الدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

المغرب العربي الكبير ما جمعه التاريخ فرقته السياسة

اعداد : د. عائشة عباش – أستاذة بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية –جامعة الجزائر

-المركز الديمقراطي العربي

نسعى من خلال هذا البحث إلى التطرق إلى مجموعة المؤهلات الجغرافية والتاريخية التي ساهمت في بلورة الوحدة المغاربية خاصة قبل الاستقلال ، وقد جاء مشروع اتحاد المغرب العربي لمحاولة الحفاظ على تلك الوحدة في زمن عرف بعصر التكتلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية…، غير أن الواقع السياسي والاقتصادي للدول المغاربية بعد الاستقلال أفرز معطيات مغايرة أثرت سلبا على الطموح المغاربي حيث طغت عناصر الإخفاق على مقومات البناء .

من هذا المنطلق يستلزم ضرورة إحياء البعد الاندماجي للدول المغاربية، خصوصا وأن المسألة التكاملية غير مرتبطة بالتحول في العناصر المادية للدول ، بل كذلك بالأسس والمنطلقات المعنوية لأنساقها الفكرية والقيمية ، وهو ما نسعى لمعالجته من خلال العناصر التالية:

1- الخصوصية الحضارية للدول المغاربية:

هناك تمازج ما بين الأصل البربري و الدين الإسلامي و اللغة العربية نتج عنه هوية مغاربية مميزة ومتماسكة ، وقد دافع عن ذلك عدة مفكرين أمثال “د.طاهر لبيب” الذي يرى أن الخطاب السائد حول المغرب العربي مسكون بالخصوصية ، وهذه الخصوصية تحولت من بديهية علمية إلى معتقد إيديولوجي يتجول المغربي بين شرفاته ليرى منها أبعاد مغربه تتعدد ، تمتد وتتقلص، وليواجه بها الآخر شرقا وغرباوغربا ، وهي تعني تميزا عربيا عن الغرب ومغربيا عن العرب[1].

وهو ما أكده “د.محمد عبد الباقي الهرماسي” الذي يرى أن المجتمعات المغاربية مندمجة بطريقة غير موجودة في المشرق فهي متجانسة على المستوى الديني و المذهبي (إسلامية-مالكية) وأكثر من ذلك فالمغرب ينتمي بطريقة حضارية لا تقبل التقسيم ، لأنه من الناحية الجيوستراتجية هو عبارة عن منطقة حدودية ، وتاريخيا أن الثقافة في المناطق الحدودية تكون عضوية ،فهي لا تستسهل اعتبارات التميز لأنها تقف باسم المبادئ الأساسية الموجودة في العالم العربي الإسلامي2.

وإن تلك الخصوصية ما بين شعوب المنطقة تطورت في الفترات اللاحقة خصوصا إبان الفترة الاستعمارية ، حيث انتقل هذا التلاحم من مجرد شعور وجداني وتقارب جغرافي أملته الطبيعة إلى مرحلة التأسيس وتأكيد الذات المغاربية التي صنعها التاريخ عبر فترات متلاحقة ،وهو ما يعبر عنه ب :

2-البعد التاريخي والاندماجي للدول المغاربية:

مثلما كان للثقافة والجغرافيا أثر في تشكيل الهوية المغاربية فإن للموروث التاريخي هو الأخر دورا مماثلا في ذلك ، فبالرجوع  إلى المبادرات الأولى  الداعية إلى الاندماج والوحدة المغاربية نجد علي باشا حمية (أحد مناضلي الحركة الوطنية التونسية )أول زعيم دعى إلى ضرورة توحيد المغرب العربي في ميدان الكفاح وهو ما أكده عام 1915في برلين3.

إذ فقد عرفت دول المنطقة عدة محاولات للوحدة والنضال المشترك ،وبذلك برهنت فكرة المغرب العربي عن فعاليتها في الميدان السياسي وأصبحت بمثابة إطار مرجعي للحركات التحررية المغاربية ، وتدعيما لتلك الفكرة فقد دعى “”طلبة شمال إفريقيا “” في المؤتمر الخامس بتلمسان في نوفمبر عام 1935 إلى ضرورة تأسيس الوعي المغاربي ، الذي لا يتأتى إلا بتوحيد التعليم ومما جاء في البيان <<يجب أن لا بقال أننا نعمل على إنشاء وحدة منفصلة ، كلا وألف كلا، إننا نعمل إلا على بعث وحدة عتيدة سجلها التاريخ وهو ضامنها>> ، وبالتالي فقد رافقت فكرة الوحدة المغاربية الكفاح الوطني للشعوب ، وكان عام 1958ميلادها الرسمي 4.

واستمرت تلك الفكرة حتى بعد الاستقلال حيث ظهرت إرهاصات تجسيد الوحدة ميدانيا من خلال المعاهدات الثنائية رغم بعض التوترات والخلافات الحدودية، إلى غاية عام 1989 حيث تم الإعلان عن قيام اتحاد المغرب العربي5.

ومن ثم القدر في منطقة المغرب العربي لا يتوقف على الجغرافيا فقط ، وإنما هناك وحدة تاريخية بين شعوب ودول المنطقة، إذ فقد تقاسم سكان المغرب العربي الوحدة التاريخية والجغرافية إلى الحد الذي أقنعهم بحتمية صناعة المستقبل المشترك ، ذلك المستقبل الذي يستند إلى مرجعيات الماضي والاعتقاد والدين والتضحيات التاريخية ومن ثم جاءت فكرة البحث عن آليات لإيجاد منظمة إقليمية تعمل على تكريس الإرث المشترك وتؤسس لروح جديدة تصنع صورة المستقبل وتفرض أسلوبا جديدا في التعامل مع بقية العالم على أساس أنها رقعة واحدة متحدة في عناصر التكوين ومتحدة في حسابات المستقبل  والمصير6.

فتلك الخلفية الفكرية والسياسية هي التي ساهمت في نشأة اتحاد المغرب العربي، حيث رأى فيها قادة الاتحاد أنه وفاء منهم لتضحيات التاريخ ورأت فيها شعوب المنطقة إمكانية الانصهار داخل منظمة الاتحاد المغرب العربي.

3-اتحاد المغرب العربي:

إن تلك النظرة التفاؤلية التي كانت سائدة بشأن الوحدة المغاربية أخذت تتلاشى مع مرور الوقت ، وأصبحت من الذكريات الخالدة التي حفظها التاريخ ،فإلى جانب مقومات التكامل المغاربي ، هناك العديد من  العوامل التي ساهمت في إخفاق الحلم المغاربي ، ولعل أبرزها الخلافات الثنائية بين الدول المغاربية التي استفحلت بعد الاستقلال ، سواء بسبب الحدود مثلما هو الحال بين الجزائر والمغرب والجزائر وليبيا والمغرب وموريتانيا، بالإضافة إلى أزمة  قضية الصحراء الغربية  والتي تمثل بؤرة توتر كبيرة بين الجزائر والمغرب الأقصى[2]7.

كما شكلت  قضية لوكاربي أهم القضايا التي انعكست سلبا علاقات التعاون المغاربي ، حيث بعد اصدرا مجلس الأمن القرار 774 في 31 مارس 1992 والقاضي بفرض  حضر جوي على ليبيا ، وكذا اصدرا القرار 883 بتاريخ 11 نوفمبر 1993 والذي تضمن عقوبات جديدة على ليبيا، حيث تم توسيع الحظر الجوي والعسكر ي والدبلوماسي عليها8، ومن ثم طالبت ليبيا الدول المغاربية الوقوف إلى جانبها استنادا لما تنص عليه المادة 14* ، إلا أن الدول المغاربية طبقت الحظر الجوي على ليبيا وفي ذلك دلالة واضحة على هشاشة البناء المغاربي.

وتأسيسا عما سلف نعتقد أن تعطل حلم تجسيد اتحاد المغرب العربي كانت نتيجة إحلال الإرث الأزماتي و الصراعي محل الإرث التاريخي والنضالي، إذ ماتميزت به الفترة الممتدة من الحرب العالمية الأولى إلى الاستقلال بتكافل المناضلين الوطنيين المغاربة وتضامنهم نابع من وجود ثقافة واحدة تجمعهم في نضالهم ضد لاستعمار ، أما بعد الاستقلال فقد تراجع هذا المد النضالي نظرا لنهاية أسطورة وحدة المصير التي شحذت همم المناضلين هذا من جهة ، وكذا وجود مشاكل داخلية على مستوى الأقطار المغاربية مما جعل اهتمام النخب الحاكمة منصبا على مشارعها القطرية  هذا من ناحية 9، ومن ناحية أخرى فإن  الانعكاسات  السلبية  لبرامج التعديل الهيكلي التي الذي تبنته جل الدول المغاربية ، جعلها تسعى إلى إحياء مشروع البناء الوحدوي كبديل لأزمة الخيار القطري ، ومن ثم حسب –د.علي الكنز –أن العودة للمشروع المغاربي لا تعبر عن اختيار استراتيجي للأنظمة ، بقدر ما هو رد تكتيكي على أزمة الدولة القطرية ، فمنذ البداية ظهرت الخلافات بين الأنظمة في فهمها لمحتوى المشروع ، فبالنسبة للبعض المغرب العربي سيكون سوقا لفائضهم التجاري ، وبالنسبة للآخرين سيعطي هذا البناء دفعا للنضال ضد عنف الحركات الدينية ، في حين يرى البعض أن البناء المغاربي  هو خطوة على طريق الوحدة العربية10.

فهذه الأسباب وغيرها هي التي أخمدت المشروع ولم يبقى منه سوى بعض اللجان التي تدرس بعض القضايا التقنية. و ذلك بسبب نظرة القادة السياسيين لمسألة اتحاد المغرب العربي الذي ترى فيه مجالا لممارسة الهيمنة والريادة للدولة المتزعمة له ، وقد أذكت هذه النظرة في أوساط شعوبها التي أصبحت تتمسك بالخصوصيات الوطنية بعدما كان الانتماء القومي يسمو على الانتماءات القطرية11، وخلق هوة مابين “مغرب الشعوب ومغرب الدول ” حسب اعتقاد الباحث بشير بومعزة، حيث لازالت لعبة الأشخاص هي التي تشكل أو تفكك المجموعات بعيدا عن الشعوب المغلوبة عن أمرها12.

ومن ثم فرغم جلالة مبدأ الوحدة وجاذبيته الذي يتحدى المنطق و المعقول ، مثلما يرى “د.جلال الكعبي”، فإن بعض زعماء النضال في المغرب العربي ،لم يأبهوا بمجرد أن أمسكوا بمقاليد الحكم بعد الاستقلال من الازدراء بالعواطف الوحدوية الجياشة التي كانت تفيض بها صدور شعوبهم ،ولم يترفقوا في استعمال كل منطق ومعقول ، وكل الضغوط أحيانا للحد من تفاعل جماهيرهم مع الشعارات الوحدوية المنطلقة هنا وهناك وخصوصا من مصر بعد  ثورة ماي 1952.

وبالفعل هذا ما سعت إليه النخب المغاربية التي سعت إلى بناء دولة قطرية حددت معالمها وفق توجهاتها الإيديولوجية في محاولة لتأسيس مجتمع بمقاييس وخصوصيات مغايرة ، إذ فلأنساق الفكرية للقيادات السياسية في المغرب العربي ، أو ما يمكن  تسميته بالمرجعيات الإدراكية تنظر بنوع من الشك والخوف تجاه ما يصدر عن الآخرين من سلوكيات وأفعال ، وهذا راجع –حسب د.حسينبوقارة-بالدرجة الأولى إلى الانغلاق الشديد الذي يميز تلك الأنساق الفكرية المتناقضة ، مما يشكل عائقا جوهريا عند محاولة بناء تجربة تكاملية حقيقية في المنطقة، فالتكامل يتطلب مرونة وقدرة القيادات السياسية في الوحدات المعنية على تغيير أولوياتها و مرجاعياتها من أجل الاستجابة لمنطق التكامل13،وكذا الاستثمار في مقومات الوحدة فكرا وممارسة بالاعتماد على الاعتبارات و المعطيات الجغرافية وبالاستناد إلى الخلفيات التاريخية والثقافية وبالرجوع إلى الخبرات السياسية التي اكتسبتها الدول المغاربية قبل الاستقلال.

 -المراجع:

1-طاهر،لبيب،(المغرب العربي بين وحدة الخصوصية وخصوصية الوحدة)، في محمد عابد، الجابري ،وحدة المغرب العربي،بيروت::مركز دراسات الوحدة العربية،1987 ،ص81 –

22-محمد عبد الباقي، الهرماسي،(الوعي القومي في المغرب العربي ) ، في مصطفى ،الفيلالي وأخرون ،تطور الوعي القومي بالمغرب العربي،ط1،بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،1986،،ص73

3-علال،الفاسي، الحركات الإسلامية في المغرب العربي،المغرب:دار الطباعة المغربية،د،س،ص44

4-محمد عابد،الجابري،<<فكرة المغرب العربي أثناء الكفاح من أجل الاستقلال>>،فيمحمد عابد،الجابري وآخرون، مرجع  سابق،ص19-23.

5- لمزيد من التفاصيل راجع:

-جمال عبد الناصر،مانع،اتحاد المغرب العربي ،دراسة قانونية سياسية،الجزائر:دار العلوم للنشر والتوزيع،61-112.

-مصطفى ،الفيلالي،المغرب العربي نداء المستقبل،ط3،بيروت:مركز دراسات الوحدة العربية،2005،ص24-47.

6-منتدى الأزبكية، اتحاد المغرب العربي الوحدة  التاريخية والجغرافية ، الامارات العربية المتحدة:مركز زيد للتنسيق والمتابعة،يونيو 2001 ، ص5-6

7-عادل ، مساوي وعبد العلي ، حامي الدين ، المغرب العربي : التفاعلات المحلية والإقليمية والإسلامية، ص380 –

8 8-لعجال أعجال ، محمد لمين ،”معوقات التكامل في اطار الاتحاد المغاربي وسبل  تجاوزها” ، مجلة المفكر ، العدد 05 ، د.س ، ص 5

-” إن كل اعتداء تتعرض له دولة من الدول الأعضاء يعتبر اعتداء على الدول الأخرى”.*

  • 9-علي ، الكنز ، المغرب العربي من أسطورة لأخرى ، في سمير ،أمين ،المجتمع والدولة في الوطن  العربي  في ظل السياسات الرأسمالية الجديدة ، المغرب العربي ، القاهرة : مكتبة مدبولي ، 1997 ، 23،26

-نفس المرجع، ص، 33-3410

11-مصطفى ،الفيلالي،<<مفهوم المغرب العربي:تطوره تصورا وممارسة وعلاقته بالوعي القومي>>، في مصطفى ،الفيلالي وآخرون ،مرجع سابق،ص16-17.

212-بشير، بومعزة،<<تأملات فكرية حول المغرب العربي>>فيمحمد عابد،الجابريوآخرون،مرجع سابق،ص141-147.

-حسين ، بوقارة ، إشكاليات مسار التكامل في المغرب العربي ، الجزائر: دار هومة ،2009 ، ص 62-6313

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى