البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثيةالمتخصصةالنظم السياسي

النظام الانتخابى والمعضلة الليبية : الخيارات والمعايير

إعداد : د. سعيد ندا – دكتوراه العلوم السياسة، جامعة القاهرة.

  • المركز الديمقراطي العربي

 

منذ عام تقريبا تلاقت إرادة الفرقاء الليبييون برعاية أممية ودولية على إصلاق عملية سياسية فيما عرف بـ “منتدى الحوار السياسي الليبي”، فلاحت منذئذ في الأفق بوادر أمل في تسوية الحرب الأهلية التي استمرت قرابة العشر سنوات والتي خلفتها التحولات السياسية التي شهدتها ليبيا أوائل عام 2011، غير أن تلك البوادر التي أوحى بها شعار المنتدى “ليبيا أولا” ما انفكت تلوح حينا وتتلاشى أحيانا بما يؤكد أن ليبيا لم تكن “أولا” في خيارات أيا من الفرقاء، وأن الشعار لم يترجم إلى أفعال ومواقف، فكانت النتيجة أن الأجل المضروب لعقد الانتخابات الليبية في ديسمبر 2021 أوشك على الانتهاء ولم تحسم خلافات جوهرية حول القاعدة الدستورية التي ستحكم هذه الانتخابات بعد، ومن بين أهم عناصر تلك القاعدة يبقى النظام الانتخابى محل جدل واسع النطاق لدرجة أن أربعة مقترحات متباينة بشأنه لا تزال على طاولة البحث في مجلس النواب، ويبدو أن هوة الخلاف حوله لا تزال واسعة بما يهدد العملية الانتخابية المنتظرة بل والعملية السياسية برمتها، ولا غرو فالنظام الانتخابى – على اختلاف أنماطه – يعد أهم المتغيرات التي تؤثر تأثيرا بالغا ومباشرا على مخرجات العملية الانتخابية، وتعد عملية هندسة نمط النظام الانتخابى من العمليات السياسية بالغة الحساسية والتعقيد وأكثرها إثارة للجدل بين العلماء والخلاف بين الساسة، وقد أدت بالفعل إلى توقف عمليات المصالحة في أعقاب الصراعات الداخلية في كثير من الحالات كما حدث في جنوب أفريقيا وموزمبيق، بل وأدت في بعض الحالات إلى إشعال حروب أهلية كما حدث في ليسوتو، وتحاول هذه الدراسة مناقشة مدى وطبيعة الدور الذى يمكن لنمط النظام الانتخابى أن يؤديه في تسوية المعضلة الليبية عبر تحديد الخيارات التي تتطلبها البيئة الصراعية الليبية في تلك المرحلة، والمعايير الواجب توافرها في نمط النظام الانتخابى الذى يلائم تلك الخيارت وذلك من خلال المحاور الثالية:

  • أولا: مفهوم النظام الانتخابى.
  • ثانيا: التأثيرات السياسية لأنماط النظام الانتخابى.
  • ثالثا: الخيارات التي يتطلبها السياق السياسى الليبي.
  • خاتمة: المعايير الأساسية الواجب توافرها في النظام الانتخابى الملائم للحالة الليبية.

أولا: مفهوم النظام الانتخابى.

للنظام الانتخابى فى أدبيات النظم السياسية تعريفان، أحدهما واسع وينصرف إلى جملة الأحكام التى تنظم العملية الانتخابية بدئاً من تسجيل الناخبين وانتهاءً بإعلان النتائج النهائية، ويطلق عليه أيضا القانون الانتخابى أو قانون الانتخابات Electoral Law، وثانيهما أضيق من سابقه وهو ما يطلق عليه Electoral System وهو المعنى الفني الدقيق، وينصرف إلى الطريقة التى يتم بواسطتها تحويل الأصوات التى يدلى بها الناخبون فى الانتخابات العامة إلى مقاعد تمثيلية،([1])

ويتخذ النظام الانتخابى أنماطا كثيرة جدا، يجرى تصنيفها إلى أربع عائلات رئيسية هي: العائلة “الأكثرية” Majority أو “التعددية” Plurality وتعتمد بشكل أساسى على أن من يحظى بأكثرية أو أغلبية الأصوات الصحيحة يفوز بكل المقاعد بغض النظر عن نسبة هذه الأصوات إلى إجمالي الأصوات الصحيحة وسنستخدم تسمية “الأكثرية” في هذه الدراسة، وعائلة “التمثيل النسبى” Proportional Representation، وتعتمد بشكل أساسى على توزيع المقاعد على المتنافسين بحصص تتناسب بدرجة أو بأخرى مع نسبة ما حصلوا عليه من أصوات صحيحة إلى إجمالي الأصوات الصحيحة، والعائلة “المختلطة” Mixed، أو “الهجينة” Hybrid وتعتمد على التوازن في تحديد الفائز بالمقعد عن طريق الجمع أو الربط بين أنماط من العائلة “الأكثرية” وعائلة “التمثيل النسبى” وسنستخدم تسمية “المختلطة” في هذه الدراسة، وهناك عائلة يطلق عليها “أخرى” Other وهى مجموعة الأنماط التي يصعب تصنيفها تحت أي من العائلات الثلاث السابقة وهى نادرة الاستخدام. ([2])

وتستخدم هذه الدراسة مصطلح النظام الانتخابى بالمفهوم الواسع حيث يتوفر على كل العناصر اللازمة لتصنيف نمط النظام الانتخابى والتى يمكن من خلالها التحكم في مخرجات العملية الانتخابية ومن ثم العملية السياسية برمتها، ومن أهم هذه العناصر:

  • طبيعة الدائرة District Nature: قد تكون الدولة كلها عبارة عن دائرة واحدة كما فى الجزء النسبى من نمط النظام الانتخابى المختلط السنغالى، وقد تنقسم الدولة إلى عدة دوائر كما في بتسوانا، وقد تنقسم الدولة إلى طبقات فى كل طبقة عدة دوائر يقل عددها كلما اتجهنا نحو الطبقة الأعلى والتى تكون غالبا طبقة واحدة تشمل كل إقليم الدولة، كما فى جنوب أفريقيا.([3])
  • حجم الدائرة District Magnitude: وتعنى عدد مقاعد الدائرة الانتخابية وأقلها مقعد واحد وأقصاها جميع مقاعد البرلمان وفقا لطبيعة الدائرة.([4])
  • موضوع التصويت Object of the Vote: فقد يصوت الناخب لصالح أفراد وقد يصوت لصالح كيانات سياسية (أحزاب – ائتلافات).([5])
  • عدد أصوات الناخب Number of Votes Cast: فقد يكون للناخب صوتا واحدا، وقد تتعدد الأصوات المتاحة له وفقا لنمط النظام الانتخابى.([6])
  • نوع التصويت Type of Vote: وتعنى الطريقة التى يدلى بها الناخب بصوته، أو بما لديه من أصوات على ورقة الاقتراع،([7]) وللتصويت طريقتان: أولاهما أن يدلى الناخب بصوته بشكل حصرى لصالح شخص أو حزب بعينه، ويسمى التصويت هنا “حاسما” Categorical، وثانيتهما أن يختار الناخب مرشحيه بشكل “تفضيلى” Preferential، ولتعبير الناخب عن تفضيلاته طرق متعددة فقد يختار الناخب عدداً من المرشحين وفقا لعدد الأصوات الممنوحة له ويمكن أن يكون اختياره للمرشحين من نفس الحزب أو حتى من أحزاب مختلفة، وقد يَمنح بعض أو كل أصواته لمرشح واحد، ويسمى التصويت التفضيلى هنا بـ “الترتيبى” Ordinal،([8]) وقد يكون اختيار الناخب للمرشحين المفضلين لديه مصحوبا بترقيم تسلسلى يبدأ بالرقم “1”، ويسمى التصويت هنا ترقيمى Numerical.([9]).
  • القيود على التناسبية Limitations on Proportionality: وتعنى أنه قد يتم وضع قيود للحد من التناسبية المفرطة التى قد تؤدى إلى تفتت التمثيل فى الهيئة البرلمانية، وتعنى التناسبية تناسب حصة الحزب من الأصوات مع حصته من المقاعد وتقاس تناسبية مخرجات نمط النظام الانتخابى وفقا لمؤشر يقيس “عدم التناسبية” Disproportionality فكلما زادت قيمة المؤشر دل ذلك على زيادة درجة عدم تناسبية نمط النظام الانتخابى والعكس بالعكس،([10]) وتعد “العتبة الانتخابية” Electoral Threshold من أبرز القيود على التناسبية، وتعنى العتبة الانتخابية نسبة الأصوات التى يجب على الحزب أن يحصل عليها على مستوى الدولة ككل، حتى يحظى بالتمثيل فى البرلمان، ومن دون تحقيق هذه العتبة لا يحصد أيه مقاعد ولا تحتسب نتائجه، حتى لو كان قد حقق الأصوات التي تكسبه بعض المقاعد فى بعض الدوائر.([11])
  • الصيغة الانتخابية: وهى الطريقة الحسابية التى يتم من خلالها تحديد الفائز بالمقعد، فقد يفوز بالمقعد من يحصل على أكثرية أو أغلبية الأصوات أو من يحصل على نسبة معينة من الأصوات، فلكل نمط من أنماط النظام الانتخابى صيغته الانتخابية الخاصة به، والتى لا تتطابق مع صيغة غيره.([12])

وتتوزع العناصر سالفة الذكر بين عائلتين فقط من عائلات أنماط النظام الانتخابى وهما: العائلة “الأكثرية”، وعائلة “التمثيل النسبى”، أما العائلتين الأخريين وهما: العائلة “المختلطة”، وعائلة “الأخرى” فما هما إلا مزيج من العائلتين الأوليين بصورة أو أخرى. وقد يستقل نمط بصفة معينة لأحد العناصر ، وقد يشترك نمطان أو أكثر في أحد العناصر، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن يكون حجم الدائرة مقعدا واحدا في أي نمط من أنماط عائلة التمثيل النسبى، ولا يمكن لطبيعة الدائرة أن تكون الدولة كلها دائرة واحدة في العائلة “الأكثرية” إلا في حالة التنافس على مقعد واحد كما في الانتخابات الرئاسية، وكذلك لا توضع “عتبة انتخابية” إلا في عائلة التمثيل النسبى وهكذا.([13])

ثانيا: التأثيرات السياسية لأنماط النظام الانتخابى.

تؤثر مخرجات نمط النظام الانتخابى بشكل مباشر أو غير مباشر على كافة أفراد ومؤسسات وتفاعلات النظام السياسى، سواء فى إطار السلطة أو خارجها، فنمط النظام الانتخابى يؤثر في إطار السلطة على استقرار وفعالية الحكومات، وعلى حجم وأولويات الانفاق العام الحكومى، وعلى ظاهرة الفساد السياسى، كما يؤثر على تشكيل البرلمان، وعلى الأداء البرلماني، وعلى سلوك النواب فى علاقتهم بالناخبين، كما أن له تأثيرا كبيرا خارج إطار السلطة، فهو يؤثر على الالتزام الحزبى، وعلى التطرف الحزبى السياسى، وعلى التعددية الحزبية، وعلى معدلات الرضا عن الديمقراطية، وعلى ومعدلات التصويت، وعلى معدلات تمثيل المرأة، وعلى إدارة التعددية الإثنية وثمثيل مكونات المجتمع المختلفة، وفيما يلى موجز بأهم هذه التأثيرات.

  • استقرار وفعالية الحكومات.

يعد “قانون دوفرجيه” Duverger’s Law نقطة الانطلاق لدراسة التأثيرات السياسية المتعددة للنظام الانتخابى.([14]) وكان دوفرجيه قد افترض أن أنماط النظام الانتخابى “الأكثرية” تميل إلى إنتاج نظام الحزبين، بينما تميل أنماط التمثيل النسبى إلى إنتاج نظام التعددية الحزبية، وفسر ذلك بأنه للنظام الانتخابى نوعين من التأثيرات أولها ميكانيكى Mechanical Effects وثانيها نفسى Psychological Effects، وينتج التأثير الميكانيكى مباشرة من طريقة تحويل الأصوات إلى مقاعد (الصيغة الانتخابية)؛ فالفائز بأكثرية أو أغلبية الأصوات يفوز بكل شئ وتُهدر أصوات الأحزاب الأقل حظا فى ظل أنماط النظام الانتخابى “الأكثرية” فينتج عن ذلك نظام حزبى ثنائى، بينما تحظى الأحزاب الصغيرة بالتمثيل النسبى فى ظل أنماط عائلة التمثيل النسبى حيث يزداد الوزن النسبى للصوت وتقل الأصوات المهدرة، فينتج عن ذلك نظام حزبى تعددى، أما التأثير النفسى فينتج عن فهم الناخبين لآلية عمل النظام الانتخابى فتتغير خياراتهم تبعا لذلك؛ ففى ظل الأنماط “الأكثرية” قد يلجأ الناخب للتخلى عن تفضيله الأول لصالح تفضيله الثانى خشية فوز مالا يفضله.

ووفقا لهذا القانون يمكن تفسير علاقة نمط النظام الانتخابى باستقرار وفعالية الحكومات من خلال متغير وسيط هو العدد الحقيقى (الفعال) للقوى السياسية (الأحزاب)، فالأنماط “الأكثرية” يغلب عليها انتاج حزبين كبيرين، كل منهما يستطيع أن يحظى بالأغلبية البرلمانية التى تتيح له تشكل الحكومة وتمرير التشريعات التى تساعده على تنفيذ سياساته، وبالتالى تتسم الحكومة والحال كذلك بالاستقرار والفعالية، بينما يغلب على أنماط التمثيل النسبى انتاج نظام حزبى تعددى، فى أغلب الأحوال لا يحظى فيه ثمة حزب بالأغلبية البرلمانية المطلوبة لتشكيل الحكومة، فتلجأ الأحزاب حينئذ إلى التحالفات والإملاءات، فقد يحتاج حزب كبير فى السلطة – كى لا يفقدها – إلى تأييد حزب صغير فيتحكم الصغير فى الكبير فيما يعرف بظاهرة حكومة الأقلية، ومثل هذه الحكومات لا تستمر طويلا، فضلا عن أن تفتيت القوى الممثلة فى البرلمان يعيق تمرير التشريعات والسياسات، وبالتالى تتسم الحكومة والحال كذلك بعدم الاستقرار و ضعف الفعالية، بما مفاده أن أنماط النظام الانتخابى “الأكثرية” اكثر تحقيقا لاستقرار وفعالية الحكومات من أنماط “التمثيل النسبى”.([15])

  • الإنفاق العام.

لقد أصبح ترشيد الإنفاق العام أحد أهم آليات الحكم الرشيد، فقد أكدت العديد من الدراسات وجود ارتباط بين النظام الانتخابى وحجم وطبيعة الإنفاق ومقدار العجز في الموازنة، فوفقا لبعض الدراسات تعد الأنظمة الحزبية شديدة التعددية والحكومات الائتلافية أكثر انفاقا من الأنظمة الحزبية الثنائية ذات الحكومات أحادية التشكيل، فبالاستناد إلى قانون “دوفرجيه” تزيد أنماط التمثيل النسبى من حجم الإنفاق العام، كذلك تزيد من قيم العجز في الموازنة العامة، كذلك تزيد من الإنفاق على برامج الضمان الاجتماعى والإعانات. وقد أثار هذا الارتباط جدلا فقهيا واسعا قويت معه الأدلة التي تؤكد بأنه كلما اتجهنا باتجاه الأنماط “الأكثرية” كلما قل الحجم الإجمالي للإنفاق العام وقل مقدار العجز في الموازنة، وقلت والنفقات العامة الاجتماعية الشاملة، وزادت النفقات الموجهة، والعكس بالعكس كلما اتجهنا نحو أنماط التمثيل النسبى.([16])

  • الفساد السياسي.

يعد الفساد الصخرة التى تتحطم عليها كل جهود التنمية، وفى مسعاهم نحو مكافحة الفساد يحاول العلماء الوقوف على الأدوات التى يمكن من خلالها القضاء عليه أو الحد منه، ويعد النظام الانتخابى من أبرز الأدوات المؤسسية التى يأمل العلماء من خلال التحكم فيها خفض معدلات الفساد، وتفترض الأدبيات وجود علاقة بين نمط النظام الانتخابى المعمول به ومستوى الفساد السياسى، ويعد “جوزيف شومبيتر” Joseph Schumpeter أول من أشار إلى هذه العلاقة في كتابه الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية عام 1950، وعلى الرغم من أن كثير من العلماء أجروا العديد من الدراسات النظرية والتجريبية، إلا أن طبيعة هذه العلاقة لم تحسم بعد،([17]) فهى تعد من أعقد العلاقات التى تنشأ بين نمط النظام الانتخابى والظواهر السياسية المختلفة، فقد يصح الفرض ونقيضه في عائلة واحدة من عائلات النظام الانتخابى أو حتى تحت نمط واحد من أنماطه،([18]) فعلى سبيل المثال يستند الفرض القائل بأن أنماط عائلة التمثيل النسبى تقلل من الفساد، إلى أن المنافسة السياسية الشديدة تنتج حالة من عدم اليقين بشأن حسم المقعد، وتجعل السياسى الحالي يشعر بأن إزالته من منصبه واستبداله من قبل الجمهور (المساءلة السياسية) أصبحت مسألة يسيرة ومرتبطة بنزاهة سلوكه وجودة أدائه، ما يدفعه إلى تجنب الفساد، ويستند الفرض القائل بأن ذات أنماط عائلة التمثيل النسبى تزيد من الفساد، إلى أن المنافسة السياسية الشديدة قد تصل إلى درجة ينقطع عندها أمل صاحب المقعد فى إعادة انتخابه، فينزع إلى الفساد تعظيما لفوائده الشخصية قبل أن يترك المنصب، ويستند الفرض القائل بأن الأنماط “الأكثرية” تقلل من الفساد، إلى أن “ميزة صاحب المقعد” التى تشيع تحت الأنماط “الأكثرية” مع صغر حجم الدائرة وشخصنة التصويت، تقلل من جنوحه نحو الفساد إذا ضمن الاحتفاظ بمقعده، ولكن نفس صاحب المقعد فى نفس الدائرة إذا اشتد عليه منافسيه وخشى فقدان مقعده، جنح نحو الإغداق على دائرته من الإنفاق العام الموجة مع قبول تمويلات مشروطة لحملته الانتخابية، ويشكل ذلك فى أغلب الأحوال، إما خرقا للقانون أو إخلالا بمقتضيات العدالة والنزاهة.([19])

ولا تقف الممارسات الفاسدة عند أصحاب المقاعد، فقد يدفع اتساع الدوائر الانتخابية – كما فى جل أنماط التمثيل النسبي – المرشحين إلى قبول تمويل غير مشروع لحملاتهم الانتخابية الضخمة حتى يستطيعوا تغطية اتساع الدائرة ومنافسة نظرائهم، وقد تدفع القائمة النسبية المغلقة مرشحى الأحزاب إلى الإغداق بشكل غير مشروع على الحزب وقادته، وخصوصا فى الأحزاب شديدة المركزية، وذلك للوصول إلى مقدمة القوائم، وهناك العديد من الممارسات الانتخابية الفاسدة يشترك فيها من هو فى المقعد ومن يتطلع إليه.([20])

ومن خلال استعراض الأدبيات ذات الصلة يمكن القول بأن تأثير أنماط النظام الانتخابى المختلفة على معدلات الفساد هو تأثير غير مباشر يحدث من خلال عدد من المتغيرات الوسيطة أبرزها: مدى ما يتيحه نمط النظام الانتخابى من المساءلة السياسية الفردية للنائب، بالإضافة إلى مدى المنافسة السياسية (عدم اليقين أو قلق صاحب المقعد) المترتبة على طبيعة نمط النظام الانتخابى، ويرى الباحث – والحال كذلك – أنه لن يكون هناك نمط معين من أنماط النظام الانتخابى يمكنه الحد من معدلات الفساد فى كل مكان وزمان، ومن هنا يجب على مهندسى النظام الانتخابى أن يجمعوا بين ميزات شتى من الأنماط المختلفة، بحيث يتفق النظام الانتخابى المقترح مع معطيات الحالة المطروحة، بما يؤمن فعالية هذا النمط فى الحد من الفساد.

  • تشكيل البرلمان.

تعد علاقة نمط النظام الانتخابى بطبيعة تشكيل البرلمان من القضايا الأكثر وضوحا ورسوخا فى الأدب الانتخابى، وينطلق تفسير هذه العلاقة من حيث قانون “دوفرجيه” الذى يؤكد على أن أنماط العائلة “الأكثرية” تتجه لإنتاج نظم الحزبين بينما تتجه أنماط عائلة “التمثيل النسبى” لإنتاج نظم التعددية الحزبية، ومن هنا يمكن تصور طبيعة تشكيل البرلمان من حيث التماسك أو التجزؤ من خلال عدد الأحزاب الممثلة فى البرلمان، فكلما قل عدد الأحزاب فى البرلمان اتسم بالتماسك وكلما زاد هذا العدد اتسم البرلمان بالتجزؤ أو التشرذم، وقد لا يكون لزيادة عدد الأحزاب البرلمانية تأثير كبير على درجة تماسك أو تجزؤ البرلمان وهوما أكدته العديد من الدراسات، إذ العبرة ليست بالعدد المجرد لكن بالعد الفعال لهذه الأحزاب، وهناك مقياس يمكن به قياس هذا العدد الفعال،([21]) وباستعراض الأدبيات ذات الصلة يمكن القول بأن أنماط العائلة “الأكثرية” تسهم في تماسك تشكيل البرلمان بينما تسهم أنماط عائلة “التمثيل النسبى” في تجزؤ البرلمان.

  • الأداء البرلمانى.

يرتبط الأداء البرلمانى الجيد بوجود أغلبية مريحة ومعارضة قوية، ولا غنى عن كلا الأمرين فى آن واحد، وبتوازن شديد بحيث لا يطغى أي منهما على الآخر؛ فطغيان الأغلبية يؤثر سلبا على الرقابة والمساءلة، ويدفع باتجاه تسلط النظم والحكومات، وشدة تفتت البرلمان يؤثر سلبا على القدرة على التشريع وصنع السياسات، ويدفع فى النظم البرلمانية إلى كثرة الانتخابات البرلمانية المبكرة، وفى النظم الرئاسية يدفع باتجاه حالات الطريق المسدود، والمحصلة فى الحالتين هى عدم استقرار الأداء البرلمانى، فلابد إذن من التوازن فى تشكيل البرلمان بين الأغلبية والمعارضة، أى عدم المبالغة فى الهيمنة وعدم الإفراط فى التفتيت، وبالرجوع إلى الأدبيات ذات الصلة يمكن القول بأن جل أنماط عائلات النظام الانتخابى المختلفة يمكنها تحقيق التوازن بين الأغلبية والمعارضة من خلال التحكم فى بعض عناصر النظام الانتخابى مثل حجم الدائرة والعتبة الانتخابية والصيغة الانتخابية، وغيرها.([22])

  • تواصل النواب مع الناخبين.

تعد علاقة أنماط النظام الانتخابى بمسألة تواصل النواب مع الناخبين، أى مقدار الوقت والجهد اللذان يخصصهما النواب لأعمال الدائرة، من القضايا الحديثة نسبيا، والمثيرة للجدل أيضا، وقد اختبرت العديد من الدراسات طبيعة العلاقة بين أنماط النظام الانتخابى وبين سلوك النواب تجاه دوائرهم الانتخابية، وبإمعان النظر فيما توصلت إليه هذه الدراسات يمكن القول بأن أنماط النظام الانتخابى التى ترتكز فى هيكل التصويت على شخص المرشح تعطى حوافز ودوافع للنواب لتوثيق علاقاتهم بالناخبين ببذل مزيد من الاستجابة خشية المساءلة.([23])

  • الالتزام الحزبى.

بعد أن يصبح المرشح الحزبى نائبا فى البرلمان كثيرا ما تدق مسألة فى غاية الأهمية والخطورة ألا وهى تعارض ما يجب أن يتبناه النائب من منطلق الصالح العام مع ما يجب أن يتبناه من منطلق صالح الحزب الذى ينتمى إليه، وبعيدا عن جدلية طبيعة علاقة النائب بالناخبين، وطبيعة علاقة النائب بحزبه، يفترض فى النائب أن يتغيا الصالح العام حتى ولو تعارض مع صالح حزبه انطلاقا من مبدأ سمو القوانين وتقديم الصالح العام على الصالح الخاص، فعلاقته بالناخبين هى صالح عام ينظمها الدستور والقانون، وعلاقته بحزبه هى صالح خاص ينظمها اللوائح الداخلية للحزب والأعراف والقواعد الأخلاقية، ولا شك فى أن الأولى تقدم على الثانية.

ويشير الأدب الانتخابى إلى أن النظام الانتخابى يؤثر على مدى الالتزام الحزبى للنائب، فبعض أنماط النظام الانتخابى تجعل النواب أكثر التزاما بتوجهات أحزابهم التصويتية فى البرلمان، وبعضها يجعلهم أقل التزاما بذلك، ويتوقف تأثير النظام الانتخابى سلبا أو إيجابا على الالتزام الحزبى للنواب، على مدى تحكم الحزب فى ترشيح النائب للانتخابات، وعلى موقع النائب من قائمة الحزب إن كان ثمة قائمة انتخابية، ومن زاوية أخرى يتوقف مقدار الالتزام الحزبى على درجة شخصنة التصويت، ويمكن تفسير ذلك بأن الهدف الرئيسى والدائم للنائب هو إعادة انتخابه، فكلما تحكم الحزب فى ذلك كان النائب أكثر انصياعا له، ويعد نمط قائمة التمثيل النسبى المغلقة من أكثر أنماط النظام الانتخابى إجبارا للنائب على تبنى توجهات حزبه التصويتية.([24]) وقد أكدت دراسة على أن الأنماط الانتخابية التي تركز على شخص المرشح مع الاعتماد على تفضيلات الناخبين دون التقيد بإرادة الحزب فى اختيار من يشغل المقعد مثل القائمة النسبية المفتوحة، والصوت الواحد القابل للنقل، و الصوت البديل، تقلل من درجة التزام النواب بتوجهات أحزابهم، وعلى العكس من ذلك تفعل الأنماط التى تقصر اختيار شاغل المقعد على إرادة السلطة المركزية للأحزاب مثل القائمة النسبية المغلقة.([25])

  • التطرف السياسى الحزبى.

تدور العملية الانتخابية وجودا وعدما مع الجائزة الانتخابية، ألا وهى المقعد الذى يجرى التنافس عليه، فالمقعد هو الهدف الأول لجميع أطراف العملية الانتخابية، والمحدد الأول والأخير لسلوك هذه الأطراف، ووفقا لهذا التحليل يسلك كل طرف كل مسلك يؤدى إلى الظفر بهذه الجائزة (المقعد)، حتى ولو لم يكن السالك راضيا عن هذا المسلك، ومن هنا يحاول علماء السياسة البحث عن كل وسيلة وأداة من شأنها أن تجبر الأطراف السياسية على تبنى السلوك المعتدل، بحث إذا استمرت الأطراف السياسية المتطرفة متبنية لهذا السلوك المعتدل زمنا ألفته وابتعدت عن التطرف ولا شك فى أن ذلك يعد مغنما اجتماعيا كبيرا، وفى هذا المضمار وجد العلماء أن هناك ارتباط ما بين النظام الانتخابى واعتدال سلوك الأطراف السياسية، وبما أن الأحزاب السياسية قد أصبحت أبرز الأطراف السياسية وأكثرها فاعلية فى المشهد السياسى، فقد عكفت الأدبيات على تحليل سلوك الأحزاب تحت أنماط الانتخابى المختلفة.([26])

ويشير الأدب الانتخابى إلى أن النظام الانتخابى يمكنه الحد من التطرف ودفع الأطراف السياسية نحو الاعتدال عبر تأثيراته الميكانيكية والنفسية، وللفقه في هذا الشأن إلى اتجاهات ثلاثة أولها: احتواء الأحزاب المتطرفة وعدم إقصائها لاتقاء احتمالية جنوحها نحو مزيد من التطرف ومن ثم العنف، وهذا هو اتجاه المدرسة التوافقية التى تدعو إلى استخدام أنماط عائلة التمثيل النسبى،([27]) وثانيها: عدم مكافأة الأحزاب المتطرفة على تطرفها وإفساح المجال أمامها للتمثيل متى اعتمدت سلوكا معتدلا أكثر انفتاحا وشمولا وقبولا للآخر وتصالحا أو تحالفا معه لدفعها نحو الاعتدال على المدى البعيد، وهذا هو اتجاه المدرسة الاندماجية التى تدعو لاستخدام أنماط النظام الانتخابى “الأكثرية” ويوصون خاصة بالأنماط التى تدفع نحو التحالف والانفتاح على الآخر مثل نمط الجولتين، والصوت البديل،([28]) وثالثها: اتجاه حديث يرى استخدام أنماط مختلطة تمزج بين آليات وأدوات المدرستين السابقتين.([29])

  • التعددية الحزبية.

تعد العلاقة بين النظام الانتخابى وبين التعددية الحزبية من آكد العلاقات وأكثرها خضوعا للدراسة والبحث، ويفترض قانون دوفرجيه أن يزداد العدد الفعال للأحزاب السياسية كلما قلت درجة عدم تناسبية النظام الانتخابى، ولقد عكفت العديد من الأدبيات على اختبار علاقة النظام الانتخابى بالتعددية الحزبية تجريبيا، وفى دراسة موسعة تستند إلى تحليل بيانات من 170 دولة حول العالم خلال الفترة من 1995- 2000 انتهت “بيبا نوريس” إلى تأكيد قانون (افتراض) دوفيرجية، ومن ثم تأكيد العلاقة الارتباطية العكسية بين درجة عدم تناسبية النظام الانتخابى وبين العدد الفعال للأحزاب السياسية.([30])

  • معدلات الرضا عن الديمقراطية.

تعد العلاقة بين النظام الانتخابى وبين معدلات الرضا عن الديمقراطية من العلائق الحديثة التي كثر الجدل حولها، وقد تباينت الآراء واختلفت نتائج الدراسات التي اختبرت هذه العلاقة، ولا مجال هنا لبسط هذه الآراء، غير أنه وبتدقيق النظر فيها يمكن القول بأنه لن يتحقق الرضا الكامل أو التام عن الديمقراطية طالما كان هناك فائز وخاسر، إلا أنه يمكن الاعتماد على معيارى عدالة التمثيل وإعلاء إرادة وتفضيلات الناخب، فى اختبار العلاقة بين نمط النظام الانتخابى وبين الرضا عن الديمقراطية، ومن هنا يمكن القول بأن هناك علاقة ارتباطية طردية بين أنماط التمثيل النسبى والرضا عن الديمقراطية، باعتبارها الأكثر عدالة فى التمثيل، والأكثر إعلاءً لإرادة الناخب وتفضيلاته فى إسناد السلطة، ولا يغير من ذلك وجود تأثيرات لبعض خصائص نمط النظام الانتخابى تعمل – من حيث الرضا عن النتائج – فى صالح الأنماط “الأكثرية”، مثل سهولة التصويت، وسهولة فهم عملية تحويل الأصوات إلى مقاعد، وسرعة إعلان النتائج، حيث تتسم الأنماط الأغلبية بهذه الخصائص بشكل أكبر من أنماط عائلة التمثيل النسبى، إلا أن تأثير هذه الخصائص لا يمكن أن يطغى على تأثير عدالة التمثيل وحرية التفضيل والاختيار.

  • معدلات التصويت.

تعبر معدلات التصويت عن دلالات هامة فى الظاهرة الديمقراطية فى الديمقراطيات الراسخة والناشئة على حد سواء، فسلوك الناخبين تجاه التصويت ينبئ على الأقل عن رضاهم أو عدم رضاهم عن الكثير من عناصر النظام السياسى وعن أدائه،([31]) على الرغم من لجوء بعض الديمقراطيات إلى تدابير من شأنها زيادة معدلات التصويت، مثل التصويت الإلزامى والتصويت الإلكترونى، وزيادة انتشار مراكز الاقتراع، إلا أن هذه التدابير لم تؤثر بشكل كبير على حالات عزوف الناخبين التصويت، ويحاول العلماء تحليل وتفسير تباين معدلات التصويت من خلال بحث تأثير المتغيرات على سلوك الناخبين، وتشير الأدبيات إلى أن نمط النظام الانتخابى المستخدم يعد من أهم العوامل التى تؤثر على معدلات التصويت.

وتكاد تجمع الأدبيات على افتراض مؤداه أن معدلات التصويت تقل فى ظل أنماط النظام الانتخابى “الأكثرية” وتزيد فى ظل أنماط التمثيل النسبي،([32]) وفى ذات المعنى يفرق البعض داخل عائلة التمثيل النسبي ذاتها بين القوائم المغلقة التى تقل معها معدلات التصويت والقوائم المفتوحة التى تزيد معها معدلات التصويت.([33])

  • معدلات تمثيل المرأة.

يسود في الأدب الانتخابى فرضا يذهب إلى أن فرص تمثيل النساء تزداد فى ظل أنماط التمثيل النسبى، عنها فى ظل الأنماط “الأكثرية”. كما أنه من الممكن من خلال العديد من أنماط النظام الانتخابى زيادة معدلات تمثيل المرأة باستخدام نظام “الحصص” Quotas النسائية والتي تتخذ أكثر من صيغة.([34])

ويجادل البعض حول أهمية النظام الانتخابى كأحد العوامل التى تؤثر على تمثيل المرأة، بزعم أن عوامل أخرى كالثقافة السياسية والمجتمعية والقيم الدينية، تعد صاحبة اليد العليا فى التأثير على التمثيل السياسى المرأة، إلا انه يمكن القول بأن التأثير الثقافى لا ينفى التأثير المؤسسى (النظام الانتخابى) وهو ما أكدته دراسات حديثة اختبرت تأثير النظام الانتخابى على تمثيل المرأة مع تحييد العامل الثقافى عن طريق تصنيف الحالات الدراسية إلى مجموعات متشابهة ثقافيا.([35])

  • إدارة التعددية والانقسام المجتمعى.

يأتى النظام الانتخابى في صدارة الأدوات المؤسسية ذات التأثير البالغ والمباشر  في إدارة التعددية والانقسام المجتمعى غير أن الفقه الانتخابى منقسم حول إعطاء الأفضلية لأى عائلة من عائلات النظام الانتخابى، فثمة اتجاه يقطع بأن أنجعها هو عائلة التمثيل النسبى ويسمى المدرسة التوافقية، وثمة اتجاه ثان يرجح بعض أنماط العائلة “الأكثرية” ويسمي المدرسة الاندماجية، وثمة اتجاه حديث يرى – وبحق – أنه لا يمكن الجزم بأن نمطا ما من أنماط النظام الانتخابى هو الأنجع فى مجال الحد من الآثار السلبية الناجمة عن التعددية الاثنية، وأن هناك عددا كبيرا من المتغيرات الوسيطة، يمكن لها أن تؤثر على مدى إسهام النظام الانتخابى فى إدارة التعددية الاثنية أيا كان النمط المستخدم، وأنه من أبرز هذه المتغيرات البيئة السياسية، والثقافة السياسية، وهيكل التركيبة السكانية، والتوزيع الجغرافى للاثنيات، ومدى قوة الولاء الإثنى، ومدى التسامح وقبول الآخر، ومن هنا أكدت هذه الدراسات الأحدث على ضرورة مراعاة هذه المتغيرات عند تصميم النظام الانتخابى، واقترحت استخدام أنماط انتخابية “مختلطة” تختلف من حالة إلى أخرى بحيث تراعى تحقيق أهداف المقاربتين التوافقية والاندماجية في ضوء التأثيرات المحتملة للمتغيرات البيئية سالفة البيان، فى محاولة لتحصيل جل الميزات وتفادى أكبر قدر من المساوئ التى كشفت عنها تطبيق المقاربتين التوافقية، والاندماجية.

وقد خلصت دراسة لتسع حالات أفريقية إلى طرح مقاربة معيارية تحدد عددا من المعايير الواجب توافرها لنجاعة التحكم في ظاهرة التعددية الاثنية والمجتمعية باستخدام أنماط النظام الانتخابى.([36])

ثالثا: الخيارات التي يتطلبها السياق السياسى الليبي.

لقد آلت التحولات السياسية الليبية التي اندلعت أوائل عام 2011 إلى تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية بالغة الحدة والتعقيد والتركيب، فأنتجت سياقا صراعيا مسلحا، وعلى الرغم من أن المجتمع الليبي لا يعد من المجتمعات شديدة التعدد؛ فتعدديته معتدلة وتكاد تكون ممتزجة أو متناغمة، فقد جعل ذلك السياق الصراعي المجتمع  الليبي ينقسم على نفسه شيعا، وبتدقيق النظر في المشهد الليبيى نجد أن لانقسام الليبي لا يعدو أن يكون انقساما سياسيا أيديولوجيا وجهويا أكثر منه انقساما إثنيا بالمعنى الفني الدقيق للتعددية الاثنية، ولقد طال الصراع المسلح دون حسم حتى نضج وأيقن الفرقاء أنه ليس بالإمكان أفضل مما كان، فجنحوا نحو العملية السياسية التي تدور رحاها الآن، إلا أنه ومع رغبة كل منهم في تعظيم فوائده على حساب الآخر وعلى حساب الوحدة الوطنية يكاد الصراع أن يتجدد في أي لحظة وبخاصة وأن هناك – في الداخل والخارج – أصحاب مصلحة في تجدده.

ومن هنا يتوجب على الفرقاء الليبيون إذا ما أرادوا تخطى العقبات والشروع في إعادة بناء الدولة والوحدة الوطنية أن يفعلوا شعار “منتدى الحوار السياسي الليبي”، “ليبيا أولا” وأن يغلبوا الصالح العام على الصالح الخاص وأن يحسنوا تحديد وترتيب الخيارات التي يتطلبها السياق السياسى والاقتصادي والاجتماعى المرحلى.

ويرى الباحث أن الهدف الأول يجب أن يتمثل في استقرار النظام السياسى (استقرار الحكومة – التعددية الحزبية المعتدلة – التوازن بين الأغلبية والمعارضة – المساءلة) بالتزامن مع تحقيق أكبر قدر من عدالة التمثيل مع الدفع نحو تحقيق الاندماج الوطنى وإزالة أو تقليص التطرف السياسى والانقسام المجتمعى، ثم تأتى باقى الأهداف على التوالي كمحاربة الفساد وترشيد الإنفاق العام، وتمثيل المرأة، وزيادة معدلات المشاركة السياسية، وغير ذلك من أهداف مما يتعلق بالأداء الديمقراطى Democratic Performance.

خاتمة: المعايير الأساسية الواجب توافرها في النظام الانتخابى الملائم للحالة الليبية.

في ضوء التأثيرات السياسية التي ينتجها النظام الانتخابى، والخيارات التي يتطلبها السياق الليبي المرحلي وترتيب الأولويات على النحو سالف الذكر ، يرى الباحث أن استخدام أحد أنماط النظام الانتخابى المختلطة (مختلط متوازى) – من أبرز الدول المطبقة لنمط مختلط متوازى: السنغال، أذربيجان، غنيا كوناكرى، اليابان، جزر سيشل، كوريا الجنوبية، تايوان، تايلاند، أوكرانيا، روسيا، الفلبين – على أن تتوافر في النمط المقترح المعايير التالية:

  • طبيعة البرلمان: يرى الباحث أن يكون البرلمان مزدوجا.
  • عدد المقاعد: على أن يتراوح عدد نواب الغرفة الدنيا بن 250 إلى 300 مقعد توزع على الدوائر الانتخابية حسب عدد السكان بحث يمَثَل كل 25000 ألف نسمة بمقعد واحد. ويتراوح عدد مقاعد الغرفة العليا حوالى 100 إلى 120 مقعد توزع على حكماء وكبراء القبائل والعشائر وممثلى المهن وغير ذلك من الفئات الواجب تمثيلها.
  • جزء التمثيل النسبى: يتم شغل المقاعد بنسبة من 30 إلى 40% عن طريق نمط القائمة الحرة Free List، حيث يقدم كل حزب أو ائتلاف قائمته مرتبة حسب أولوياته، وللناخب عدد معين من الأصوات يستطيع الإدلاء بها لصالح عدد معين من قائمة ما أو عدة مرشحين من قوائم مختلفة أو حتى لمرشح واحد، وتوزع المقاعد التى تحصل عليها كل قائمة على مرشحيها وفقا للأصوات التفضيلية وليس وفقا للترتيب الوارد فيها، ومن أبرز الدول التى طبقت هذه الطريقة سويسرا، ولكسمبورج، على أن تكون الدولة دائرة وطنية واحدة، مع تطلب عتبة انتخابية 5%، واشتراط عدد ما من النساء فى القائمة، وحظر الأحزاب الإثنية أو الجهوية مع اشتراط تمثيل جهوى متعدد، أي اشتراط أن تتضمن القائمة عدد ما من جهات مختلفة، على أن توزع المقاعد وفقا لحصة “هير” Hare Quota بنظام أكبر البواقى ويخصص المقعد الأخير في هذه الحالة على فئات بعينها لتحقيق التوازن في التمثيل الإثنى أو الجهوى وتمثيل المرأة على غرار ما هو مطبق في موريشيوس.
  • الجزء الأكثرى: يتم شغل باقى المقاعد عن طريق نمط الجولتين Two-Round System مع دوائر انتخابية متوسطة الاتساع، وألا يتجاوز عدد مقاعد الدائرة مقعدين.

ومن خلال توافر المعايير سالفة الذكر مع التحكم في بعض العناصر الأخرى، يمكن للنظام الانتخابى المقترح أن يحقق قدرا جيدا من استقرار الحكومة مع قدر جيد من عدالة التمثيل دون إفراط في التشرذم والانقسام، وأن ينتج تعددية حزبية معتدلة، كما يوفر حوافز نحو الاعتدال السياسى، ويدفع باتجاه الوحدة الوطنية، فضلا عن تحقيق باقى الأهداف بدرجة جيدة.

([1]) Shaun Bowler, Elisabeth Carter, David M. Farrell, Studying Electoral Institutions and their Consequences: Electoral Systems and Electoral Laws (California: Center for the Study of Democracy, University of California Irvine (UCI), Working Papers, 9-1-2001), Pp. 7-13.

– Michael Gallagher, Paul Mitchell, “Introduction to Electoral Systems” In Michael Gallagher, Paul Mitchell (eds.), The Politics of Electoral Systems (New York: Oxford University Press Inc., 2008), P. 3.

([2]) Brian O’Neal, Electoral Systems (Ottawa: The Parliamentary Research Branch of the Library of Canadian Parliament, Background Paper No. BP-334E, May 1993), Pp. 6, 11.

([3]) André Blais, “The Classification of Electoral Systems”, in European Journal of Political Research (Hoboken, New Jersey: Wiley-Blackwell, Volume 16, Issue 1, Jan. 1988), Pp. 104-105.

([4]) Athens University of Economics and Business, Analysis and Comparison of Greek Parliamentary Electoral Systems of the Period 1974-1999 (Athens: Athens University of Economics and Business, Technical report No. 72, July 1999), P. 13.

([5]) André Blais, Op. Cit., Pp. 106,108.

([6]) Michael Gallagher, Paul Mitchell, Op. Cit., P. 7.

([7]) Kathryn A. Cochran, Playing by the Rules: The Impact of Electoral Systems on Emerging Green Parties, Unpublished Master Thesis (Lawrence, Kansas: Department of Political Science, Faculty of the Graduate School, University of Kansas, 2007), Pp. 17-18.

([8]) Michael Gallagher, Paul Mitchell, Op. Cit., Pp. 7-10.

([9]) André Blais, Op. Cit., Pp. 104,106.

([10]) Idem, P. 105.

– ولمزيد من التفصل عن مقياس عدم التناسبية انظر:

– سعيد إسماعيل على محمد على ندا، النظم الانتخابية وتأثيرها على التعددية الحزبية فى أفريقيا: دراسة حالة: كينيا – ليسوتو – السنغال، رسالة ماجستير غير منشورة (القاهرة: قسم السياسة والاقتصاد، كلية الدراسات الأفريقية العليا، جامعة القاهرة، 2016) ص ص 15-16.

([11]) Michael Gallagher, Paul Mitchell, Op. Cit., Pp. 13-15.

([12]) Kenneth Benoit, “Which Electoral Formula Is the Most Proportional?: a New Look with New Evidence”, in Political Analysis (Oxford: Oxford University Press, Vol. 8, No. 4, Autumn 2000), P. 381.

([13]) لمزيد من التفصيل في هذا الشأن انظر:

– سعيد إسماعيل على محمد على ندا، النظم الانتخابية . . .، مرجع سبق ذكره.

– سعيد إسماعيل على محمد على ندا، دور النظام الانتخابى في إدارة التعددية الاثنية في أفريقيا: دراسة لبعض الحالات، رسالة دكتوراه غير منشورة (القاهرة: قسم السياسة والاقتصاد، كلية الدراسات الأفريقية العليا، جامعة القاهرة، 2020).

([14]) Brian Loeb, Electoral System Design Assessing the Evidence for the Standard Advice (Unpublished Master Thesis, The Fletcher School of Law and Diplomacy, Tufts University, 2012) P. 16.

([15]) André Blais, “The Debate over Electoral Systems” in International Political Science Review (Thousand Oaks, California: SAGE Publications Inc., Vol. 12, No. 3, Jul 1991) Pp. 240-248.

– Mala Htun and G. Bingham Powell, “Electoral Rules and Democratic Governance” (Dupont Circle, Washington DC: American Political Science Association APSA, Report of the Task Force on Electoral Rules and Democratic Governance, September 2013)

– Luigi Curini, Paolo Martelli, “Electoral Systems and Government Stability: A Simulation of 2006 Italian Policy Space” in Czech Economic Review (Prague: Faculty of Economics, Charles University in Prague, Volume 3, Issue 3, 2009) Pp. 319-320.

– Kenneth Benoit, “Electoral Laws as Political Consequences: Explaining the Origins and Change of Electoral Institutions” in Annual Review of Political Science (Palo Alto, California: Annual Reviews, Vol. 10, June 2007) Pp. 365-367.

– Larry Johnston,  From Votes to Seats : Four Families of Electoral Systems, Proportional Representation, maJority, Plurality, Mixed (Toronto: Citizens’ Assembly on Electoral Reform, 2007) Pp. 14-15.

([16]) شعبان فرج, الحكم الراشد كمدخل حديث لترشيد الإنفاق العام والحد من الفقر: دراسة حالة الجزائر ٢٠٠٠-٢٠١٠ (رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الجزائر 3، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، قسم: العلوم الاقتصادية، 2011-2012) ص 84.

– Yianos Kontopoulos, Roberto Perotti, “Government Fragmentation and Fiscal Policy Outcomes: Evidence from OECD Countries”, in James M. Poterba, Jurgen von Hagen (eds.), Fiscal Institutions and Fiscal Performance (Chicago: University of Chicago Press, January 1999) Pp. 99-101.

– John Carey, Simon Hix, Mala Htun, “Policy Consequences of Electoral Rules”, in Mala Htun, Jr. G. Bingham Powell (eds.), Political Science, Electoral Rules, and Democratic Governance (Dupont Circle, Washington DC: American Political Science Association, 2013) Pp. 54-55.

([17]) Maria Rosaria Alfano, Anna Laura Baraldi and Claudia Cantabene, “The Role of Political Competition in the Link Between Electoral Systems and Corruption: The Italian Case“, in The Journal of Socio-Economics (Amsterdam: Elsevier BV, Vol. 47, December 2013) P. 1.

([18]) Department for International Development (DfID), “Why Corruption Matters: Understanding Causes, Effects and how to Address them” (London: DfID, Evidence Papers, Evidence Paper on Corruption, 25 Feb. 2015) Pp. 21-23.

([19]) Torsten Persson, Guido Tabellini and Francesco Trebbi, “Electoral Rules and Corruption”, in Journal of the European Economic Association (Hoboken, New Jersey: Wiley-Blackwell, Vol. 1, No. 4, Jun. 2003) Pp. 960-963, 983-984.

– Sarah Birch, “Electoral Systems and Electoral Misconduct”, in Comparative Political Studies (Vol. 40 No. 12, December 2007) Pp. 1535-1541..

– Margit Tavits, “Clarity of Responsibility and Corruption”, in American Journal of Political Science (Vol. 51, No. 1, January 2007) P. 219.

([21]) سعيد إسماعيل على محمد على ندا، النظم الانتخابية . . .، مرجع سبق ذكره، ص 18.

([22]) José Antonio Cheibub, “Minority Governments, Deadlock Situations, and the Survival of Presidential Democracies”, in Comparative Political Studies (Vol. 35 No. 3, April 2002) Pp. 291-303, 306-308.

– José Antonio Cheibub, Adam Przeworski and Sebastian M. Saiegh, “Government Coalitions and Legislative Success under Presidentialism and Parliamentarism”, in British Journal of Political Science (Volume 34, Issue 4, Oct. 2004) Pp. 565-567, 580.

([23]) Alina Rocha Menocal, “Why electoral systems Matter: an Analysis of their Incentives and Effects on Key Areas of Governance” London: Overseas Development Institute ODI, Annual Reports, October 2011) P. 12.

([24]) Yael Shomer, Electoral Systems and Intra-Party Candidate Selection Processes: Influences on Legislators’ Behavior (unpublished Ph. D. Dissertation, Washington University in St. Louis, Graduate School of Arts and Sciences, Department of Political Science, August 2010) Pp. 222-228.

– Sam Depauw, Shane Martin, “Legislative Party Discipline and Cohesion in Comparative Perspective” in Daniela Giannetti, Kenneth Benoit (eds.), Intra-Party Politics and Coalition Governments in Parliamentary Democracies (London: Routledge, 2009) Pp. 105-107.

– Bjørn Erik Rasch, “Electoral Systems, Parliamentary Committees, and Party Discipline: The Norwegian Storting in a Comparative Perspective”, in Shaun Bowler, David M. Farrell, and Richard S. Katz (eds.), Party Discipline and Parliamentary Government (Columbus, Ohio: The Ohio State University Press, 1999) Pp. 126-128.

([25]) Simon Hix, “Electoral Institutions and Legislative Behavior: Explaining Voting Defection in the European Parliament”, World Politics (Baltimore: Johns Hopkins University Press, Vol. 56, No. 2, January 2004) Pp. 194-201, 219-220.

([26]) Jay K. Dow, “Party-System Extremism in Majoritarian and Proportional Electoral Systems”, in British Journal of Political Science (Volume 41, Issue 2, April 2011) Pp. 341-361.

– David M. Farrell, Comparing Electoral Systems (Bergen, New Jersey: Prentice Hall, 1997) Pp. 156-158.

([27]) Jon Fraenkel, Bernard Grofman, “Does the Alternative Vote Foster Moderation in Ethnically Divided Societies?: The Case of Fiji”, in Comparative Political Studies (Vol. 39 No. 5, June 2006) Pp. 645-648.

– André Blais, “The Debate . . ., Op. it., Pp. 243-244, 246.

([28]) Massimo Bordignon, Tommaso Nannicini, Guido Tabellini, “Moderating Political Extremism: Single Round vs Runoff Elections under Plurality Rule” (Bonn: Institute for the Study of Labor IZA, Discussion Paper No. 7561, August 2013) Pp. 2, 51-52.

– André Blais, “The Debate . . ., Op. Cit., P. 251.

([29]) لمزيد من التفصل انظر:

– سعيد إسماعيل على محمد على ندا، دور النظام الانتخابى . . .، مرجع سبق ذكره.

– Stefan Wolff, “Electoral Systems Design and Power-Sharing Regimes”, in Ian O’Flynn, David Russell (eds.), Powersharing: New Challenges for Divided Societies (London: Pluto Press, 2005) Pp. 68-74

([30]) لمزيد من التفصيل في هذا الشأن انظر:

– سعيد إسماعيل على محمد على ندا، النظم الانتخابية . . .، مرجع سبق ذكره.

Pippa Norris, Electoral Engineering: Voting Rules and Political Behavior (Cambridge: Cambridge University Press, 2004) Pp. 81-95.

([31]) Lawrence Ezrow, Georgios Xezonakis, “Satisfaction with democracy and voter turnout: A temporal perspective”, in Party Politics (Thousand Oaks, California: SAGE Publications Inc., Vol. 22, No. 1, January 2016) Pp. 10-11.

([32]) Shaun Bowler, David Brockington and Todd Donovan, “Election Systems and Voter Turnout: Experiments in the United States” in The Journal of Politics (Chicago: University of Chicago Press, Vol. 63, No. 3, Aug. 2001) Pp. 902, 912.

([33]) Carlos Sanz, “The Effect of Electoral Systems on Voter Turnout: Evidence from a Natural Experiment” in Political Science Research and Methods (Wicklow: European Political Science Association, volume 1, issue 1, February, 2016) Pp. 3-4.

([34]) Lane Kenworthy, Melissa Malami, “Gender Inequality in Political Representation: A Worldwide Comparative Analysis” in Social Forces (Oxford: Oxford University Press, Volume 78, Issue 1, Sep. 1999) P. 237.

([35]) Pippa Norris, Op. Cit., Pp. 184-188.

– Jessica Fortin-Rittberger, Berthold Rittberger, “Do Electoral Rules Matter? Explaining National Differences in Women’s Representation in the European Parliament” in European Union Politics (Thousand Oaks, California: SAGE Publications Inc., Volume 15, issue 4, 19 Nov. 2014) Pp. 513-514.

([36]) لمزيد من التفصل بهذا الشأن انظر:

– سعيد إسماعيل على محمد على ندا، دور النظام الانتخابى . . .، مرجع سبق ذكره.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى