التوعية الديمقراطيةالشرق الأوسط

السؤال السياسي الاستبداد وكيفية معالجته عند مونتيسكيو في متنه “روح القوانين”

اعداد : ريناس بنافي – باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي

  • المركز الديمقراطي العربي

الانسان بطبيعته يسعى للسلطة وهي من ستقوده لاحقاً للاساءة في استخدامها عاجلا ام اجلا , ولهذا فان نشوء مبدأ الفصل بين السلطات لم يأتي عبثا بل جاء نتيجة وضرورة ملحة لايقاف اساءة استخدام السلطة من قبل الحكام , وهو يعتبر بمثابة وضع حدود للسلطة مهما كانت كي تقوم تلك الحدود بحماية الحاكم اولا من الانزلاق في الاستبداد والتحكم الانفرادي وايقاع الظلم بين الناس, وثانيا انها تحمي المحكومين الناس من ظلم الحاكم واستبداده, وبهذا سيكون نظام الحكم متجها نحو العدالة الاجتماعية وليس العكس .

ومع تدهور الحكم المطلق وضعفه خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، برزت العديد من النظريات السياسية والاجتماعية، والأفكار الدينية، الآخذة في مناقشة مختلف القضايا بشيء من الحرية، والجرأة، فبرزت أفكارمونتسكيو، وروايات فولتير اللاذعة، ونظريات روسو الداعية إلى تطبيق المنهج الديمقراطي في الحكم القاضي بحكم الشعب بالشعب، وغيرها.

وإن أهم ما ميز مرحلة القرن السادس عشر هو الحروب الدينية التي رسمت خطوطها العريضة . فقد نشأ في فرنسا و اسكتلندا نضال طائفي هدد استقرار الشعبين و بهذا نشب في فرنسا في ما بين عامين 1562-1598 ما لا يقل عن ثماني حروب أهلية، تميزت بفضائع مثل: سانت بارتي لوميو و غيرها من الحروب الأهلية الأخرى، و جراء ذلك لم يتوقف الحكم المنظم فقط ، بل و تعرضت الحضارة نفسها في أوروبا إلى الخطر.

انتقل مركز ثقل الفكر السياسي في عصر التنوير لصالح فرنسا بواسطة كوكبة من المفكرين السياسيين الذين تفاعلوا من جراء تلك الأحداث و استطاعت آرائهم و تفكيرهم من بعث الوضع السياسي خاصة والحضاري عامة إلى مسار غير الذي كان عليه من قبل. و من هؤلاء المفكرين نجد “مونتسكيو” المشهور بنظريته في الحرية و الفصل بين السلطات.

كل هذا و ذاك يدفعنا إلى طرح الاشكال التالي:

إلى أي مدى ساهم فكر مونتسكيو في إضفاء الديمقراطية السياسية و مشروعية نظام الحكم ؟؟؟ و إلى ما كان يهدف من نظرية الحرية و الفصل بين السلطات ؟؟؟ و ما هو الجديد الذي أطرأه عليها ؟؟؟

و عليه نفرض أن حالة فرنسا السياسية أي وضعها المتميز بالفساد السياسي في تحول النظام الملكي إلى نظام استبدادي مطلق (مرض النظام) أو ربما للحد من السلطة السلطة التي كانت تمارس الحكم ، ومحاولة تشتيت الدولة الاستبدادية و اضعاف قواها من خلال تقسيم سلطتها. ان الواقع الذي كانت عليه فرنسا في عصر التنوير و البيئة هي التي دفعت بمونتسكيو إلى كتابة أفكاره .

