fbpx
مقالات

ماذا عن قرار الطلاق البريطاني من الاتحاد الأوربي؟

بقلم الباحث : سيهانوك ديبو

كما هي شأن الاستفتاءات عامة فإنها غير مُعبِّرة بالضرورة عن الرأي المجتمعي في المكان المعني بها؛ إنما متعلق بالتهيئة المحسوبة لأية نتيجة تسبق الاستفتاء؛ ومثل هذا الأمر مرصود له عند الغرب عموماً ومحسوب وفق عمليات متعلقة بالفكر الاقتصادي أولاً وأخيراً؛ أي بالتحديد صناعة الرأي في زمن اقتصادي معين لأي قرار مصيري مُتَعَيّن مثلما حدث مؤخراً في نتيجة الاستفتاء البريطاني حيال تحديد موقفه غير الإيجابي من الانضمام إلى الاتحاد الأوربي.

علماً بأن هذه النتيجة ليست لها علاقة حاسمة بمسائل الانتماء والخصوصية والقومية أو غير ذلك من المُثار مؤخراً.

وأن الاستفتاء يجب أن يتحول إلى استقصاء لجميع آراء المواطنين بدون استثناء حتى يستطيع التعبير عن دقة المطلب؛ خلاف ما تشير إليه التقارير البريطانية بأن نسبة المشاركة البريطانية في الاستفتاء الأخير لم تتجاوز السبعين بالمئة. من يريد أن يفهم كنه القرار البريطاني الأخير يجب أن يعود إلى أبو الاقتصاد الليبرالي أي أبو الرأسمالية المفكر الاقتصادي آدم سميث في قوله: (الفكر الاقتصادي مثل كل الأفكار الليبرالية يجب أن يتغير مع الوقت).

وإذا كان هنالك فهم لدعوة الاسكتلنديين الذين صوتوا في العام 2014 للبقاء في بريطانيا؛ وأنهم اليوم يسعون إلى استفتاء من أجل التصويت على عدم البقاء ضمن بريطانيا المتحدة من أجل الانفصال عنها؛ وبغية الاتحاد مع القسم الجنوبي منه وانتقالهما سوية بشكل مستقل إلى الاتحاد الأوربي؛ فهو أيضاً بعلاقة مع الفكر الاقتصادي الليبرالي في أوربا ولا علاقة له بغير ذلك.

على العموم؛ فإن مرتكزات الدول الرأسمالية سابقاً؛ ولاحقاً الحداثة الرأسمالية تتعلق بثلاث أمور مترابطة مفسرة لجميع المخططات والمقاربات فيما تخص سياساتها إزاء قضاياها وقضايا العالم عموماً ومنها قضايا وملفات الشرق الأوسط خصوصاً وهي: الصناعوية؛ الربح الأعظمي؛ القومية. وقد تناول ذلك الفيلسوف أوجلان بإسهاب كبير حينما يرى بأن الوظيفة التي أناطتها الرأسمالية بالصناعوية، إنما تُقَوِّض المجتمع الاقتصادي.

فالطبيعة الاجتماعيةُ لا تُطيق حمل نظام مُنجَر دوماً وراء الربح الأعظمي على كاهلها مدة. فلَطالما قدمت القومويةُ والدينويةُ والشيوعيةُ المشيدة نفسها على أنها المُنقِذ؛ لكنها؛ بدراية ومعرفة أو دونهما قد أفادت الرأسمالية أكثر بكثير من المزاحمة عليها أو تكون بديلاً ثوريا عنها. أما الاقتصار على تحليل الصناعويةِ بأنها منطق تكنولوجي بالمعنى الضيق، إنما يؤدي إلى أخطاء أساسية محورية. فالوظيفةُ التي أناطَتها الرأسماليةُ بالصناعوية، إنما تقوض المجتمع الاقتصادي عموماً وتتحول إلى ممارسة عملية بوصفها احتكاراً أيديولوجياً واحتكار سلطة في التحكم وتوجيه المجتمع بأكمله وفق تحديدات الربح والسلعة والشيء.

وكلما تقوض وانهار المجتمع الاقتصادي، كلما بدأَ قانون الرأسمالية في الربح الأعظمي بالعمل. وهذا ما يتطور بدوره بالتداخل مع احتكارية الدولة القومية. إنها مسألة تخلو من النظر إلى جانب الأنسية في العلاقات البينية سواء ضمن المجتمع الواد أو من مجتمع مع آخر؛ وإنْ كانت فهي هامشية جداً وغير محصّنة بالشكل المطلوب. سيتحدث الكثير عن نتيجة الاستفتاء –ربما تحدثوا وأنهوا قسماً مهماً منه- ويصورنها على أنه أولى علائم الانهيار الأوربي وتفككه إلى دول وقد يجتهد البعض ليصور المسألة إلى التخاصم والتنابذ والعداء والتقاتل. هؤلاء يكونون من القسم الذي يمارس الرغبة المحضة.

وهؤلاء سيفتشون عن تبريرات جمة لما يحدث؛ لأنهم سيتفاجؤون بأن استفتاء قادم قد يحدث في لحظة اقتصادية (معينة) ويلغي السابق ويعاكسه التوجه وأيضاً من منطق الربح الأعظمي الذي لا قيمة في سيرورته لمسائل تشغل بالنا نحن الشرقيين.

من حيث أن الوضعان مختلفان تماماً؛ وضع الشرقي يختلف عن وضع الغربي ومَرّدُ هذا الاختلاف متعلق بالأشواط التي قطعها كل طرف على حدى وما يتعلق بكل شوط مجموعة من القضايا والمسائل التي تخص كل مرحلة تعيشها الجهتين. ورغم هذا الاختلاف فإن كليهما يشتركان في نقطة واحدة من أن كل منهما يقارب ما يحدث للآخر وفق ما يعيشه وما يلزمه كي يعيش؛ الشرقي يرى بأن نتيجة الاستفتاء في بريطانيا هي عودة الروح القومية والخصوصية ومسائل الانتماء غير الواسعة.

في خلاف له؛ يرى الوعي الغربي بأن الشرق يصر على التنابذ والخصومة ويفضِّل العصبيّة والانكفاء كما حصل معه قبل ثلاثة قرون. بريطانيا لم تُطلِّق الاتحاد الأوربي فلم تكن قد قَبَلْته بشكل مُحْكَم؛ كانت لها الخصوصية وأيضاً من جانب الفكر الاقتصادي الرأسمالي في مسألة الربح الأعظمي. أما إذا أصرّ البعض أن يسميه طلاقاً فهو بائن بينونة صغرى؛ ربما استفتاء جديد يضمن العودة إلى نقطة الفراق الحالية.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى