الدراسات البحثيةالمتخصصة

المقريزى وأزمة كورونا فى مصر : بحث فى أمور الإغاثة والكشف

إعداد : ساجدة السيد السيد محمد سلامة    –  إشراف :  أ. د علياء سرايا – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية  – جامعة القاهرة

  • المركز الديمقراطي العربي

 

قائمة المحتويات :

مقدمة 4-22
تمهيد 4-5
المشكلة البحثية 5-6
الدراسات السابقة 6-14
الإطار النظرى 14-17
الإطار المفاهيمى 17-19
منهاجية الدراسة 19-21
تقسيم الدراسة 22
الفصل الأول: الأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” للمقريزى 23-39
المبحث الأول: نشأة المقريزى والعوامل المؤثرة فى فكره وأهم كتاباته 23-28
المبحث الثانى: تفسير المقريزى للأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة. 29-34
المبحث الثالث: رؤية المقريزى لعلاقة الأزمات بخراب العمران. 35-39
الفصل الثانى : اجتياج أزمة كوفيد_19 فى الدولة المصرية وتفسير المقريزى للأزمات 40-56
المبحث الأول : ظهور وتفشى الجائحة “أزمة كوفيد_19” 40-44
المبحث الثانى: آثار الجائحة “أزمة كوفيد_19” 45-50
المبحث الثالث: إمكانية تفسير أزمة كوفيد_19 بالإستناد لفكر المقريزى 51-55
الفصل الثالث:مواجهة الأزمات فى فكر المقريزى وجائحة كوفيد_19 56-71
المبحث الأول: إجراءات الدول للتعامل مع الأزمات المذكورة فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” 56-61
المبحث الثانى: إجراءات الدولة المصرية للتعامل مع جائحة (أزمة كوفيد_19) 61-66
المبحث الثالث: الحلول المُقَدَمَة من المقريزى لمواجهة الأزمات فى عصره 67-71
النتائج والتوصيات 72-73
قائمة المراجع 74-82

تمهيد

ما يشهده عالمنا اليوم من تفشى فيروس كورونا المُستَجَد أو مايُعرف بمسميات أخرى مثل كوفيد 19 فى كافة بلدان العالم يعيد لنا مجموعة من الكُتُب الثرية التى تناولت وعرضت تاريخ شتى الأوبئة فى بلدان متعددة وكان هناك تشابه كبير فى تأثيرات تلك الأوبئة بشكل عام ، ويأتى على رأس تلك الكتب مايُعرَف بكتاب ” إغاثة الأمة بكشف الغمة ” للمؤرخ “تقى الدين أبى العباس أحمد بن على المقريزى” على اعتبار أنه من أهم وأشهر مؤرخى العصور الوسطى . قام المقريزى بكتابة هذا الكتاب عام 796 هجرياً أى بعد المجاعة التى تعرضت لها مصر ولكن يأتى السبب الأهم لكتابة وتناول الأزمات والأوبئة التى مرت بها مصر هو وفاة ابنة المقريزى فى سن السادسة من عمرها إثر إصابتها بمرض الطاعون الذى جاء نتيجة المجاعة التى اجتاحت البلاد وأثرت تلك الحادثة فى المقريزى فكرياً وشخصياً بشكل مضاعف دفعه لكتابة مثل هذا الكتاب “إغاثة الأمة بكشف الغُمة”.

نجد أن الكتاب تناول كوارث شتى حدثت بالتحديد فى مصر حيث قام المقريزى بتحليلها ووصفها بجرأة مفرطة منه حيث وضع الكتاب فى خضم كارثة مجاعات وأوبئة اجتاحت البلاد فى بدايات القرن التاسع الهجرى أى الخامس عشر الميلادى. فالمقريزى حاول إبداء عبقريته من خلال تناوله لتلك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بالمجاعات فى مصر ، ولكن علينا أن نأخذ فى اعتبارنا أن المقريزى حتى 808 هجرياً كان من تلاميذ المفكر الإسلامى عبدالرحمن بن خلدون ونتيجة لذلك اتبع المقريزى نهجاً أشبه بنهج أستاذه بن خلدون عند تناول أستاذه للمقدمة التى كُتِبَت أيضاً فى صميم شتى النواحى الإقتصادية والإجتماعية . فكتاب ” إغاثة الأمة بكشف الغمة ” على الرغم من صِغَر حجمه إلا أنه من أعظم الكتب القَيمة التى لازال لها عظيم الأثر فى الحضارة البشرية وجعلنا نؤمن بأن التاريخ مازال يُعيد نفسه ، وخير دليل على ذلك تلك الجائحة التى تُعرَف بكابوس عام 2020 وهى أزمة كوفيد_19 المُستَجَد كغيره من الأوبئة التى مرت بها البشرية جمعاء كالطاعون الأسود_ والكوليرا _ والأنفلونزا الأسبانية مع الإيمان التام بأن هذا الكابوس المعروف بكورونا سيمر كما مرت تلك الأوبئة وأصبحت تاريخ يُحكى من خلال الكتب وغيرها.

هذا الكابوس الحالى المعروف بكوفيد_19 والذى يمكن اعتباره مثابة غمة وأزمة عام 2020 حيث تعود جذوره إلى أن المعنى اللغوى لكوفيد_19 مشتق كالتالى “CO” هما أول حرفين من كلمة كورونا “CORONA” أما بالنسبة للحرفين “VI” هما اشتقاق لأول حرفين من كلمة “Virus” وحرف ال “D” هو يعتبر أول حرف من كلمة مرض “Diseases” ، ونجد أن كوفيد_19 يعنى اصطلاحاً أنه ” فيروس يرتبط بعائلة الفيروسات نفسها التى ينتمى إليها الفيروس الذى يتسبب بمرض المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة وبعض أنواع الزكام العادى”.[1] المقريزى فى كتابه تناول إسهاباً عن تلك الأزمات بكافة أشكالها ولكنه فى ذات الوقت لم يغفل عن وصف دواء لهذا الداء من خلال وصفه أولاً لتلك الأحداث ومن ثَمَ تحليلها بشكل يسهم فى معرفة الداء مع عدم إهماله لكافة العوامل الطبيعية والبشرية مع إيمانه التام بأن تَعَرُض البلاد لأزمة ما تعتبر من السُنَن الربانية التى تحتوى على عقوبات إلهية ، وعليه سنحاول تناول تحليل المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة”  لتاريخ الأزمات التى مرت بها مصروإدراك دلالة ذلك فى الواقع  المصرى المعاصرفى  ظل أزمة كوفيد 19 الحالية.[2]

تعود أهمية تلك الدراسة أنها تثير انتباه الكثير من الدارسين وعلماء السياسة على اعتبار أنها حديث الساعة وواقعنا المعاش وتوضح لنا أن “التاريخ يعيد نفسه” من خلال ما عاشته الدولة المصرية من أزمات مشابهة إلى حدٍ ما للأزمة الحالية المعروفة بكوفيد_19 باستعادة أحداث كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة”، فمن ضمن العوامل وراء تلك الدرسة هو ندرة بعض من الدراسات والكتابات لدى الكثير من الدارسين والباحثين السياسيين خاصةً أنه موضوع عصرى لذا فإن تلك الدراسة ستتناوله بشكل تحليلى أكاديمى لجعلها من ضمن الإضافات المتواضعة فى مجال علم السياسة.

المشكلة البحثية

كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” للمقريزى هو بمثابة دراسة تحليلية ناقدة غلب عليها الطابع اللاقتصادى الاقتصادى حيث ينتقد المقريزى مجموعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المؤدية لشى الأزمات فى الدولة المصرية ، فالكتاب يسلط الضوء على المقريزى وهويته الأزمات الحادثة فى تاريخ العصور الوسطى فى الدولة المصرية ، وبالتالى فالكتاب صورة واضحة تبين ما وقع من أزمات فى ذلك الوقت حلت بالشعب مما يعين فى محاولة فهم وتفسير لواقع المصرى المعاش فى ظل أزمة كوفيد_19 الراهنة ، كما أن المقريزى ركز فى كتابه على مشكلات اقتصادية شتى كالتضخم وغيره مما يجعلنا نلقى الضوء على الجانب السياسى مع الأخذ فى الاعتبار الطابع الاقتصادى للدراسة.

وعليه فإن السؤال البحثى الرئيسى الذى تسعى الدراسة لمحاولة الإجابة عليه هو :

كيف حلل المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة”  تاريخ الأزمات التى مرت بها مصر ؟ و ما دلالة ذلك فى الواقع  المصرى المعاصرفى  ظل أزمة كوفيد 19 ؟

يتفرع من السؤال البحثى مجموعة أسئلة فرعية تتمثل فى :

  • كيف نشأ المقريزى؟ و ما هى العوامل التى أثرت فى فكره ؟
  • ما الدافع وراء كتابة “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ؟
  • ما الأزمات لتى تطرق إليها المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ؟
  • كيف كان لتاريخ الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي أمسكت بخناق المجتمع المصري في عصره، والمجاعات وانتشار الأوبئة والأمراض تأثير على الواقع المعاش وفقاً للمقريزى ؟
  • إلى أى مدى كان لإجراءات الدولة المصرية الدور الأكبر فى التخلص من تلك الأزمات والتقليل من تبعاتها وفقاً للمقريزى؟
  • إلى أى مدى أثرت أزمة كوفيد_19 على قضايا كالهجرة والعولمة والاقتصاد وداخل الدولة المصرية؟
  • إلى أى مدى إختلف تأثير أزمة كوفيد 19 على الواقع المعاش عن تاثير الأزمات السابقة التى عرضها المقريزى  فى كتابه على واقعها ؟
  • إلى أى مدى إختلفت الاجراءات التى إتبعتها الدولة المصرية للتعامل مع كوفيد 19 عن الإجرءات التى عرضها المقريزى  فى كتابه بخصوص تعاملها  مع أزمات سابقة ؟

الدراسات السابقة

يتناول البحث عدد من الدراسات التى تتعلق بموضوع الدراسة الحالية للوقوف على القضايا والأزمات المتناولة ، والتَعَرُف على الأساليب والإجراءات المُتَبَعَة ، وأهم النتائج التى تَوَصَلَت إليها ، وسيتم عرضها ضمن محورين: المحور الأول يتضمن مجموعة الدراسات المتعلقة بكتاب “إغاثة الأمة بكشف الغُمَة” للمقريزى ، والمحور الثانى يتناول الدراسات التى تتعلق بأزمة كوفيد_19 الراهنة ، وذلك مع مراعاة التَسَلسُل الزمنى لتلك الدراسات من الأحدث إلى الأقدم و إلقاء الضوء على الجوانب التى استفاد منها هذا البحث.

المحور الأول: فِكْر المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة”

نجد فى دراسة بعنوان ‘’ The Inflation Theory in the Perspective of Al-Madriz’s Thought and its Implications in the Modern Economic World’’ للباحث Syarifah Siregar تتناول قضية اهتم بها المقريزى على وجه التحديد فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ألا وهى التضخم حيث محاولة تحديد النظرية والطرق التى انتهجها المقريزى من أجل تجاوز تلك الظاهرة ومن ثَمَ تحديد الخلافات بشأنها مع استخدام التقنيات المختلفة من جمع بيانات وتحليلها ، وبناءً على أن التضخم ظاهرة طبيعية أصابت ولا زالت تصيب العالم بأسره منذ فجر التاريخ حتى الآن فتحاول الدراسة جاهدةً معرفة الطريقة التى يتم التعامل بها فى حال تعرض دولة ما لها وأيضاً الاستعانة بما حاول المقريزى التوصل إليه عند تعرض الدولة المصرية لمثل هذا التضخم مع الأخذ فى الاعتبار لعوامل الزمان والمكان وتتناول الدراسة حالة دولة أندونيسيا على وجه التحديد على اعتبار أنها تعرضت لتلك الظاهرة. فالدراسة فى تساؤل رئيسى يمكن ان نلاحظه ألا وهو: كيف يمكن التغلب على ظاهرة التضخم فى ظل ارتفاع الأسعار بشكل دائم استنادً إلى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى؟

استعانت الدراسة بالمنهج التاريخىى على اعتبار أنه المنهج الأنسب لتلك الدراسة ؛ نظراً لأن الدراسة تكشف الحقائق حول ظاهرة التضخم وتتابع الأزمات التاريخية التى حدثت منذ زمن النبى آدم عليه السلام حتى الآن. كما خلصت الدراسة إلى أن التضخم ظاهرة طبيعية تصيب حياة البشر جميعاً منذ القدم حتى الآن ، والطريقة التى يجب التعامل بها من أجل الحد من ظاهرة التضخم هى القضاء على كافة أسباب التضخم مثل الضرائب والعملات المفرطة وانتشار الفساد مع التأكيد على ما أقره المقريزى بأن استخدام الدينار والدرهم فى التعامل من شأنه يتجنب التضخم ، كما أوصت الدراسة بضرورة تناول تلتك الظاهرة بشكل جدى وأن المقريزى ليس أقل شأناً من الإقتصاديين فى القرنين التاسع عشر والعشرين فى تناوله لتلك الظاهرة.[3]

وتناقش دراسة أخرى بعنوان ‘’ PROVING AL-MAQRIZI’S CONCEPT OFTHE DETERMINANTS OF INFLATION: CROSS BORDER ANALYSIS’’ للباحثين Nashr Akbar& Abdul Wahid al Faizin مشكلة محددات التضخم عند المقريزى حيث تجرى الدراسة مراجعة نقدية لكتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى مع تحديد معدلات التضخم بتوافر قاعدة بيانات لكافة البلدان التى ترتبط بشكل إيجابى بعوامل الخطأ البشرى كانتشار الفساد وارتفاع الضرائب وغيرها مع العلم بأن المقريزى أكد فى كتابه بأن العوامل الطبيعية لها دور فعال فى حدوث مثل تلك الظاهرة المعروفة بالتضخم فالدراسة تحاول عرض التعارض بين الآراء المختلفة حول العوامل المسببة للتضخم من اجل فهم المشاكل الاقتصادية ومن ثم الوصول إلى طرق مختلفة لحلها ومحاولة القضاء عليها. حاولت الدراسة طرح تساؤل بشان التضخم يتمثل فى هل عوامل التضخم التى ذكرها المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” تؤثر أيضاً على مستوى التضخم الحالى فى البلدان المرصودة أم لا ؟ ، واعتمدت تلك الدراسة على المنهج التاريخى والمنهج الوصفى التحليلى ؛ نظراً لأن العثور على الجذور الحقيقية للأزمات كما ذكرها المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” هى المفتاح الحقيقى لمحاول إيجاد حلول أفضل لظاهرة التضخم ، كما اعتمدت الدراسة على استخدام قاعدة بيانات من أجل معرفة معدلات التضخم فى الدول المختلفة ومن ثَمَ مقارنة بعضا ببعض من أجل معرفة الاختلافات.

كما توصلت إلى مجموعة من الاستنتاجات حيث أكدت أن أفكار الإمام المقريزى التى ذكرها بخصوص أسباب التضخم لا زالت قائمة حتى اليوم مع العلم بأن الخطأ البشرى بالفعل هو سبب رئيسى وراء حدوث ظاهرة التضخم ، وأكدت الدراسة بأن الحكومة لديها القدرة على التعامل مع الكوارث الطبيعية المسببة للتضخم مع إثبات أن عوامل التضخم تتمثل فى  الضرائب الكبيرة والفساد وغيره. وعليه أوصت الدراسة بضرورة أن تصل الحكومات إلى اتفاق دولى من أجل عودة استخدام الذهب والفضة كعملة عالمية كما اقترح المقريزى مع تعزيز الحوكمة من أجل القضاء على كافة أشكال الفساد المنتشرة ، وأيضاً محاولة إجراء مقارنات بين الدول المتقدمة والنامية وشتى الثنائيات من أجل حل الأزمة.[4]

فى حين تستعرض دراسة أخرى بعنوان ‘’ Theory of money and inflation in the analysis of Al Maqrizi thought’’ للباحثين Hamidin&Dede موضوع محورى هام وهو نظرية المال وظاهرة التضخم من الفكر المقريزى على اعتبار أن التضخم هو ارتفاع أسعار السلع وفق الظروف السائدة حيث أكد المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” أن التضخم بشكل عام ينقسم إلى قسمين هما التضخم الطبيعى وتضخم الخطأ البشرى حيث محاولة عرض بعض الآراء المتعارضة حول ظاهرة المال والتضخم من ناحية الاقتصاديين الكلاسيك وبين آراء المقريزى فى عهد الدولة المملوكية. حاولت الدراسة طرح تساؤل وهو ما هى أفكار المقريزى بشأن ظاهرة التضخم وماهى وجهة نظره التى عرضها فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” بخصوص نظرية المال والتضخم؟

اعتمدت الدراسة على المنهج العلمى التحليلى حيث الاستناد على تحليل المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” من أجل التوصل إلى أفكاره بشأن ظاهرتى المال والتضخم مع تحليل بعض من النصوص الكلاسيكية وبعض الاستنتاجات العكسية. بعد إجراء مجموعة الملاحظات والتحقيقات بشأن مشكلة المال والتضخم توصلت الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات التى أكدت من خلالها أن الفكر المقريزى بشأن التضخم فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة أعم وأشمل من المفهوم الذى يقدمه الاقتصاديون الغرب ؛ نظراً لأن المقريزى كان ملتزماً ومتفهماً بشكل دقيق للأمور النقدية حيث المنحنى التجميعى للعرض والطلب والتأثير السئ للضرائب الزائدة وتحليل الفساد الذى يصيب الاقتصاد خاصةً تكلفة الدولة ، وكان ذلك موازياً لفهم حقيقة أن التضخم يرجع بشكل أساسى إلى مجموعة العوامل الطبيعية وأيضاً تدخل الإنسان فى شتى الأمور.[5]

ودراسة أخرى بعنوان ‘’ Inflation in the Economic and Social Phenomenon: Al– M a q r iz i Per s p  ect iv e’’ للباحث السودانى Am bo k Pan giuk تتطرق إلى ظاهرة هامة فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى تحاول من خلالها معرفة الأسباب الحقيقية وراء حدوث تلك الظاهرة على اعتبار أن مشكلة الظواهر الاجتماعية والاقتصادية تستقطب دائماً اهتمام مختلف شرائح المجتمع ؛ نظراً لأن الاستقرار الاقتصادى هو عمود فقرى لكفة البلدان من أجل تجنب حدوث ظواهر شتى تؤثر بالسلب على الاقتصاد مثل التضخم وغيرها من الظواهر الأخرى ، لهذا نجد أن الدراسة تحاول استعراض آراء متعارضة بشأن النظام الاقتصادى الذى لابد أن يتبعه نظام السوق حيث آراء تحبذ النظام الاشتراكى مقابل آراء تحبذ النظام الرأسمالى وآراء وسطية بين النظامين الاشتراكى والرأسمالى وهو الاقتصاد الإسلامى الذى يطبق الشريعة الإسلامية.

طرحت الدراسة تساؤلات هامة حول ماهية التضخم والأسباب وراء حدوثه وماهى الحلول التى لابد من انتهاجها من أجل القضاء على ظاهرة التضخم من المنظور الإسلامى؟ ، واتبعت الدراسة المنهج التاريخى والمنهج الوصفى التحليلى على اعتبار أنهما الأنسب للدراسة ؛ نظراً لأن الدراسة استعانت بكتاب تاريخى يعد مرجعاً هاماً لمناقشة ظاهرة التضخم وهو كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى ، ومن ثَمَ الاطلاع على تحليل المقريزى حول ظاهرة التضخم.

استنتجت الدراسة أن تحليل الظواهر الاقتصادية والاجتماعية وتأثير التضخم يعتمد على طبيعة الدخل والثروة حيث إذا كان الدخل ثابتاً أو متزايداً ولكنه أقل من معدل التضخم فإن الحالة تكون شديدة من الناحية المادية ، وعلى النقيض من ذلك فى حال زاد الدخل وأصبح أعلى من معدل التضخم فسوف تزداد الرفاهية المادية. أكدت الدراسة أن سبب التضخم هو وجود نظام إدارى فاسد ؛ نظراً لوجود نظام ضرائب مفرطة تفوق قدرات الناس .كما أوصت الدراسة بضرورة الضغط على الحكومات من أجل الانتباه الفورى للوضع حتى لا يصبح الوضع خارج عن السيطرة كما أنه لابد من وجود نظام إدارى جيد مع مراعاة قدرة الضرائب وضبط طباعة النقود كما أكد المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، ولابد من إجراء دراسات شتى من أجل تحديد ظواهر اقتصادية واجتماعية أخرى تحدث فى المجتمع بجانب التضخم.[6]

  • تفيد الدراسات فى هذا المحور بالتطرق بشكل أكثر تفصيلاً لموضوعات كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة حيث التعرف على الأزمات الاقتصادية التى تعرضت لها الدولة المصرية فى ذلك الوقت مع التعرف على الأوبئة وكيفية تعامُل الحكام مع تلك الأزمات التى مَثَلت غمة للأمة المصرية .

المحور الثانى: غُمَة كوفيد_19

تناولت دراسة بعنوان  “Does History Repeat Itself? The Political Behaviour of the American Society and Government during the COVID-19 Outrage” للباحثة  Esraa Sayed Ahmed تتمحور حول مشكلة رئيسية تتمثل فى أن الولايات المتحدة الأمريكية أثناء حكم الرئيس دونالد ترامب أثناء أزمة كوفيد_19 التى انطلقت من مدينة ووهان الصينية قامت بإعلان حالة الطوارئ التى من شأنها توفر مليارات الدولارات من أجل الاستغاثة من هذا الفيروس الذى اجتاح الولايات المتحدة الأمريكية فى 11 مارس 2020 مع الاعتقاد بأن عدم التزام الدولة بما أقرته منظمة الصحة العالمية هو السبب الرئيسى وراء انتشار هذا الوباء وتعرض الدولة لأزمة إنسانية مريرة ، ومن هنا قررت الحكومة الأمريكية الالتزام بالتباعد الاجتماعى واتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل التقليل من تبعات تلك الأزمة إلا أن سلوك الحكومة الأمريكية لم يتناسب مع الشعب الأمريكى وحدثت مظاهرات من أجل منع الحكومة من محاولاتها الإغلاق وجاء التعارض بين السلوك السياسى للحكومة والمجتمع الأمريكى من جهة وبين تصرفات كوريا الجنوبية خلال جائحة كوفيد_19 من جهة أخرى . فالدراسة تسلط الضوء على السلوك السياسى وكيفية إدارة الأزمة من قبل الحاكم الأمريكى مع الأخذ فى الاعتبار لمجموعة الإجراءات البيروقراطية التى تهدد وضع المجتمع الأمريكى.

هذه الدراسة تنطلق من سؤال بحثى رئيسى متمثل فى: كيف كان سلوك الرئيس الأمريكى وكيف يؤثر هذا السلوك على سلوك المواطنين أنفسهم؟ واستندت هذه الدراسة على المنهج التاريخى للمساعدة فى إعطاء رؤى تكشف الغموض لأحداث الحاضر والمستقبل على اعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية تعرضت لأنواع شتى من الأوبئة فى عهد رؤساء مختلفين بداية من وودرو ويلسون حيث جائحة الأنفلونزا الأسبانية مروراً بالإيدز حتى أنفلونزا الخنازير فى عهد الرئيس أوباما ورصد سلوك الرؤساء فى التعامل مع تلك الأزمات. كما توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج تتمثل فى أن كوفيد_19 لايهاجم أجهزة التنفس فحسب بل يهاجم الأجهزة السياسية أيضاً فالسلوك السياسى فى المجال العام يعكس النقاش المتادول بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من جهة وحكام الولايات الديمقراطيين من جهة أخرى بشأن سياسات الإغلاق التى أثارت غضب الشعب الأمريكى فى ظل الأزمة ، وكان الخلاف بين الجمهوريين المعارضين والديمقراطيين المؤيدين لسياسات الحكومة . كما أكدت الدراسة على أن التاريخ حقاً يعيد نفسه ولكن مع تجاهل الكثيرين عن دورس الماضى التى يمكن أن تنتشل الوباء من تلك الدولة ، والوضع الاجتماعى مازال يواجه عقبات بشأن تحديد الأولويات التى لابد أن تكون مدروسة بشكل يجعل النظام قادر على احتواء الوباء.[7]

وتحوى دراسة أخرى تتناول محور غمة كورونا بعنوان ‘’ AL MAQRIZI’S VIEW ON ISLAMIC ECONOMY AND ITS RELEVANCE TO COVID-19 PANDEMIC IN INDONESIA’’ للباحث Abi Suar- Meirison- Elfia  تناقش مشكلة التضخم التى شهدها المقريزى فى عهده فى الفترة 806-808 هجرياً تختلف عن الفترات السابقة طوال فترة التاريخ المصرى وتحاول الدراسة التطرق إلى تلك المشكلة فى دولة أندونيسيا التى ظهرت فيها مشكلة التضخم مع انتشار جائحة كورونا حيث طرح الأفكار المختلفة التى تخص المال فالدراسة تحاول طرح وجهة نظر المقريزى بخصوص التضخم والاستفادة منه من أجل التعامل مع جائحة كورونا التى تسببت فى إحداث مشكلة التضخم فى أندونيسيا.

تنطلق هذه الدراسة من سؤال بحثى رئيسى متمثل فى: كيف كانت رؤية المقريزى فى الاقتصاد الإسلامى عند حدوث مشكلة التضخم فى عصره وعلاقة ذلك بالوباء الذى اجتاح العالم وخاصةً أندونيسيا؟ واعتمدت هذه الدراسة بشكل أساسى على المنهج التاريخى من خلال الدراسة التاريخية للعملات التى استخدمتها البشرية وانطباعات المفكر التاريخى المقريزى بشأن تاريخ ووظيفة المال والآثار المترتبة على إنشاء العملة الخاطئة والقوة الشرائية للنقود فى تلك الفترة. كما توصلت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج التى تتمثل فى أن المقريزى انصب اهتمامه على ما حدث فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى عهد الخلفاء الراشدين حيث كان المال والتضخم هما السببين الرئيسيين وراء الانحراف عن القيم الإسلامية ، وكان أزمة كوفيد_19 المصدر الكارثى وراء تدمير المجتمع الأندونيسى اقتصادياً فارتفاع قيمة الروبية لاتعنى بالضرورة ارتفاع التضخم فى أندونيسيا مقابل الدولار الأمريكى ، كما أكدت الدراسة أن الوضع سيتفاقم بسبب الوسطاء والكارتلات التى ستقوم بالاحتكارات التى يمكن أن تؤدى إلى المجاعات وسط فقدان القوة الشرائية العامة فى أندونيسيا.[8]

على نفس السياق تتناول دراسة بعنوان التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد_19″ للباحث معمر بونوار محاولة إثبات أن مستوى الداء قد تطور من مجرد كونه وباء إلى جائحة وتسارع مظاهر الهلع والتوتر نتيجة الإجراءات التى اتخذتها الحكومة من عزل وحجر صحى وغيره إلا أن كانت ذلك ذا تأثير قوى على الاقتصاد وحدوث الانتكاسة الاقتصادية الراهنة فتحاول الدراسة معرفة كافة الأسباب والعوامل لأزمة كوفيد_19 خاصةً فى الشق الإقتصادى والتطرق إلى تبعات تلك الأزمة الإقتصادية والحقائق وراء تحول كافة الأوضاع إلى أزمة اقتصادية كهذه.

ومن هنا يكمن السؤال البحثى الرئيسى فى: فيمَ تتمثل تداعيات أزمة كوفيد_19 وكيف يمكن وصف تجلياتها؟ ، واعتمدت هذه الدراسة على ثنائية المنهج حيث استخدام المنهج التاريخى لاستنباط الكثير من  الحقائق بشأن العوامل وراء تسارع الانتكاسات مع محاولة تحسين أداء الاقتصاد العالمى فى ظروف الكساء التى يتعرض لها ، والمنهج الوصفى التحليلى لاستعراض الظاهرة محل الدراسة بشكل واضح وملموس ، وعليه فهما الأنسب لتلك الدراسة على الإطلاق .

توصلت هذه الدراسة إلى مجموعة نتائج تتمثل فى:

  • غياب بعض التقنيات الفعالة للتغطية نتيجة الهشاشة التى تصيب الاقتصاد العالمى مع غياب الضوابط الأخلاقية فى شتى المعاملات الاقتصادية.
  • انتشار مظاهر العولمة الغير عادلة نتيجة محاولات الكثير من الدول العظمى للسيطرة والهيمنة مما يشكل ضرراً جثيماً على الاقتصاد العالمى.
  • أكدت الدراسة أن الاقتصاد الإسلامى هو أمنع نظام يمكن انتهاجه من الناحيتين الأخلاقية والتقنية حيث لابد من إتاحته بشكل صحيح.
  • لابد من إعطاء الأولوية فى ترسيخ الضوابط الاقتصادية التى لابد من انتهاجها فى كافة المعاملات الاقتصادية للوصول إلى درجة اتزان من شأنها تمنح الاقتصاد العالمى مناعة عالية.

لهذا فإن تلك الدراسة أفادت فى ضرورة تقنين شتى التقنيات التى بدورها تقلل المخاطر التى يمكن أن يتعرض لها الإقتصاد العالمى وضرورة تصرف الحكومات فى ظل جائحة كوفيد_19 بشكل منظم وأخلاقى يجعل الاقتصاد العالمة فى مرحلة سلمية تقلل من المخاطر التى يتعرض إليها ليس فى ظل كورونا فحسب ولكن فى كافة الأزمات التى تؤثر على الإقتصاد العالمى. [9]

على صعيد آخر نجد إحدى الدراسات الحديثة التى تتناول غمة كوفيد_19 (فيروس كورونا) ولكن من زاوية مختلفة حيث التركيز بشل أكبر على تداعيات الأزمة وهى دراسة بعنوان “تداعيات الجائحة: رؤى تحليلية ونقدية لتداعيات جائحة كورونا لعام 2020” للأستاذ الدكتور مصطفى الفقى ، حيث أن الدراسة تسلط الضوء على محاولة التعرف على تداعيات تلك الغمة المعروفة بكورونا وتأثيراتها على قضايا شتى ذات صلة كالعولمة والهجرة والتداعيات الجيو_اقصادية وغيرها. كما تتناول الموضوع على نطاق واسع فى مصر والمغرب والسعودية أى منطقة الشرق الأوسط بوجه عام ، فالإشكاليات التى تحاول الدراسة التركيز عليها تتمثل فى محاولة رصد تداعيات الجائحة (فيروس كورونا) ومصير تلك الأزمة الناتجة عن تبادل شتى الاتهامات بين القوى الدولية الكبرى وأثر ذلك إقليمياً ومحلياً.

لهذا نجد أن تلك الدراسة تحاول الإجابة عن سؤال هام جداً عام ألا وهو “ما هى تداعيات جائحة فيروس كورونا إقليمياً وعالمياً وتأثيرها على قضايا كالعولمة وغيرها؟ ، ومن ذلك نجد اعتماد الباحث على المنهج التحليلى الذى يحاول من خلاله التوصل إلى مجموعة من النتائج المبنية على مجموعة حقائق ليست فقط علمية بل طبية كيميائية تعين على الوصول لبعض الحلول التى تضع حداً لهذا الكابوس المعروف بكورونا. استطاعت الدراسة التوصل إلى مجموعة نتائج تفيد بأنه لابد من النظر إلى الجائحة من زوايا شتى بالاعتماد على بعض النماذج الرياضية التى تقيس معدلات انتشار الجائحة فى المستقبل خاصةً لعلمنا أن الفيروس لديه قدرة رهيبة على الانتشار بشكل سريع للغاية ، كما توصلت إلى أن معدلات الإصابة تتناقص فى دول مختلفة كالمغرب والسعودية ومصر. وتوصى الدراسة باتباع الإجراءات التى بدورها تجعل نِسَبْ الإصابة والوفاة منخفضة إلى حدٍ يُمَكِن الدول للحد من زيادة انتشار هذا الفيروس بشكل يعيق ويشِل حركتها.[10]

  • إجمالاً تفيد الدراسات التى أشارت إلى غمة كورونا فى أنها تساهم فى التعرف على الغمة التى اجتاحت الأمة المصرية بعام 2020 والتى سببت فى كثرة الموتى حتى أصبحت مهام الأمة متمثلة فى تكفين الأموات ودفنهم مما أثر بشكل جذرى على الدولة المصرية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً بشكل أكبر.

الإطار النظرى

تعتمد الدراسة فى إطارها النظرى على الفكر الاقتصادى الإسلامى فى العصور الوسطى على اعتبار أن كتاب المقريزى “إغاثة الأمة بكشف الغمة” تناول مجموعة من الأزمات الاقتصادية التى مَثَلَت بؤرة اهتمام المقريزى فى تناوله للمجاعات والأزمات ، وليس هذا فقط بل تناول الحلول لتلك الأزمات من منظور اقتصادى اسلامى . نجد أن الفكر الاقتصادى الاسلامى صالحاً لكل زمان ومكان وهذا يفيد بأنه يصلح لتلك الأزمة التى نعايشها فى عصرنا وهى أزمة كوفيد_19 ، وطبقاً للكثير من الاعتبارات نجد أن النظام الاقتصادى الاسلامى يخضع لرقابتين أحدهما بشرية أى تحت رقابة البشر ونعنى به هنا الحكام والملوك وغيرهم والآخر رقابة ربانية من الإله سبحانه وتعالى وحكمته فى فرض الأزمات على الخَلق فى أزمنة وعصور شتى. كان للمقريزى الدور الأكبر فى المساهمة فى الفكر الاقتصادى الإسلامى خاصةً فى العصور الوسطى ويظهر ذلك واضحاً فى كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة حيث إصدار النقود الثنائية المعدن وتناوله للأثر المتباين للتضخم وغيرها سنتناوله بشكل مفصل فى الدراسة. [11] ، ولكن هذا لايعنى اعتماد الدراسة الكلى على الفكر الاقتصادى الاسلامى بل ستتبنى الدراسة بشكل أكبر وكلى على الفكر السياسى الإسلامى فى العصور الوسطى .

الفكر السياسى الإسلامى هو بمثابة نشاط عقلى يحوى مجموعة كبيرة من الأفكار والآراء والمبادئ لمجموعة المسلمين ونخص بالذِكر وفق الدراسة المفكر الإسلامى “المقريزى” منذ أن تم إنشاء مجتمع يمارس السياسة لهؤلاء المسلمين ، ومنذ عهد النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى عصرنا الحالى تكونت دولة للإسلام مما يعنى أن هذا الفكر السياسى الإسلامى له تاريخ ومراحل تخصه مع ضمه للكثير من النظريات والقواعد التى تخص وتنظم حياة المسلمين أجمعين. نجد تَفَرُد الفكر السياسى الإسلامى فى جوانب عدة منها التميز فى الأصول والمصادر الأولى المنشئة له وكذلك مبادئه وسماته.

أولاً: المصادر والأصول الأولية لنشأة الفكر السياسى الإسلامى

إن كافة المسلمين فى تناولهم لشتى الأفكار لاتخرج عن مصدرين أساسيين ألا وهما القرآن والسُنَة أى كتاب الله المُنَزَل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) خلال ثلاث وعشرين سنة كاملة والذى يحوى على الآيات التى لايشوبها التزييف أبداً بل المبادئ والحقائق التى أنزلها الله سبحانه وتعالى فنجد أن الفكر السياسى الإسلامى يعتمد على النصوص القرآنية خاصة المدنية منها والتى تحوى مايقرب من ثلث القرآن الكريم مما دفع كثير من المفكرين الإسلاميين فى العصور الوسطى أمثال المقريزى لوضع تقسيم يمكن من خلاله تفسير كافة مجريات الحياة بناءً على مجموعة من النصوص القرآنية التى تعين فى التوصل للحقائق وتنظيم كافة شئون الدولة ، أما السُنة فهى المرجع الثانى الذى يمكن الاعتماد عليه بعد مصدر القرآن الكريم عند الحديث عن الفكر السياسى الإسلامى والذى يعتمد على كافة أقوال وأفعال سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) التى بدورها تعين على تنظيم شئون الأمة وتفسير أفعالهم إن كانت بالفعل تسير وفق سُنَة رسول الله أم أنها تخالف القواعد والأفعال التى المؤَكَدَة حيث مَرَ تَكَوُن الفكر السياسى الإسلامى بعدة محطات فى العصور الوسطى. [12]

ثانياً: المبادئ الهامة للفكر السياسى الإسلامى

تميز الفكر السياسى الإسلامى بمجموعة من المبادئ كالعدل الذى يعتبر بمثابة سمة هامة بدايةً من صفات الله عَز وجل مروراً بسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى الخلفاء الراشدين أمثال أبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب حتى عصرنا الحالى مازال مبأ العدل من أهم المبادئ التى لابد أن تقيم عليها الدولة ، ومبدأ الشورى الذى يقوم على اساس التشاور بين الجميع مع اختلاف الطبقات والأخذ برأى الأغلبية مع احترام الأقلية والذى أكد عليه الكثير من المفكرين السياسيين الإسلاميين فى العصور الوسطى ، ويأتى مبدأ الحرية أى المبدأ القائم على حرية إبداء الرأى حتى وإن كان معارضاً ومحاولة فهم مجريات الأمور بشكل يحقق مصالح الأمة ، وأخيراً مبدأ المساواة والذى يحبذ ويؤكد على فكرة المساواة بين كافة طبقات المجتمع وعدم الفرقة بينهما من أجل إحقاق الحق ، فنجد أن تلك المبادئ بالفعل أكد عليها كثير من المفكرين الإسلاميين فى العصور الوسطى أمثال الفارابى وابن تيمية وابن خلدون والمقريزى وكثير من المفكرين الآخرين.[13]

ثالثاً:الخصائص الأساسية للفكر السياسى الإسلامى

إن خصائص الفكر السياسى الإسلامى فى العصور الوسطى تتعدد بالفعل حيث نجد السيادة فيه تقوم على فكرة أن الحكم لله وحده تعالى والسيادة تكون للشرع وأن البشر ما هم إلا مطبقين لأحكام الشرع وأن السلطة تكون محدودة بالحدود التى فرضها الله عز وجل صاحب السيادة العُليا مع ضرورة العمل على قاعدة (لا حُكْم إلا لله عز وجل قدره) وبالتالى نتج عن ذلك ضرورة احترام كافة القواعد الشرعية سواء من الحاكم أو المحكوم ؛ إيماناً بأن تلك القواعد ثابتة ولا جدل فيها سواء كان نظام الحكم خلافة أو مَلَكِى أو غيره. ومن الخصائص الأخرى أن الإسلام جامعاً بين العقيدة والمنهج على عكس الديانات الأخرى اليهودية والنصرانية حيث أن الإسلام بمثابة أسلوب حياة ووحدة لاتنفصل أبداً ، والدولة فى الفكر السياسى الإسلامى هى دولة بشرية لا إلهية على اعتبار أن منصب السلطة فى الدولة هو منصب دنيوى لا أُخرَوى على خلاف منصبى النُبُوَة والرسالة التى هى مناصب إالهية ليست بشرية ، وبالتالى نجد أن الكثير من المفكرين السياسيين فى العصور الوسطى أمثال بن خلدون والفارابى وغيرهم أكدوا على أهمية الفكر السياسى الإسلامى فى إطاره النظرى الذى عرضناه من أجل فهم الفكر السياسى الغسلامى الذى تبناه المفكر الإسلامى “المقريزى” فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” والذى استعان بالكثير من النصوص الدينية التى عاونته فى محاولة تفسير الأزمات والمجاعات التى تعرضت لها الدولة آنذاك لذا سيتم الاعتماد على الفكر السياسى الإسلامى فى العصور الوسطى حاولة فهم شتى جوانب البحث المراد منه التعرف على المبادئ والقواعد التى يمكنها الربط بين ماحدث من أزمات شتى فى العصور الوسطى كما جاء فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ودلالة ذلك على الواقع المُعاش فى ظل أزمة كوفيد_19 الراهنة.[14]

الإطار المفاهيمى

تَبَنَت الدراسة بشكل أساسى على مفهوم مهم جداً تدور حوله ألا وهو مفهوم “الأزمة” ، ولذلك سنحاول تقديم بعض التعريفات اللغوية والاصطلاحية والإجرائية التى تخص الأزمة حيث:

أولاً:التعريف اللغوى للأزمة

نجد أن كلمة الأزمة تدل على حَدَثْ طارئ يتسبب فى إحداث دمار أو خراب وذلك فى مكان ما أو عدة أماكن فالأزمة فى اللغة تعنى الشِدَة والقَحْط ، ومن الناحية الاجتماعية تُعَرَف على أنها حالة تتسبب فى تَوَقُف الأحداث المُنَظَمَة وكذلك اضطراب يُشَتِت مجموعة العادات وكذلك الخروج عن العُرف مما يؤدى لميلاد عُرف جديد وتقاليد جديدة . [15] كما تُعَرَف فى اللغة الإنجليزية تحديداً فى قاموس ويبستر الأمريكى على أنها “حالة خطيرة وحاسمة أو هى نقطة تَحَوُل تتطلب مواجهة سريعة وإلا حَدَث تغيير مادى بنشأة موقف جديد قد يتضمن نتائج وآثار سيئة” [16]  ، وتُعَرَف الأزمة فى اللغة العربية خِصيصاً فى المصباح المنير على أنها “المأزم ومعناها ضيق المجال وعُسْر الخلاص منه” [17]

ثانياً: التعريف الإصطلاحىّ للأزمة

يُعَرِف آل سعود الأزمة اصطلاحاً بأنها “حدَث أو موقف مفاجئ يشكل تهديداً أساسياً للكيان الإدارى ويتطلب اتخاذ قرار فى فترة وجيزة للغاية” ، كما يعرفها فنك على أنها “نقطة تَحَوُل فى حياة المنظمة نحو الأسوأ أو الأفضل فهى حالة من عدم الاستقرار يحدث فيها تغيير حاسم فى سير العمل فى المنظمة قد يؤدى إلى نتائج مرغوب فيها أو نتائج غير مرغوب فيها”.[18]  كما يعرفها الباحث “محمد بن شحات حسين خطيب” على أنها “تعبير عن التوتر وفقدان السيطرة نظراً لحدوثها بشكل مفاجئ غير متوقع وتهدد الناس مما تؤدى إلى انعكاسات سلبية على مختلف الأصعدة نفسياً واجتماعياً واقتصادياً وغير ذلك”.[19]

ثالثاً: التعريف الإجرائى للأزمة

تُعَرَف الأزمة إجرائياً بأنها “توتر شديد فى العلاقة بين دولتين أو أكثر وعلى نحوٍ يُعَرِض مصالحهم العُليا للخطر” [20] ، كما تُعَرَف أيضاً بأنها “حالة غير عادية تخرج عن نطاق التَحَحُم والسيطرة وتؤدى إلى تَوَقُف حركة العمل أو هبوطها هبوطاً غير معهود وبالتالى إعاقة تحقيق الأهداف المطلوبة فى الوقت المحدد لها” [21] ، وتعرفها الباحثة “رهف مروان غنيمة” إجرائياً على أنها “حالة من الخلل والإضطراب يؤثر على سير العمل المعتاد فى المؤسسة، ويشتت انتباه العاملين عن أداء عملهم، وتتسم بتلاحق الأحداث ونقص المعلومات وضيق الوقت وتداخل الأسباب بالنتائج مما يعيق تحقيق المؤسسة لأهدافها ، وهذا يتطلب تدخلاً فورياً من خلال اتخاذ قرار مناسب وفى وقت قصير منذ نشأة الأزمة ، لاحتواء هذا الموقف والتقليل من آثاره”.[22]

رابعاً:التعريف الذى تتبناه الدراسة

اعتماداً على التعريفات السابقة الذِكْر يمكن استخلاص تعريف للأزمة يتناسب مع الدراسة حيث الأزمة هى بمثابة حالة طارئة تصيب الدولة مما تجبرها على إحداث تغييرات مختلفة واتخاذ إجراءات صارمة من شأنها لايكون أمام شعبها سوى الانصياع لتلك التغييرات والاندماج مع الوضع الجديد ، وفقد يصاحب هذا الحَدَث الطارئ نتائج سلبية أو إيجابية أو كليهما على شتى أصعدة المجتمع سياسياً واقتصادياً وصحياً وغير ذلك .

منهجية الدراسة

ثانياً:ً المنهج الوصفى التحليلى

يُعرَف المنهج الوصفى التحليلى على أنه المنهج الذى يهتم بالتحديد السليم للواقع ومحاولة التوصل إلى مجموعة حقائق تخص الواقع مع تحليل الجوانب المختلفة له[24] ، ويعتبر بمثابة مظلة واسعة تشتمل على عدد كبير من الأساليب والمناهج الفرعية المختلفة مثل المسوح الاجتماعية ودراسات الحالات التطورية وغيرها . يقوم المنهج الوصفى على أساس التحديد الدقيق للظاهرة محل الدراسة وطبيعتها والأسباب المتعلقة بها وكذلك الاتجاهات المختلفة لها التى تساهم فى التعرف على الحقائق المجهولة وراء حدوث الظاهرة ، ويشتمل المنهج الوصفى على المنهج التحليلى وكافة المناهج الدراسية الأخرى باستثناء المنهج التاريخى والتجريبى على اعتبار أن عمليتا الوصف والتحليل تكاد تكون متاحة فى كل أنواع البحوث العلمية ويعتبر المنهج الوصفى التحليلى جزء مهم من منظومة بحثية متكاملة [25]. بالتالى فإن المنهج الوصفى التحليلى هو جزء من المنهج الوصفى ولكنه ذو بُعد تحليلى بمعنى أنه لايقتصر فقط على على وصف الظاهرة محل الدراسة كما هى بشكل كمى وكيفى فقط بل يقوم بتحليل الواقع أيضاً حيث يهدف هذا لمنهج إلى محاولة تبويب المعلومات والبيانات والقيام بتحليلها بشكل عميق وجذرى من أجل التوصل إلى شتى الاستنتاجات التى بدورها تفسر الظاهرة وتتوصل إلى حلول تساعد فى اكتشاف حلول ومحاولة التنبؤ بمصير تلك الظاهرة فيما بعد ، ويتم التحليل إما بشكل ذهنى من قِبَل الباحث بناءً على كافة المعلومات المتاحة لديه أو بأساليب ومعالجات إحصائية مثل الملاحظة ، الاستبيان ، المقابلة والاختبارات و المقاييس المتنوعة الأخرى التى بدورها تساهم فى عملية البحث والتنبؤ بشكل يحقق الأهداف المرجوة فى الدراسة من خلال تقسيم الموضوع لأجزاء فرعية تسهم فى عملية التحليل لكافة الأفكار التى يحتوى عليها الموضوع بشكل دقيق[26]. فهو يعين على محاولة تحليل الواقع المعاش المرتبط بأزمة كوفيد_19 .

ثالثاً: المنهج التاريخى

إن التاريخ يتكون من مجموعة حقائق وأحداث حدثت بالفعل فى الماضى لمرة واحدة وبالتالى لن تتكرر أبداً على اعتبار اختلاف الزمن الذى يتحرك دوماً للأمام ولا يعود للخلف أبداً مهما يحدث ، ولذلك يعتبر التاريخ وسيلة يمكن من خلالها الاستفادة وفهم الحاضر والواقع المعاش مع التنبؤ بمستقبل ذلك الواقع. من هنا جاءت أهمية وضرورة الدراسات التاريخية التى تحاول جاهدةً أن تستعيد أحداث الماضى وجعلها فى صورة حقائق علمية تاريخية وذلك بالاعتماد على العقل والمنطق ، ويتسم المنهج التاريخى بالدقة ؛ نظراً لأنه يستند إلى مجموعة من الأدلة المأخوذة من الوثائق التاريخية بشكل منطقى مع التوصل إلى حقائق جديدة تعيد الماضى بكل زواياه .[27] ، ولذلك نستطيع القول بأن المنهج التاريخى يساعد على فهم السياق الذى نشأ و عاش فيه المقريزى بما فيه من أزمة.

تقسيم الدراسة

سيتم فى تقسيم الدراسة مراعاة كافة الجوانب التى تتعلق بالموضوع بدايةً من التعريف بالمقريزى ذاته مروراً بكتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” وعرض كافة الازمات التى تطرق إليها فى الكتاب ورؤيته لتلك الازمات جميعها ، وكذلك سيتم التعرف على جائحة أزمة كوفيد_19التى اجتاحت الدولة المصرية مع محاولة تفسير تلك الغُمَة “كوفيد_19” استناداً لفِكر المقريزى وآثار تلك الازمة على جوانب شتى ، وأخيراً وليس آخراً إجراء مقارنة أو مباينة بين الإجراءات التى اتخذتها الدولة المصرى عهد المقريزى وواقعنا الحالى مع التطرق للاجتهادات التى عَبَرَ عنها المقريزى وبيان اهميتها لمواجهة تلك الجائحة الحالية “كوفيد_19” أو جائحة “كورونا. على هذا الأساس سيكون الفصل الاول بعنوان “الأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” للمقريزى.” ويضم بذلك ثلاثة مباحث على التوالى هى “نشأة المقريزى والعوامل المؤثرة فى فكره وأهم كتاباته” ، ” تفسير المقريزى للأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” ، ” رؤية المقريزى لعلاقة الأزمات بخراب العمران ” . أما الفصل الثانى بعنوان “اجتياح أزمة كورونا فى الدولة المصرية وتفسير المقريزى للأزمات” ، ويضم ثلاثة مباحث على التوالى هى ” ظهور وتفشى أزمة كوفيد_19″ ، “آثار الجائحة ” ،  ” إمكانية تفسير أزمة كوفيد_19 بالاستناد لفكر المقريزى” ، “. أخيراً الفصل الثالث بعنوان “مواجهة الأزمات فى فِكر المقريزى وأزمة كوفيدد_19” ويتناول مبحثين هما “التباين بين إجراءات الدولة المصرية للتعامل مع الأزمات فى عهد المقريزى كالتضخم والاوبئة وإجراءاتها فى الواقع الحالى” ، والثانى “اجتهادات المقريزى لوضع حلول للأزمات التى عاصرها وبيان أهميتها لمواجهة أزمة كوفيد_19 الحالية”.

الفصل الاول: الأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” للمقريزى.

سيتناول هذا الفصل محور هام جداً ويُعتَبَر الخيط الأول للغوص فى تفاصيل الدراسة من اجل الإلمام بقدر كبير من المعلومات التى تصل بنا إلى نتائج ملموسة ، ويحاول الفصل الاول الإجابة على بعض التساؤلات الهامة وهى: كيف نشأ المقريزى؟ و ما هى العوامل التى أثرت فى فكره ؟ ما الدافع وراء كتابة “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ؟ ما الأزمات لتى تطرق إليها المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ؟ وأخيراً ماهى رؤية المقريزى للآثار المترتبة على الأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة”؟ . وفق تلك التساؤلات سيتم تقسيم الفصل الأول إلى ثلاث مباحث حيث يتمثل المبحث الأول فى نشأة المقريزى والعوامل المؤثرة فى فكره وأهم كتاباته والدافع وراء كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” تحديداً ، والمبحث الثانى فى تفسير المقريزى للأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” وعوامل ظهورها وتحليله لكافة الجوانب المتعلقة بتلك الأزمات كانتشار الاوبئة والامراض والتضخم وغيرها ، وأخيراً سيتناول المبحث الثالث رؤية المقريزى للآثار المترتبة على الأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” فرؤيته بالطبع جاءت نتيجة العوامل المؤثرة فى فكره والعصر الذى عايشه.

المبحث الأول: نشأة المقريزى والعوامل المؤثرة فى فكره وأهم كتاباته

بدايةً وقبل الخوض فى تفاصيل وحياة المقريزى والعوامل التى أثرت فى فكره لابد أن نتطرق إلى المقريزى نفسه ونتعرف عليه وعلى أصله والعصر الذى كَوَنَ فكره فيه لأن هذا له دور هام جداً فى فَهم هذا المُفَكِر الإسلامى الذى هو لا رجل دين أو حتى عالِم سياسة ، وعليه من المهم التعرف عليه كأحد أعلام التاريخ حيث سار شوطاً كبيراً فى حدود الفِكر والعقل. فيما يتعلق بعصره (766-845)ه بغداد كانت القطب الأكبر وهى قمة التَحَضُر ثم جاءت القاهرة وورثت عن بغداد هذا التطور والرُقى وظهر ذلك فى الخلافة العباسية ، وكان هناك تدهور ثقافى عام عَكَس حال تلك الحضارة التى وصلت لأقصى أطوار النمو والتطور إلا أن مجئ الصليبيين وألحقهم المغول كان يمثل تهديد فِكرى لتوجه النشاط الثقافى للحفاظ على التراث الفِكرى وإحياء ميراث هذا التراث. لم تكن هناك محاولات من أجل التجديد والابتكار والإبداع بل كان هناك تشجيع للتأليف والتجميع والشروح ، وازدهرت حركة التدوين التاريخى فى عصر المماليك ووصلت لأقصى وأرقى مستوى فى تاريخ الفكر العربى الإسلامى حيث كان هناك عرض فى التنوع والإثراء وكذلك التدوين. كان المقريزى عملاقاً فى فِكرِه لا يدانيه أى مؤرخ آخر حيث كان ذو اتجاه حضارى كما أن المؤرخين فى هذا العصر تطرقوا لمجالات وجوانب شتى ليسجلوا الجوانب التاريخية لعصورهم أى القطاعات الاجتماعية حيث كَثُرَت المواضيع التى نالت اهتمام واسع فنجد تَنَوُع كبير فى مجالات التعليم كالتعليم السياسى والديوانى والعسكرى ، والتَطَرُق لكافة قطاعات وطبقات المجتمع مع معرفة مواقع وخطط بلاد العالم الأخرى وحياة الناس وما يلقونه من المجتمع الذى يعيشون فيه.

يقف المقريزى فى طليعة مؤرخى مصر بالعهد المملوكى وهو عميد لا يدانيه أحد من المفكرين المسلمين فى العصور الوسطة حتى الآن ، وكتاباته متفردة من نوعها من حيث التناول والتحليل مما يدل على عبقريته وتفوقه ويظهر ذلك واضحاً فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” الذى تناول فيه بالتحليل والإسهاب تاريخ المجاعات منذ أقدم العصور حتى عام 808ه. يظهر تَفَرُد المقريزى كذلك فى طريقة تناوله للتاريخ المصرى حيث تعرض للجوانب الاقتصادية والإجتماعية فى التاريخ المصرى حيث أن كتابه بالتحديد “إغاثة الأمة بكشف الغمة” حاول فيه اقتضاء أسباب المجاعات واقتراح علاجات اقتصادية مع مراعاته لتناول كافة طبقات المجتمع المصرى آنذاك من حيث التقسيم والتصنيف ووصفه كل تلك الطبقات وتعاملها مع الأزمات بشكل متباين.[28]

نشأة المقريزى واشتغاله بالعِلم: هو “أحمد بن على بن عبدالقادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبدالصمد بن أبى الحسن بن عبدالصمد التقى بن العلاء الحسينى العيدى” ويُلَقَب ب”تقى الدين” ، ويُعرَف ب”المقريزى” ، ويُكَن ب”أبى العباس”  وقيل نسبه ينتهى إلى الإمام “على بن أبى طالب” فهو عالم ومؤرخ ولغوى ومُحَدِث ومُحدَس وأديب. يعود لقب “المقريزى” إلى حارة المقارزة ببعلبك ، وُلِدَ فى القاهرة عام 766ه/1366م بحارة برجوان التى هى من أعظم حارات القاهرة المتميزة بالحيوية كما أنها صاخبة بها ضوضاء وعمران وحياة ، نشأ المقريزى فى بيئة حضارية تختلف عن بيئة أجدادة فى بعلبك حيث كان يعتز ويفتخر بمولده فى القاهرة خاصةً فى ذلك الحى الملئ بالنشاط الاجتماعى والاقتصادى المتنوع ؛ نظراً لوجود سوق برجوان الذى كان من أعظم أسواق القاهرة. نشأ المقريزى فى ظِل عائلة تهتم بالعِلم فكان جده لأبيه من كبار محدثين بعلبك وانتقل والده للقاهرة وتولى مناصب قضائية حيث كان موقعاً بديوان الإنشاء ، وكان جده لامه ابن الصايغ الذى تولى تعليم المقريزى وأَشرَفَ على نشأته وتنشئته وفق المذهب الحنفى. كانت نشأة المقريزى دينية علمية حيث أتاحت له ظروفه بأن يُرضِى طموحه العِلمى فتتلمذ على يد كبار علماء وشيوخ عصره فكانت نشأته حَسَنة لِحِفظه القرآن الكريم كاملاً وعَرِفَ النحو والفقه والتفسير والحديث وبعض العلوم ، فنشأ فى أسرة معروفة أجيالها بالاشتغال فى العِلم بالتحديد فى الشام ومصر فهو من أبناء الفن الفكرى من الطبقة الوسطى فى المجتمع فكان المقريزى شاهدة لنوبات احتضار الدولة المملوكية ذات البطولات التى ملأت التاريخ فى الشرق والغرب ولهذا كان العشرون سنة الأولى كانت سنوات طفولته وشبابه تلقى العلم الذى أهله ليكون له تلاميذه كالسخاوى وغيره.[29]

العوامل المؤثرة فى فكر المقريزى: نشأ المقريزى وتَمَذْهَبَ على الحنفية وهو مذهب جده لأمه لكن بعد وفاة والده تَحَوَل للمذهب الشافعى حينها كان المقريزى قد جاوَزَ العشرين من عمره نظراً لانتشار فكرة التَحَوُل المذهبى فى ذلك الوقت التى كان لها أهمية كبرى لدى كافة المفكرين والشيوخ خاصةً المشتغلين بالعِلم والمتولين الوظائف ، وبلغ عدد الشيوخ الذين تدرب المقريزى على أيديهم مايقرب من 600 شيخاً عاونوا المقريزى فى توفير وخَلْق تكوين ثقافى ثرى لبروزه فى عصره فكان “ابن الصايغ” أكثر الشيوخ تأثيراً على المقريزى فى نشأته أما عند نضجه كان “عبدالرحمن بن خلدون” أكثر الشيوخ تأثيراً عليه حينها فظهر تأثره بابن خلدون واضحاً من خلال تأثره بمقدمة بن خلدون حد الإعجاب إلى أن تَجاوَزَ حد إعجاب تلميذ بأستاذه إلى أن ربطت بين المقريزى وبن خلدون صداقة قوية جداً. لم يكتفِ المقريزى بما ورَثَه وأخَذَه عن شيوخه بل كانت له رحلات فى القاهرة والشام ومكة وبنهاية حياته اتجه للتأليف ، تَزَوَج تامقريزى وأنجَبَ ابنة تَوَفَت بمرض الطاعون الذى اجتاح البلد آنذاك والذى يُعتَبَر من ضمن العوامل التى دفعت المقريزى لكتابة “إغاثة الأمة بكشف الغمة” والذى بَرَزَ التأثير بابن خلدون فى هذا الكتاب.[30]

أجمع معاصرى المقريزى بأنه عاش رجُلاً فاضلاً دينياً أميناً فى عَمَلِه وهو عَمَلِى مُجِد حتى أبرز منافسية كالسخاوى أشَادَ بخُلُقِه وتَواضُع وعُلُو هِمَتِه والجَد فى المُتلذاكرة ومداومته على التهجد والإوراد والصلاة ، وتَمَ الإتفاق على مكانته العِلمية حيث فيما يتعلق باشتغاله بالعِلم وُجِدَ أنه عكَفَ على دراسة تقليدية لأبناء طبقته حيث فَضَلَ التَفَرُغ للإشتغال بالعِلم فهَجَرَ دمشق بعد إقامته مايقرب من عشر سنوات ثم عاد إلى القاهرة عَكَفَ بها للإشتغال على التاريخ كما تَفَرَغَ للبحث والكتابة واطلَع على مختلف المصادر من القاهرة ودمشق ومكة فى بحثه ودراساته المختلفة المتفردة ، ولكن اشتغاله بالعِلم لم يمنع من أنه تولى مناصب ووظائف شتى فالمقريزى كانت له مكانة متميزة جداً عند السلطان “ظاهر برقوق” وابنه “فرج الظاهر برقوق” وتوثقت الصِلة بينه وبين الأمير “الدوادار” والذى نال المقريزى فى ظِلِه جاهاً ومالاً. عُيِنَ المقريزى مِراراً فى وظائف الوعظ وقراءة الحديث وولى الحسبة كما ولى الخطابة بجامع عمرو بن العاص ومدرسة السلطان حسن كما اشتغل إماماً بجامع الحاكم الفاطمى وتَقَلَدَ عدة وظائف قضائية وإدارية سواء فى القاهرة أو حتى دمشق فكان مُؤَهَلاً لتلك الوظائف.[31]

فى بداية حياة المقريزى التحق بوظائف عامة فهو من أهل القلم والمعرفة وأول وظيفة له “كاتِب” بديوان الإنشاء بالقلعة فكانت تلك الوظيفة تستلزم مواصفات مُعَيَنة ومستوى راقى من العِلم والأسلوب حيث كان من ضمن تلك المواصفات أن يكون ذا مؤهل عالى مع المعرفة والموهبة والتفوق والأدب والحساب ، ثم أصبح نائب من نواب الحُكم (قاضى) بسبب حماسه للمذهب الشافعى وتَحَوُله من الحنفية ثم إمام الجامع الفاطمى ثم مُدَرِس للحديث بمدرسة المؤيدية وتوصية بن خلدون له وخطابه بجامع عمرو بن العاص والساطان حسن. عام 1801 اختاره السلطان برقوق كمُحتَسِب القاهرة والوجه البحرى (تحوله من عِلم وتوجيه إلى دائرة الإدارة الحكومية) ، اختلط المقريزى بمختلف طبقات المجتمع (أرباب أسواق ، أرباب متاجر ، أصحاب المِهَن ، أصحاب الصنائع) فكان مهتم بمعرفة الأسعار الجارية وأحوال النَقد وضبْط الموازين والمكاييل ومراقبة الآداب العامة ونظافة الشوارع وحركة المرور وال‘إشراف على المَدرَسَة ومراقبة أصحاب البضائع الغالية مع مراقبة أحوال الباعة والجوالة مع الالتزام بأمانة تطبيق أحكام الشريعة. ضاق صَدر المقريزى بتلك الوظيفة ؛ لأنها شغلت وقتِه فكانت حاجِزاً مانِعاً للقراءة التى كان يجد ذاته فيها ، ولكن تلك الوظيفة التى ضاق صدره منها كانت السبب وراء تَفَرده بكتابه مؤَلَف آخروهو كتاب “شذور العقود فى ذِكْر النقود ، الأكيال والأوزان الشرعية”. عاد المقريزى لدائرة التدريس عام 811ه بتعيين فرج برقوق له مُدَرِساً للحديث وناظِر على الأوقاف ثم عينه فرج قاضياً (نائب حاكِم) لكن المقريزى رفض عدة مرات ؛ نظراً لأنه سَئم الوظائف وأعباءها ، فنلاحظ أن تلك السنوات الدمشقية ثمينة بالإنتاج العِلمى للمقريزى حيث أَلَفَ الكثير فيها ثم رَحَلَ عن دمشق وعاد للقاهرة معتزلاً كل عمل رسمى للعِلم. سبَق للمقريزى وحَجَ لمكة عام 834ه وأقام بها خمس سنوات يدرس الحديث وأَلَف أيضاً الكثير هناك، وبالتالى يمكننا القول ان نشأة المقريزى واشتغاله بالعلم وكذلك سفره ورحلاته وتلقيه الوظائف المختلفة وعلاقاته بالحكام والملول والأمراء وكذلك الشيوخ كانت جميعها بمثابة عوامل اثرت فى فكره مما جعلته يقبل على كتابة مؤلفات شتى عديدة ونخص بالذِكر هنا “إغاثة الأمة بكشف الغمة”.[32]

طبيعة مؤلفات المقريزى: تشهد مؤلفات المقريزى على عمق معرفته وسعة اطلاعه وإلمامه بعلوم شتى كعلوم (الدين ، الفقه ، الحديث ، الأدب ، الخطط ، الترجمة ، الأوزان ، المقاييس ، علم الحشرات ، المعادن ، الطِب ، الموسيقى) فكان أعظم اهتمامه بالتاريخ حيث (عرض جزء كبير منه ، حفظ الكثير منه ، حَقَقَ المقريزى فى التاريخ وصَنَفَ فيه ، مؤلفاته فى نَيف وثلاثين) ، وكان المقريزى من أعظم مَن رأيناه فى علِم التاريخ ودروبه مع معرفته لِمَن عاصره من العلماء المؤرخين فالفرق بينهم واضح وليس للتعَصُب فائدة حيث اختار المقريزى تاريخ مصر ميداناً له فكانت كتاباته مليئة بتراث حافل المدى بنوعه وطرافاته فكان فَطِناً بنواحى تاريخ المجتمعات المصرية المتعاقبة بإدراكه لقيمتها فى التاريخ الإسلامى. كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى الذى تختص به الدراسة قام المقريزى فيه بتحليل الخراب الذى أصاب الظواهر فى المجتمع المصرى آنذاك فكان هذا الكتاب بمثابة آية فى الإبتكار من حيث محتوى الكتاب وتفاصيله ، وتتسم مؤلفات المقريزى بالموسوعية والتخصصية إلى أن أصبح المقريزى شيخ المؤرخين فى القرن التاسع عشر فمؤلفاته جميعها كانت تتسم بالتنوع وغزارة التحليلات والتباين فى الأساليب والترتيب التاريخى للدول الإسلامية  فى مصر حتى أيامه.[33]

من مؤلفات المقريزى: للمقريزى مؤلفات تصل لما يقرب من أربعة وثلاثين مؤَلَف وأكثر ومنها أوفى مصدر فى التاريخ الفاطمى وهو كتاب “اتعاظ الحلفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء” ، وكُتَيِب صغير من خير ما كَتَبَ المقريزى عام 808ه وهو “إغاثة الأمة بكشف الغُمَة” ، وكتاب مازال مفقود حتى الآن وهو “الإشارة والإعلام ببناء الكعبة والبيت الحرام” ، وكتاب “الإلمام بمن فى أرض العبث من حلول الإسلام عام 839ه فى مكة” ، وكتاب “إمتاع الأسماع فيما للرسول من الحفدة والأتباع (شمائل البنى والنبوات وآل الرسول صلى الله عليه وسلم والسيرة النبوية والمعجزات والغزوات من حيث أخبار حوله حيث حديثه وأحكامه وأعماله وحقائق حياته)” ، وكتاب “البيان والإعراب عما فى أرض مصر من الأعراب (قبائل سكنت مصر)” ، وكتاب آخر غير منشور يُسَمَى “البيان المفيد فى الفرق بين التوحيد” ، ومؤلفات وكتابات أخرى لا تُعَد ولا تُحصى جعلت المقريزى متفرداً من نوعه.[34]

كتاب”إغاثة الأمة بكشف الغمة”: تتضح أهمية الكتاب من خلال شهادة الكثير من المؤرخين حيث أَكَدَ عليه “جرجس زيدان” بقوله أن الكتاب بمثابة مرجع للناس فى حالة مصر السياسية والإجتماعية ، كما أَكَد عليه أيضاً أحد مؤرخى مصر الإسلامية وهو “محمد عبدالله عنان” الذى يرى أهمية كتيب المقريزى ومدى تَأَثُر المقريزى بابن خلدون لدرجة بعيدة المدى ، ومدحه “شاكر مصطفى” فى كتابه “التاريخ والعرب والمؤرخون” أن كتيب المقريزى من خير ما كُتِبَ عُمقاً وفهماً واستعراضاً. يقصد المقريزى بالغمة فى عنوان الكتيب “إغاثة الامة بكشف الغمة” أزمة (806-808)ه التى اختلفت أسبابها الجوهرية فى الازمات السابقة لها التى ارتبطت بقصور وفيضان النيل وارتفاع الأسعار والغلوات أما تلك الازمة من وجهة نظر المقريزى كانت بسبب سوء تدبير الزعماء والحكام لشئون البلاد وغفلتهم عن مصالح البلاد والعباد. [35]

الدواعى لتأليف كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة”: ألَفه المقريزى من منطلق اقتصادى حيث البحث والتقصى فى ظروف اقتصادية قاسية وأزمة خانقة عايشها وقاسى منها والتى من شأنها وضع فيها ثمن باهظ ترك عمق الأثر فى نفسيته ووجدانه ، فكانت الأزمة من وجهة نظر المقريزى هى المجاعة التى حلت بمصر واستمرت بصفة متقطعة (796-808)ه حيث كان أيضاً الداعى للتأليف يتمثل فى انتشار وباء خطير جداً فى ذلك الوقت ألا وهو الطاعون الذى ذهب ضحيته ابنة المقريزى الوحيدة. عندما عالج المقريزى سوء الحالة الإقتصادية بَحَثَ فى أسباب الداء وفتش عن الدواء فكان يكتب بأحاسيسه ويسجل مايراه فى كتاباته وما أحسه بفؤاده ليس فقط مايسمعه ، واستهدف المقريزى من ذلك الكتيب توضيح حقيقتين: الأسباب التى نشأ منها ذلك الأمر العظيم وحال العباد فى ظِل هذا البلاء ، ومايزيل الداء ويوضع الدواء. فتنبع أهمية كتاب المقريزى “إغاثة الأمة بكشف الغمة” أنه بمثابة دراسة ناقدة تحليلية يغلب عليها طابع اقتصادى اجتماعى فهو ينتقد الكثير من الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية فى عصره وكذلك تصرفات الحكام ومايربطها من سوء ، فالكتاب شغل بال الكثير من الدارسين والمحللين حيث قام “جامع بن عمق” بالتعمق فى شرح هذا الكتاب بإيجاز يجعله يتطرق لظاهرة فكرية لها تطوراتها وأهميتها فالكتاب بالرغم من صغر حجمه إلا أنه شغل أهمية خاصة فالكتاب مايميزه هو أن أحد فصوله “شذور العقود فى ذِكر النقود” أصبح كتاباً مستقلاً بذاته لأهميته. فكتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” به غشارات علمية معقولة ذات أهمية للمشتغلين بكتابة التاريخ المصرى فى العصور الوسطى.[36]

المبحث الثانى: تفسير المقريزى للأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة”

بعد التطرق للمقريزى ذاته صاحب كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” وحياته ونشأته والعوامل التى أثرت فى فكره وتلقيه العلم على مشايخ عدة وسفره وكذلك مؤلفاته فعلينا أن نلقى الضوء على ما خصصناه من أجل الدراسة والبحث وهو كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى من خلال تفسير الأزمات التى ذكرها المقريزى فى الكتاب وكذلك عوامل ظهورها ، ولكن قبل النظر لتلك الأزمات ومحاولة تفسيرها وإدراك العومل التى أدت لظهورها علينا أن نتطرق لتفسير عنوان الكتاب ذاته “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ومحاولة التعرف على دلالة كل كلمة مُشار إليها فى عنوان الكتاب فنحن لانتحدث بتاتاً عن دراسة نظرية بحتة بل عن موضوع بعينه لمحاولة التدخل فى الواقع ومواجهة كافة التحديات التى تواجهه من أجل تغيير هذا الواقع للأفضل.المعنى اللغوى لكلمة “إغاثة”: كلمة إغاثة مفرد وهى مصدر أَغاثَ وتعنى إسعاف-إعانة-نجدة ، والإغاثة من الغوث وهى الإعانة والنصرة لذى حرجٍ واضطرارٍ ، والمغيث هو المنقذ من الشدة ، المفعول من كلمة إغاثة هو مُغاث ومعنى أغاث بائساً أى أعانه ونصره وقدم له المساعدة ، وقول الله عز وجل “يُغاثوا بماءٍ كالمُهْل”[37] أى أغاثهم الله برحمته وكشف شدتهم وأغاثهم بالمطر أى أرسل المطر عليهم ، فالإغاثة تدل على وجود أزمة ولابد من وجود مستغيث ، فالعملية اسمه الغوث والمطر اسمه الغيث. المعنى اللغوى لكلمة “أمة”: كلمة أُمّة اسم وتُجمَع أمم والأُمّة هى الوالدة وتعنى الجيل أو الرجل الجامع بخصال الخير ، وتعنى جماعة من الناس تجمعهم روابط تاريخية مشتركة مثل اللغة أو الدين أو الاقتصاد ولهم أهداف مشتركة فى العقيدة أو السياسة أو الاقتصاد . قد تأتى بمعانٍ متعددة فمثلاً فى قول الله تعالى “وقال الذى نجا منهما وادّكَرَ بعد أُمّةٍ” [38] فكلمة أمة هنا تعنى بعد مدة من الزمن ، وقد تأتى بمعنى الملة كما فى قول الله تعالى “إنّ هذه أمتكم أمةً واحدةً” أى ملتكم ملة واحدة. كلمة أمة قريبة من كلمة أم وهى من الفعل الثلاثى “أَمَمَ” أى قَصَدَ واتجه فأُم الشئ هو أصله ورئيس الجماعة يسمى أمهم ، والشخص الجاهل الذة بقى كما ولدته أمه هو أُمّى فكلمة الأمم فى القرآن الكريم تُنسَب إلى البشر وغير البشر.[39] المعنى اللغوى لكلمة “كَشْف”: كلمة كَشْف اسم من المصدر كَشَفَ وتحوى على معانٍ شتى فقد تعنى إظهار شئ مخبوء ورفع الغطاء أو إظهار شئ مستور ، وقد تعنى البحث أو الاستحقاق أو الاستطلاع ، وقد تعنى إزالة كما ورد فى القرآن الكريم فى قوله “ربنا اكشف عنّا العذابَ”[40] ، وتعنى كشف حقائق الأمور أى إظاهرها ، ومصدرها السداسى لها هو اكتشاف والمفعول مٌكتَشَف. المعنى اللغوى لكلمة “غمة”: كلمة غمة اسم من المصدر غَمّ وغُمَم جمع غُمّة ويمكن أن تُجمع غمامات وغمائم وغَمام ، والغَمامة تعنى سحابة يتغير بها وجه السماء ، وتعنى مغموم أى مهموم وحزين وكئيب ، والكلمة بوجه عام تأخذ المعنى السلبى حيث تحمل معنى الكَرْب أو الاضطراب أو الحزن أو الألَم . فاستناداً إلى فِكر المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” وبعد تحليل عنوان الكتاب لابد من معرفة المعنى الإصطلاحى لعنوان لكتاب وهدفه الرئيسى حيث: نلاحظ ثنائية فى عنوان الكتاب حيث إغاثة الأمة و كشف الغمة حيث أن الأمة واقعة تحت غمة والإغاثة تتحقق عن طريق الكشف والغمة تغطى الأمة إذن فالإغاثة للأمة والكشف للغمة ، نجد أن الأمة هى مجموعة من الناس فوقها غمة تزعجها فيأتى الغيث أى المطر حتى يقوم بدور هام وهو إزالة هذه الغمة.[41]

أزمات الدولة الفاطمية

الأزمة فى عهد الحاكم بأمر الله: فى عام 387ه حدث قصور وانخفاض فى مستوى مياه النيل وانحطت قيمة العملة مما تبعه ارتفاع فى أسعار السلع الغذائية فقام الحاكم بامر الله باتخاذ قرارات حاسمة للتدخل فى هذا الامر من بينها مراقبة أسعار السلع والغلات وجمع العملات واعادة ضربها حيث كان يتم التلاعب بين العملات بين العملات النحاس والجنيه الذهب فى ذلك الوقت حتى يعيد لها قيمتها الحقيقية ، كانت طبيعة الحاكم بأمر الله استبدادية وظهر ذلك واضحاً فى تهديد التجار بأنه سيقوم بإعدام كل شخص وحرق منزله ونهب أمواله اذا ثبت وجود غلال مخزونة ولا تباع من خلال قيامه بمفاجأة التجار فى خزائنهم فاذا وجد أحدهم لديه مخزون لا يباع سيعدمه ويصادر أمواله ثم بلغ التجار أنه سيذهب الى صلاة العصر فى جامعه فإذا عاد ووجد مكان فى الطريق لا تباع فيه الغلال سوف يعلق رؤوسهم على المشانق ثم عندما عاد من الصلاة وجد السلع والغلال تباع بأرخص الاسعار . كان تفسير تلك الأزمة أن عملية احتكار العرض أدت لزيادة الطلب على الغلات فارتفعت الأسعار فهو أزال الإحتكار بالطرق القانونية وبالتالى عادت الأسعار كما كانت وحدث توازن بين العرض والطلب فانخفضت الأسعار.[42]

الأزمة فى عهد الخليفة المستنصر بالله : حَكَمَ المستنصر بالله فترة طويلة من عمره فقبل الشدة المستنصرية حدثت أزمتان قبلها فالشده المستنصرية استمرت لسبع سنوات من( 457 -464)ه ففى عهد المستنصر بالله حدثت نفس الأزمة وكأن الأزمات تحدث على نمط واحد بمعنى وجود نمطية فى حدوث الأزمات فحدث قصور للنيل وخلو المخازن السلطانية فكان يتم ملء المخازن بالغلات ولكن مع الأزمة أصبحت المخازن السلطانية خالية فقصور النيل يعنى وجود أراضى لم تكن تُزرَع وبالتالى قل المعروض من السلع والغلات وترتفع أسعار السلع ويصبح قسط من الناس لا يقدرون على شراء السلع فينتشر الجوع فى مساحات واسعة ، فيقول المقريزى “حلت هذه الازمة بإرادة الله وحسن نيته فى عبيده بغير موجب ولا فاعل فى المسألة” فما حدث هنا هو اعادة آليات العرض والطلب للعمل بواقعة بسيطة جدا فانقضت الأزمة دون أى تَدَخُل ( تلك الواقعه كانت عبارة عن خفض أسعار الخبز من جانب أحد الخبازين البسطاء لكى يستطيع بيع الخبز الموجود فى الدكان وبذلك استطاع التخلص منه قبل ان يتعفن فاشتكاه القيِم _ وهو من يشرف على عملية البيع والشراء داخل الأسواق _ إلى المحتسب فأتى المحتسب وضرب الخباز فاشتكى الخباز للقاضى والقاضى أنصفه فهو رأى أن الغلات مِلك له وهو يستطيع تدبير أمورها سواء ببيعها مجاناً او بأي سعر وأعطاه مكافأة مالية فأخذ الخباز تلك المكافأة وخبز به قدر من الخبز وباع الرطل بأقل من عشرة دراهم فبدأ الخبازون يتنافسون مع بعضهم حتى يبيعوا مخزونهم فانخفض سعر الرطل من الخبز انخفاضا شديدا دون أى تَدَخُل فهى آليات العرض والطلب والمنافسة بين المنتجين أدت لإنخفاض الأسعار فلما انخفضت الأسعار بيعت الغلات والسلع وانتهت الأزمة.[43]

حدثت أزمة أخرى عام 487ه تشبه الازمة السالفة الذِكْر ألا وهى قصور فى النيل وخلو للمخازن السلطانية جعلت هناك الكثير من التساؤلات تتعلق بفكرة الإستفادة من الازمة الماضية المشابهة وعدم تكرارها ويرجع ذلك إلى أنهم لم يتعلموا من الازمة الماضية ؛ لأن هناك فساد يجعلهم يفرغون دائما الخزائن من السلع الموجودة بها  فاشتد الأمر على الناس إلى ان قال المقريزى “فصار الخبز ترفة” فالمقصود من الترم فى هذا الوقت هو توافر الفاكهة مثلاً لكن فى وقت تلك الازمة أصبح الخبز ترفة ولكن كان الوزير حازما فأوقف تلاعب التجار بأسعار السلع واحتكارهم لها وفرض التسعير الجبرى للسلع – ما حدث ان كبار التجار كان يشترون حصص الدقيق من صغار التجار ويحتكرونها مقابل دفع الغرامات التى على عاتق صغار التجار الى الحكومة وكان هناك سجلات لدى الدولة تحدد حركة البيع والشراء_ ومن خلالها استطاع الوزير معرفة مَنْ هم كبار التجار الذين احتكروا سوق الغلال والطحين وباعوا السلع بالأسعار التى يحددوها بزيادة كبيرة عن السعر الذي اشتروه به حصص الدقيق والغلال من صغار التجار فقام الوزير بشراء كل السلع من كبار التجار ويكون مقدار الربح  للوحدة دينار واحد فقط فكانو من الممكن ان يربحو فيها عشرة او خمسة عشر دينار إذا باعوها فى الاسواق ولكن قام الوزير شراء السلع منهم قبل ان يقوموا بذلك وبيعه لصغار التجار بالسعر الذي يحدده مرة اخرى فتدخل الوزير كمشترى ومحدد للسعر فانتهت الازمة ، بفضل حُسْن التدبير فذلك الوزير كان حازما فهو كشف كبار التجار الذين يتلاعبون ويشتروا الغلال والأغذية من صغار التجار فهو اشتراها منهم وجعلهم يربحون فيها ولكن ليس بنفس مقدار الربح اذا كانو قامو بالاحتكار فانحلت الازمة عن طريق السعر الجبرى الذي فرضته الحكومة حينها.[44]

الشدة المستنصرية نفسها يرجع سببها إلى ضعف السلطة وضعف الحكم ثم أتى بعد ذلك انخفاض النيل كل هذا أدى إلى وجود أزمة مؤكده ونلاحظ أن العنصر الطبيعي فى الأزمة هو عنصر واحد أما بقية العناصر المسببة للخلل فى الحكم هى عناصر بشرية مما أدى الى ارتفاع اسعار الغلات وانتشار الوباء وتعطلت الأراضي عن الزراعه ونقصت السلع وانتشر الجوع وأكل الناس القطط والكلاب وأكلوا البشر ولكن فى مسألة أكل البشر هي مسألة شائعه فى كثير من أزمات التاريخ ولكن لربما كانت هناك كثير من القصص التى تحمل قدر من المبالغة ولكن كل تلك الروايات تؤكد ان عملية أكل لحوم البشر كانت موجودة حتى لو اعتبرنا أن كل هذه القصص تحمل مبالغات ولكن هذا لا ينفى وجودها خاصة فى الشدة المستنصرية التى هلك فيها ما يقرب من ثلث سكان مصر الذين هلكوا من الجوع والمرض ويذكر المقريزى أن الناس قبل ذلك كانو يرجعون الازمة الى ابتلاء من الله او قصور فى النيل او انتشار الاوبئة ولكن الازمة اشارت الى السبب الحقيقى للازمة وهو وجود ذلك الرجل وسوء ادارته للبلد فيقول المقريزى “فتدارك الله الخلق واجرى النيل وانكشفت الشدة وفرجت الغمة” فهو يود ان يقول ان حسن ادارة الازمة يستهدف الى نيل رضا الله فتنكشف الازمة الطبيعية فالمقريزى رجل مسلم يعلم ان الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وبالتالى هو يؤمن بفكره التواصل بين الطبيعه وقدره الله فهى غير معزولة عن الطبيعة والإنسان بل أن هناك تفاعل دائم بين الله وبين الناس على مستوى الفرد والجماعة..[45]

الأزمة فى عهد الآمر باحكام الله : حدثت فى عهده أزمة (1101-1130)م مشابهه بغلاء شديد فى الأسعار واختفاء السلع ولكن كان لديه وزير حازم كان يعلم التجار المحتكرين فقام بختم مخازن الغلال وخير التجار بين أمرين أولهم فك الختم مع بيع السلع بالسعر الاجبارى الذي يحدده او اذا لم يريدوا الالتزام بذلك السعر فسوف يترك الختم حتى تأتى الدفعه القادمه من الغلال ففى الوقت الذى فيه أزمة يقوم التجار باستيراد البضائع من المناطق المجاورة فهو أراد أن يضيع عليهم فرصه الاحتكار فاذا جاءت البضائع فى المرة القادمه سيكون المخزون وفيرا وينقضي الاحتكار فبعض التجار قبلوا ورضخوا لتفاوض الامر باحكام الله وباعوا السلع وفقا للسعر المحدد والبعض الاخر رفض وذكر انهم سيحتفظوا ببضائعهم فقام الوزير بعمل تقدير لمقدار ما يحتاجه الافراد يومياً من الدقيق والغلال ومقدار ما اخرجه هؤلاء التجار فبذلك يحدد المعروض والمطلوب ويستطيع ان يحدد الفارق الذي بدوره يصنع الازمة فدفع به من المخازن السلطانية فوفرت المقدار الذي يحدد الفارق بينهم ثم أتت الدفعات الجديدة من الغلال فالتجار الذين رفضوا بيع بضائعهم أخرجوها خوفاً من امتلاء المخازن بالسلع ففى الاول والاخير لتلك السلع الغذائية عمر محد ثم تتعقن وتنقضى.[46]

الأزمة فى عهد الحافظ لدين الله: حدثت أزمة (524-544)ه غلاء كبيرة مع قحط شنيع وهذه الأزمة كانت مؤقتة ؛ نظراً لأن الوزارة لعبت دور هام فى تلك الأزمة من خلال تأديب المحتكرين خاصةً الذين يزيدون الأسعار إلى أن أصبح الجميع ينفذ الأوامر ولم يتجاوزوا الحد فتلك الازمة انتهت بفضل الله تعالى بانتشار الرخاء وكَشْف البلاء.[47]

الأزمة فى عهد الدولة الأيوبية: فى عام 546ه ، حدثت فى الدولة الأيوبية ما يمكن أن نسميه بأزمتين ألا وهما أزمة قصور مياه النيل حيث أصبحت الأراضى بور من قلة المياة وفنيت الزروع وقل الطعام وفنيت الأقوات ، وأزمة انتشار الأوبئة والأمراض التى أفنت حياة الناس جميعهم أصبح الجثث على الطرقات مايقرب من أئتى ألف وعشرين ألف ميت من كثرة الأمراض والجوع أيضاً. كانت نتيجة ذلك كله فى عهد العادل أبى بكر بن أيوب أن أصبح الناس يأكلون أطفالهم حقاً لما تعرضوا له من قسوة فى المعيشة إلى أن مَنَ الله عليهم بانفراج الأزمة وحَلَ الرخاء وعلى الرغم من وجود الغلال والخبز إلا أن انتشر السوس فى جميع الأراضى ولم ينتفع أحد من تلك الغلال فتم التخلص منها ، ويرى المقريزى أن هذا عقاب كبير من الله سبحانه وتعالى لأولئك الذين احتفظوا بالغلال ولم يخرجوها للشعب إلى ان أهلكهم الله وأماتهم موتة شنيعة جداً كما حاول المقريزى التطرق لهذا الأمر ؛ نظراً لإيمانه التام بأن الله سبحانه وتعالى له اليد العليا فى كل الأمور والأحداث مما يجعله متيقناً بفكرة قضاء الله وقدره وأن إن يشأ الله يعاقب خلقه على مابدر منهم يفعل ذلك ، وهذا يظهر مدى تأثر المقريزى كمفكر اسلامى بالكتاب والسنة كأحد أهم المفكرين الإسلاميين فى العصور الوسطى .[48]

الأزمات فى عهد الدولة التركية: عام 696ه، يمكن أن نلخص تلك الازمات فى كلمتى التضخم والوباء فكان التضخم بسبب قصور مياه النيل الذى عقبه ارتفاع أسعار لكافة الغلال والتى بدورها جعلت الجميع يعانى من ذلك الأمر حيث فناء الارض لقلة المياه وبالتالى غلو المحاصيل المباعة إلى أن حدث التضخم الذى جعل الهلاك يلاحق الجميع وزاد هذا أكثر ماحدث من تأخر المطر فحل القحط بعينه فى البلاد مما عَرَضَ ميزانية الدولة للخلل الذى جعل الولاة يطرحون البضائع بأثمان باهظة ، وحتى المحاصيل التى كان من الممكن الانتفاع بها واعتبارها حل مؤقت إلى أن تنحل الأزمة جاءت رياح شديدة أهلكت تلك المحاصيل فارتفعت الأسعار أكثر فزاد التضخم أكثر فأكثر. أما أزمة انتشار الأوبئة والامراض فى ذلك الوقت نجد أن الله أراد أن تصاحب تلك الرياح أوبئة عمت سائر الناس ولكن عظم الأمر فى القرى والأرياف وأصبت الأمراض فى كافة أرجاء القاهرة ومصر إلى أن أصبح الموت هو المصير الذى يلحق بكافة المرضى ، ونتيجة لذلك الأمر زاد الطلب على الأطباء وكان ما يتقاضوه مقابل محاولة إنقاذ مايمكن إنقاذه كبير جداً فكانت أيام شديدة جداً على الجميع لما حل بها من غلاء وأمراض. نجد أن تلك الأزمات انتهت بأعجوبة ألا وهى خروج رجل قائلاً بأن الله وعد الأمة بسبع سنين نافعة ثم مات فاعتبروه الناس مبروكاً وأخذوا من شَعْرِه للتبرك وعرف الناس بالأمر وأقبلوا عليه ، ولكن هذا لايصح قوله بالمنطق بل أن الله أراد أن تنفرج الأزمة وانتهى الوباء وانتهى الغلاء وحل الرخاء بفضل من الله سبحانه وتعالى.[49]

المبحث الثالث: رؤية المقريزى لعلاقة الأزمات بخراب العمران

بعد الإلمام ببعض خيوط كتاب المقريزى “إغاثة الأمة بكشف الغمة” حيث التعرف عليه كاحد أهم المفكرين الإسلاميين فى العصور الوسطى وإنجازاته ومن ثَمَ تطرقنا إلى عبقريته الملحوظة فى تناوله لكافة الازمات فى عصور وفترات مختلفة لدول عديدة بداية من الدولة الإخشيدية حتى الدولة التركية ومعرفة عوامل ظهور تلك الأزمات وكيف انتهت ، لابد من الإلمام بالخيط الأخير من هذا الفصل وهو محاولة التعرف على رؤية المقريزى لعلاقات الأزمات التى عرضها فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” بخراب العمران الذى استعان به من خلال إحدى رسائل بن خلدون “الظلم مؤذن بخراب العمران”. استنبط المقريزى أطروحة من أهم أطروحات أستاذه “عبدالرحمن بن خلدون” فى أحد رسائل بن خلدون ألا وهى “الظُلم مؤذِن بخراب العمران” عند وضعه الإطار النظرى الذى فَسَرَ من خلاله كافة الأزمات التى طرحها فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فقبل التطرق إلى متوالية خراب العمران التى استعان بها المقريزى فى تحليله للأزمات لابد من تحليل عنوان رسالة بن خلدون “الظلم مؤذِن بخراب العمران” ، فنجد عن تحليل العنوان أنه يتكون من متغيرين أحدهما مستقل يتمثل فى “الظُلم” والآخر تابع يتمثل فى “العمران” فالمقريزى تشغله بشدة قضية رئيسية هى قضية العمران سواء أكان فى إحدى حالتيه الإزدهار أو الخراب ، هذا يقودنا إلى تحليل كلمة عمران فلفظ عمران يُطلَق على الأرض بأكملها كما أن هذا يرتد إلى كلمة عُمْر أى الحياة بكافة أشكالها الإنسانية وغير الإنسانية . أشار الفقهاء المسلمون إلى ثلاثة مراحل من العمران مُمَثَلَة فى ثلالث مستويات:

  • المستوى الضرورى: هذا المستوى يؤكد ضرورة الحفاظ على أشياء مجرد فقدانها تنتهى الحياة كالعقل مثلاً.
  • المستوى الحاجى: هذا المستوى يعين على وجود أمور تساعد الفرد وتهون المشقة فالحاجة إليها مساعدة.
  • المستوى الكمالى: هذا المستوى بمثابة زيادات تكميلية فقدانها لايؤثر تأثير جوهرى فيمكن الاستغناء عنها.

فمرور العمران بالمستويات الثلاثة التى حددناها _الضرورى/الحاجى/الكمالى_ تعمل على ترقية العمران وبهذا نكون حاولنا معرفة معنى العمران ، ومن ثَمَ تأتى الحاجة لمعرفة الاتجاه العكسى لترقية العمران مُمَثَلاَ فى “خراب العمران” فالخراب بمعناه العام والشائع يعنى الهدم والانكسار والتفتت والدمار وما يوازيه من معانٍ أخرى تؤدى حقاً للموتان لا الحياة والهدم لا البناء والخراب لا الازدهار وهذا المعنى _خراب العمران_ هو الذى ركز عليه المقريزى فى تحليله لكافة الأزمات التى عرضها فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة”.

أما الجزء الثانى من عنوان الرسالة “الظلم مؤذن بخراب العمران” وبعد تحليل الجزء المتعلق بالمتغير التابع “خراب العمران” نتطرق إلى المتغير المستقل “الظلم مؤذِن” فيمكننا تعريف الظُلم بتعريف نقيضه العدل حيث إحقاق كل ذى حقٍ حقه بغض النظر عن فكرة المساواة فلا علاقة بالعدل والمساواة تماماً ولايمكن الإقرار بأن المساواة تقودنا للعدل أو العكس ؛ نظراً لأن بعض الأمور يتحقق العدل فيها بعدم المساواة ، أما الظُلم فهو الاستيلاء على حقوق الآخرين على عكس العدل تماماً فلابد لنا العِلم بأن الظُلم بمثابة قضية فى جوهر السياسة التى تُعرَف لدى الكثيرين بأنها “التخصيص السُلطَوى للقيم”. فعند النظر إلى أطروحة “الظلم مؤذن بخراب العمران” نجد انها تتحدث عن العمران باعتباره يشمل كافة أشكال الحياة والبناء والإزدهار كمتغير تابع والظلم على انه نمط معين من الأنماط السياسية على انه متغير مستقل وبالتالى هناك إعلاء من العنصر السياسى ، فالأطروحة معبرة عن علاقة بين متغيرين والذي يحدد طبيعه هذه العلاقة هي كلمة “مؤذن” حيث نجد أن كلمة مؤذِن تأتى بمعنى العِلم بالشئ وجعله مُهَيأ ويأتى منها اذان مثل آذان الصلاة وبمعنى استماع أو بمعنى آخر كالسماح وطلب الإذن . فالمصطلح يعنى أن الظلم يأذن بدخول الخراب على العمران أى يسمح بدخوله . وتلك الأطروحة يمكن وصفها كصورة بيانية بتشبيه كأن هناك حاجز او سد بين الخراب والعمران فيأذن الظلم للخراب بالدخول للعمران ، فالعلاقة بين الظلم وخراب العمران ليست علاقة مباشرة فهناك مجموعه من المتغيرات التى يأذن الظلم بدخولها فتحدث من هنا متوالية خراب العمران التى اتخذها المقريزى كسبب أساسى فى تفسير الأزمات.[50]

إن رؤية المقريزى لعلاقة الأزمات بخراب العمران حصرها فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فى ثلاث عوامل تؤدى بالفعل إلى خراب العمران فالعامل الأول يتعلق ب ولاية المناصب وذكر أن ولاية المناصب تتم بالرشوة سؤاء كانت مناصب ادارية او دينية وذكر ان هذا السبب هو أصل الفساد نتيجة وصول كل جاهل ومفسد وظالم إلي منصب عام لم يكن يطمح أن يصل إليه لكن وصل إليه من خلال الرشوة وهذا سوف يأخذنا الي انه سوف يتخذ هذه الوظيفة لتحقيق أهدافه الشخصية و سيهمل مصالح العباد فيتحول المنصب الي أداة للكسب الشخصي ، وبالتالي الوظائف التي يجب ان يقوم بها هذا المنصب على أرض الواقع لا تتحقق ويرى المقريزي أن هذا السبب في قمة الأسباب او في قمة أشكال الظلم ويحدث ذلك من خلال اتصال أحد بأتباع السلطان ومن خلال هذا الاتصال يمرر رسالة إلي السلطان أنه يعده بمبلغ مالي معين اذا تولى هذا المنصب فالسلطان يؤكد موافقته ، وهذا الشخص يرغب في استغلال هذا المنصب من أجل جمع المزيد من الأموال من خلال الاستدانة ويبدأ الديانة في الضغط عليه من اجل استرداد اموالهم فيبدأ في غض النظر عن أعمال النهب التي يقومون بها ولكن هذا لا يسدد الديون فيبدا هو في تكليف أتباعه في نهب اموال الناس ثم ياتي شخص اخر يقدم للسلطان عرض اكبر فيعزله السلطان فاما يترك المنصب او يعد السلطان بمبلغ أكبر ويستمر هذا الفساد في ولاية المناصب العامة . نتيجة هذا أنه يتم فرض المغانم والمظالم على أهل الريف فيقول المقريزي “فتمزقت كل ممزق” فالهجرة تؤدى إلى انخفاض رقعة الاراضي المزروعة وبالتالي انخفاض كمية المحصولات الزراعية وارتفاع أسعار الحاصلات الزراعية ثم انخفاض عوائد الدولة التي تفرض على العوامل الزراعية عندما تفرض الدولة ضرائب أكثر ستستفيد أكثر من خلال قرارات الفلاحين بترك كل أراضيهم فيقول المقريزي “المشكلة في ان ولاة الامر لا يدركون هذه المسالة بل يستمرون في بيع المناصب وفرض مزيد من الاموال فتزداد غباوتهم ويزداد اعراضهم عن مصالح العباد ولا يدركون ان اسباب نقص العوائد جاءت من بيع المناصب” وعندما تقل حصيلة الأموال التي تعود إليهم يبيعون المزيد من المناصب وبالتالي السبب يزداد والنتيجة تتفاقم رويداً رويداً.[51]

العامل الثانى متعلق ب غلاء الاطيان حيث غلاء الإيجارات الزراعية من خلال مجئ أتباع الأمراء الذين يمتلكون إقطاعات زراعية ممنوحة إليهم من الأمراء فى القاهرة ومن ثَمَ يقومون بتأجير تلك الأراضى للفلاحين من أجل زراعتها ، وتزداد الإيجارات والضرائب المفروضة على الأراضى الزراعية إلى أن وصل الأمر فى كثير من الأحيان إلى ارتفاع قيمة المحاصيل التي ينتجها الفلاح فلابد له ان يعوض كل هذا وفي كثير من الأحيان لا يستطيع ان يسدد هذا الايجار فيترك الارض فتتعطل الاراضي والزراعة وتقل الغلال وتزيد أسعار الغلال مرة بسبب ارتفاع تكلفة الانتاج ومرة بسبب انخفاض الكمية ، فالفلاحين لايقومنو بشئ سوى الزراعة وعندما تأخذ من الفلاح الأراضى هذا يؤدي الي موت الفلاحين وتشردهم مما يؤدى غلى دمار إقليم مصر بالكامل.[52]

العامل الثالث متعلق ب رواج الفلوس وهو عامل خفي إلى حدٍ ما بخلاف العاملين السابقين ولذلك ربما لخفاء هذا العامل أطالَ المقريزي في تناوله له فالنقود تقوم بثلاث وظائف الوظيفة الاولى هى وظيفة التبادل ثم أنها معيار للقيمة حيث يتم تقييم السلع من خلال النقود فحسب ثم هي مخزن للقيمة ، والنقد له شكلين الدينار كامل الذهب و الدرهم كامل الفضة حيث أن لكل عملة وزن معين فيقود لسعر صرف معين بمعنى اختلاف السياسة النقدية بين الحكومات المختلفة يتعلق بتغيير وزن الذهب في الدينار ووزن الفضة في الدرهم ويتعلق احيانا بإدخال النحاس في صناعة الدراهم فلا تصبح الدراهم من الفضة فقط وانما أصبحت ثلثين فضة وثلث نحاس فتَغَيُر موازين العملات يؤدي الي تغير قيمتها وتغير أسعار التبادل بين العملات المختلفة فالتلاعب فى قيمة العملة من اجل تخفيضها فكان الحكام فى البداية يحصلون على مكسب حوالى عشرة آلاف درهم ثم مائة ألف درهم في حين أن العشرة آلاف درهم كان يتم الإدخار منهم على عكس المائة ألف درهم التى بدورها تقتصر على تغطية نفقات المعيشة ففكرة رواج الفلوس متعلقة بتخفيض قيمة العملة فتقود لانهيار الاقتصاد من الداخل.[53].

إن عوامل حدوث خراب العمران لم تكن تشمل فئة واحدة بعينها بل جميع الطبقات فقام بحصرهم فى سبع طبقات تتمثل فى:

الطبقة الأولى (أهل الدولة): وجد المقريزى أن تلك الطبقة استفادت من المحن التى مرت بها البلاد مما جعلهم يجورون ويظلمون ويحصلون على ثروات مالية كثيرة ، وكسب الأموال لايعنى تماماً تحسين الأحوال نظراً لأن أهل الدولة كانوا يوفرون الأموال بدلاً من الخراج فيرى أن تلك الطبقة هى السبب الرئيسى الأول وراء تلك الأزمات ذاكراً “ولا يحق المكر السئ إلا بأهله” مؤكداً أن هلاكهم نتيجة أفعالهم. الطبقة الثانية (كبار التجار): يرى المقريزى أن تلك الطبقة خسرت كثيراً بسبب تدنى العملات فوصفهم المقريزى بالغباء ؛ نظراً لاعتقادهم بأن تدنى العملة يعنى المكسب قائلاً “فمَنْ يُضلل الله فماله من هادٍ”. الطبقة الثالثة (أصحاب الأقمشة وصانعى الأكل): يرى المقريزى أن تلك الطبقة لم تكن تريد ارتداء ملابس باهظة الثمن لكن تلك الطبقة خصيصاً زاد الطلب عليها من هؤلاء أهل الدولة -أصحاب الثروات- حيث الحصول على ثمن باهظ من أجل جلب أقمشة فخمة تتلاءم مع الطبقة الحاكمة ، ووصف المقريزى تلك الطبقة بالجشع فهم لا يريدون سوى المال والاتصال بالطبقة الحاكمة إلى أن أصبحوا يستدينون من أجل الحياة إلى أن أيضاً انتهى المطاف بهم بالهلاك جزاء أفعالهم. الطبقة الرابعة (أصحاب الفلاحة والحرث): قَسَمَ المقريزى تلك الطبقة إلى طائفتين أحدهم الفلاحين الذين تعرضوا للهلاك نتيجة قصور مياه النيل التى منعتهم من زراعة الأراضى الزراعية وكذلك هلاك المحاصيل المزروعة ، وطائفة أخرى يمثلون أصحاب الثروة الذين قاموا بشراء الأراضى الزراعية وتأجيرها لهؤلاء الفلاحين ومن ثم فرض ضرائب باهظة تمكنهم من الإستفادة منها إلى أن هلكوا أيضاً جوعاً ومرضاً. الطبقة الخامسة (الفقهاء وطلاب العِلم والموظفين والأجناد): تلك الطبقة كانت بين الحياة والموت ونجد الغريب فى الأمر أن المقريزى لم يُبَرئ تلك الطبقة التى كانت لاترغب فى العيش للسوء الذى يواجهوه. الطبقة السادسة (أرباب المهن والاجراء والحمالون والخدم والسواس والحاكة والبناة والفعلة نحوهم): وجد المقريزى أنهم لم يبقى منهم إلا القليل جداً منهم ؛ نظراً للموتان الذى حل بهم جراء تفشلى كافة تلك الأزمات والأوبئة التى أهلكتهم حتى الفناء. الطبقة السابعة (أهل الخصاصة والمسكنة): كانت أكثر الطبقات تَضَرُرَاً ؛ نظراً لِما عانوه حقاً من تلك الأزمات والتى بدورها ما أبقت من قليلهم إلا القليل . فتلك الطبقات كانت تمثل دوراً محفزاً ساهم فى خراب العمران كما ذكر فى كتابه بل أكد على أن الظلم حقاً مؤذن من خلال هذه الطبقات بخراب العمران ، فالعمران فى حاجة ماسة إلى طبقات تطبق العدل والمساواة فى كافة أمورهم المعيشية وكذلك دور الطبقات الأعلى فى الدولة والمؤثرة فى كافة الطبقات الأخرى كمتوالية وأيضاً كعقد إنْ فقد جزءاً تأثر بقية الأجزاء ، فلكى تقوم الدولة على العدل المساهم فى العمران لا الظلم المساهم فى خراب العمران لابد من التماسك الطبقى كعقد متماسك.[54]

أخيراً وليس آخراً ، حاول الفصل الأول تقديم تعريف عن المقريزى ونشأته والعوامل المؤثرة فى فكره وأهم كتاباته والدافع وراء كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” تحديداً” مع التطرق إلى مجموعة الأزمات التى عرضها المقريزى فى الكتاب والتى تناول من خلالها عوامل ظهورها والنتائج المفجعة لتلك الأزمات والتى أدت بدورها إلى هلاك الجميع حتى الموتان وهو ماتم الحديث عنه فى إطار رؤية المقريزى للآثار المترتبة على الأزمات فى كتاب “إغاثة الامة بكشف الغمة” إلى أن انتهى بأن المقريزى لم يكتفِ بعرض تلك الأزمات بل قدم اقتراحاً يزيل الداء ويضع الدواء لكل تلك الأزمات كغلاء الأسعار المؤدى للتضخم وقصور مياه النيل وتفشى الأوبئة والأمراض التى بلغت حدتها إلى أن عجز الناس عن تكفين موتاهم. فالمقريزى أثبت أيضاً تأثره بعلاقته بابن خلدون من خلال قيامه بالاستناد إلى أطروحة أو عنوان رسالته “الظلم مؤذن بخراب العمران” مؤكداً على أن لكافة طبقات المجتمع التى أكد عليها دور كبير جداً فى حدوث متوالية خراب العمران التى حدثت نتيجة تصادم العوامل الطبيعية والبشرية ، والتى وضحها فى نموذجه النظرى للمحن الشدائد حيث أكد أن نقطة انطلاق كافة المحن والشدائد هى العوامل الطبيعية ومن ثم العوامل البشرية مستعيناً فى ذلك بالخبرة المرجعية لسيدنا يوسف عليه السلام ، كما ربط المقريزى بين عوامل الأزمات وبين المسببين لتلك الأزمات -الطبقات السبعة- هى بمثابة نتائج تفسير لتلك الأزمات من وجهة نظر المقريزى على المستوى الرأسى.

الفصل الثانى: اجتياج أزمة كوفيد_19 فى الدولة المصرية وتفسير المقريزى للأزمات.

سننتقل بعد ذلك إلى الفصل الثانى من الدراسة الذى يهتم بالأزمة التى يعايشها العالم بأسرِه ألا وهى أزمة كوفيد_19 وتداعيتها الإقتصادية الملحوظة مما صاحبها الكثير من الآثار السلبية فى الاقتصاد وغيره ، فسيتم التركيز على أزمة كوفيد_19 فى الدولة المصرية طبقاً لحالة الدراسة مع التطرق إلى كيفية تفسير المقريزى صاحب كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” لتلك الازمة التى تعايشها الدولة المصرية ؛ نظراً لأن الدولة المصرية شهدت الكثير من الاوبئة والأزمات منذ عهد سينا هود عليه السلام إلى عصرنا الحالى فهناك الكثير من الأوبئة التى استمرت لفترة طويلة العهد لم تنتهِر بسهولة ووجدنا ذلك فى الفصل الأول الذى استعرض مجموعة من الأزمات ليست المتعلقة بالأوبئة فقط بل بالكثير من الأزمات التى أدت لظهور تلك الأوبئة حتى الموتان. عليه سيحاول الفصل الثانى الإجابة على بعض التساؤلات التى بدورها تعين على فَهم الكثير من الأحداث والوقائع التى بمكن ربطها مجموعة من العوامل الظروف المؤدية لظهورها ، ومن أهم تلك التساؤلات ماهو كوفيد_19 أو مايُعرَف بجائحة كورونا؟ وما أهم تداعيات تلك الازمة؟ وإلى أى مدى أثرت الجائحة أو الازمة على الدولة المصرية؟ وما المسار المحتمل لأزمة كوفيد_19 فى الدولة المصرية؟ وأثر تلك الأ.مة على قضايا أخرى كالعولمة والهجرة بشكل عام؟ وكيف يمكننا تفسير أزمة كوفيد_19 وِفق الفِكر المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة”؟ ، ولمحاولة الإجابة على تلك الاسئلة سيتم تقسيم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث على التوالى: ظهور وتفشى أزمة كوفيد_19 ، والآثار المترتبة على انتشار أزمة كوفيد_19 فى قضايا كالعولمة والهجرة ، وإمكانية تفسير أزمة كوفيد_19 بالإستناد إلى الفِكر المقريزى.

المبجث الأول: ظهور وتفشى أزمة كوفيد_19

نبذة مختصرة: فيروس كورونا يُعَد سبباً أساسياً وراء وباء كوفيد_ 19 الذى ظهر وتَفَشَى عام 1441ه / 2019م والذى انبعث مسبباً لجائحة كبيرة شديدة تُسَمَى جائحة كوفيد_19 المستجد القاهر والقاتل حقاً ، بدأ الفيروس مساره وظهوره من دولة الصين الشعبية حتى مَرَ واجتاح العالَم بأسرِه المنتشر الناتج عنه الكثير من الاعتلالات الصحية الشديدة من خلالها تركزها بشدة فى الجهاز التنفسى العلوى والجيوب الأنفية والحَلْق ، والفيروس ليس كائناً حياً بل عبارة عن حمض نووى مع كبسولة من البروتين بالإضافة لبعض المواد مثل الكربوهيدرات هذا يقود لنتيجة أن الفيروس لا يصلح للتغذية أو التنفس بل يتضاعف بدرجة كبيرة مكوناً أعداد هائلة للغاية من خلال دخوله وتفاعله مع الحمض النووى. هذا الفيروس فى مرحلة النشأة والميلاد والتجدد والحيوية التى تجعل من الصعب جداً لمجموعة من الأمصال أن توقفه ؛ نظراً لطريقة تجدده ، ومن ثم فهذا الفيروس المتجدد كغيره من الفيروسات التى تمر بمراحل متتالية بدايةً من الميلاد والتجدد مروراً بمراحل كالنضج والاتساع حتى مرحلة الانحسار والاختفاء التى لم يصل إليها حتى الآن بل يتوسع وينتشر فى بشكل مهول ، فالفيروس بمثابة تحدي صحى يجعل من المهم الالتزام بمجموعة من الإجراءات الوقائية من أجل محاولة التقليل من انتشاره ؛ خاصةً أنه تم إثبات أن اجتماع أعداد كبيرة من الأفراد فى مكان واحد يجعل الفيروس يتجدد وينتشر بسهولة بالغة ترغم الجميع على مواجهة اتخاذ إجراءات وقائية تحميهم من هذا الفيروس القاتل.[55]

كانت بؤرة انطلاق وباء كوفيد_19 من مدينة ووهان الصينية فهو مرض معدِ تم اكتشافه حديثاً بمعنى أنه حديث الساعة فمعظم الأشخاص الذين يصابون بهذا الفيروس يعانون من أمراض تنفسية تبدأ بأن تكون خفيفة ثم متوسطة وفى هذه العلاج تتم معافاة هؤلاء الأشخاص دون الحاجة لتعرضهم لمشاكل أو مضاعفات أخرى. لكن فى حالات كبار السن والذين يعانون من أمراض كالقلب والسكرى والسرطان وأمراض الجهاز التنفسى المزمنة وكذلك مرضى الأوعية الدموية هم الأكثر إصابة بهذا الفيروس وأكثر عرضة للموت ، ولهذا لابد من العِلم بأن الفيروس ينتشر من خلال الإفرازات من الأنف عند سعال الشخص فإن الفيروس ينتشر بسهولة جداً ويتجدد وينتقل من شخص لآخر وهكذا.[56] أعلنت منظمة الصحة العالمية فى مارس 2020م أن فيروس كورونا هيُصَنَف على أنه جائحة مما جعل الكثير من المراكز الخاصة بمكافحة الأمراض والوقاية منها خاصةً تلك المراكز فى الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على مراقبة هذا الفيروس ومحاولة التعرف على هذا الفيروس المستجد ، وتم التوصل من خلال العمل على هذا الفيروس على معرفة أسبابه التى لازالت تزداد يومياً منها المخالطة اليومية الشخصية اللصيقة بين الأفراد حيث تصل المسافة التى يمكن انتشار الفيروس خلالها بين شخصين إلى مايقرب من ستة أقدام أو اثنى متراً فبمجرد انطلاق الرذاذ التنفسى الصادر عند السعال مع عدم تجنبه ينتقل الفيروس باستنشاق الآخر هذا الرذاذ المنطلق ، ولم يقتصر الانتشار على هذا الإجراء فقط بل يمكن انتشاره هوائياً من خلال تَعَرُض الشخص لبعض من الضبائب التى تظل عالقة لفترة وجيزة فى الهواء فعند استنشاق الشخص للهواء يصيبه الفيروس بشكل فورى إلا أن تلك الطريقة الأخيرة من الانتشار لم تكن معروفة كثيراً. كما يمكن الإصابة بهذا الفيروس لمجرد لمس الأشياء والأسطح الغير نظيفة والتى بدورها تساعد على الانتشار فقد صنفت المراكز المكافحة لهذا الفيروس أن طريقة الانتشار بتلك الطريقة غير شائعة ، كما أن إصابة شخص بالفيروس وتكرار الإصابة مرة أخرى غير شائع أيضاً.[57]

بداية انطلاق فيروس كورونا المستجد: انطلقت المرحلة الأولى من الوباء فى 31 ديسمبر 2019م خلال التعرف على حالات شتى من الالتهاب الرئوى لأسباب مجهولة تماماً فى مدينة ووهان الصينية التى تقع جغرافياً شرق الصين البالغ عدد سكانها مايزيد عن أحد عشر مليونى نَسَمَة ، وتم التوصل إلى حقيقة أن فيروسا تاجيا جديدا من عائلة كورونا التى تسببت فى إصابة تلك الحالات بالإلتهاب الرئوى مما اعتقد الكثيرون أنه مجرد وباء سيكون مقتصراً فقط على الجهة التى انطلق منها والمقصود هنا الصين الشعبية إلا أن خاب ظنون الجميع وتحول الوباء سريعاً إلى وباء عالمى بشأنه اجتاح العالَم بأسره. مما صاحب ذلك إعلان منظمة الصحة العالمية بشكل رسمى فى 30 يناير 2020 أن تفشى هذا الفيروس ينشر حالة من عدم الاستقرار الدولى الت جعلت الفيروس يتحول من الفاشية إلى الجائحة فى 11 مارس 2020م حيث اجتاح الفيروس مايقرب من 188 دولة حتى مايو 2020م ، وكانت أولى الدول الكبرى المتضررة من تلك الجائحة هى الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك لكثرة عدد الإصابات.[58] الأعراض الشائعة للوباء: تشمل الأعراض التى من خلالها يتم التعرف على المريض بأن مصاباً بكورونا الحمى والسُعال وإصابة الجهاز التنفسى مع فقدان لحاستى الشم والتذوق مع إصابة الرئتين بمضاعفات شتى مع متلازمة تسمى بمتلازمة الضائقة التنفسية الحادة ، وتبدأ تلك الأعراض فى الظهور من يومين حتى أربعة عشر يوماً.[59]

فيروس كورونا المُستَجَد مابين كونه كارثة طبيعية أو كارثة صناعية: جراء عدد الإصابات والوفيات الناتجة عن كوفيد_19 وانتشارع حالات كبيرة من الهلع والفزع الذى أصاب العالم بأسره فنجد ذلك أيضاً فى الدولة المصرية ، والتعرف على طبيعة هذا الفيروس هام جداً خاصةً أن هناك الكثير من الاتهامات التى من شأنها جعلت هناك صراع ممتد بين العديد من القوى الدولية الكبرى كالصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية خاصةً أنه تم الترويج للكثير من الأقاويل التى حاولت تفسير طبيعة هذا الوباء العالمى. البعض يرى أنها حرب بيولوجية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين الشعبية فتروج العديد من وسائل الإعلام الصينية والروسية على أن هذا الفيروس هو سلاح أمريكى من أجل تدمير الصين الشعبية وبالتالى تحقيق أهداف ومصالح اقتصادية أو دولية للولايات المتحدة الأمريكية ، فى حين يرى البعض الآخر أن اجتياح وتفشى فيروس كورونا المستجد أنه كارثة طبيعية فحتى يتسنى لنا معرفة إن كان هذا الفيروس كارثة طبيعية أم اصطناعة لابد من التطرق لمفهوم الكارثة فى التشريع المصرى.[60]

تعرف الكارثة فى التشريع المصرى وفق المادة الأولى فى الفقرة رقم 37 وفق قانون البيئة المصرى بأنها “الحدث الناجم عن عوامل طبيعية أو فِعل الإنسان والذى يترتب عليه ضرر شديد البيئة وتحتاج مواجهتها إلى إمكانات تفوق القدرات المحلية” ، وتعرف أيضاً وفق قانون الضمان الاجتماعى المصرى فى المادة الحادية عشر رقم 137 على أنها “الحادث الذى يتسبب عنه تلف فى الأرواح والممتلكات ومصادر الرزق نتيجة لعوامل طبيعية أو فِعْل فاعل سواء أكان معروفاً أو مجهول المصدر ، كما أن القانون أقر صرف مساعدات فى حالات الكوارث والنكبات العامة للأفراد والأُسَر وفقاً للأوضاع والقواعد والإجراءات التى يصدر بها قرار من الوزير”.[61] تتمثل الأسباب الكامنة وراء اعتبار فيروس كوفيد_19 كارثة طبيعية فى رؤية الكثيرين بأن لايوجد شك تماماً فى أن الفيروس غير مُصَنَع من خلال قيام مجموعة من العلماء بإجراء دراسة فى معهد سكريبس للأبحاث وقاموا بإجراء تَتَبُع لنشأة الفيروس ومقارنته بالكثير من الفيروسات الأخرى وتم إثبات أن الفيروس ينشأ نشأة طبيعية بلا شك بإلقاء الضوء على تلك المصادر الطبيعية للفيروس وتحليل النموذج الجينى لبروتينات السنبلة _ هو مجال ربط المستقبلات RBD فهو نوع من خطاف التصارع الماسك بالخلايا المضيفة بالإضاف إلى موقع الانقسام الذى هو عبارة عن الجزء الذى يسمح للفيروس بالتشقق ودخول الخلايا المضيفة_ وكذلك التجهيزات التى من شأنها تنتزع وتخترق الجدران الخارجية للخلايا البشرية والحيوانية التى تظهر على السطح الخارجى للفيروس ، فمن جماع ما تقدم يمكننا القول بأن الفيروس بمثابة كارثة طبيعية لا اصطناعية إلا أنه مازال الجدل قائماً حول طبيعة تلك الكارثة ؛ نظراً للحروب الناشئة بين العديد من الدول الكبرى كالولايت المتحدة الأمريكية والصين الشعبية وغيرهم.[62]

تلك الأعراض أصبحت متداولة فى كافة أنحاء العالَم ومن المحتمل حدوثها مع أى شخص داخل أى دولة فنجد على سبيل المثال لا الحصر ووفقاً لحالة الدراسة “مصر” انتشر فيها الفيروس بشكل كبير جداً مما جعل الكثير من المصابين فى خطر ، وهذا جعل الدولة تتخذ كافة التدابير الإحترازية من أجل عدم الإصابة بهذا الفيروس فتلك الأعراض بدأت تظهر فى الدولة المصرية 5 مارس 2020 بإعلان السلطات الكشف عن أول حالة إصابة كانت لشخص مصرى عائد من الخارج بعد أن تم الإعلان مسبقاً عن إصابة اثنين من أصل أجنبى ومن هنا تم انتشار وكانت نقطة الإنطلاق فى الدولة المصرية التى بادرت منظمة الصحة العالمية باتخاذ التدابير لذلك الأمر. أدى انتنشار الفيروس إلى حالات طوارئ صحية وبائية ففى 19 أبريل 2020م تم الإبلاغ فى مصر عن مايقرب من 3144 حالة إصابة بفيروس كوفيد_19 المستجد ولكن تم إثبات أن هذا العدد قليل مقارنةً بحقيقة أعداد المصابين بالفيروس ، وكانت مصر من أكثر الدول العربية الأفريقية تضرراً من هذا الفيروس القاتل حيث سجلت أعلى مخاطر للعدوى فى 14 فبراير 2020م.[63]

الصراع على لقاح كورونا: إن محاولة الحصول على لقاح كورونا هو أمر بالغ الصعوبة مما يمكننا القول بأن الحصول على اللقاح يُنشئ صراع جيوسياسى عالمى بين القوى الكبرى فى سبيل الحصول عليه مما يمثل حرب عالمية ثالثة يكون فيها فيروس كورونا والحصول على لقاح كورونا ، وذلك مع تفشى وباء كوفيد_19 فى العالم بأسرِه _55 مليون حالة إصابة بالفيروس ، أكثر من 1.3 مليون حالة وفاة بسبب الفيروس_ أُصيب العالَم بشلل فى الإقتصاد نتيجة عم القدرة على تحمل فكرة أن الفيروس يحاول تدمير كل شئ ليس فقط فى الاقتصاد بل فى كافة مجالات الحياة فتم التوصل لضرورة الحصول على لقاح من أجل القضاء على هذا الفيروس القاتل. تم الحصول على مايقرب من تسعة لقاحات تم التصديق عليها إلا أن العالَم فى انتظار تسعة لقاحات أخرى مازالت تحت التجربة ، ومن هنا بدأ الصراع بين جميع الدول والتنافس من أجل الحصول على تلك اللقاحات بكميات تناسب كل دولة. قبيل الصراع من أجل الحصول على اللقاحات حدث صراع سابق النشأة منذ ظهور وتفشى فيروس كورونا على مواد التعقيم والملابس الواقية والتجهيزات الطبية _أجهزة التنفس فى كافة المستشفيات ، غرف الإنعاش لإنقاذ المصابين ، التجارة من أجل الحصول على الماسكات الطبية ، وغيرها_ إلا أن الصراع بات بين الدول الكبرى والحصول على تلك اللقاحات والمستلزمات الطبية ، فى حين أن الدول الفقيرة لاتمتلك الموارد المالية والأمنية وكذلك السياسة الكافية التى تؤهلها للحصول على تلك اللقاحات والمستلزمات الوقائية للحد من انتشار الفيروس فيها وعليه فإن فيروس كورونا أو مانسميه بالوباء هو كأوبئة كثيرة حدثت وتفشت فى العالم بأسره كالطاعون الوارد ذكره بكتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى والكثير من الأوبئة الأخرى ، ولكن كورونا امتدت وتطورت حالياً ل “دلتا” التى تعتبر امتداد لها والتى يعانى منها العالم حالياً وتشهد تطورات جمة.[64]

المبحث الثانى: آثار جائحة أزمة كوفيد_19

فى ظل المتغيرت التى مر بها العالَم منذ ظهور وتفشى فيروس كورونا المستجد الذى اجتاح كافة بلدان العالَم بدا أن لهذا الفيروس (كوفيد_19) الكثير من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المستويين العالَمى والوطنى نتيجة لحزمة الإجراءات التى اتخذتها الدول المُمثلة فى فرض العزل مع الحجر الصحى وإغلاق الكثير من أماكن الترفيه وضرورة التباعد الإجتماعى وغيرها ، انعكس هذا بشكل سلبى على كافة مجالات الحياة داخل كل دولة سواء كان اقتصادياً أو اجتماعياً أو غيره فى كافة قطاعات المجتمع مما أدخل العالَم بأسره فى حالة من الركود فأثر بشكل جذرى على المنظومة الاقتصادية والاجتماعية التى طالت مصر كما طالت العالم كله ؛ نظراً لأنه من الطبيعى جداً فى حال مرور أى دولة بأزمة أياً كان نوعها تترك الكثير من الآثار التى تتفاوت بالفعل من دولة إلى أخرى باختلاف إمكانتها وقدراتها المالية والإقتصادية والأمنية. فالعالَم يعيش حالة من الضغط الغير مألوف والاستثنائى الذى أثر بشكل كبير على الاقتصاد العالمى مما أحدث نوعاً من الركود الذى أصاب العالم ، وبالتالى حدوث أزمة اقتصادية عالمية غير مُتَوقَعَة تماماً فتم عرقلة الإنتاج الاقتصادى وإحداث صعوبات وتحديات شتى فى عمليات النقل الجوى وانكماش الطلب على مستوى العالم وإصابة الدول بشئ من الجمود الذى تم فرض عليها وضع الحجر الصحى وحظر التجوال الذى شل حركاتها وكافة أساليب التعامل على مستوى كافة المجالات التى بدورها تؤثر خاصةً المجال الإقتصادى كما فى كتاب المقريزى.

أصبح العالم يواجه أزمة كبيرة أصبح فيها حجم الخسائر أضعاف مضاعفة عن أى أزمة أخرى مر بها فى السنوات الأخيرة خاصةً أن كافة الخبراء على كافة المستويات لم يتمكنوا من تحديد حجم المتغيرات السلبلية التى سيخلفها وباء كوفيد_19 وآثاره المدمرة ، فتم الإدراك بأن كلما طال عهد هذا الوباء القاتل كلما استطاع شل كافة قطاعات المجتمع على كافة المستويات خاصةً المستوى الاقتصادى والاجتماعى التى أنتجتها عمليات الإغلاق العام مما كان التأثير الأكبر على معظم الفئات الضعيفة مثل الشباب والنساء وغيرهم. الركود الاقتصادى الذى أصاب دول العالَم يعود إلى عدم رغبة المواطنين فى المشاركة تطوعاً فى التفاعلات الاجتماعية خوفاً من إصابتهم بفيروس كورونا المستجد ، ولذلك من الطبيعى أن استمرار الإغلاقات لم يؤدِ إلى تحقيق دفعة اقتصادية أو اجتماعية أو غير ذلك بل سيولد آثاراً إقتصادية واجتماعية سلبية.[65] ففى ظل حجر صحى قوى شديد الوطأة على العالَم كان التأثير الأقوى على المنطقة العربية فالفيروس (كوفيد_19) لايعرف حدوداً أبداً ؛ نظراً لتأثيره الشديد على حياة الناس من شتى الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية التى خلفها فيروس كورونا المستجد ، وعليه تباطأ الاقتصاد العالمى وتقلصت الطبقة المتوسطة فى المنطقة العربية بشكل كبير مع التهديد الإنسانى لكافة البشر وارتفاع معدلات البطالة مع خسارة المليارات التى خلفت أزمة مالية كبيرة أثرت بدورها على إتاحة فرص العمل للشباب مع نقص الغذء الذى نتج عنه انخفاض الصادرات الغذائية من بعض البلدان المنتجة للغذاء كما زاد الوباء من إجتمالية تعرض المرأة للعنف المنزلى خاصةً فى الدول العربية الذى تعانى منه مايقرب من 37% من النساء فى المنطقة العربية مما خلف أزمة اجتماعية مريرة تعانى منها المجتمعات والكثير من الآثار ليست الإقتصادية والاجتماعية فقط بل شتى الآثار السلبية فى العالَم والمنطقة العربية خصيصاً ، وعليه ستحاول الدراسة التركيز على الدولة المصرية فى آثار كوفيد_19 .[66]

مع استمرار أزمة كوفيد_19 قاطعت هذه الأزمة قصة نجاحات الاقتصاد المصرى ؛ نظراً لأنه كما سبق القول يتعرض الإقتصاد العالمى لأسوأ أزمة اقتصادية منذ هذا الفيروس منذ أزمة الكساد الكبير فى الثلاثينات ، كما أن هناك الكثير من التوقعات التى تفيد بأن العالم بأسره سيعانى من تباطؤ شديد فى نشاطه الاقتصادى كتوقع صندوق النقد الدولى لهذا الأمر وأن أزمة كوفيد_19 ستتزايد تأثيراتها بشكل كبير جداً فى الاقتصاد المحلى. فعلى الرغم من أن عدد الحالات المصابة بفيروس كوفيد_19 منخفضة وفق المعايير الدولية إلا أن هذا العدد أصبح مهولاً وزاد فى الدولة المصرية اعتباراً من تاريخ 14 يونيو 2020م (حالات الإصابة بلغت مايقرب من 44598 حالة ، وعدد القتلى مايقرب من 1575 حالة) بحسب وزارة الصحة وهذا بدوره ساهم فى الكثير من التأثيرات السلبية التى تسببت فى اضطرابات كبيرة فى التقدم الاقتصادى المصرى القوى الذى بذلت فيه الدولة المصرية الكثير من الجهود فى السنوات الماضية. كانت التأثيرات السلبية فى الاقتصاد المصرى تشمل كافة القطاعات من الزراعة والصناعة والصحة والخدمات وغيرها ، وفى عجالة سريعة نجد من ضمن هذه التأثيرات السلبية انخفاض فى عائدات وكذلك انخفاض حاد فى المدفوعات الواردة من قناة السويس والكثير من الآثار الاقتصادية الأخرى الناتجة عن وباء كوفيد_19.[67]

قطاع الزراعة: إن الإنتاج الزراعى المحلى يلعب دوراً رئيسياً بالنسبة للأمن الغذائى ويظهر هذا الدور بشكل كبير ومتزايد خصيصاً فى أوقات مرور الدولة المصرية بالأزمات والحروب ، وظهر ذلك خلال الأزمة الدولية (كوفيد_19) حيث ركزت كافة الحكومات على الإنتاج الزراعى كأولوية قصوى خاصةً أن زراعة الأراضى وأسواق المواد الغذائية لايتم فرض قيود عليها صارمة كتلك التى يتم فرضها على القطاعات الأخرى مما أصبح الإنتاج الزراعى بمثابة مصدر اساسى للجوء فى أوقات الأزمات وهذا ظهر فى أزمات شتى مرت بها الدولة المصرية على مر الزمن. نجد أن لمصر بعض المنتجات الغذائية التى لايمكن الإستغناء عنها تمثل محاصيل مهمة مثل القمح والأرز كما أنه يتم إنتاج الفواكه والخضراوارات الأساسية ايضاً وتوجيه معظمها للسوق المحلى فمصر تستورد مايقرب من 45% من غذائها فمصر هى من أكبر الدول المستوردة الصافية للغذاء ، فتعرض الزراعة لأزمة عالمية كأزمة كوفيد_19 يهدد الأمن القومى المصرى عامة والأمة الغذائى المصرى خاصةً مما يُحدِث بعض الحساسية فى الوضع الغذائى فى مصر. فهناك بعض المؤشرات المؤكدة لحساسية هذا الوضع خلال أزمة كوفيد_19: أصبح اعتماد مصر على استيراد بعض السلع الغذائية الرئيسية ثقيل جداً مما أحدث نوعاً من التضاؤل فى معدلات استيرادها ، ونظراً لأن طاقة التخزين للغذاء المصرى لاتتجاوز الأربعة أشهر من استهلاك السلع الغذائية إلا أن أزمة كوفيد_19 أوجدت محدودية لطاقة التخزين الإستراتيجى ، ومع انتشار الوباء بات هناك ضعفاً فى البنية الخاصة بالتسويق المصرى مما نتج عنه عدم القدرة على التعامل مع بعض المناطق الريفية ومحدودية تخزين السلع الغذائية. خلال فترة وباء كوفيد_19 انخفضت أسعار الغذاء العالمية على غير المعتاد خاصةً أن الأمر بلغ حدته خلال الأشهر الثلاثة الأولى من انتشار الوباء مما أدى إلى انخفاض أسعار السلع الغذائية الرئيسية كالحبوب والسكر واللحوم والألبان فى شهر مارس 2020 فتقلص الطلب نتيجة لتلك الأزمة المريرة التى أهلكت الأمن الغذائى ، فانخفاض أسعار السلع الغذائية كان مفوعاً بشكل كبير بعوامل الطلب لا العرض والتى بالفعل متأثرة بالتدهور الذى يصيب الاقتصاد المصرى. هذا الانخفاض فى أسعار السلع الغذائية بلغ حدته فى الشهور الأولى من انتشار وباء كوفيد_19 واستمر طوال فترة الوباء إلى أن يتك إحداث بعض من التغيرات السعرية المفاجئة فى سياسات الدول المصدرة ، وبهذت تكمن العوامل الممثلة فى انخفاض أسعار السلع الغذائية فى: الهبوط فى الأسعار النفطية الناتج عنه انخفاض لأسعار الذرة والسكر والزيوت الطبيعية ، والتدابير التى أحرزتها الدولة خلال أزمة كوفيد _19 أوجد تحديات لوجستية كما فى الألبان واللحوم ، وكذلك تقييد التصدير الناتج عن سياسات الدول المصدرة كما فى الأرز أدى لإنخفاض الأسعار.[68]

قطاع الصناعة: تأثر القطاع الصناعى بشكل كبير فى ظل أزمة كوفيد_19 بالتأثير فى أشكال الصناعات المختلفة كتجهيز الأغذية فالمنتجات الإستهلاكية والإنتاج فى مصر يعتمد بشكل كبير جداً على المدخلات الزراعية المنتجة محلياً ، فخلال أزمة كوفيد_19 تمت زيادة الطلب على المنتجات الغذائية وكذلك زيادة فكرة المعالجة المحلية التى من شأنها تساهم فى تعويض الانخفاض الذى أصاب واردات المواد الغذائية المصنعة وكذلك استيعاب ارتفاع الطلب على تلك المنتجات الغذائية خلال شهر مايو 2020 الذى يوافق شهر رمضان المبارك نتيجة أزمة كوفيد_19. نجد أن أزمة كوفيد_19 ساهمت بشكل كبير فى زيادة مشكلات القطاع الصناعى فى الدولة المصرية من خلال تراجع النمو المصرى إلى 1% فى المتوسط وهذا معدل ضئيل جداً وكذلك معدل النتاج الصناعى المصرى بات أقل من 17% مع الأخذ فى الاعتبار أنه يعمل بالصناعة المصرية مايقرب من 13% من إجمالى عدد المشتغلين ، وعانت الصناعة التحويلية من ضعف كبير فى قاعدتها الصناعية مما صاحب ذلك انخفاض فى الإنتاجية. بما أن الصناعة المصرية تتميز بالاعتماد بشكل ليس بقليل على الخارج من أجل توفير الاحتياجات من المدخلات الرئيسية فتراجعت بالفعل كفاءة استخدام الموارد المحلية فى ظل أزمة كوفيد_19 التى نتج عنها تكثيف الاعتماد على الخارج فى الواردات مما أثر بالسلب على سعر الصرف (هيكل الواردات المحلية) فى ظل الأوضاع المريرة الحالية.[69] فالتأثير السلبى لأزمة كوفيد_19 واضحاً بشكل كبير وظهر أيضاً فى مؤشرات أداء القطاع الصناعى التى انخفضت كثيراً منذ اندلاع الجائحة مع تراجع لشركات القطاع الصناعى فى التصدير والمبيعات والعمالة والتمويل والتدفقات النقدية كما تأثرت الشركات الصغيرة بشكل أكبر فبلغ مؤشر أدائها حوالى 0.39 ، وعلى الجانب الآخر نجد أن الأزمة كان لها تأثير إيجابى أيضاً على قطاع الصناعة لايمكننا إغفاله من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات وتطبيقات الاتصال من خلال اتجاه الكثير من الشركات لاستخدام التطبيقات التكنولوجية من أجل إدارة أعمالها والاحتفاظ بالعملاء.[70]

قطاع الخدمات: مع انتشار وتفشى أزمة كوفيد_19 زاد الاعتماد على الأنشطة القائمة على الإنترنت مما أدى إلى ارتفاع حاد فى استخدام شبكات الإنترنت الاعتماد على الخدمات ذات الصلة بقطاع المعلومات ، ومن إعلان وزير الاتصالات تكنولوجيا المعلومات فى الدولة المصرية اتضح أن استهلاك خدمات الإنترنت تصل إلى 50%. فخلال جائحة كورونا زادت خدمات الشمول المالى إلى عشر مرات على ماكانت عليه كما أثرت على شركات الاتصالات والخدمات المقدمة من خلالها ، وهذا عزز من فكرة دمج القنوات الرقمية فى سبيل التفاعل لتقديم الخدمات المالية للعملاء. من ضمن المؤسسات التى تعرضت للضغط بسبب جائحة كورونا هو مؤسسة لييد (مؤسسة غير هادفة للربح تسعى لتقديم خدمات التمويل متناهى الصغر المصرى)[71] التى أطلقت الشراكة مع فورى من أجل ضم ثلاثة من فروع المؤسسة فى مارس 2020 مع الاضطرار لتوسيع فكرة الخيار الخاص بالسداد الرقمى فى فروعها الخمس وعشرون والبالغ عدد عملائها مايقرب من مائتى ألف عميل ومحاولة التعامل مع الجائحة.[72]

قطاع التجارة: نتيجة أزمة كوفيد_19 حدث تراجع كبير فى العلاقات التجارية بين مصر والصين الشعية خلال يناير 2020 لما يقرب من 20.2% مما أحدث عجزاً مهولاً فى الميزان التجارى بين كلا دولتى الصين ومصر التى بلغت حوالى 648.904 مليون دولار لصالح الصين ، وهذا هو السبب الرئيسى النخفاض الكبير فى قيمة الواردات المصرية من الصين بنسبة 23.4% لتسجيل 767.784 مليون دولار فى عام 2020 (عام أزمة كوفيد_19).[73] عند الحديث عن التجارة المصرية لانغفل ذِكْر قناة السويس التى هى أساس التجارة المصرية فنجد أن قناة السويس تأثرت بشدة بالجائحة بانخفاض إيرادات القناة بدءاً من أبريل 2020 مقارنة بالسنوات السابقة ، والتغير فى الحمولات الصافية وكذلك عدد السفن العابرة لقناة السويس بانخفاضها إلى 48.2 مليون طن من أصل 101.8 انخفاض أعداد السفن من 1731 إلى 1381 سفينة فى الفترة (أبريل/يونيو) 2020م. كما تأثرت التجارة الخارجية من خلال انخفاض الواردات السلعية غير البترولية بمعدلات 19.9% / 36.0% فى عامى أبريل ومايو على التوالى. تأثر مجال النقل العام بالجائحة حيث تم تقييد حركة عربات ووسائل النقل العام عبر الطرق الرئيسية بين المدن حيث تم انهيار لحركات التجارة بين الدول والمدن المتجاورة على الحدود مما أدى لوجود صعوبات ، وكذلك النقل البحرى على اعتبار أن مايقرب من 90% من التجارة الدولية عبر النقل البحرى ففى ظل الجائحة انحدر حجم التجارة البحرية على حياة اثنى مليون فرداً من العاملين فى القطاع  فجائحة كوفيد_19 كان لها ومازال تأثير على الاقتصاد المصرى بكافة قطاعاته من زرعة وصناعة وغيرها.[74]

قطاع السياحة: إن قطاع السياحة من أكثر القطاعات بالغة الحساسية والتى تتأثر بكافة الأحداث المحلية منها والعالمية خاصةً السلبية ونظراً لانتشار وتفشى أزمة كوفيد_19 ترجعت حركة السياحة فى مصر ففى مرحلة ظهور فيروس كوفيد_19 (2019_2020) لايوجد تأثير سلبى على النشاط السياحى فى مصر فحقق قطاع السياحة فى مصر إيرادات تقدر بنحو 2 مليار دولار ، وتلى ذلك المرحلة الثانية من الفيروس هى بداية الانتشار (فبرايرـمنتصف مارس2020) تعرض القطاع السياحى لصدمة طفيفة فى العرض والطلب فمازالت مصر لم تتأثر بعد بالأزمة واستمر النشاط السياحى فعال ففى الأسبوع الأول من مارس 2020 حقق النشاط السياحى إيرادات أقل بكثير مما كان عليه فى شهر فبراير السابق ، وبدءاً من الأسبوع الثانى من شهر مارس لعام 2020 بأ النشاط السياحى يتراجع كثيراً نتيجة إغلاق العديد من القرى السياحية مع عدم قدرة الشركات السياحية على الحصول على مستحقاتها من أجل سيران العملية السياحية وسداد ديونها. فى المرحلتين الثالثة والرابع “تفاقم المشكلة” ثم “انحسار الأزمة” تعرض جانبى الطلب والعرض لصدمات عنيفة مما شل حركة السياحة فى مصر نتيجة انتشار الذعر بسبب الوباء (كوفيد_19) فى الدول الأكثر إفادة إلى مصر خاصةً إيطاليا وأسبانيا وألمانيا فألغت أسبانيا الحجز للسياحة فى مصر مايقرب من 40% من الحجوزات مع تعليق رحلات الطيران الوافدة والراحلة إلى مصر ، وإعلان حظر التجوال فى مصر مما أحدث خسارة مذهلة فى إيرادات السياحة فى مصر. فى المرحلة الرابعة من جائحة كوفيد_19 “التعافى” استمر الشلل السياحى فى مصر حتى يونيو2020 حيث أصبحت إيرادات السياحة صفر مما أدى بالفعل إلى عجز كبير فى ميزان المدفوعات من شأنه وفى الاحتياطى من النقد الأجنبى أيضاً فى فترة الوباء.[75]

المبحث الثالث: إمكانية تفسير أزمة كوفيد_19 بالاستناد لفكر المقريزى

نجد أن تفسير الأزمات  مَرَ بعدة مراحل كانت تعتمد على مجموعة من العوامل الطبيعية والبشرية بالاستناد إلى خبرة سيدنا يوسف (عليه السلام) نظراً لمرور البلاد فى عهده بمحنة شديدة تشبه المحنة التى ذكرها المقريزى فى كتابه لهذا كانت البداية فى عهد سيدنا يوسف منذ أن بدأ يمسك خزائن مصر وقام بتفسير حلم عزيز مصر فى ذلك الوقت وجاء ذلك فى النص القرآنى بسم الله الرحمن الرحيم { وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ* قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ* وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ* يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ* قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } [76] صدق الله العظيم ، فنجد أن العوامل الطبيعية متمثلة فى السبع الشداد حيث كان هناك حُسْن تدبير عبقرى من سيدنا يوسف عليه السلام من خلال خبرته المتجلية فى تفسير الأحلام . قام سيدنا يوسف قبل حدوث تلك الشدة بتقدير الاستهلاك بسبع سنين وأخبر شعب مصر بضرورة إنتاج كم كبير واستهلاك كم قليل جداً حيث الاستهلاك لايتجاوز الإنتاج من أجل تحقيق مايسمى بسياسة الاحتياطى الاستراتيجى ، ونجد الخبرة متجلية فى قدرة الدولة المصرية فى ذلك الوقت بفرض السيطرة على المحنة قبل بلوغها للخراب العمرانى للدولة بأكملها . نجد ان المقريزى ذَكَرَ نفس الآية التى ذكرها سيدنا يوسف فى ختام كلامه فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، ونجد الاستعانة بتلك الخبرة ؛ نظراً لأن سيدنا يوسف تولى منصب هام فى الدولة ألا وهو منصب ولاية الخزانة فى مصر كما أن خبرته كانت المُعاوِن الأكبر فى التخلص من تلك الشدة. فتلك المحنة انطلقت من مجموعة العوامل الطبيعية ومرت ببوابة تمثلت فى الجشع وتخزين السلع وارتفاع الأسعار من جانب التجار بالإضافة إلى فساد الحياة السياسية حيث الضعف والانهيار الذى تعرضت له السلطة ومن ثَمَ اضمحلال المُلك ، فتبدأ العملية من خلال مرور العامل الطبيعى من بوابة الاضمحلال مما يؤذن بخراب العمران الذى نجده واضحاً فى أن السلطة السياسية أو الحاكم لم يقطع الطريق على الشدة أو حتى تَوَقُع احتمال حدوثها فالمقريزى كان يحاول توصيل رسالة لهؤلاء الحكام الفاسدين أصحاب السلطة ويبين لهم سوء تدبيرهم الذى من خلال التطرق إليه فى كافة المحن والشدائد التى عرضها فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة”.[77]

 

شكل رقم (1)

فتلك المحن انطلقت من مجموعة العوامل الطبيعية ومرت ببوابة تمثلت فى الجشع وتخزين السلع وارتفاع الأسعار من جانب التجار بالإضافة إلى فساد الحياة السياسية حيث الضعف والانهيار الذى تعرضت له السلطة ومن ثَمَ اضمحلال المُلك ، فتبدأ العملية من خلال مرور العامل الطبيعى من بوابة الاضمحلال مما يؤذن بخراب العمران الذى نجده واضحاً فى أن السلطة السياسية أو الحاكم لم يقطع الطريق على الشدة أو حتى تَوَقُع احتمال حدوثها فالمقريزى كان يحاول توصيل رسالة لهؤلاء الحكام الفاسدين أصحاب السلطة ويبين لهم سوء تدبيرهم الذى من خلال التطرق إليه فى كافة المحن والشدائد التى عرضها فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” حيث تحدث متوالية خراب العمران التى توضح مدى صِدق المقريزى فى أن كافة الأزمات التى مرت بها الدولة المصرية فى عصور وفترات مختلفة كانت بسبب مجموعة من المتغيرت التى بدورها فسرت طبيعة العلاقة أيضاً بين الحكام والمحكومين ، وكذلك العوامل الطبيعية والبشرية كمسبب أساسى لمتوالية خراب العمران.[78]

في البداية ذكر المقريزي خبرتين مرجعيتين هما خبرتي سيدنا يوسف وسيدنا موسى، وتم فرضهم بشكل تحكمي لبناء النموذج، وهذه العناصر المشتركة التي اوردها المقريزي، يجب لتركيبها الإستعانة بخبرة  مرجعية، قد يوردها الكاتب نفسه وقد يضعها القارئ بشرط وجود صلة بينها وبين التفاصيل، وكما ذكرنا  وجود الخبرتان المرجعيتان. قصة سيدنا هود حينما تدخل في عمق الأزمة لحلها كما ذكرنا، لكن هناك اشارتان بشكل مختصر لقصة سيدنا يوسف وموسى. أولاً سيدنا يوسف، ذكر القرآن الكريم سياسته في سورة يوسف، وهي قصة السبع السنين الثمان والسبع العجاف، هنا العوامل الطبيعية أن هناك سبع شداد ينخفض النيل وتسقط الأمطار ، وسيدنا يوسف تعامل مع الأزمة من خلال العلم المسبق بمدة الشدة وطبيعتها فسيدنا يوسف تعامل مع وحي، أما نحن نتعامل مع خبرته الخاصة، وهذا علم مسبق. وكان هناك حسن تدبير من سيدنا يوسف، فقبل الشدة قام بتقليل الإستهلاك وكان الناتج الزراعي اكبر من قدر المستهلك، فقام بتخزينه بشكل سليم حتى ال يفسد، وأثناء الشدة سوف يستمر في عملية الإنتاج قدر الإمكان ويستهلك أكبر، فهنا في السبع سنين الرخاء قام بالزرع والتخزين، أما في السبع سنين شداد سوف يستهلك ما قام بإنتاجه بشكل يتجاوز الحد ويستمر في الإنتاج قدر المستطاع، ونلاحظ هنا أن الإستهلاك الذى يجب أن يتجاوز الإنتاج وهذا ما نعرفه من الآلية الخاصة بالأزمة في سورة سيدنا يوسف، وهذا ما نسميه بسياسة الإحتياطى الإستراتيجى. وتتجلى الدروس المستفادة من هذه الخبرة فى حسن التدبير، اتخاذ اجراءات حازمة ورقابة على كل شيء متعلق  بالتخزين والبيع والشراء والإنتاج وكافة الأمور، هنا حاولوا تجاوز الأزمة بدون ضرر وتجنبوا متوالية خراب  العمران، وهناك اشارات في النص تدل علي التحدث على نموذج سيدنا يوسف، ففي عهد الحافظ لدين الله الفاطمى تحدث عن أنه هناك غلاء شنيع وقحط ولكنه لم يستمر ،ألن الوزير فرض رقابة صارمة، والمقريزي عادة  يذكر آيات من القرآن فقال “إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم”، وهذه في سورة يوسف، وهذه الآية ذكرها في عهد الوزير الأفضل ووردت كختام لها، وهذه الحالة هي الأقرب لنموذج سيدنا يوسف. أما سيدنا موسى، ففي عهده لم يكن هناك سياسة تدبير نتخذها نحن كخبرة مرجعية لهذا النموذج، فحين ذهب لفرعون وطلب منه رحيل بني إسرائيل معه والذين كانوا طبقة خدام يعملون بدون مقابل، فرفض فرعون بحجة أنه لن يجد من يقوم بتلك الأعمال بعد رحيلهم، فأرسل الله عليهم القُمل والجراد وغير ذلك، وحدث خراب للعمران، وفي هذه الأزمة لم تكن هناك سياسة تدبير لسيدنا موسي، ونحن من هنا نستنبط أن المقريزي استبعد خبرة سيدنا موسى وثبت خبرة سيدنا يوسف، حينما ذكر أن عادة ما يعاقب الله خلقه بحدوث آفات طبيعية كنقص النيل والجراد وعدم هطول االمطر وغير ذلك، لكن يقول أن الأمر الذي حدث في مصر أنها بخلاف ما تقدم ذكره، فالمقريزي لايقصد الآليات التي يرسلها الله لعقاب الظالمين ويقصد مسألة سوء تدبير الحكام، وفساد الناس.[79] فوفق هذه النظرية نستنتج أن المقريزى يرجع ظاهرة المجاعة فى مصر عام 808ه فى مصر إلى أسباب طبيعية وأخرى بشرية على استناداً للتحليل فى إطار الفكر الاقتصادى الإسلامى والتى يمكن تطبيقها فى إطار الأزمة الحالية (أزمة كوفيد_19) لتحديد المسار الحالى للأزمة ومن ثم استخراج كل مايتعلق بأزمة كوفيد_19 وفق الإطار النظرى المقدم فى الشكل السابق رقم (1)  فنجد أن الأسباب الطبيعية وفق المقريزى هى أسباب لاعلاقة بتدخل الإنسان فيها بل ناتجة عن الطبيعة وبالتالى فإنه يرجع تلك الأسباب إلى عدم سقوط الأمطار التى تسببت فى قلة وقصور مياه النيل ومن ثم نقص الإنتاج الزراعى كما ذكر فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” خلال عرضه لكافة الأزمات خلال العصر الذى عاش فيه ، فتأثر الناس نتيجة ذلك خاصةً بنقص الغلال التى كانت أساس معيشتهم فنقص المعروض منها ، كما أن قلة الإنتاج الحيوانى بسبب الجدب أدى بالفعل لارتفاع أسعار الحاصلات الزراعية والمنتجات الحيوانية بشكل يفوق قدرة الناس على الدفع.

على هذا المنوال من الأسباب الطبيعية ووفق الأزمة الحالية (كوفيد-19) نجد أنها نشأت وفق أسباب طبيعية أيضاً لكن تلك الأسباب اختلفت فنجد أن الفيروس تفاعل بشكل كبير جداً مع بعض العوامل البيولوجية فى الفيروس ذاته جعلته ينتشر بشكل قوى وفعال فالوباء بشكل عام هنا هو كارثة طبيعية بلا شك. تأتى الخطوة التالية فى النموذج النظرى ألا وهى الدواء الذى يزيل الداء فكما تبين من كتابات المقريزى الاختلاف بين الحكام والسلطة بشكل عام فى التعامل مع الأزمات التى تعرضت لها مصر خاصةً أن التدبير هو الفيصل الحقيقى وراء استمرار الأزمة وتطورها أو التقليل والحد من تداعيتها فنجد أن فى أزمة كوفيد_19 استطاعت السلطة الحاكمة فى مصر وكافة الجهات المعنية التعامل مع الوباء منذ اكتشاف أول حالة إصابة بالفيروس حيث اتخذت الدولة كافة الإجراءات فى سبيل تقليل تداعيات الأزمة بشكل أو بآخر ، وفى هذا الإطار نجد أيضاً علاقة غير غير مباشرة بين طبيعة الوباء والجانب البشرى الإنسانى الذى له دور مهم جداً فى هذا الوباء فبمجرد حمل العنصر البشرى للوباء (فيروس كوفيد _19) ينتقل الوباء من شخص إلى آخر بأعراض باتت معروفة لدى الجميع بالوعى الذى تحاول كافة الجهات المعنية نشره فى سبيل القدرة على التحكم فى درجة الخطر الذى يمكن أن يصل إليه هذا الفيروس. ننتقل بعد ذلك إلى طبيعة النظام السياسى والإقتصادى فى ظل انتشار أزمة كوفيد_19 ومدى احتواء النظامين لهذا الوباء فنجد أن النظام المصرى يتسم بالصلابة والقدرة على مواجهة أى أزمة أياً كانت طبيعتها ، فبالرغم من عدم العلم المسبق بهذا الوباء (فيروس كوفيد_19) إلا أن السلطة السياسية الحاكمة وكذلك صلابة الإقتصاد المصرى مكن مصر من عدم الوقوع فى فخ متوالية خراب العمران وظهر ذلك فى كافة الإجراءات الإحترازية التى تمكن الدولة من اتخاذها ، فبالتالى استطاعت الدولة المصرية التعامل مع الأزمة حتى الآن بدون ضرر جسيم وتجنبت بالفعل متوالية خراب العمران فوقوع الكثير إثر الإصابة بفيروس كورونا المستجد أمر طبيعى ؛ نظراً لأن انتشار واجتياح وباء فى أى دولة ينتج عنه حتمياً سقوط الكثيرين فكما نجد تأثر الكثير من القطاعات المصرية إثر اجتياح فيروس كورونا المستجد وموت الآلاف من المصابين بالفيروس وبالتالى وفق الظروف الراهنة نجد أن الدولة مستمرة فى اتخاذ إجراءات من شأنها تقلل من تبعات أزمة الوباء.

بناءً على ماتقدم ، يمكن القول بأن الأزمة الحالية التى تعايشها مصر من تبعات متعلقة بأزمة كوفيد_19 ليست الأزمة الوحيدة من نوعها بل هى حالياً واحدة من الأزمات المتتالية والمتتابعة التى تعرضت لها مصر على مدار تاريخ ملئ بالأوبئة والأمراض التى مرت سواء بعد فترة محدودة أو حتى بعد فترة طويلة ظن الجميع خلالها أنها لاتمضى لكنها مضت ، فعلينا الإيمان التام والتسليم بأن تلك الأزمة ستمر مهما بلغت تداعياتها ولكن هذا يتوقف على المجهودات التى تبذلها الدولة المصرية فى سبيل التعامل معها واحتوائها وكذلك الوعى لدى الناس جميعهم بمدى الخطورة الناجمة عن الوباء. لهذا ستركز الدراسة فى الفصل التالى على مجموعة الإجراءات التى اتخذتها مصر فى ظل حكم الدول المختلفة التى ذكرها المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فى مصر والتعامل مع الأزمات الحادثة حينها ، وبالتالى سيتم التطرق إلى الإجراءات التى اتخذتها الدولة المصرية على مستوى كافة المجالات المصرية فى سبيل التعامل مع أزمة وباء كوفيد_19 ، ومن ثم محاولة استنباط الحلول التى قدمها المقريزى من وجهة نظره فى سبيل حل تلك الأزمات الواردة.

الفصل الثالث: مواجهة الأزمات فى فكر المقريزى وجائحة أزمة كوفيد_19

واجهت الدولة المصرية الكثير من الأزمات التى جعلتها تعانى منها لفترات طويلة جداً على مر التاريخ على اختلاف طبيعتها سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك ، فالتاريخ المصرى ملئ بأزمات اجتماعية شتى على رأسها أزمتى الجوع والوباء اللذان يعدان وجهان لعملة واحدة ولكنها عملة رديئة للغاية خاصةً فى حال عدم قدرة السلطة وعجزها فى إدارة هذه الأزمات تبدأ تلك الأزمات تتفاقم وتصبح أكثر شيوعاً. عادةً ما كانت الأزمات ومازالت تحدث بسبب ندرة للموارد بشكل مفاجئ فتؤثر على الأسواق وغيرها نظراً لمجموعة من العوامل الطبيعية أو البشرية أو كليهما ، فكان يلحق حلول المجاعات مجموعة الأمراض والأوبئة فى أذيالها مما يصاحب ذلك الكثير من التداعيات السلبية والمؤثرة على الاقتصاد الكلى خاصةً إن كان هناك عجز فى إدارة هذه الأمات من قبل السلطات التى يتوجب عليها القدرة على مواجهة وإدارة الأزمات بأسلوب رشيد. فلابد من الإيمان بحقيقة أن أساس مواجهة وإدارة الأزمات عموماً هو وجود حاكم رشيد يتولى سلطة الدولة ويعين الدولة على مواجهة وتخطى ومن ثَمَ الإدارة السليمة لتلك الأزمات ؛ لتفادى حدوثها مرة أخرى بوجه آخر ، وحتى إنْ حدثت فإنها لن تكون بنفس حجم المخاطر على اعتبار أن هناك رشادة سابقة ورؤى مستقبلية للتعامل مع كافة الأزمات. على هذا النحو المُقَدَم ، سيتم التطرق فى هذا الفصل إلى الإجراءات التى اتخذتها الدولة المصرية للتعامل مع الأزمات المعنية بها الدراسة وهما الأزمات فى عهد المقريزى التى طرحها بكتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فى المبحث الأول ، وإجراءات الدولة المصرية للتعامل مع الأزمة الحالية المعاصرة التى نعايشها الآن جائحة أزمة كوفيد_19 ، ثم يتم الحديث عن الحلول التى قدمها المقريزى بكتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” لتخطى ومواجهة الأزمات وإدارتها بشكل سليم وهذا فى المبحث الثالث من هذا الفصل.[80]

المبحث الأول: إجراءات الدول لمواجهة الأزمات المذكورة فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى

  • إجراءات الدولة الفاطمية فى مصر

تناول “كتاب إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى مجموعة من الأزمات التى عاشتها الدولة المصرية فى ظل فترات وعصور مختلفة كما فى عصر الدولة الإخشيدية والشدة المستنصرية فى عصر الدولة الفاطمية وعصر الدولة الأيوبية وأخيراً الدولة التركية ، وكان محط اهتمام المقريزى فى عرضه لأزمات تلك العصور على الأزمات الاقتصادية مما يعكس عبقريته الإقتصادية كمفكر إسلامى يستعرض الأزمات بهذا التسلسل المنطقى وتركيزه على المجاعات والأوبئة ومايتعلق بالركود الاقتصادى كالتضخم وقصور مياه النيل الذى يعتبر عاملاً هاماً من العوامل التى يلحقها الكثير من الأزمات التى تعانى منها الدولة المصرية من تفشى الأوبئة والأمراض والفقر وغيرها من التحديات المتتالية التى أنهكت بالدولة المصرية وكثر نتيجتها الموتى وتوالى الفساد الذى أصاب الدولة كلها مما اضطر الدولة لاتخاذ إجراءات لمواجهة تلك الأزمات ومحاولة الحد من تداعياتها. نجد فى الدولة الفاطمية أن الملوك اتخذوا مجموعة أخراءات للتعامل مع الأزمات الواقعة فى الفترة (358-544)ه على اختلاف الحكام بدءاً من المعز لدين الله حتى الحافظ لدين الله الفاطمى ، فمع مرور الدولة المصرية بالأزمات فى تلك الفترة _تم ذكرها فى المبحث الثانى من الفصل الأول للدراسة_ اتخذت الدولة الفاطمية من خلالها عدة إجراءات من أجل الحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية الحادة التى عايشتها منذ ضم الدولة المصرية عام 358ه ممثلة فى تأسيس فكرة النظام والأمن فى الدولة من أجل القدرة على العامل مع التحديات فاتخذت فى ذلك قرارات كاستعادة قيمة العملة لمواجهة الـأزمة الناتج عن الغش التجارى فانخفضت قيمتها وأحيا القائد “جوهر الصقلى” زراعة الأراضى للاستفادة من الاستقرار فى منسوب مياه النيل ولم يغفل القائد حال الطبقات الفقيرة فى الدولة والذين كانوا أكثر الطبقات تضرراً مما عمل على تعويض هؤلاء المتضررين عن كافة الخسائر التى لحقت بهم خلال الأزمة ، علاوةً على ذلك قام بتخفيض الضرائب وعين مسئولاً عن الشئون المالية من أجل التعامل مع التجار والمصروفات فى الدولة ومراقبة الغش التجارى وتجار القمح على وجه الخصوص ، كما قام بالإشراف على المطاحن التى كان يستغل مالكوها مالديهم مما أنهى الاحتكار الذى كان يتبعوه هؤلاء الفاسدين المستغلين للأزمة فى سبيل زيادة أرباحهم على حساب الفقراء برفع أسعار الخبز.[81]

على الرغم من تلك التدابير المُتَخَذَة إلا أن الأزمة الاقتصادية استمرت قرابة الثلاثة أعوام حتى مجئ حاكم جديد وهو “المعز لدين اللله الفاطمى” الحاكم فى الفترة (341-365)ه الذى واجه أزمة أخرى ممثلة خصيصاً فى تراجع منسوب مياه النيل _لم يتطرق المقريزى لها فى كتابه_ واتخذ التدابير الأخرى لمواجهتها ، ثم تولى “الحاكم بأمر الله” فى الفترة (386-411)ه الذى شهد فى عهده أزمات شديدة اقتصادية استدعت تدخل السلطة المركزية وفرض جبر العملة فتم إجراء إرسال مايقرب من عشرين صندوقاً من خزينة المسلمين مليئة بالديهمين الجدد وتم تقسيمها على البنوك من أجل مواجهة الأزمة التى ذكرها المقريزى فى الكتاب بقوله “تم تجريد الثمن وتم طلب القمح ولكن لايمكن شراؤه .. واشتدت الظروف ووصل سعر الخبز إلى درهم واحد للرطل” عام 395ه ، وكذلك أكدت الدولة ضرورة استجابة الناس للإجراءات من خلال قيام الدولة باستبدال العملة القديمة بالجديدة من خلال بيع كل درهم جديد للناس بأربعة درهم قديم ، ولكن تفاقَمَ الأمر واتخذت السلطة المركزية إجراءات صارمة من خلال استدعاء الخبازين مع إحضارهم للخبز الذى تم الاستيلاء عليه من قبلهم واستطاعت الحصول عليه بكل دقة وتم إصدار أوامر بعدم بيعها للمطاحن من أجل منع احتكارها وإحجابها عن الناس ، كما أصدر الحاكم بأمر الله خطاباً شديداً بالتحذير لمن يحتفظ بأى حبوب فى المنازل فى القاهؤة ومصر عموماً بأنه سيحرق بيته مما استجاب الناس وظهرت الحبوب وانتهت الأزمة بامتلاء أعين الناس بكميات الحبوب التى أخرجها المحتكرين وهذا بفضل الذكاء الذى تمتع به الحاكم بأمر الله فى سلوكه وخاطاباته الصارمة. يذكر المقريزى أزمة هامة جداً حدثت فى الفترة (427-487)ه والمعروفة جداً باسم الشدة المستنصرية الحادثة فى عهد المستنصر بالله _خامس الخلفاء الفاطميين فى الدولة المصرية_ التى كان رئيس الوزاء حينها “اليازورى” _أبو محمد الحسن بن على بن عبدالرحمن_ الذى كان متويلاً زمام التعامل مع الأزمة أو ماتعرف بالشدة المستنصرية ، فعلى اعتبار أن الخليفة كان يشترى الحبوب سنوياً من أجل مواجهة أى أزمة اقتصادية يمكن أن تشهدها الدولة المصرية من خلال الحفاظ على الاحتياطى الاستراتيجى للدولة خاصةً فى حالات الطوارئ فكان يتم توزيع تلك الحبوب على الخبازين والمطاحن من أجل التخفيف من معاناة الناس وقت الأزمات. على الرغم من ذلك الإجراء الذى لم يتغير لمدة طويلة خلال فترة حكم المستنصر بالله إلا أن اليازورى لم يتخذ أى إجراءات بخصوص تلك الحبوب خلال الأزمة المستنصرية وتم اتهامه بأنه رجلاً غير مسؤول للتعامل مع الأزمة ، وهذا جعله يتخذ إجراءات أهلكت الدولة المصرية وزادت من حدة الأزمة مثل إجراء استبدال الحبوب التى لم تزيد الأموال إلى صناعة مواد أخرى غير مرغوب فيها  كالصابون والأخشاب وغيرهم لكنها تزيد الأموال وعاونه على هذا الإجراء حينها “المستنصر بالله” ، إلا أن اليازورى أدرك خطأه نظراً للآثار السلبية المهولة التى ألحقت بالدولة المصرية عقب هذا الإجراء وحاول معالجة هذه الأزمة باتخاذ إجراء آخر تمثل فى مصادرة المتداولين وختمهم وإيداعهم ، ولم يكتفِ بذلك بل قام بتثبيت أسعار القمح وأجبر التجار على بيع محاصيل القمح فى نفس المعدلات ، وفرض عقوبة على من يخالف تلك القوانين مع إجبار الفلاحين بتخصيص حصة يومية من القمح للخبازين لبيعها للناس والحد من تداعيات الأزمة المستنصرية. كان مجموعة الإجراءات الأخيرة التى اتخذها رئيس الوزراء “اليازورى” ساهمت فى تخطى الأزمة وساعد أيضاً على تجاوز هذه الشدة عودة مستوى منسوب مياه النيل إلى طبيعته ، وفى هذا السياق قال المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” أنه “لقد نجح اليازورى فى العمل بشكل جيد للغاية ، لمدة عشرين شهراً حتى السنة الثانية ، كانت الحبوب وفيرة ، وشعر الناس بالارتياح من ارتفاع أسعار القمح ، تمت السيطرة على المحاصيل بسبب التدابير الجيدة المأخوذة”. [82]

صاحب تفاقم الأزمة المستنصرية عدم الاستقرار وغياب الأمن فى البلاد وتفاقم الفتن والحروب بين الجيوش فى الدولة مما صاحب ذلك تراجع مياه نهر النيل والفيضانات طوال السبع سنوات الشديدة مما دفع الدولة لاتخاذ مجموعة من الإجراءات من قِبَل الوزير التالى “بدر الجمالى” الذى اتبع سياسة مالية حكيمة مكنته بإحياء المجتمع المصرى من جديد وتهدف هذه السياسة إلى إنعاش الاقتصاد المصرى من جديد من خلال مجموعة إجراءا ممثلة فى تَحَمُل الدولة لكافة الأمور المالية للمزارعين وتشجيعهم على الزراعة من أجل سد احتياجات السكان ، والقيام باستصلاحات قنوات الرى والمجارى المائية والجسور مما رافق هذه الإجراءات ارتفاع فى منسوب مياه نهر النيل حتى حوالى ثمانية عشرة ذراعاً مما أدى لحدوث وفرة فى المحاصيل الزراعية وانخفضت الأسعار وحدث استقرار فى كافة الأمور إلى حدٍ ما نظراً لن الوزير “الجمالى” كان حريص كل الحرص على إخراج مصر من تلك الأزمة المميتة. عقب ذلك جاءت أيام الخليفة الآمر بأحكام الله (494-524)ه فى ظل عهد الوزير “الأفضل” مجاعتين متتاليتين كانت الأولى فى ظل وزارة “الـأفضل بن بدر الجمالى” وكما ذكرنا خلالها ارتفعت أسعار القمح نتيجة نقص مياه النيل مع هبوب ريح سوداء استمرت مايقرب من ثلاثة أيام وتم مواجهة هذه الأزمة من خلال سن إجراءات بضرورة استخراج القمح من كافة المخازن فى الدولة مع التدخل فى تغيير الأسعار وفرض السعر الجبرى مما ساهم ذلك فى تخطى الأزمة بانخفاض الأسعار بعد قرابة الستة أشهر ، أما الأزمة الأخرى لايوجد تاريخ محدد لها ولم يتم الحديث عنها كثيراً. ثم جاء عهد “الحافظ لدين الله” (524-544)ه أزمة أخرى ممثلة فى ارتفاع الأسعار وانتشار الأمراض وقلة المنتج الزراعى وتم مواجهة ذلك بتأديب المحتكرين وفرض الغرامات على من يزيد السعر وتم كشف البلاء بلطف الله سبحانه وتعالى ، وأخيراً فى عهد “الفائز بنصر الله” (549-555)ه والتى كانت يسيرة وتم الخلاص منها. [83]

  • إجراءات الدولة الأيوبية فى مصر

مرت الدولة الأيوبية فى الفترة ( 596-1173)ه وسنخص بالذكر هنا الإجراءات المتخذة فى فترة “السلطان العادل” فقط كما ذكر المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” حيث نجد مرور الدولة بالكثير من الأزمات الاقتصادية وتفشى للأوبئة والأمراض والطواعين التى أنهكت الدولة المصرية بشدة حتى بلغ الأمر شدته بتعرض الدولة الأوبية فى مصر لأزمة اقتصادية حادة فى الفترة (596-598)ه من قصور فى مياه النيل مع تصاعد خطير فى الأسعار خاصةً سعر القمح وظهور القوارض والآفات الزراعية التى أهلكت الأراضى الزراعية وخربت المحاصيل الزراعية وحدث التضخم الذى عم الأسواق لارتفاع الأسعار الشديد وغيرها من المساوئ والأزمات التى لحقت بالدولة الأيوبية فى مصر واقتصادها مما جعل الدولة فى حاجة ماسة شديدة لاتخاذ إجراءات عديدة لإنقاذ الدولة ومواجهة كافة أزماتها والتقليل من تبعاتها المريرة فنجد اهتمام الدولة بقضايا الغلاء فاتخذت إجراءات بضرورة التخل فى حركة الأسعار بتحديد الدلة لسعر السلعة بفرض السعر الجبرى من أجل محاولة السيطرة على الأسعار المرتفعة والغلاء المنتشر ، وفى عام 597ه أمر السلطان “العادل” بفتح الشونة وتوزيع معظم الغلال على الفقراء وبالفعل تم توزيع تلك الغلال من الشون السلطانية على مايقرب اثنى عشر ألف فقير كما تم توزيع باقى الغلال على الأمراء والأثرياء الذين لم يحتكروا تللك الغلال بل قاموا أيضاً بتوزيعها على الفقراء كما فعل السلطان العادل وفرض التعير الجبرى على التجار ولكن هؤلاء التجار قلما يتقيدون بالسعر الجبرى ؛ نظراً لاختفاء الكثير من المواد التموينية أو حتى القيام ببيعها بطريقة غير مشروعة فلما عم الرخاء فى البلاد اعترى السوس الغلال حتى جاء السلطان الكامل.[84]

  • إجراءات الدول التركية فى مصر

مرت الدولة التركية بأزمات شتى فى الفترة (696-767)ه ونخص بالذكر ثلاث أزمات فى عهد كل من “العادل كتبغا” و “الملك الناصر محمد بن قلاوون” و “الأشرف شعبان” على التوالى كما تطرق المقريزى إليها فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فنجد أن “العادل كتبغا” اتخذ إجراءات عديدة لمواجهة الأزمات الاقتصادية والأوبئة فى عهده حيث أمر بتوزيع الفقراء وذوى الحاجات على الأمراء والسلاطين وكل الأثرياء من أجل إعطاء هؤلاء الفقراء ما يلزمهم من غذاء وغيره مما خفف على الناس مايعانوه من فقر ، ولكن “عظم الوباء فى الأرياف والقرى وفشت الأمراض فى مصر والقاهرة وعظم الموتان” كما قال المقريزى قام العادل كتبغا بطلب الأطباء من أجل العلاج وتقديم الأدوية للمرضى مع إعاطائهم أجر مرتفع مقابل الشفاء لكن كثر الموتان ولم يتم الشفاء ، واستمرت الأزمة تشتد خاصة على التجار والفلاحين لانتشار الآفات والأمراض التى أهلكت التجار والأراضى الزراعية إلى أن أمر الله بالفرج بدون أى إجراءات أخرى مختلفة تتخذها الدولة لعظم شدة الأزمة. أما فى عهد “الناصر محمد بن قلاوون” وأزمة الغلاء اتخذ إجراء بفتح الأمراء للشون وكذلك فتح السلطان حواصله مما ساعد ذلك على تخطى الأمة وحل الرخاء وزاد إنتاج الكثير من المحاصيل الزراعية خاصةً الفول والشعير. ثم أزمة الغلاء فى عهد “الأشرف شعبان” التى واجهها السلطان بجمع الفقراء وتفريقهم على الأمراء ومياسر التجار لقرابة العامين إلى أن عاد النيل لمجراه الطبيعى وعم الرخاء فى الدولة التركية فى مصر التى اعتقد الناس خلالها لوهلة بدوام الشدة لكن تدبير الله حدث.[85]

المبحث الثانى: إجراءات الدولة المصرية لمواجهة الجائحة الحالية “أزمة كوفيد_19”

اتخذت الدولة المصرية عدد من الإجراءات خلال عهد الرئيس “عبدالفتاح السيسى” فكان للوزراء دور كبير وهام فى المساهمة لتطبيق تلك الإجراءات خاصةً رئيس الوزراء الدكتور “مصطفى مدبولى” ووزيرة الصحة الدكتورة “هالة زايد” ووزير التعليم العالى “خالد عبدالغفار” ووزير التربية والتعليم الأساسى “طارق شوقى” والكثير من الوزراء الآخرين ، بعد اجتياح الوباء المُفجِع الذى أصاب العالم بأسرِه ، اتجهت مصر لمحاولة اتخاذ الكثير من الإجراءات الإحترازية التى بدورها تعاون الدولة المصرية على تَخَطى تلك الأزمة العالمية . نجد أن البرلمان المصرى لم يتخلى عن دوره ومجهوداته خلال تلك الأزمة العالمية التى تشبه الكساد الكبير الذى حدث فى عام 1929 ، فنجد أن البرلمان المصرى عقد أولى جلساته بعد اتخاذ مصر لكافة الإجراءات الإحترازية ؛ لِمَنْع انتشار الوباء بين أعضاء البرلمان المصرى والشعب المصرى بأكمله [86] . تَمَ عَقْد أولى جلسات البرلمان المصرى فى يوم الثلاثاء فى 21 من أبريل عام 2020 فى وسط مجموعة كبيرة من الإجراءات المُشَدَدَة الوقائية الصجحية ، وكانت تلك الأزمة قد اجتاحت مصر منذ منتصف شهر فبراير من العام الحالى 2020 . كان للبرلمان دوراً كبيراً وبارزاً فى محاولة اطمئنان الشعب المصرى بأكمله حيث قال رئيس مجلس النواب الدكنور على عبدالعال : ” أُطَمئِن الجميع بأن مصر تبذل قصارى جهدها وتتخذ كافة الإجراءات الوقائية والإحترازية التى تضمن سلامة شعبها ، مصر تستعد جيداً للتعامل مع أى سيناريوهات مُحتَمَلَة ” ، ونجد أن البرلمان المصرى يحول بأقصى جهده ألا يتخلف عن أى دور مُكَلَف به فى الدستور المصرى . كان للحكومة المصرية بالمشاركة مع البرلمان المصرى دوراً كبيراً يظهر فى استعراض مجموعة الخِطط المُتَعَلِقَة بالموازنة العامة بالنسبة لمصر خاصة خلال الفترة القادمة فى ظل هذا الوباء القاتل .

إجراءات سياسية: تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات خلال انعقاد تلك الجلسة الأولى للبرلمان خلال أزمة كورونا العالمية ، وكان من ضمن تلك الإجراءات مجموعة من الإجراءات المالية والنقدية التى أقرتها الحكومة وتعرضها على البرلمان المصرى خلال الجلسة الأولى حيث تخصيص مايقرب من 100 مليار جنيه من أجل التعامل مع أزمة كورونا بشكل سليم . كانت بعض الإجراءات تَصُب فى محاولة تقديم الدعم لكافة القطاعات المتضررة التى قضى عليها الفيروس خاصةً القطاع الزراعى وقطاع الصناعة المصرية والقطاع السياحى الذى تدهور إثْر حدوث الأزمة والاهتمام بشكل كبير أيضاً بالبورصة المصرية [87] . كان الإقتصاد المصرى من أكثر الإقتصاديات على مستوى العالم الذى يتسم بالصلابة عند تَلَقِيه أى أزمة عالمية ، والتاريخ المصرى بأكمله يشهد على ذلك . حقق الإقتصاد المصرى نمواً قدره حوالى 5,6% فى بداية عام 2020 وأواخر عام 2019 . ناقش البرلمان مجموعة من التشريعات منها مناقشة مشروع الموازنة العامة للدولة للعام 2020/2021 من خلال إجراء إستفتاء على بعض من مخصصات الإنفاق بالنسبة لقطاعات المجتمع المختلفة ، وبلغت نسبة تلك المخصصات للإنفاق إلى ما يقرب من 82 مليار جنية زيادة عن الموازنة التى تم معرفتها فى العام الحالى والموافقة على مشروع قانون لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وغيرها من مشروعات القوانين ، ونجد أن مجلس النواب وافق على اتفاقيتين أقرهما رئيس الجمهورية هما تخصيص أسهم فى رأس مال بنك التنمية الأفريقة ، واتفاقية المساعدة بين جمهورية مصر العربية والولايات المتحدة الأمريكية بخصوص مبادرة شمال سيناء.[88] تم الإعلان عن موعد انتهاء الانعقاد الحالى للبرلمان والذى وفقاً للنص الدستورى الذى تم تنظيمه لتحديد أعمال البرلمان أنه سيتم الإنتهاء فى التاسع من يناير 2021 ، ومع الترحيب بفكرة مَدْ دور الإنعقاد بالنسبة للبرلمان المصرى وفقاً للدستور المصرى الحالى لمدة تسعة أشهر . تزامُناَ مع ظهور فيروس كورونا المُستَجَد قام مجلس النواب المصرى بتعديل مايقرب من سبعين مشروع قانون خلال شهرى إبريل ومايو من العام  2020 ، ومع عرض الحكومة لمشروع القانون المالى لمواجهة كافة الآثار السلبية التى شملتها الأزمة ، وافق البرلمان المصرى على مشروع القانون الذى يقضى بتأجيل السداد لبعض من الضرائب والتأمينات وغيرها.[89] إعلان الطوارئ : قام مجلس النواب بالموافقة على قرار رئيس جمهورية مصر العربية عبدالفتاح السيسى رقم 168 للعام 2020 بإعلان حالات الطوارئ لمدة حوالى ثلاثة أشهر لمواجهة الكثير من الحالات التى تهدد استقرار البلاد كحالات الإرهاب التى شهدت تطوراً كبيراً خلال تلك الأزمة والتى تهدد استقرار وأمن البلاد ، والكثير من الأزمات التى أيضاً تهدد استقرار البلاد فى الحالة الصحية لشعبها.[90] قام المتحدث باسم البرلمان بالتأكيد على أن مناقشة القوانين الخاصة بالانتخابات من الصعب القيام بالبدء فيها ولذلك تَقَرَرَ أن هناك الكثير من الوقت أمام البرلمان لمناقشة تلك القوانين حتى لو كان هذا فى شهر يوليو من العام 2020 ، ومع التَطَرُق لدور الأحزاب التى بعضها يستغل الأزمة الحالية من أجل التأثير أما الأحزاب الأخرى التى تتسم بالجدية لايكون هناك تأثير عليها فيما يخص الإنتخابات فى أى موعد حتى لو أن أجندة تلك الأحزاب تم تعطيلها إثْر أزمة كورورنا الحالية [91] .

تبعات الأزمة على البرلمان: على الرغم من جائحة كورونا إلا أن أَكَدَ وكيل مجلس النواب المصرى المعروف “سليمان وهدان” بأن الانتخابات التى تخص البرلمان سيتم انعقادها فى الموعد المحدد لها فى شهر نوفمبر القادم من العام 2020 ، ووَضَح طموحه الشديد لكى يترأس البرلمان فى الانتخابات القادمة أو يترأس مجلس الشيوخ عند إنشائه . كان عدد النواب يقل فى الجلسات المنعقدة فى البرلمان المصرى وأكد سليمان بأن هذا لم يكن شيئاً نعجب منه لأنه أمر طبيعى بالنسبة للنواب لكونهم فى انشغالهم بتقديم مجموعة من الخدمات للشعب المصرى وغيرها من الأسباب الأخرى ، وأكد أن البرلمان فى جلساته القادمة سيقوم بمناقشة مجموعة من القوانين خلال شهر يوليو من العام  2020 ومنها القانون الخاص بمباشرة مجموعة الحقوق السياسية ومجموعة قوانين أخرى تتعلق بالانتخابات الخاصة بالمحليات فى الدولة المصرية [92] . مع كافة الإجراءات التى اتخذها البرلمان المصرى بالتعاون مع الحكومة ، تم تخفيف بعض من الإجراءات المشددة من خلال قدرة الدولة على التحكم فى زمام الأمور . فجاء تقييم من الإتحاد البرلمانى الدولى بأن البرلمان المصرى بمجهوداته وإجراءاته الإحترازية جعلته النموذج الأفضل على الإطلاق مع استعراض ذلك على كافة مواقع التواصل الإجتماعى بأن البرلمان المصرى استطاع أن يعقد ست جلسات بالبرلمان بانعقاد اللجان النوعية فى ذلك الوقت مع اتخاذ تدابير احترازية صارمة لمواجهة خطر أزمة كورونا مع مواصلة كافة المهام التشريعية التى أقرهها الدستور فى مثل تلك الظروف مع لجوء الحكومة للبرلمان لحل الأزمة والتقليل من تبعاتها المريرة على مصر. [93]

إجراءات اقتصادية: فالدولة المصرية بذلت جهود عديدة فى سبيل مواجهة أزمة كوفيد_19 وظهر ذلك فى قرارات الرئيس عبدالفتاح السيسى عام 2020 بإطلاق مبادرات من شأنها تصلح الكثير من القطاعات مثل مبادرة “العملاء المتعثرين” الذين تضرروا من القطاع السياحى بشكل كبير مع استمرارية تشغيل الفنادق بتمويل مصايفها ب50 مليار جنية وتخفيض تكلفة الإقراض إلى 8% ، وتوفير مايقرب من مليار جنيه لكافة المصدرين خلال شهرى مارس وأبريل عام 2020 ؛ لسداد جزء ليس بقليل من مستحقاتهم مع تخفيض الأسعار الخاصة بالعائد لدى البنك المركزى إلى نسبة 3% وصرف رواتب للعاملين بالشركات الحكومية ، وفيما يخص بسداد الديون والغرامات قرر الرئيس عدم تطبيق الغرامات أو العوائد الإضافية للمتأخرين فى السداد ، ودعم البورصة المصرية بتخصيص 20 مليار جنيه من البنك المركزى لها ، ووقف بعض القوانين مثل قانون ضريبة الأطيان الزراعية لمدة تصل إلى عامين. وفى هذا الصدد، نجد أن برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى عملت خلاله الدولة المصرية ساهم بشكل كبير جداً فى مواجهة أزمة كوفيد_19 وعزز من قدراتها فى مواجهة تلك الأزمة ، فنجد أن الجنيه المصرى خلال الأزمة انخفض سعر صرفه أمام الدولار الأمريكى بنسبة 0.3% مما يشير إلى أن الجنيه المصرى من أكثر العملات تماسكاً من بين الإقتصادات الناشئة. نجد أن من ضمن هذه الإجراءات الإقتصادية خاصةً فى قطاع الصناعة مشروع توصيل الغاز الطبيعى للمنازل على نحو منتظم خاصةً فى المناطق الريفية ، وبخصوص هذا القطاع اتخذت الدولة أيضاً إجراء بتحمُل الخزانة العامة للدولة مايقرب من 10 مليارات جنيه بخفض أسعار الغاز والكهرباء (قاطرة النمو الاقتصادى) مما يعين الدولة على خلق فرص عمل وتوفير الإنتاج للأسواق المحلية بدلاً من طريق الإستيراد فى سبيل تعزيز المنتج المحلى المصرى حيث شنت الحكومة فى إطار ذلك مجموعة مبادرات فى القطاع الصناعى منها مبادرة “السداد النقدى والفورى” والتى نتج عنها إيجابيات عدة فى ظل الجائحة فى وقت قياسى جداً (أقل من عام) حيث تم صرف حوالى 28 مليار جنيه مصرى من متأخرات الدعم الذى تتيحه الدولة للمصدرين مما يسهم فى توفير سيولة نقدية تحتفظ بالعمالة وتستمر من خلالها عجلة الإنتاج الإقتصادى. بناء على ماسبق ، يتضح أن برنامج الإصلاح الإقتصادى الذى تقرر العمل به منذ عام 2016 حتى العام الجارى 2021 مكن الدولة من انتهاج سياسة مرنة واستباقية تساهم فى مواجهة كافة التداعيات الإقتصادية الشديدة الناتجة عن جائحة فيروس كوفيد_19 والتخفيف من حدة الصدمة مع محاولة مساندة كافة القطاعات فى المجتمع المصرى وبالتالى دفع عجلة لإقتصاد القومى المصرى حيث حقق الإقتصاد المصرى معدل نمو إيجابى حوالى 3% للعام الحالى 2021.[94] كما أن للبنك المركزى دور فعال فى اتخاذ مجموعة من الإجراءات منها بإطلاق مجموعة من المبادرات التى من شأنها تعين الدولة المصرية على تخطى الجائحة كمبادرة القطاع الخاص الصناعى والقطاع الزراعى وقطاع المقاولات بمنح التسهيلات الائتمانية التى من شأنها تتيح شراء الخامات والمستلزمات الخاصة بالإنتاج ، والمعدات والآلات وبعض التمويلات الرأسمالية التى تستفيد منها الشركات حديثة التأسيس (المتوسطة) وكذلك الشركات والمنشآت (الصغيرة) التابعة لكيانات ومؤسسات كبرى. كما تم إطلاق مبادرة التمويل العقارى لمتوسطى الدخل والتى تم إتخاذ إجراء خلالها بتخصيص 50 مليار جنيه بسعر عائد 8% وفق شروط محددة من أجل عملاء التمويل العقارى من متوسطى الدخل ، وكذلك مبادرة البنك المركزى للسداد الإلكترونى ومبادرة صرف قرابة 6500 ماكينة صرف آلى والكثير من المبادرات التى اتخذت الدولة خلالها إجراءات لمواجهة الجائحة.[95]

فيما يخص قطاع الصحة: اتخذت الدولة فى ذلك مجموعة من الإجراءات حيث التجهيز على أعلى مستوى لكافة المستشفيات لعزل المرضى المصابين بفيروس كوفيد_19 على أن يكون التجهيز على أعلى مستوى إدارياً وفنياً وتقنياً بتوفير كافة الأجهزة اللازمة لتلقى المرضى العلاج ، وزيادة الطواقم الطبية والتمريض للمعاونة فى تخطى الأزمة ومواجهتها إلى أن أُطلِق عليهم “الجيش الأبيض” كما أقر الرئيس بضرورة توفير غرف استقبال وطوارئ لكافة الحالات المشتبه بها فى كل محافظة من محافظات مصر. لم تغفل تلك الإجراءات الجهد القائم به الأطباء طاقم التمريض فكان من ضمنها صرف بدل للعدوى لهؤلاء فى سبيل دعمهم للقيام بالمهام المكلفين بها على أكمل وجه وإنقاذ مايمكن إنقاذه. أما قطاع النقل: تم تخاذ مجموعة إجراءات تتعلق بضرورة مواجهة التكدسات البشرية الموجودة فى مترو الأنفاق وغيره من الأماكن التى تشهد تجمع كبير للمواطنين ، حيث القيام بتعقيم وتطهير كافة وسائل النقل العام والسكك الحديدية مع تنظيم حركات المرور للمواطنين من أجل عدم انتشار العدوى بالالتزام بالتعليمات الصحية والإجراءات الاحترازية لعدم تفشى العدوى بشكل أكبر. قطاع الدواء: اتبعت الدولة المصرية استراتيجية خاصة بتوفير الدواء فى الأسواق حيث جاء ذلك نتيجة قدرة هيئة الشراء الموحد والهيئة العليا للدواء فى تأمين سوق الدواء المصرى مما أتاح ذلك توفير مخزون من الدواء لدى مصر يكفى لمدة تصل إلى ستة أشهر تقريباً حتى تسعة أشهر [96]

إجراءات إجتماعية:  قطاع التعليم: اتبعت مصر استراتيجية جديدة لاستمرار العملية التعليمية فى ظل أزمة كوفيد_19 من خلال التحول إلى التعلم عن بعد الذى يتطلب توافر العديد من المنصات الإلكترونية المتاح عليها كافة المناهج الدراسة نتيجة تعليق الدراسة فى كافة المؤسسات التعليمية لعدم تفشى فيروس كوفيد_19 واتباع إجراءات التباعد الإجتماعى ، والتعليق من الأنشطة الجماعية كالفعاليات الرياضية والاحتفالات مع اتباع نظام التعليم الهجين فى الآونة الأخيرة الذى يتيح الفرصة للجميع بالدمج بين الحضور المباشر فى المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية كافةً مع تلقى جزء آخر عن طريق الإنترنت باختيار الأسلوب المناسب لهم. كما أنه فى نظام التعليم الجامعى تم تفعيل نظام الدفع الإلكترونى لكافة الخدمات الطلابية مع عقد الإجتماعات عبر الفيديو كونفرانس مع إتاحة عدد كبير من التيسيرات الإلكترونية التى تتيح الإنترنت بشكل سريع وتكلفة تناسب كافة الفئات العمرية. لهذا فإن مصر فى حاجة ماسة للتحول الرقمى الذى بدوره يعين المجتمع المصرى على استكمال الحياة الميعيشة بشرط الالتزام بالتباعد الاجتماعى وكافة الإجراءات الإحترازية التى أصبحت بمثابة أسلوب حياة لايتخلى عنه الجميع.[97]

المبحث الثالث:الحلول المُقَدَمَة من المقريزى للتخلص من الأزمات فى عصره

اجتهد المقريزى بمحاولة منه للوصول إلى الدواء (حل الأزمات) الذى يزيل الداء (الأزمات) حيث ظهر ذلك بتخصيص المقريزى فصل فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” بعنوان “مايزيل عن العباد هذا الداء ويقوم لمرضى الزمان مقام الدواء” يتعرض فيه المقريزى مايمكن فعله فى سبيل إزالة ما بالناس من البليات باختلاف الأزمنة والعصور ؛ من أجل عودة أحوالهم إلى مجراها الطبيعى فكان يحاول إيجاد حلول للأسباب الثلاثة التى أشار أنها أسباب حدوث كل تلك الأزمات وهى: رواج الفلوس ، غلاء الأراضى الزراعية ، بيع المناصب بالرشاوى. فركز المقريزى على مشكلة النقود وحاول إيجاد حلاً ممثلاً فى إعادة العمل بالعملة الفضية وتثبيت سعر التبادل بين العملات الثلاثة (الفضة ، الذهب ، النحاس) باقتراح أن يكون مثقال ذهب مقدار معين من الفضة ، ومثقال فضة مقدار معين من النحاس. يقول المقريزى: “أن النقود المعتبرة شرعاً وعقلاً وعادة أنما هى الذهب والفضة فقط ، وماعداهما لايصلح أن يكون نقدا وكذلك لايستقيم أمر الناس إلا بحملهم على الأمر الطبيعى الشرعى فى ذلك ، وهو تعاملهم فى أثمان مبيعاتهم وأعواض قيم أعمالهم بالفضة والذهب لاغير ” فالمقريزى ذو النشأة الدينية الفقهية يرى أن الناس لاتستقيم حياتهم ولا يصلح حالهم إلا باتباعهم السلوك الطبيعى الشرعى ويقصد ذلك التعامل بالذهب والفضة لاغير فى كافة معاملاتهم سواء المتعلقة بأثمان مبيعاتهم أو حتى أعواض قيم أعمالهم ، فمن وجهة نظر المقريزى يعتبر أن الفضة الخالصة _التى لم تُضرَب ولا تُغَش) سعر كل مائة درهم منها خمسة مثاقيل من الذهب فتزن بذلك قرابة مائة وخمسين درهماً معاملة ، وعلى هذا المنوال يكون صرف كل مثقال من الذهب المختوم بأربعة وعشرين درهماً من الفضة. لك يقتصر المقريزى على عرض الحلول الخاصة بالنقود بل بلغ الأمر إلى أن حاول إيضاح الفائدة التى تعود على الناس ورغبة المقريزى تظهر فى شرحه لفوائد هذا العلاج النقدى الذى طرحه فى رسالته “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، وتتمثل فوائد هذا العلاج فى أمرين هما:

  • العودة إلى أسعار المبيعات وقيم الأعمال إلى ما كانت عليه قبل المحن والأزمات المتتالية.
  • محاولة الإبقاء على كم النقد فى أيدى الناس دون إدخال أى تغيير أو تعديل عليه.

على هذا النحو ، يتضح أن المقريزى فى حلوله لإزالة الداء لا يهتم بالكم بقدر اهتمام بالكيف والقيمة ؛ نظراً لإيمانه بأن تثبيت سعر التبادر بين العملات الثلاثة كما ذكرنا ينعكس بالفعل على معدلات النقد فى الأسواق ماعدا السلع الى ارتفعت قيمتها لعدة أسباب تتمثل فى:

  • الجهل المخيم على التجار والناس عموماً بسياسة الأمور والنقد التى ساهمت بإحداث التضخم .
  • اانتشار آثار المحنة والتى ظهرت فى الكثير من الأزمات خاصةً الشدة المستنصرية من أكل لحوم البشر.

المقريزى أكد على ضرورة معالجة تلك الأسباب بالسياسة النقدية التى قدمها كحل أساسى صنفته كحجر أساس للتأثير على الهيكل العام الإقتصادى القومى إلى أن أصبح المقريزى واحداً من أهم رواد الفكر الإقتصادى النقدى حتى الآن ، ولهذا أصبحت النقود محل اهتمام كبير لدى المقريزى وحل سحرى يستطيع من خلاله تخطى الأزمات خاصةً أزمة المجاعة التى خصص كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” لتحليل أزمة المجاعة زمن المماليك التى تفشت عام 808ه.[98]

لابد من الإشارة إلى الأهمية التى جعلت المقريزى يقدم حلولاً نقدية ويهتم بالنقود إلى هذا الحد فظهر اهتمامه أيضاً بتخصيصه جزء كبير من الرسالة “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للحديث عن النقود وهو “معاملة مصر مازالت بالذهب قفط” فالنقود احتلت  اهتماماً كبيراً عند المقريزى مشيراً إلى أن “أول من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه الصلاة والسلام ، وقيل لا تصلح المعيشة إلا بهما”  فأكد أنها وسيط للمبادلة ووحدة أساسية للحساب التجارى بين الناس ففى إطار حديثه أشار إلى النظرية الكمية والمعروفة عند “جان بودان” (1530-1596) م مؤكداً انه كلما زادت كمية النقود فى المجتمع بصورة مطلقة فالأسعار ترتفع ، وعندما تتقلص كمية النقود قالأسعار تنخفض ، كما حدد للنقود عدة وظائف :

  • النقود وسيط للتبادل:

كانت النقود دائما ماتستخدم على الدوام للتغلب على كافة التحديات والصعوبات التى يواجهها التجار والمتبادلون فى ظل نظام المقايضة فكان أهم تلك التحديات اختلاف الرغبات التى استدعت ضرورة أن تكون النقود وسيط للتبادل بين الناس ، وأشار المقريزى فى “إغاثة الأمة بكشف الغمة” إلى تلك الوظيفة بقوله “اعلم أن النقود التى تكون أثماناً للمبيعات وقيماً للأعمال إنما هى الذهب والفضة فقط” فبذلك النقود بمثابة الوسيلة التى تتوسط بين كافة البائعين وثمن المبيعات.

  • النقود مقياس للقيمة:

النقود هى معيار حقيقى وأساسى لقيم السلع والخدمات كما أنها تسمح بالمقارنة بين قيم الأشياء المختلفة من شأنها تسهم فى استقرار الأسواق ، وبالتالى هى وحدة أساسية فى الحساب والعد.

  • النقود مخزناً للقيمة:

اعتبر المقريزى أن النقود هى مخزناً أساسياً للقوة الشرائية لكنه كان مؤمناً أن هذه الوظيفة لم تناسب الذهب والفضة ولايقومان بها تماماً ، وظهر ذلك فى السياق العام لفكره الذى أكد فيه أن الذهب والفضة ذواتا ثبات نسبى فى القيمة.

  • النقود وسيلة أساسية للمدفوعات الآجلة:

أكد المقريزى أنه من الممكن الدفع المؤجل بالنقود التى تعتبر وسيلة تتصف بالقبول العام من جانب أفراد المجتمع فهى بذلك وسيلة أساسية للدفع المؤجل ، وتسهم تلك الوظيفة فى الوفاء بالإلتزامات العديدة المتعلقة بالنقود كما أن المقريزى أن تغيير قيمة النقود من شأنه يؤثر بالفعل على هذه الوظيفة نظراً لأن القيمة ستكون مختلفة.[99]

كما حاول المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” بتفسير بعض الظواهر المرتبطة بالنقود وظهر ذلك أثناء تحليله لكافة الأزمات الواردة بالتلميح لبعض القضايا النقدية ومن تلك الظواهر:

فى الوظيفة المتعلقة بأن النقود مخزناً للقيمة أورد علاقة كمية النقود بقوتها الشرائية فى الظاهرة المتعلقة بالمشكلة المتعلقة بإسراف الدولة فى بإصدار النقود بدون وجود مايقابلها من إنتاج للسلع والخدمات مما يؤدى إلى التهاب فى الأسعار ، وضعف القوة الشرائية يؤدى إلى التضخم الذى يسبب الكثير من المشكلات الإقتصادية حيث ظهر ذلك فى قول المقريزى: ” إن التاجر إذا استفاد مثلا 3000 درهم في بضاعته فإنما یعوض عنها فلوس أو20 مثقالا من الذهب ویحتاج إلى صرفها فیما لا غنى له عنه من مؤونته ومؤونة عیاله وكسوته وكسوة عیاله فهو لو تأمل لاتضح له أنه لما كان أول ما یستفید في مثل هذه البضاعة ألف درهم مثلا أنها تغني عنه في كلفته أكثر ما تغني عنه الـ 3000 درهم من الفلوس بكثیر، فالبائس بغباوته یزعم أنه استفاد والحقیقة أنه خسر، ولسوف عما قلیل یكتشف له الغطاء ویرى ما له قد أكلته النفقات واتلعه اختلاف النقود فیعلم فساد ما كان یظن وكذب ماكان يزعم”. كما أشار المقريزى إلى الخطورة من ظاهرة تهريب المعادن على شكل نقود فكان هناك قيمتين للمعدن الواحد إحداهما نقدية والأخرى معدنية فكليهما قابل للتغيير وفق الظروف الموجودة فى الدولة فانتشرت ظاهرة ذوبان القطاع المعدنية وتويلها إلى سبائك ثم تهريبها بطرق غير شرعية فى سبيل تحقيق فائدة أكبر من قيمتها الأصلية ، وظهر ذلك بتهريب الإفرنجة لتلك السبائك حتى أصبحت النقود شئ عزيز كادت تفقدها الدولة نظراً للاستعمالات الأخرى التى تجلب قيم أكثر بكثير. ثم أشار المقريزى بعد ذلك إلى ظاهرة النقود الرديئة التى انتشرت عهد الدولة الفاطمية عام 569ه مؤكداً أن النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة وأشار إلى ذلك فى قوله: ” لما تولى صلاح الدین الأیوبي ملك مصر ضرب نقود جیدة وكانت قیمتها وعیارها تخالف النقود التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وقد كانت النقود الموجودة قبل صلاح الدین بالنسبة إلى النقود التي ضربها في أیامه جیدة، وبذلك اختفت النقود الجیدة من المعاملة وأصبحت النقود الردیئة هي المتداولة”.[100]

تقييم الحل الذى قدمه المقريزى: الحل النقدى المقترح من وجهة نظر المقريزى جاء على غير توقعنا فهذا الحل لايتناسب مع النموذج النظرى الذى حاول تفسير الأزمات الواردة فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، نجد أن هذا الحل فير مرضٍ ، لأنه على ارتباط وثيق بفساد الحكم والأحزاب السياسية المختلفة وبهذا فالمقريزى اقتصر على الحل الجزئى لا الكلى فهو شخص الحالة بشكل جزئى من جانب واحد فقط (النقود). تتمثل أسباب اقتصار المقريزى على الحل والعلاج الجزئى إلى أن هناك ظروف معينة واحتمالات كثيرة جعلته يقترح ذلك الأمر ممثلة فى: أن المقريزى يُقال بأنه خائف عند كتابته لهذه السطور لكن فى حقيقة الأمر أن المقريزى لم يخف على الإطلاق وظهر ذلك واضحاً فى بداية حديثه التى لم تكن خافتة تماماً ، فى حين يرى الأوروبيون عند تقييهم لنص “إغاثة الأمة بكشف الغمة” أنهم بالغوا فى فهمهم للنص على اعتبار أن المقريزى لم يتحدث عن الفساد بل الغلاء والغلوات وارتفاع الأسعار فهو نطاق ضيق ولهذا فالعلاج المقدم هو علاج جزئى. فلو أخذنا برأى الأوروبيين نجد أن نطاق التحليل يفسر ذلك فالمقريزى تناول رسالة مخصصة عن النقود ولم يخرج عنها فى نطاق محدد جداً لذلك فالمقريزى واضحاً فى جزئية التحليل فالتحليل المقدم من جانبه لم يكن ضيقاً على الإطلاق.

ما توصل إليه المقريزى: بناءً على ماتم عرضه من تحليل لكافة الجوانب التى تطرق إليها المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” يتضح لنا أن المقريزى توصل إلى مجموعة من الإستنتاجاتمن وراء هذا الكتاب:

  • أكد المقريزى على فكرة الغياب الطويل لوجود سياسة رشيدة تعين على إدارة شئون الجميع ، والتى جاءت نتيجة الجهل المخيم على المسئولين أو الحكام بصقة عامة الذين من واجبهم تحمل مسئولية الرعية وتوعيتهم بسياسية رشيدة تعينهم.
  • لاحظ المقريزى غياب الرقابة من جانب المسئولين فى الأسواق والذى نتج عنه التلاعب بالأسعار والنقود كما عرضنا _تحويل النقود إلى سبائك تباع بسعر أعلى_ ، والتى كانت السبب الحقيقى وراء الفساد الإقتصادى.
  • ركز المقريزى على مشكلة اقتصادية هامة من شأنها تهلك الإقتصاد وبالتالى الأسواق والإنتاج وكل مايتعلق بتلك الأمور ، مما جعله يتيقن من أن التضخم فى صعود مستمر فى حالة ارتفاع الأسعار الناتجة بالفعل عن تدهور العملات النقدية (الفلوس كما ذكرها المقريزى) مقابل أسعار الذهب .
  • كد المقريزى أن اتباع السياسات السلبية من شأنها تُحدِث المجاعات وفساد الإقتصاد وبالتالى إهمال عوامل الإنتاج
  • أكد المقريزى على أن لابد من الإدخار الذى يلعب الدور الهام المحورى فى مواجهة كافة التحديات والصعوبات المتعلقة بالحياة المعيشية للأفراد ، والتى من شأنها تضمن تحقيق الإستقرار الإقتصادى الذى يجلب التنمية.

لهذا، نجد أن المقريزى اهتم بالسياسة النقدية التى اعتبرها محور هام جداً يءثر بشكل إيجابى على الهيكل العام الخاص بالإقتصاد القومى مما جعل المقريزى من أهم رواد الفكر الإقتصادى النقدى كما ذكرنا ، ولهذا كانت رسالة المقريزى فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” موجهة كنصح للسلطة الحاكمة ؛ على اعتبار أنها مفتاح الحل لكل هذا الفساد المخيم على الدولة وخاصة من جانب السلطة السياسية من وجهة نظر المقريزى والتى ذكرها فى العرض التاريخى للكثير من العصور المختلفة ، فالمقريزى وجد نفسه غير قادر على حل الأزمات التى ذكرها بيديه بشكل واقعى فحاول كتابة رسالة من شأنها توضح مدى رغبته فى النصر ومواجهة الفساد كمحاولة منه للتغلب على شعوره بالعجز وبالفعل تمكن المقريزى من هذا على المستوى الفكرى والنفسى لا العملى كما ظهر فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” متأثراً ببيت شعر “ومافاتنى نصركم باللسان…إذا فاتنى نصركم باليد”.[101]

الخاتمة

خلصت الدراسة إلى أن الأزمات بكافة أشكالها سواء كانت إقتصادية أو حتى مجاعات التى عصفت بمصر عبر العصور الإسلامية بسبب مجموعة من العوامل منها أن ندرة هطول الأمطار يؤدى إلى انخفاض منسوب مياه النيل مما يؤدى بالدولة إلى الجفاف وبالتالى تعطُل الزراعة وحدوث تقلبات فى الأسعار ، وهذا من شأنه يولد الفساد الذى يتبعه التجار من أجل الربح والسيطرة على الأسعار والأسواق فى الدولة المصرية وظهر ذلك واضحاً فى استعراض الأزمات المذكورة فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى الذى أكد بالفعل تلك الحقائق بإثبات أنها تودى بالبلاد لأزمة شرسة. كما بينت الدراسة حقيقة الدور المحورى الذى تلعبه السلطة المركزية فى مواجهة كافة الأزمات الواقعة فإن لم تكن السلطة المركزية غير قادرة على احتواء الأزمة ومعالجة الآثار السلبية للأزمات سيؤدى ذلك إلى الهلاك ، فى حين أن وجود الحكمة والرشادة فى التعامل مع كافة الأزمات سيكون هذا هو العامل الفعال الرئيسى وراء الحد من الأزمات بكافة أشكالها والتقليل من تبعاتها. فمصر واجهت تاريخ مرير وغرقت فى أزمات رهيبة كادت أن تنهى حياة الشعوب ، وظهر ذلك فى أزمات عديدة تكاد تكون أصعبهم هى الشدة المستنصرية التى بينت بالفعل وجود ضعف كبير فى السلطة المركزية بقيام المستنصر بالله بترك زمام الأمور وتوليها عدد من الوزراء ممن حوله لكن لايتسمون بالحكمة والرشادة. فأزمة كوفيد 19 التى اجتاحت الدولة المصرية والعالم بأسره منذ أواخر عام 2019 أوائل عام 2020 حتى العام الحالى 2021 هى أزمة كتلك الأزمات التى ستنتهى قريباً وفق المجهودات التى تبذلها كافة الجهات فى سبيل حياة خالية من أوبئة وأمراض تجعل الجميع فى حالة من الهلع والخوف من انتهاء حياتهم حتى الموتان كما حدث فى تاريخ أزمات الدولة المصرية التى استعرضها المقريزى فى كتابه “إغاثة الأمة بكشف الغمة” فتلك الأزمات التى تحدث عنها المقريزى والأزمة الحالية (كوفيد_19) يشتركان فى أن كليهما نتج بسبب مجموعة من العوامل الطبيعية وكذلك العوامل البشرية ، ووفق فكر المقريزى كمفكر إسلامى أن كوفيد_19 وكافة الأوبئة التى تعرضت لها الدولة المصرية هى عقاب من الله سبحانه وتعالى لخلقه وهو القادر على انتشال هذا الوباء وإزالة هذه الغمة عن الأمة وإغاثتها ويكمن الإختلاف الحقيقى بين تلك الأزمات فى قدرة السلطة الحاكمة فى التحكم فى زمام الأمور فنجد أن الدولة المصرية فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى قادرة بالفعل على التقليل من تبعات الأزمة والتى ظهرت فى المجهودات التى تبذلها الدولة المصرية وتكاتف كافة الجهات فى سبيل منع انتشار الفيروس كما ظهرت المجهودات تلك فى حرص الدولة المصرية على الحصول على المصل وقدرة جميع المواطنين فى الحصول عليه فى سبيل إنقاذ حياتهم وإغاثتهم.

على هذا المنوال ، تقدم الدراسة مجموعة من التوصيات التى تعد حلول مقترحة لتخطى مصر أزمة كوفيد_19 حالياً:

  • يتعين على الدولة المصرية القيام بمراجعات لكافة نفقات ميزانيتها فى ضوء التأثير الحادث إثر فيروس كوفيد_19 الذى أثر بالفعل على عائدات الدولة المصرية ، ولهذا فمصر فى حاجة ماسة لإتباع نظام جديد بمصادر جديدة بأولويات جديدة تؤدى إلى أن يكون للدولة دور أكبر فى مجالات الاستثمار والصحة والتكنولوجيا مع الحفاظ على القطاع الخاص الذى يبذل دور كبير جداً فى معاونة الدولة لتخطى أزمة كوفيد_19.
  • يجب على مصر ألا تخجل من الموجة الثانية من الإصلاحات خاصةً أنها بذلت جهود شتى فى سبيل إجراء عدد من الإصلاحات فى الموجة الأولى من الفيروس والتى كان بها إصلاحات ومجودات عديدة مع القطاع الخاص.
  • مصر فى حاجة ماسة لإحداث تحول كبير فى هيكلها الإقتصادى فهى مضطرة للانتقال بشكل سريع من اقتصاد الإيجار إلى اقتصاد أكثر ديناميكية يتسم بالتنوع والتنافسية فى سبيل أن يكون قادراً على استيعاب الإنتاج من السلع والخدمات ذات القدر الكبير القادر على تلبية كافة متطلبات الأمة المصرية فى ظل أزمة كوفيد_19.
  • مصر مضطرة للإستغناء عن الدخل العائد من السياحة على المدى القصير مع الإعتماد على العائدات من قناة السويس والصادرات النفطية وهذا نتيجة الإيمان بأن الوضع سيظل مضظرباً لفترة طويلة من الوقت حتى بعد التعافى من الأزمة (كوفيد_19) ؛ نظراً للتحول الكبير الذى تشهده كافة القطاعات والسياسات التى تغيرت بها.
  • يجب على الحكومة المصرية مواصلة كافة مشاريعها الضخمة اللازمة وإعادة هيكلة كافة مؤسساتها وتكييف الإطار التنظيمى المناسب ، كما يتعين عليها مواصلة الجهود فى إجراء شراكات وتعاون مع القطاع الخاص لإنجاز تلك المشاريع الإقتصادية الضخمة التى ستحقق عائداً يجعل الدولة المصرية قادرة على تخطى أزمة كوفيد_19 سريعاً.
  • علاوةً على ذلك ، مصر ليس لديها خيار سوى أن تتحول إلى الإقتصاد الرقمى الذى يعتبر منعطفاً إيجابياً لاستكمال كافة القوانين وتسريعها ويساعد على تطور التجارة الرقمة وزيادة العائدات التجارية ، مع تعزيز الصادرات غير النفطية وغيرها مما سيشكل عامل هام ومحورى فى مواجهة كافة الآثار والتبعاث السلبية لكوفيد_19.
  • لابد من أن تركز الدولة على تطور البنية التحتية التكنولوجية فى كافة القطاعات خاصةً التعليم الذى رأينا كافة المجهودات المبذولة من الدولة من أجل الإستمرارية رغم التبعات المريرة لأزمة كوفيد_19 على كافة فئات المجتمع.

ومع ذلك ، فالمقريزى عند تقديمه حلاً للأزمات الواردة فى كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” قدم حلاً وحيداً يتعلق بجانب واحد وهو “النقود” ، ولهذا فتم محاولة تقديم توصيات بشكل عام بناءً على الاستفادة من المقريزى لمواجهة كوفيد_19.

قائمة المراجع

المراجع العربية

الكتب

الرسائل العلمية

الدوريات العلمية

محاضرات أكاديمية

  • محمد صفار، “المقريزى”، المحاضرة السابعة ، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 27 نوفمبر 2019
  • محمد صفار ، ” النموذج النظرى للمقريزى” ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، الفرقة الثالثة ، مقرر النظرية السياسية ، 4 ديسمبر 2019 .
  • محمد صفار، “المقريزى”، المحاضرة االتاسعة ، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 16 ديسمبر 2019.
  • محمد صفار ، ” النموذج النظرى للمقريزى” ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، الفرقة الثالثة ، مقرر النظرية السياسية ، 4 ديسمبر 2019 .
  •  محمد صفار ، “المقريزى” ، المحاضرة العاشرة ، جامعة القاهرة ، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ، 13 نوفمبر 2019.
  • محمد صفار ، “تحليل كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى” ، (النظرية السياسية ، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 16 ديسمبر 2019)

المراجع الأجنبية

[1]  تقرير لمنظمة اليونسيف التابعة للأمم المتحدة.

[2] Mina Adel Gayed, Plague, cholera, and Spanish Flu, Tuesday 2 Jun 2020m Ahramonline, Available at: http://english.ahram.org.eg/NewsContent/50/1209/370351/AlAhram-Weekly/Focus/Plague,-cholera,–and–Spanish-Flu.aspx .

[3] Syarifah Siregar, ‘’ The Inflation Theory in the Perspective of Al-Madriz’s Thought and its Implications in the Modern Economic World’’, Islamic Religious Colleges of Tapaktuan Aceh Selatan, Indonesia, Volume 3, No 2, May 2020, Pages 1129-1130-1131-1132, Available at https://www.researchgate.net/publication/341253110_The_Inflation_Theory_in_the_Perspective_of_Al-Maqrizi’s_Thought_and_it’s_Implications_in_the_Modern_Economic_World  .

[4]Nashr Akbar& Abdul Wahid al Faizin, ‘’ PROVING AL-MAQRIZI’S CONCEPT OFTHE DETERMINANTS OF INFLATION: CROSS BORDER ANALYSIS’’, Journal of Islamic Monetary Economics and Finance, Vol. 5, No.4 (2019), Pages:873-874-875-887, Available at: https://jimf-bi.org/index.php/JIMF/article/view/1142/790 .

[5] Hamidin&Dede, ‘’ Theory of money and inflation in the analysis of Al Maqrizi thought’’, Fakultas Syariah dan Ekonomi Islam IAIN Syekh Nurjati Cirebon, MPRA Paper No. 87552, 23 Jun 2018 06:47 UTC, Available at: https://mpra.ub.uni-muenchen.de/87552/1/MPRA_paper_87552.pdf .

[6] Am bo k Pan giuk, ‘’ Inflation in the Economic and Social Phenomenon: Al– M a q r iz i Per s p ect iv e’’, Kontekstualita, Vol. 30, No. 2, 2015, Pages: 220-221-234-235, Available at: https://media.neliti.com/media/publications/146342-ID-none.pdf .

[7] Esraa Sayed Ahmed, “Does History Repeat Itself? The Political Behaviour of the American Society and Government during the COVID-19 Outrage”, Final Assessment, Cairo University, Faculty of Economics and Political Science, September 2020, Available at: file:///C:/Users/HP/Downloads/RevisitingAl-MaqrizishistoricalmodelduringthetimesofCOVID-19.pdf .

[8] Abi Suar- Meirison- Elfia, ‘’ AL MAQRIZI’S VIEW ON ISLAMIC ECONOMY AND ITS RELEVANCE TO COVID-19 PANDEMIC IN INDONESIA’’, NURANI, VOL. 20, NO. 1, JUNI 2020, Pages:83-93, Available at: file:///C:/Users/HP/Downloads/6025-Article%20Text-18351-1-10-20200630.pdf .

[9]  معمر بونوار، “التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد_19″ ، جامعة أبو بكر بلقايد، تلمسان، الجزائر، مجلة التمكين الاجتماعى، مجلد2 ، العدد2، 30 يونيه 2020 ، ص 228-229-247-248 ، متاح على: file:///C:/Users/HP/Downloads/1020-%D9%86%D8%B5%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84-1796-1-10-20201122%20(1).pdf .

[10]  مصطفى الفقى، ” تداعيات الجائحة: رؤى تحليلية ونقدية لتداعيات جائحة كورونا لعام 2020″، مركز الدراسات الإسترراتيجية، مكتبة الإسكندرية، يوليو 2020 ، ص 9-11-13-21-59-99-111-112 ، متاح على: https://www.bibalex.org/Attachments/Publications/Files/2020112311312277013_oktoprint18112020.pdf .

[11]  عادل زاغة ، “مساهمة المقريزى فى الفكر الاقتصادى” ، المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات ، الدوحة ، 10 نوفمبر 2016 ، متاح على: https://www.dohainstitute.org/ar/Events/Pages/ACRPS-Seminar-Al-Maqrizi%27s-Contribution-to-Economic-Thought.aspx .

[12]  ياسين شبايبى ، “الفِكر السياسى الإسلامى فى العصر الوسيط فى كتابات الآداب السلطانية المغربية والأندلسية” ، جامعة أبلا بكر بلقايد ، كلية العلوم الإنسانية والعلوم الإجتماعية ، قسم التاريخ ، رسالة دكتوراه ، 2017-2018 ، ص44-63 ، متاح على: https://www.univ-saida.dz/ssh/%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%88%D8%AF/.

[13] مرجع سابق رقم 12 .

[14]  مرجع سابق رقم 12 .

[15]  نور محمد فواز العقاد ، “الأزمة المالية العالمية وأثرها فى السيولة فى المصاريف” ، جامعة دمشق ، كلية الاقتصاد: قسم إدارة الأعمال ، رسالة ماجستير ، 2014 ، متاح على: http://mohe.gov.sy/master/Message/Mc/nour%20alaqad.pdf .

[16]  Webster, 1993, Page 42.

[17]  الحوشان ، 2008 ، ص 182 .

[18] رهف مروان غنيمة ، “متطلبات إدارة الأزمات التعليمية فى المدارس الثانوية فى مدينة دمشق” ، جامعة دمشق ، كلية التربية: قسم التربية المقارنة ، رسالة ماجستير ، 2013-2014 ، ص 33-34 ، متاح على: https://drive.google.com/file/d/1g1b1_NstM5ugeHIz_Rd0p5t2iIIzL3rC/view .

[19]  محمد بن شحات حسين خطيب ، “إدارة أزمة جائحة كورونا” ، المجلة العربية للنشر العلمى ، العدد الواحد والعشرون ، إصدار فى 2 تموز 2020 ، ص88 ، متاح على: https://www.ajsp.net/research/%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9%20%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9%20%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7.pdf .

[20]  محمد صدام فايق بن طريف ، “الأزمة الدولية وطرائق إدارتها دراسة تحليلية لأزمة العلاقات العراقية-الأمريكية 1990-2003/دراسة حالة” ، جامعة الشرق الأوسط ، كلية الآداب والعلوم ، قسم العلوم السياسية ، رسالة ماجستير ، كانون الثانى-2017 ، ص 6 ، متاح على: https://meu.edu.jo/libraryTheses/58fef7dd9e24b_1.pdf .

[21]  زينات موسى مسك ، “واقع إدارة الأزمات فى مستشفيات القطاع العام العاملة فى الضفة الغربية واستراتيجيات التعامل معها من وجهة نظر العاملين” ، جامعة الخليل ، كلية الدراسات العليا والبحث العلمى ، قسم إدارة الأعمال ، رسالة ماجستير ، 2011 ، ص 9 ، متاح على: https://www.mobt3ath.com/pdf.php?ext=pdf&id=18001&tit=%D8%B1%D8%B3%D8%A7%D9%84%D8%A9_%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D8%B1_%D8%A8%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86___%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9_%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A7%D8%AA_%D9%81%D9%8A_%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D9%81%D9%8A%D8%A7%D8%AA_%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A7%D8%B9_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%84%D8%A9_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%81%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 .

[22]  مرجع سابق رقم 14

[23]  محمد خليل الرفاعى / فلك صبيرة / محمد على حبش، “أساليب تحليل النصوص” ، الجامعة الافتراضية السورية ، الجمهورية العربية السورية ، 2020 ، ص 66-69 ، متاح على: https://pedia.svuonline.org/pluginfile.php/3005/mod_resource/content/50/%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A8-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B5.pdf .

[24]  متاح على: https://www.kau.edu.sa/Files/237/Researches/64554_35761.docx .

[25]  متاح على: https://anjiddaha.web.app/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%8A%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%8A.html .

[26]  زياد محمد المقبل ، ” تعلم إعداد الأبحاث والدراسات العلمية: مدخل لتسهيل فهم مكونات ومناهج وأدوات البحث العلمى وتبسيط إجراءات تنفيذها “ ، دار الكتاب الثقافى ، 2019 ، ص73-75 ، متاح على: https://books.google.com.eg/books?id=HQnhDwAAQBAJ&pg=PT75&dq=%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC+%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%89+%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwja56XQsKjuAhU67uAKHcQPDgEQ6AEwBnoECAUQAg#v=onepage&q=%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%89%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D9%89&f=false .

[27] ماثيو جيدير ، ” منهجية البحث العلمى “ ، دليل الباحث المبتدئ فى موضوعات البحث ورسائل الماجستير والدكتوراه ، الفصل الثالث ، ص 106-109 ، متاح على: http://www.ucas.edu.ps/sru/files/_manhajiya.pdf .

[28]  جريدة الإتحاد ، “المقريزى..عمدة المؤرخين المصريين” ، يوم السبت ، 2يوليو 2016 ، 20:40 ، متاح على: https://www.alittihad.ae/article/29681/2016/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B2%D9%8A–%D8%B9%D9%85%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86

[29] وزارة الثقافة ، “شارع تقى الدين المقريزى” ، الجهاز القومى للتنسيق الحضارى ، متاح على: https://streetstory.gov.eg/%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%B9/%D8%AA%D9%82%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B2%D9%89/ .

[30] مرجع سابق رقم 29.

[31] Shainool Jiwa, ‘’Historical representations of a Fatimid Imam-caliph: Exploring al-Maqrizi’s and Idris’ writings on al-Muizz Li Din Allah’’, The Institute of Ismaili Studies, Available at: https://www.iis.ac.uk/ru/academic-article/historical-representations-fatimid-imam-caliph-exploring-al-maqrizi-s-and-idris-writings-al-mu-izzn .

[32] NASSER RABBAT, ‘’Who Was al-Maqrizi? A Biographical Sketch’’, The University of Chicago, MASSACHUSETTS INSTITUTE OF TECHNOLOGY, MAMLUK STUDIES REVIEW, VOL.7/2,2003, Pages:1-19, Available at: http://mamluk.uchicago.edu/MSR_VII-2_2003-Rabbat_pp1-19.pdf .

[33] Claude CAHEN, ‘’AL MAQRIZI’’, Encyclopaedia,  Available at: https://www.universalis.fr/encyclopedie/al-maqrizi/ .

[34]  المكتبة الشاملة ، المقريزى ، متاح على: https://shamela.ws/index.php/author/693 .

[35] ضياء الناروز ، “ارتفاع الأسعار فى مصر: قراءة فى كتاب (إغاثة الأمة بكشف الغمة)” ، مجلة سياسة ،25أبريل 2021، متاح على: https://sasapost.co/translation/malaysia-and-indonesia-middle-east/ .

[36]  وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ، “المقريزى ورسالته إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مجلة دعوة الحق ، العدد 52 ، متاح على: http://www.habous.gov.ma/daouat-alhaq/item/1159 .

[37]   القرآن الكريم، الجزء الخامس عشر، الحزب الثلاثون، سورة الكهف،  ص 297 ، الآية رقم 29 ، متاح على: http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura18-aya29.html .

[38]  القرآن الكريم ، الجزء الثالث عشر ، الحزب الخامس والعشرون ، سورة يوسف ، ص 241 ، الآية رقم 45 ، متاح على: http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura12-aya45.html .

[39]  متاح على: https://ar.islamway.net/fatwa/27291/%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D9%8A%D9%85 .

[40]  القرآن الكريم ، الجزء الخامس والعشرون ، الحزب الخمسون ، سورة الدخان ، ص 496 ، الآية رقم 12 ، متاح على:  http://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura44-aya12.html .

[41]  محمد صفار، “المقريزى”، المحاضرة السابعة ، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 27 نوفمبر 2019 .

[42] تقى الدين أحمد بن على المقريزى ، “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 1999 ، ص (43-46) ، متاح على: http://james-joyce.site/kutib%20epub-lmktb_ltrthy_lsgyr_gth_l_m_bkshf_lgm_28594.html

[43]  تقى الدين أحمد بن على المقريزى ، “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 1999 ، ص (46-56)، متاح على: http://james-joyce.site/kutib%20epub-lmktb_ltrthy_lsgyr_gth_l_m_bkshf_lgm_28594.html

[44] المرجع السابق.

[45] أحمد صبحى منصور ، “الشدة المستنصرية” ، الحوار المتمدن ، العدد 5627 ، 2017 ، 4:42 م ، متاح على: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=570717 .

[46]   تقى الدين أحمد بن على المقريزى ، “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 1999 ، ص 56 ، متاح على: http://james-joyce.site/kutib%20epub-lmktb_ltrthy_lsgyr_gth_l_m_bkshf_lgm_28594.html

[47] المرجع السابق ، ص (56-57).

[48] تقى الدين أحمد بن على المقريزى ، “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 1999 ،ص (57-60) ، متاح على: http://james-joyce.site/kutib%20epub-lmktb_ltrthy_lsgyr_gth_l_m_bkshf_lgm_28594.html.

[49] المرجع السابق ، ص(61-70).

[50]  محمد صفار ، ” النموذج النظرى للمقريزى” ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، الفرقة الثالثة ، مقرر النظرية السياسية ، 4 ديسمبر 2019 .

[51]  تقى الدين أحمد بن على المقريزى ، “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 1999 ، ص (71-75) متاح على: http://james-joyce.site/kutib%20epub-lmktb_ltrthy_lsgyr_gth_l_m_bkshf_lgm_28594.html

[52]  المرجع السابق ، ص(75-77)

[53]  المرجع السابق ص (77-90)

[54] محمد صفار، “المقريزى”، المحاضرة االتاسعة ، جامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 16 ديسمبر 2019.

[55] محمد بن شحات حسين خطايب ، “إدارة أزمة جائحة كورونا” ، المجلة العربية للنشر العلمى ، العدد الواحد والعشرون ، 2 تموز 2020 ، ص(83:88) ، متاح على: https://www.ajsp.net/research/%D8%A5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9%20%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9%20%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%AD%D8%A9%20%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7.pdf .

[56] World Health Organization, Available at: https://www.who.int/health-topics/coronavirus#tab=tab_1 .

[57]  مرض فيروس كورونا المستجد 2019 (كوفيد_19) ، متاح على: https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/coronavirus/symptoms-causes/syc-20479963 .

[58]  منظمة الأمم المتحدة ، ” منظمة الصحة العالمية: يمكن وصف كوفيد 19 بأنه جائحة” ، 11 مارس 2020 ، متاح على: https://news.un.org/ar/story/2020/03/1051041 .

[59]  متاح على: https://www.cdc.gov/coronavirus/2019-ncov/downloads/COVID19-symptoms-Arabic.pdf .

[60]  عبدالعزيز عبدالمعطى علوان ، “مدى التزام الدولة بالتعويض عن الأضرار الناشئة عن فيروس كوفيد_19” ، المجلة القانونية ، 2537:0758 ، https://jlaw.journals.ekb.eg/article_93083_7335baabf19c654f8e9a7b3b070c05f2.pdf .

[61]  الدستور المصرى ، متاح على: https://www.constituteproject.org/constitution/Egypt_2014.pdf?lang=ar .

[62] المرجع السابق ، ص (104:106).

[63] Mohammed A Medhat & Mohamed EL Kassas, ‘’COVID-19 in Egypt: Uncovered figures or a different situation?’’, Journal of Global Health, 7303805, 2020 Jun 17, Available at: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC7303805/#__ffn_sectitle.

[64]  عمر شعبان اسماعيل ، “الصراع القادم سيكون حول الحصول على لقاح كورونا” ، بال ثينك للدراسات الإستراتيجية ، 8 مايو 2021 ، 6:31 مساءً ، متاح على: http://palthink.org/2020/12/5241/ .

[65]  رانشيسكو غريغولي وداميانو ساندري، “تأثير جائحة كورونا في الوقت الحقيقي: إيجاد التوازن في خضم الأزمة”، صندوق النقد الدولى، 7 أكتوبر 2020، متاح على: https://www.imf.org/ar/News/Articles/2020/10/08/blog-weo-ch2-covid-impact-in-real-time-finding-balance-amid-the-crisis .

[66]  منظمة الأمم المتحدة (الأسكوا)، “آثار جائحة كوفيد_19: استجابة إقليمية طارئة” ، 2020، متاح على: https://www.unescwa.org/ar/file/110202/download?token=X4maJOWN .

[67] Clemens Breisinger, Mariam Raouf, Manfred Wiebelt, Ahmed Kamaly, and Mouchera Karara, ‘’ Impact of COVID-19 on the Egyptian economy: Economic sectors, jobs, and households’’, REGIONAL PROGRAM POLICY NOTE 06, Ministry of Planning and Economic Development, JUNE 2020, Available at: https://mped.gov.eg/AdminPanel/sharedFiles/ae32ff30-2ec9-4633-a128-99d66bb3e748_The%20impacts%20of%20COVID-19%20on%20Egypt%E2%80%99s%20economic%20sectors.pdf .

[68]  آمال رتيب ، “آثار أزمة كورونا على الأمن الغذائي المصري وحلول مقترحة.. نضعها أمام صانع القرار” ، المشهد ، 2مايو2020 ، متاح على: http://www.elmashhad.online/Post/details/122321/%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A2%D8%AB%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B0%D8%A7%D8%A6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D8%AD%D9%84%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD%D8%A9-%D9%86%D8%B6%D8%B9%D9%87%D8%A7-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%B5%D8%A7%D9%86%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1 .

[69]  “الصناعة المصرية بعد جائحة كورونا” ، صحيفة الأهرام ، 19 أغسطس 2020 ، 14:59 ، متاح على: https://gate.ahram.org.eg/News/2451893.aspx .

[70] باسل الخطيب ، “مؤشر قياس أثر جائحة كورونا على أداء القطاع الصناعي في مصر” ، مركز تحديث السناعة ، أغسطس 2020 ، متاح على: https://www.unido.org/sites/default/files/files/2020-10/Industrial_Performance_Index_Egypt_COVID19.pdf.

[71]  متاح على: https://lead.org.eg/ar/our-story .

[72] ‘’Going Digital for Loan Disbursements and Repayments: A Smart Move in the Time of Covid-19’’, Women’s World Banking, MAY 26TH, 2020, Available at: https://www.womensworldbanking.org/insights-and-impact/going-digital-for-loan-disbursements-and-repayments-a-smart-move-in-the-time-of-covid-19/ .

[73]  محمد رزق محمد عبدالحميد ، “تأثير فيروس كورونا علي الاقتصاد العالمي والمصري” ، المركز الديمقراطى العربى ، 7 يوليو 2020 ، متاح على: https://democraticac.de/?p=67683 .

[74]  تداعيات فيروس كورونا على الاقتصاد المصري” ، جريدة الأهرام ، 3 نوفمبر 2020 ، 10:58 ، متاح على: https://gate.ahram.org.eg/News/2523241.aspx

[75]  “Views on the Crisis Impact on the Tourism Sector in Egypt, The Egyptian Center for Economic Studies, Issue: 3, Date: 26 March 2020, Pages: 13 -18 , Available at: http://www.eces.org.eg/cms/NewsUploads/Pdf/2020_3_26-13_12_2426-3-2020%20En%20(Ebrahim).pdf .

[76] القرآن الكريم ، الجزء الثالث عشر ، الحزب الخامس والعشرون ، سورة يوسف ، ص 240-241 ، الآيات 43-49 ، متاح على : http://arabic.bayynat.org/HtmlSecondary.aspx?id=5444 .

[77] محمد صفار ، ” النموذج النظرى للمقريزى” ، جامعة القاهرة ، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ، الفرقة الثالثة ، مقرر النظرية السياسية ، 4 ديسمبر 2019 .

[78]  محمد صفار ، “المقريزى” ، المحاضرة العاشرة ، جامعة القاهرة ، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ، 13 نوفمبر 2019.

[79] مرجع سابق

[80]  إنعام يوسف محمد ، “دور الدولة المصرية فى مواجهة الأزمات” ، مجلة بحوث الشرق الأوسط ، العدد التاسع والثلاثون (الجزء الثانى) ، 2016 ، ص 1-30 ، متاح على: https://mercj.journals.ekb.eg/article_61264_c0b13de27a847ccc5ec94ab81d4543fe.pdf .

[81] Ekhlas Mohammad al-Eidi, ‘’ The Economic Crises and Famine in Egypt as Chronicled by Al-Maqrizi in Hhis Book “Eghathat Al Umma Fi Kashf Al Ghumma” (The Rescue of the Nation Through Plight Eradication) Al- Mustansiriyah Plight as an Example)’’, Journal of Al-Quds Open University for Humanities & Social Studies, Vol.1 – No.47, 2018, Pages: 2-12, Available at: https://journals.qou.edu/index.php/jrresstudy/article/view/2094.

[82] Previous Reference..

[83]  صالح محمد أرميح خزانبه، “أحوال الدولة الفاطمية فى عهد الخليفتين الآمر بأحكام الله والحافظ لدين الله 495-544 هجرياً/ 1101-1149 ميلادياً” ، (رسالة ماجستير ، جامعة اليرموك ، كلية الآداب ، 2013) ، ص 94:98 ، متاح على: https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D8%AD%D9%88%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B7%D9%85%D9%8A%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%AA%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-pdf .

[84]  فوزي خالد الطواهية ، النشاط التجاري وحركة الأسعار في مصر زمن الأيوبيين (596-648هجرياً / 1173-1250ميلادياً) ، العلوم الإنسانية والإجتماعية ، المجلد 42 ، العدد 2 ، 2015 ، ص 296-299 ، متاح على: https://journals.ju.edu.jo/DirasatHum/article/viewFile/5669/4565 .

  [85] تقى الدين أحمد بن على المقريزى ، “إغاثة الأمة بكشف الغمة” ، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 1999 ، ص (61-70) ، متاح على: http://james-joyce.site/kutib%20epub-lmktb_ltrthy_lsgyr_gth_l_m_bkshf_lgm_28594.html

[86]  متاح على : http://gate.ahram.org.eg/News/2398435.aspx .

[87]  متاح على : https://www.elbalad.news/4288789 .

[88] متاح على : http://gate.ahram.org.eg/News/2399816.aspx .

[89]  رشا عمار ، أول جلسة للبرلمان المصرى منذ أزمة كورونا ، 21 أبريل 2020 ، متاح على : https://al-ain.com/article/egypt-corona-5 .

[90]  القصبى : البرلمان لم يتخل عن دوره التشريعى فى ظل أزمة كورونا ، جريدة الوطن ، متاح على : https://m.elwatannews.com/news/details/4808456 .

[91]  عبدالحكيم الجندى ، البرلمان : استمرار أزمة كورزنا سيؤثر على الانتخابات المقبلة ومواعيدها ، 4 أبريل 2020 ، متاح على : https://www.almasryalyoum.com/news/details/1755536 .

[92]  محمد شرقاوى ، وكيل مجلس النواب : الانتخابات البرلمانية المقبلة فى نوفمبر رغم كورونا ، 4 يونيو 2020 ، متاح على : https://m.youm7.com/story/2020/6/4/%D9%88%D9%83%D9%8A%D9%84-%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84%D8%A9-%D9%81%D9%89-%D9%86%D9%88%D9%81%D9%85%D8%A8%D8%B1-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7/4808126 .

[93]  الاتحاد البرلمانى الدولى ، متاح على : https://www.masrawy.com/news/Tag/246035/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A#bodykeywords .

[94]  وزير المالية:نظرة متفائلة وإيجابية للمؤسسات الدولية حول مستقبل الاقتصاد المصرى ، وزارة المالية ، 15 مارس 2021 ، متاح على: https://www.mof.gov.eg/ar/posts/media/604f479d5e4114000928c943/%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9:%D9%86%D8%B8%D8%B1%D8%A9%20%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%A6%D9%84%D8%A9%20%D9%88%D8%A5%D9%8A%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B3%D8%B3%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9%20%D8%AD%D9%88%D9%84%20%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%89 .

[95]  تعليمات وإجراءات البنك المركزى للحد من آثار فيروس كورونا المستجد ، البنك المركزى المصرى ، يونيو 2020 ، متاح على: https://www.cbe.org.eg/ar/Pages/HighlightsPages/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AD%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AC%D8%AF.aspx .

[96]  “جهود الدولة الاقتصادية لمواجهة فيروس كورونا” ، الهيئة العامة للإستعلامات ، 24 مايو 2021 ، متاح على: https://sis.gov.eg/Story/200216/%D8%AC%D9%87%D9%88%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D9%81%D9%8A%D8%B1%D9%88%D8%B3-%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7?lang=ar .

[97]  كريم حسن ، “كيف استعدت مصر لمواجهة الموجة الثانية لأزمة فيروس كورونا؟” ، الأهرام ، 12 ديسمبر 2020 ، متاح على: https://gate.ahram.org.eg/News/2542315.aspx .

[98] أسامة سعيد ، استقراء الأفكار النقدية عند المقريزى ، مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات العلمية ، العدد 2 ، 2015 ، متاح على: http://journal.tishreen.edu.sy/index.php/econlaw/article/view/1687/1621 .

[99] حاج موسى سهيلة ، تحليل وضبط قيمة العملة من وجهة نظر إسلامية ، (رسالة ماجستير ، جامعة الجزائر ، كلية العلوم الإقتصادية وعلوم التسيير ، 2008 ، ص 30-31 ، متاح على: http://biblio.univ-alger.dz/jspui/bitstream/1635/10151/1/HADJMOUSSA_SOUHILA.pdf .

[100]  درديش أحمد – أومسى ذهبية ، “تحليل إقتصادى لكتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى” ، مجلة العلوم السياسية ، العدد 22 ، 2016 ، متاح على: https://www.asjp.cerist.dz/en/article/4690 .

[101]  محمد صفار ،  “تحليل كتاب “إغاثة الأمة بكشف الغمة” للمقريزى” ، (النظرية السياسية ، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية ، جامعة القاهرة ، 16 ديسمبر 2019) .