فكان لاتجهات التفكير السياسي الفرنسي في عصر لويس الرابع عشر أسباب سياسية تكاد تدور كلها حول تصرفات هذا الملك ، التي أدت إلى تطور الحالة السياسية في فرنسا تطورا ترك أثرا كبيرا في التفكير السياسي ، فقدحكم حكما يقوم على الملكية المطلقة المستبدة و كان طموحه يرمي إلى توسيع ملكه، و يعمل على تكوين امبراطورية كبيرة، و في سبيل ذلك قام بمغامرات و حروب انتصر فيها في بادئ الأمر و كان لهذا الانتصار أثران هام أولهما ، انه صار محبوبا لدى الشعب مسموع الكلمة في أمته وثانيهما أن ملوك أوروبا و حكامها تكتلو ضده ليقفوا في وجه مطامعه. و ترتب على هذا التكتل أن توالم هزائمه و أخذ الشعب بتذمر و كانت في مقدمة هذا التذمر انتقاد الملكية المطلقة. إذ بدا الشعب يضيق ذرعا بتصرف الملك وأخذ الكتاب السياسيون يهتمون باعادة النظام السياسي القديم وطالبوا باعادة تكوين البرلمان الفرنسي.(1)

ولقد كانت الثورة الانجليزية 1688، و نشر مؤلفات جون لوك يشكلان خاتمة الفترة التي شهدتها الفلسفة السياسية الخلاقة في انجلترا و تبع ذلك فترة من الهدوء و الركود و أصبح الفكر السياسي الانجليزي ذا طابع محافظ و راضي بشكل عام عن الأوضاع القائمة في البلاد، و بناءا على هذا فقد انتقل مركز الثقل في مجال

النظرية السياسية إلى فرنسا. منذ أواخر القرن السابع عشر إلى ما قبيل الثورة الفرنسية و كان هذا نتيجة من جراء سياسة لويس الرابع عشر. التي أثرت إلى الاذلال الخارجي و عن التدهور الخارجي حتى شارفت البلاد على الافلاس، يضاف إلى ذلك طغيان أفكار لوك التي تعد الأساس التي تبنى عليه حركة التنوير الفرنسية في القرن الثامن عشر، كما يمكن القول عموما أن حركة الفكر السياسي الفرنسية شددت على فكرة القانون الطبيعي و الحقوق الطبيعية و المصلحة الذاتية المستنيرة، و عليه يجوز القول أن النظرية السياسية في القرن الثامن عشر بدأت تأخذ مركزها في فرنسا و التي بلغت ذروتها نتيجة سياسة لويس الرابع عشر القائمة على الملكية المطلقة و الحق الالاهي(2)

و من أهم مظاهر الفساد الذي عرفه نظام لويس 14 ، يمكن أن نجملها في الآتي:

  • نظام الامتيازات المجحف الذي كان من خلاله الأشراف يستأثرون بأرفع مناصب الدولة المدنية منها و العسكرية.
  • الكنيسة التي كانت لها ثروة طائلة من دخل الاراضي الموقوفة التي تمثل خمس أراضي فرنسا التي كان يسرفها كبار الكنيسة لمصالحهم الخاصة.
  • حرمان النبلاء من السلطة السياسية بالرغم من كل الامتيازات التي كانت لهم إلا أن الملوك حاولوا الوقوف دون حصول هذه الطبقة على أية زعامة سياسية.
  • تعسف النظام الزراعي الذي لم يكن يهيأ للمزارعين الفرنسيين تكوين رؤوس أموال تجارية على عكس الحال في انجلترا.
  • نظام الضرائب المجحف الذي كان يرهق المواطنين و تعنت الجباة في توزيع الضريبة، و كانت الضرائب تزداد تبعا بتزايد حالة الحكم لها.
  • نظرة الاحتقار التي كانت تكنها الطبقة الوسطى المنتشرة في المدن الفرنسية إلى النبلاء و رجال الدين.

و ضمن هذه الظروف المتعددة من المظاهر الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية. ظهرت في فرنسا طائفة من الكتاب الذين وجدوا ضرورة في إزالة الدعائم التي يقوم عليها النظام المبني على الحكم المطلق و اللامساواة الاجتماعية و عدم التسامح في أمور الدين و الحماية و في أمور الاقتصاد. و الجدير بالذكر أيضا أن لكتابات جون لوك أثر كبير في المجتمع الفرنسي التي تبناها الكتاب الفرنسيين و وجدوا فيها الدعم و السند و أرضية خصبة في دعوتهم إلى القضاء.

و لعل من أهم المفكرين الذين تأثروا بهاذه الأوضاع “مونتسيكيو” .(3)

قام منتسكيو بجولة استغرقت ثلاثة أعوام زار خلالها إيطاليا و النمسا و المجر، و سويسرا و البلدان الواطئة و انجلترا. حاول خلالها دراسة أشكال الحكم المختلفة و عادات الشعوب وتقاليدها، و تاثير البيئة على عادات و تقاليد السكان. و بعد عودته إلى فرنسا بدا يستخلص العبر لملاحظاته التي كونها خلال جولته الطويلة و بالفعل و في عام 1734. نشر مؤلفه الثاني “أسباب عظمة الرومان و سقوطهم” و في عام 1748 نشر كتابه المشهور “روح القوانين” الذي يتضمن معظم الخطوط الرئيسية في فلسفة مونتسكيو السياسية.

و ما يظهر جليا في هذا المؤلف أن مونتسكيو حاول نتيجة الجولة الطويلة التي قام بها في دول عديدة أن يستنتج الخلاصة التالية و هي أن المجتمعات لا يمكن أن تتكون و تظهر بصورتها العفوية أو الاعتباطية بل بالعكس فإن تكونها و ظهورها يخضع لقوانين ثابتة لا تتغير ذلك أن تاريخ أية أمة من الأمم لا يعكس إلا حالة من حالات تأثير هذه القوانين الثابتة عليها. و من هنا حاول مونتسكيو أن يشرح و يفسر طبيعة الأنظمة السياسية و مؤسساتها الاجتماعية لدى مختلف الأمم من خلال تأثير القوانين العامة عليها.(4).

يُعد مونتسكيو واحدا من أكبر دعاة الحرية والتسامح والاعتدال والحكومة الدستورية في بلده، وكان من أشد أعداء الحكم الاستبدادي، ونادى بفصل السلطات، ورد أصل الدولة والقوانين إلى الطبيعة وخاصة في كتابه “روح القوانين” أو “الشرائع” إذ يقول: “إن الطبيعة هي التي تحدد نوع الدولة، أو نوع العلاقات بين الأفراد التي تحدد بالتالي شكل الدولة “، ويقصد بالطبيعة المناخ، ويرى أن نظم الحكم والقوانين تختلف من مجتمع إلى مجتمع باختلاف المناخ، وأن اختلاف المناخ هو الذي يتسبب في اختلاف العادات والتقاليد والنظم الاقتصادية والأديان، بل ومفهوم الحرية، ويرى كذلك أن سكان الجبال والجزر يحسّون بحرياتهم أكثر من سكان السهول والقارات لسهولة الدفاع عن الأولى، وأن سكان الجبال يتصفون بالاقتصاد والاستقلالية والنشاط بسبب طبيعة بلادهم، وجعله هذا التفسير الجغرافي واحداً من مؤسسي نظرية الحتمية الجغرافية بعد ابن خلدون.

كان مونتسكيو شاهداً حيّاً على عصرٍ حافل بالانقلابات السياسية والاجتماعية، وقد كانت رغبته في حماية المجالس التمثيلية وهيئات النبالة وامتيازاتها تقف خلف إسهامه الأصيل في الفكر السياسيّ الحديث. و هو لم يعمد في الواقع إلى إيجاد نظرية حقوقية في الفصل بين السلطات، كما يشير توشار، بل هدف إلى تقديم تصور سوسيو سياسي لتوازن القوى، وهو توازن يرمي إلى تكريس مكانة قوّة بين القوى الأخرى، ألا وهي قوّة الأرستقراطية. وقد غدا هذا التصوّر ضرباً من العقيدة السياسية على يد خلفائه فيما بعد، وتمّ تبنّيه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي( 1789م) وغيره من اللوائح الأساسية كـالدستور الأمريكي، وهنا تكمن أهمّية إسهامه في النظرية السياسية.

قسّم مونتسكيو أنظمة الحكم إلى جمهورية، وملكية، واستبدادية. ورأى أنّ الحكومة الجمهورية، هي التي تكون للشعب أو لفريق منه السيادة. في حين أنّ الملكية هي التي يحكم فيها فرد واحد، ولكن بقوانين ثابتة. بينما يحكم في الاستبدادية، فرد مستبدّ بلا قانون ولا نظام أو مبدأ، يحرّك الجميع وفق إرادته وأهوائه ويسيّرهم. وبرأيه، إذا كانت السلطة ذات السيادة في قبضة الشعب جملة سمّي هذا ديموقراطية.

على غرار معاصريه صوّر مونتسكيو الاستبداد في“روح الشرائع” بذعر شديد، ونظر إليه على أنه نوع من الأنظمة الاستبدادية التي نشأت أصلاً بين الشرقيين والمسلمين،(5) وبات يهدّد الآن أوربّا من الداخل ويسحق، بلا رحمة، الجماعات والطبقات الوسطى في المجتمع ويرغم أعضاء الدولة على أن يظلّوا مجزّئين وجهلة وجبناء روحياً.

أنّ النظام الاستبدادي، برأي مونتسكيو، لا يقيم حساباً لأية فضيلة سياسية، إذ ليس لها أيّ دور تقوم به . ويرى أنّ الشرف يغدو خطراً في هذا النظام، الذي يتأسّس أصلاً على الخوف ويهدف إلى الهدوء والسكينة. فما كان يدعوه لوك بسلام المقابر، يعلن مونتسكيو أنّه ليس سلاماً، إنّه صمت هذه المدن، التي يرابض العدو على أطرافها بغرض احتلالها.

لاحظ مونتسكيو أنّ من يملك السلطة على هذا النحو يميل دائماً إلى إساءة استعمالها، ويستنتج أنّ الحلّ الوحيد للحؤول دون ذلك، هو مواجهة السلطة بوساطة السلطة ذاتها. وبناءً عليه رفض تركيز السلطة وإنما قال بضرورة توزيعها في مراكز مختلفة بحيث لا تحتكر جهة واحدة السلطة كلها ووظائفها، وبهذا وحده تكون الحرّية. يقول مونتسكيو:” يوجد في كلّ دولة ثلاثة أنواع للسلطات، وهي السلطة التشريعية، وسلطة تنفيذ الأمور الخاضعة لحقوق الأمم، وسلطة تنفيذ الأمور الخاضعة للحقوق المدنية (القضائية)….فلا تكون الحرّية مطلقاً إذا ما اجتمعت السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية في شخص واحد أو في هيئة حاكمة واحدة، وذلك لأنه خشي أن يضع الملك نفسه، أو المشرعون أنفسهم، قوانين جائرة لتنفيذها تنفيذاً جائراً.

وكذلك لا تكون الحرّية إذا لم تفصل سلطة القضاء عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية،.. فكلّ شيء يضيع إذا مارس الرجل نفسه أو هيئة الأعيان أو الأشراف أو الشعب هذه السلطات الثلاث: سلطة وضع القوانين، وسلطة تنفيذ الأوامر العامة، وسلطة القضاء في الجرائم أو في خصومات الأفراد… إن الأمراء الذين أرادوا أن يكونوا مستبدّين بدؤوا بتركيز جميع هذه السلطات في شخصهم دائماً.”

يتيح الانفصال بين السلطات والتوازن فيما بينها ظهور حكومة معتدلة ومجتمع مدني موازٍ، وبهذا يمكن ضمان الحرّية السياسية، التي لا يمكن أن توجد، برأي مونتسكيو، في غير الحكومة المعتدلة. لكن الحرّية لا تكون في الدولة المعتدلة ذاتها بصورة دائمة، إلا بشرط عدم إساءة استخدام السلطة، وهذه الأخيرة لا يمكن الحدّ منها إلا بتقسيم السلطة. وهكذا، فالحرّية السياسية هي في المحصلة ناجمة عن تقسيم السلطة، وبذلك تنشأ السلطات المختلفة داخل الدولة بشكل تحدّ الواحدة منها الأخرى وبحيث لا تستطيع أية واحدة منها أن تنفرد أو تقوم بشيء على حدة. إن تنوع آليات المنع والإقرار بين مختلف السلطات هي وسيلة الحرّية السياسية وأداتها الرئيسة لدى مونتسكيو، الذي يسهب في وصف تنظيم العلاقة فيما بينها، ليصل في النتيجة إلى القول، بأنّ هذه الطريقة في تنظيم الحكم توائم الحكومة المعتدلة، ولا يمكن أن تتحقق إلا من خلالها. ففي هذه الأخيرة يتعذّر إساءة استخدام السلطة، والحرّية السياسية يمكن ضمانها بهذا الشكل.

نخلص، في ضوء ما سبق، إلى القول إنّ إسهام مونتسكيو الأصيل في النظرية السياسية يقوم على تصوّر مقيّد للسلطة، وعلى مبدأ تجزئتها، من أجل تحقيق المبدأ الاجتماعي العامّ المتعلّق بحماية حرّية الأفراد السياسية وكفالتها، وذلك بضمان عمل الهيكليات الاجتماعية الوسيطة والتنظيمات، واستقلالها بمعزل عن نفوذ السلطة وميولها للهيمنة، بحيث تلعب دوراً فاعلاً ومؤثّراً في عمل الأولى وفي ضبطه.

لقد ارتبط مبدأ الفصل بين السلطات باسم الفيلسوف الفرنسي (مونتيسكيو ) الذي شرحه وأبرز خصائصه في مؤلفه الشهير “روح القوانين” .حيث يعود له الفضل في نقل المبدأ من مجرد تقسيم وظيفي إلى فصل بين السلطات أو الهيئات التي تتولى تلك الوظائف. والمبدأ حسب هذا الفيلسوف يعني عدم جمع سلطات الدولة في يد فرد واحد أو هيئة واحدة ، وفي ذلك يقول 🙁 إنها تجربة خالدة أن كل إنسان يتولى السلطة ينزع إلى إساءة استعمالها حتى يجد حدا يقف عنده. إن الفضيلة ذاتها تحتاج إلى حدود ، ولكي لا يٌساء استعمال السلطة يجب أن توقف السلطة سلطة أخرى) .

ومبدأ الفصل بين السلطات حسب “مونتسكيو” هو قبل كل شيء تقنية دستورية غايتها منع الاستبداد ، وصيانة الحرية ، فإذا جمع شخص واحد أو هيئة واحدة السلطتين التشريعية والتنفيذية انعدمت الحرية، وكذلك الشأن إذا اجتمعت السلطات الثلاث في يد واحدة ولو كانت يد الشعب ذاته ،لذلك يجب أن تتوقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها ،بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تسيء استعمال سلطتها أو تستبد بها.

فالحرية إذا مرتبطة ارتباطا وثيقا بتقسيم السلطة ، ولا وجود لهذه الحرية عند دمج السلطات لحساب إحداها أو لحساب شخص أو جماعة.كما أن تنظيم هذه السلطات وتقسيمها ينبغي أن يكون بطريقة لا تسمح لأي منها أن تتحرك لوحدها ، بمعنى أن ترتبط هذه السلطات ببعضها وان يكون بينها قدر من التعاون والتأثير المتبادل .لأجل ذلك يرى مونتسكيو ضرورة أن يوجد في كل دولة ثلاث أنواع من السلطات :

  • السلطة التشريعية ، والتي تتولى صياغة القوانين لمدة محددة ، او بصفة دائمة ، وتعدل وتلغي القوانين النافذة.
  • السلطة التنفيذية ، التي تقر السلام أو تعلن الحرب ، وترسل وتستقبل السفراء وتوطد الأمن .
  • السلطة القضائية ، والتي تعاقب على ارتكاب الجرائم وتفصل في منازعات الأفراد .

لم يتوقف مونتسكيو عند حد الفصل بين السلطات العامة في الدولة، وأنما أستلزم قيام كل سلطة بمراقبة كل السلطات الأخرى لوقفها عند الحدود المقررة لها اذا أقتضى الأمر حتى لاتتجاوزها على الأعتداء على السلطات الأخرى.

كما أن القانون المذكور تبنى مبدأ الفصل بين السلطات، وهذا المبدأ الذي كثر فية الشقاق وأختلفت بل تنافرت فية وجهات النظر، فأول ما نادى به اعتبر مونتسكيو الأستبداد نتيجة لتركيز السلطة في يد واحدة.

يحقق مبدا الفصل بين السلطات العديد من المزايا وأهمها :

1- حماية الحرية ومنع الأستبداد :

تلك هي الميزة الأولى والأساسية لمبدا الفصل بين السلطات، والمبرر الأساسي للأخذ بهذا المبدأ، فجمع السلطات بيد شخص واحد يتيح الفرصة لإساءة أستعمال السلطة، وأنتهاك حقوق وحريات الأفراد، دون وجود رقيب، ودون أعطاء فرصة للأفراد بالدفاع عن حقوقهم وحرياتهم أمام جهات أخرى. أما توزيع السلطات أمام عدة هيئات مع الفصل بينهما فأنه يفسح المجال لكل هيئة في مراقبة أعمال الهيئتين الأخريين بما يؤدي الى منعهما من التجاوز أو الاساءة وأنتهاك حقوق وحريات الأفراد.

2- إتقان وحسن وظائف الدولة :

الميزة الثانية لمبدأ الفصل بين السلطات هي أنه يحقق مبدأ تقسيم العمل والتخصص، الذي من شأنه أن يحقق إتقان كل هيئة لوظيفتها وحسن أدائها.

3- ضمان أحترام مبدأ سيادة القانون :

وأخيراً من المزايا الهامة لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث أنه يؤدي الى ضمان أحترام مبدأ سيادة القانون في الدولة بحيث نضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون وليس فقط للأفراد. لأنه إذا أجتمعت وتركزت السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في هيئة واحدة فلا ضمان لأحترام القانون و لأن هذه الهيئة ستقوم بوضع القوانين وتعديلها بناءاً على الحالات الفردية الطارئة مما يفقد القانون صفة العدالة لأنه لم يصبح قواعد عامة مجردة. وكذلك لو مارس القضاء سلطة التشريع أيضاً، فأنه يؤدي ذلك الى عدم عدالة القانون وايضاً عدم عدالة الأحكام.

لذلك فان الفصل بين السلطات وما يصاحبة من رقابة متبادلة بينهما و يؤدي الى ضمان أحترام كل سلطة لحدودها الدستورية وأحترامها لقواعد القانون و بالإضافة الى أن الفصل بين السلطات يجعل السلطة القضائية رقيبة على السلطتين الأخريين ويضمن بوجة خاص خضوع قرارات السلطة التنفيذية لرقابة القضاء وإلغائها عند مخالفتها للقانون.

كان لأفكار ” مونتسكيو ” أثرها الواضح على رجال الثورة في فرنسا وأمريكيا ، فذهبوا إلى أن فصل السلطات هو شرط الحكومة الدستورية الحرة ، وأعلنت الثورة الفرنسية ذلك صراحة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس / آب عام 1789 ، فنصت المادة السادسة عشر منه على أن : ” أي مجتمع لا تكون فيه الحقوق مكفولة ، أو فصل السلطات محدداً ، هو مجتمع ليس له دستور على الإطلاق “.

—————————

(1). غالي بطرس بطرس.عيسى محمود خيري. المدخل في علم السياسة.(القاهرة : المكتبة الأنجلو مصرية.ط7. ) 1989ص 100.

(2) محفوظ مهدي. اتجاهات الفكر السياسي في العصر الحديث.(لبنان: المؤسسة الجامعية للدراساتن و النشر و التوزيع.)1990.ص ص.101-02.

(3) محفوظ ممهدي، مرجع سابق. ص ص.102-04.

(4) محفوط مهدي. مرجع سابق ذكره.ص 107.

(5) سربست نبي فيروس مونتيسكو http://www.alawan.org/article5400.html

ريناس بنافي
ريناس بنافي باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي

لندن : renasbenavi@hotmail.com

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى