدلاً من قيمة الاستخدام. لأن قيمة الاستخدام يجب أن تكون قيمة مثل المنتجات الثقافية. ويقول أدورنو أيضاً، أن الصناعة الثقافية أنتجت منتجات مسلعة. مما أدى إلى تحول كلاً من الفن الرفيع والفن الشعبي إلى سلع تبيعها “الصناعة الثقافية”، حيث تدمر الفن الرفيع والشعبي. فكل شيء ينهار بسبب استهلاكه كسلعة لتحقيق القيمة التبادلية. وكل شيء آخر يخضع لمنطق الربح سواء لجني المزيد من المال. وذلك لأن الثقافة لا يهمهم شيء سوى كسب المال.

والطريقة التي يتم بها بيع ثقافة محددة من اجل المال هو تعليم الناس لاستهلاك ثقافة محددة، حيث أن ما نشاهده، وما نشتريه، وما نرغب به، هي احتياجات موجهة ومسيسة. لأن صانعي هذه الثقافة يريدون ببساطة كسب المزيد من المال. ومن جهة أخرى، ربما يكون هناك عمل فني آخر جيد، ولكن إذا لم يباع بسعر، فلا قيمة له في عملية صناعة الثقافة. لأن مستهلك الثقافة يبحث عن رغبة مميزة ومحددة مسبقاً من قبل صناع الثقافة المسلعة. وما هو مهم، ليس ما يريده كمستهلك. وعلى الطرف الآخر من أدورنو وهوركهايمر، يناقش صانعي الثقافة، ومنتجي وسائل الإعلام المسلع، إنه ربما تكون هذه الصناعة مسلعة، لكن هذا ما يريده الناس. فالناس يريدون ثقافة القيل والقال، والجنس، والفضائح، والمال وهؤلاء هم المستهلكين.

على سبيل المثال، يقول أدورنو أن المستهلك عندما يذهب إلى حفلة موسيقية من “أروتو توسكانيني”، والتي تحظى بتقدير كبير وأقل قليلا من الملحن الكلاسيكي “وولفجانغ موزارت”. لذلك، يقول أدورنو في أي وقت نقول إننا نشتري تذكرة للذهاب إلى حفل توسكانيني الموسيقي، فنحن في الحقيقة لا نقدر فن توسكانيني، بل نقدر القوة التي تعطينا المال لرؤية توسكانيني. وبطبيعة الحال، فإن قيمة التبادل لفن توسكانيني تزداد كلما ازداد الاستهلاك عن طريق إنفاق المزيد من المال للذهاب إلى ذلك الحفل. فهذه هي العلاقة الاجتماعية التي يصنعها المال. وبناء على ذلك، بدأ الحديث أكثر وأكثر عن الصناعة الثقافية، حيث يتم دمج أي شيء حتى الموسيقى الكلاسيكية.

بالإضافة إلى ذلك، يتم إنتاج العمل الفني المحدد بنفس الطريقة، حيث يتم تنظيمها بنفس الطريقة يجب أن تكون متسلسلة وموحدة، لتكون جزء من الطريقة الإيديولوجية التي تقنعنا بها الرأسمالية بالرغبة بشراء هذا النوع من السلع. ويكمن الوهم في أن هذه الصناعة تبيع السلع كما لو أنها فريدة، أو كما لو أنها عالمية والجميع يتطلع لشرائها. بالرغم من انه يتم إنتاج جميع المنتجات في الواقع بطريقة تصنيعية، فهي متشابهة إلى حد ما. والعمل الفني ينتج كما تنتج أي سلعة أو منتج، بشكل معياري. فالإنتاج في المصانع، يجب أن يكون موحدًا، ويكون الهدف دائمًا هو المال. لقد تم دمج الإنتاج الثقافي من أعلى من قبل الصناعة الثقافية للمؤسسات التي تدير الصناعة الثقافية وذلك لكسب المال. فكل شيء له قيمة إذا كان له قيمة تبادلية، ولا يهم إذا كان ثقافة عالية، فما يهم حقا هو كم من المال يستحق. وما نقوم به في نهاية المطاف هو إعادة إنتاج هذا النظام بسبب دعمنا له بالمال عند شراءنا لهذه المنتجات الثقافية. لذلك، فالمستهلك لا يرى قوة العلاقات الاجتماعية التي تتداخل بين المنتجين والمستهلكين، لأن ما هذه العلاقة بين المنتجين والمستهلكين مبنية اساساً على المال. وبمعنى آخر، نحن نميل إلى رؤية كل شيء كعلاقة بين السلع بدلاً من العلاقات بين البشر.

وعلاوة على ذلك، فإن الفردانية أو الفردية ما هي إلا وهم في الرأسمالية المعاصرة وفي الصناعة الثقافية، بالنسبة لأدورنو. فعندما نشتري شيئاً ما، هناك وهم للناس بأن هذا الشيء أصيل، وذلك لكي يشعر بأنه الأفضل، وأن الناس لديهم حرية الاختيار. فإذا تم إنتاج أي شيء بطريقة صناعية، فإن كثيرا من الناس سيكونون مهووسون بشرائه. أما الجزء الآخر من الناس، والذي يعبر عن صناع هذه الثقافة، فهم عبارة عن مجموعة صنعوا ثقافة مسلعة للبيع في النظام الرأسمالي. وهذا شيء معروف، حتى ان صناع هذه الثقافة أنفسهم لا يدعون أنهم يصنعون فن. ويضيف أدورنو، إن صناعة الثقافة بالنسبة لهم مجرد عمل يدر ربح ويخدم أيديولوجيات. فهم فقط يبيعون ثقافة مسلعة لا يفهمون أصول صناعتها. ومنتجاتهم مصمّمة حسب رغبة المستهلك وطبيعة الاستهلاك. إنها حول ما يريده الناس، وهذا بالنسبة لهم ما يحدد الصناعات التي يجب أن تنتج. لذلك، فالصناعة الثقافية تربي في الناس تقدير الثقافة المسلعة وتجعل المستهلكين معتادين على هذه الثقافة. فهم يبيعون هذا النوع الثقافة بشكل متكرر، كما لو كان عنصر جديد كل مرة. فالمستهلكين في هذا النظام ليسوا واعيين لما يستهلكون بل مغيبين، وهذا هو معنى وهم الاختيار الفردي.

ومع كل هذه السلبيات لصناعة الثقافة، إلا أن أدورنو وهوركايمر كانا يتساءلان في النجاح السري للرأسمالية المعاصرة لإعادة انتاج نفسها. فلم تكن الرأسمالية مجرد نوع من الإقطاع الصناعي الذي يكسب المال فقط. بل كانت تعيد إنتاج النظام في نفس الوقت، وتشكل الوعي، والعادات، والرغبات للمجتمع بأكمله. ولا يسمح لنا هذا الشيء بمعرفة كيف يتم الحفاظ على هذا النظام كما هو عليه. لكن أدورنو وهوركهايمر يدركان أن ذلك يتم عن طريق التركيز على المال وتسليع السلع. وهذا هو السر الحقيقي للنجاح الذي ينعكس في السوق أو المنتج، وهو النقاش الرئيسي للصناعة الثقافية بالنسبة لأدورنو وهوركهايمر.

لقد رأينا أن لدى أدورنو وهوركهايمر فهمًا جذريًا للعلاقة بين الإنتاج الثقافي والمفهوم الثقافي، لكنهم ينتقدون بشدة الصناعة الثقافة لفرضها أيدلوجيات لخدمة النظام الرأسمالي، وهذه نظرة سلبية للصناعة الثقافية. لكن في المقابل، لدى والتر بنيامين نقاشات عن الاستنساخ الميكانيكي للعمل الفني، تختلف عن أطروحة أدورنو أو هوركهايمر.

العمل الفني بالنسبة لبنيامين : 

لقد كتب والتر بنيامين نوع مختلف من المقالات الفكرية للنظرية النقدية، وكان مهتمًا بشكل كبير جدًا بوسائل الإعلام بشكل عام، لكنه أهتم بالميزة التقنية لوسائط الإنتاج. وتوجد له مقالتين مختلفتين عن بعضهما البعض، وهذا يشير إلى أنه من الصعب تضمينه تحت عنوان “النظرية النقدية”.

وقد كتب مقالة هامة عن التصوير الفوتوغرافي والسينما، كما يتحدث عن الهاتف وأنواع أخرى من وسائل الإعلام. وعلى الأقل بعض أنواع المطالب الخاصة بالمؤسسة، خاصة في بداية ظهور التصوير الفوتوغرافي، وأحد هذه المقالات هي “العمل الفني في عصر الإنتاج الميكانيكي” وهو في الأساس الأطروحة المركزية. وهناك ثلاثة إصدارات على الأقل منه. وقد فسّر الناس هذا المقال بطرق مختلفة، وبالرغم من عبقرية بنيامين في مقاله، إلا أن هذا العمل لم يكتمل كتابته بالكامل، وذلك لأن بنيامين لم يكن لديه الوقت الكافي للتعبير بوضوح عن هذا الاستنتاج، أو لتوضيح هذه الحجة بطريقة واضحة. وحجة بنيامين تكمن في أن ظهور التصوير الفوتوغرافي والسينما يجلبان نوعا من التغييرات الجذرية في طريقة تجربة عمل الفن والأعمال الفنية والحياة. وهذا النوع من التغيير متناقض، بمعنى أنه يمكن أن يسيطر على القوى الموجودة. وقد أعطى بعض المساحات لإمكانية استخدام التغييرات التي أدخلتها التقنيات الجديدة من أجل التحرر أو الوعي.

كما أن بنيامين أعطى مثالاً على الطريقة التي تختلف بها السينما عن المسرح، وأعطى مثالاً للعلاقة بين الممثل والجمهور في المسرح والسينما. فالممثل على خشبة المسرح، يستطيع أن يتفاعل مباشرة مع الجمهور، وأحيانًا يتمكن من التكيّف مع الجمهور، ما إذا شعروا بالملل أو كانوا متحمسين. أما الممثل الذي يؤدي فيلما أمام الكاميرا، فهذا أيضا بالمقابل يعطي المتفرج نوع من الحرية في فهم الفيلم، وهذا بدوره سيمكننا من تسييس الفن. ويدرك بنيامين أن هذه الثقافة مسلعة مثل غيرها. وهو يشير هنا إلى فقدان الهالة بسبب استنساخ العمل الفني في الرأسمالية المعاصرة بطرق سلبية مختلفة.

وأحد المفاهيم الأساسية لبنيامين هو أنه مع انتشار الاستنساخ الميكانيكي للعمل الفني، يفقد العمل الفني هالته، والهالة هي الشيء الموجود لكنها ليست هناك. ويصف بنيامين الهالة بأنها “شيء يعطي عملاً محددًا الأصالة الفنية والتفرد. وتنطبق هذه الحالة أيضًا على الأعمال الطبيعية. فعلى سبيل المثال، مدينة البندقية الإيطالية، وذلك المنظر الفريد من نوعه، حيث يبقى هناك. لكن مع تقنية الاستنساخ في عصرنا المعاصر، فنحن قادرون على إنتاج العديد من النسخ المقلدة التي لا نهاية لها من نفس المدينة. فتوجد مثلاً نسخة في منتجع البندقية  في لاس فيغاس الأمريكية. ونسخة أخرى في شاطئ البندقية في لؤلؤة قطر، وغيرها من النسخ حول العالم. وقبل ظهور التصوير، لم يكن بالإمكان مشاهدة مدينة البندقية إلا في منطقة فينيتو بشمال إيطاليا. أما الآن، فيمكننا أن نرى نسخ من المدينة في كل مكان. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستنساخ الميكانيكي يفقد العمل الفني أيضاً هذا التعلق بوقت محدد ومساحة محددة وشكل معين من الطقوس. فكان من المفترض أن يجب أن نتصرف بطريقة معينة، وكان علينا أن نوفر أشياء معينة للاستمتاع بالعمل الفني.

من جهة أخرى، فقد تحدث بنيامين عن الطريقة التي يتم بها تحرير الأعمال الفنية في عصر الاستنساخ الميكانيكي. وتحريرها هنا بمعنى أن التكنولوجيا تعتبر هي الطريقة التي يمكن إعادة إنتاج العمل الفني، كالسينماعلى سبيل المثال. وتحدث أيضاً عن كيف يمكن للسينما والكاميرا التقاط تفاصيل أو حركة محددة بطريقة تفرضها على أعين البشر. فنحن ببساطة لسنا قادرين على التقاط تفاصيل محددة أو سرعة حركة معينة بالطريقة التي تعمل بها الكاميرا. هذه الميزات تغير الطريقة التي نستقبل بها العمال الفني، وذلك لأننا نتعرض لعمل فني محدد، وبطريقة جماعية، أي يجب أن نذهب إلى السينما على سبيل المثال. وليس ذلك فقط، بل ان هذا الاستنساخ يعطي الجمهور القدرة على تفسير أو نقد أي عمل فني. ويمنحنا أيضًا إمكانية تفسير عمل فني محدد بطرق مختلفة. لأن الجميع يصبح ناقدًا بشكل خاص في الأفلام، حيث كل شخص قادر على تفسير العمل فني بطرق محدده. وبالرغم من أن الكاميرا قد تقود نظرات المتفرج إذا ركزت الكاميرا على شيء محدد، ولا يُسمح للمراقب بمشاهدة أي شيء آخر، لأنه يُسمح للمشاهد بتحريك الكاميرا، فهي دكتاتورية. إلا أنها يمكن أن تثري تجربتنا في مشاهدة تفاصيل محددة، وهلم جرا. لذلك فقد يعتبر الاستنساخ الميكانيكي إيجابياً لأننا أحرار في فهم هذه التفاصيل بالطريقة التي نريدها. ولم يعد نوعًا من تجربة ديكتاتورية لعمل فني تخبرك أو تلزمك بفهم جانب معين. بالنسبة لبنيامين، فإن هذا يعطينا إمكانية تسييس المعنى وتسييس الفن، وهذا هو هدف المدرسة التي ينتمون اليها هؤلاء المفكرين. وبهذه الطريقة، ينفصل عمل بنيامين عن أدورنو وهوركهيمر. وقد كان بنيامين ذهب نحو الاتجاه الأقل سلبية أو تشاؤم من أدورنو وهوركايمر، وأوجد بدائل بدلاً فقط من تحليل المشكلة. لذلك، يمكن أن ينظر إلى أعمال بنيامين بشكل أقرب قليلاً من فهمنا وأسلوبنا المعاصر للثقافة.

الخلاصة:

لقد تغيرت الصناعة الثقافية في المجتمع الرأسمالي بين تسليع الأنتاج الثقافي الذي أدى إلى تحويل الثقافة إلى وسيط هام للسيطرة ووسيلة حيوية للحفاظ على النظام الرأسمالي. وقد كان تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر من أوائل العلماء الذين نظروا لهذه الظاهرة المسماة “الصناعة الثقافية”. أما بالنسبة لوالتر بنيامين، فقد ادعى أن هذا التغيير في صناعة الثقافة سمح لنا بتسييس الثقافة بهدف تسييس الجمهور للتمرد على النظام الرأسمالي، وهو منظور يمكن أن ينظر إليه أقرب لأسلوبنا المعاصر. والجدير بالذكر أن هؤلاء المفكرين وغيرهم ينتمون لمدرسة فرانكفورت التي تهدف لتحرير البشر.

REFERENCES:

Adorno, T. W. (2001). “Culture Industry Reconsidered.” In The Culture Industry: Selected Essays on Mass Culture. Edited by J. M. Bernstein. London: Routledge. http://goo.gl/s0bAmm

Barker, C. (2004). The Sage dictionary of cultural studies. Sage.

Barker, C. (2005). Cultural studies: Theory and practice. London: Sage.

Benjamin, W. (1968). “The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction.” In Illuminations, 1968. Available at: https://goo.gl/IU4H34

Durham, M. G., & Kellner, D. M. (Eds.). (2009). Media and cultural studies: Keyworks. John Wiley & Sons.

Ellen, R. (1988). Fetishism. Man, 23(2), new series, 213-235. doi:10.2307/2802803

González, F., Moskowitz, A., & Castro-Gómez, S. (2001). Traditional vs. Critical Cultural Theory. Cultural Critique, (49), 139-154. Retrieved from http://0-www.jstor.org.library.qnl.qa/stable/1354706

Horkheimer, M. (1972). Critical theory: Selected essays (Vol. 1). A&C Black.

Horkheimer, M., Adorno, T. W., & Noeri, G. (2002). Dialectic of Enlightenment. Stanford University Press. https://goo.gl/650crZ

Kosoy, N., & Corbera, E. (2010). Payments for Ecosystem Services as Commodity Fetishism. Ecological economics69(6), 1228-1236.

Marx, K. (1867). Capital, volume I. https://www.marxists.org/archive/marx/works/download/pdf/Capital-Volume-I.pdf

Marx, K. (1982). Capital, Volume I.

Moss, B. H. (1976). The origins of the French labor movement, 1830-1914. University of California Press. p. 11.

Piccone, P. (1983). Reviewed Work: Introduction to Critical Theory: Horkheimer to Habermas by David Held, Contemporary Sociology, 12(1), 109-110. Retrieved from http://0-www.jstor.org.library.qnl.qa/stable/2068241

Witte, B. (1997). Walter Benjamin: An Intellectual Biography. Wayne State University Press.

Worrell, M. (1998). Authortarianism, Critical Theory, and Political Psychology: Past, Present, Future. Social Thought & Research, 21(1/2), 3-33. Retrieved from http://0-www.jstor.org.library.qnl.qa/stable/23250031

5/5 - (3 أصوات)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى