fbpx
الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثية

دفاعا عن الايديولوجيا زمن المخاتلة السياسية من خلال الفلسفة الماركسية :تونس نموذجا

اعداد : خليفة يحي – أستاذ في علم الاجتماع الثقافي – تونس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

إنّ العصر الحالي هو عصر الاديولوجيا بامتياز رغم محاولات نفي ذلك، – عصر الامبريالية المتوارية – ”  مع فوكوياما نهاية الايديولجيا و التاريخ و تحويل هنتنغتون الصراع إلى صراع حضارات فتمركز عندنا عربا في صراع هويات داخلية بدموية تاريخية. فرغم ما عرفته الرأسمالية من متغيّرات طرأت عليها منذ السبعينات و خصوصا التسعينات مع بروز ظاهرة العولمة وانتشارها عالميا في شكلها الكوكبي، الرأس المالية العالمية العابرة للقارات بشكل مكثّف ومتوسّع إلى أبعد حدود ـ ما فوق الحدود و الأقطار والأمم والدول ـ . فرغم هذا التحوّل الهائل في مختلف مستوياته تثبت الايديولوجيا الثورية صحتها وثوريتها باعتبارها الأداة الوحيدة لتغيير ” الواقع العالمي” تغييرا حقيقيا في موضوعيته التاريخية، إذ تشتدّ التناقضات يوما بعد يوم بين الشعوب المضطهدة والامبريالية “اقتصاديا وسياسيا” وتشكلها المرحلي في امبرياليات تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية بنزوعها للهيمنة الاقتصادية والايديولوجية وتطويرها لوسائل الاتصال والاعلام “تكنولوجيا  المعلومات والفضائيات مصحوبة بغطرستها السياسية العسكرية بهدف اخضاع العالم بأسره للقرار الامريكي ” الحرب على العراق أنموذجا” وتمددها الجغرافي، أمريكا دولة العالم، ولكن بدى العصر ايضا ، عصر أزمات الرأسمالية الراهن منذ انهيار نموذج Les dragons jaunes  asiatiques   مرورا ووصولا الى الأزمة المالية الامريكية 2008 سنة  وتداعياتها على اوروبا وتفاقم الأزمات الاقتصادية الاجتماعية في عدة أقطار افريقية وعربية و امريكا اللاتينية التي تمرّد الأخيرة على الولايات المتحدة الامريكية، ـحديقتها الخلفية و أحداثها محل نقاش وجدل نظري سياسي كحالة واقعية ولكن نتائج الأحداث عربيا ” الانتفاضات الأخيرة” ونتائجها بصعود حركات الاسلام السياسيي الى السلطة تذهب عكس تجارب امريكا اللاتينية ـ موجة صعود حكومات اليسار في عدد من دول أمريكا اللاتينية، التي عرفت اقطارها ذات التجربة  التاريخية المريرة المتميّزة ببعض الخصوصية بغطرسة أنظمة عسكرية لأكثر من نصف قرن انتعشت فيها حركات الكفاح المسلح ذات الطبيعة الوطنية الغيفارية التي فشلت و لم تنجح إلا عند تحوّلها الى حركات بوليفارية ماسكة بالسلطة السياسية في عدد من هذه الدول في العشرية الاخيرة.

عرفت تونس انتفاضة عارمة “انتفاضة 17 ديسمبر/ 14 جانفي 2011 ” في مسار ثوري دام  سنتين ونصف منتهيا بالانقلاب على هذا المسار الثوري بقيادة رجعية دينية  النهضة / ترويكا وبتواطؤ امريكي وصمت فرنسي “المغلوب على أمره” مع دفع ممثلها “حركة نداء تونس”  ــ اعادة هيكلة حزب التجمع ـــ وتطعيمه بقيادات ليبرالية ويسارية انتهازية وسعيه الى  البروز وفرض وجوده سياسيا  كقوّة منافسة على العمالة مع اصطفاف لأحزاب يسارية وقومية وراءه ـــ جزء كبير حمل لواء اليسار ـــ بدعوى الدفاع عن الحداثة ومكاسبها من منظور بورقيبي مختلط بمفهوم مستحدث قديم “الجمهورية الديمقراطية الاجتماعية” ـ مقولة حديثة للاشتراكيين الديمقراطيين/ أو ما يصطلح على تسميتهم “الديمقراطيون الاجتماعيون”الذي حقّق انتشارا نسبيا في اوروبا وخاصة منها البلدان الاسكندنافية، “رأسمالية بمسحة اشتراكية”. فبرز في تونس “الحلم الديمقراطي المنكسر في الواقع ” ليدغدغ هذا الحلم كوامن ومشاعر وأحلام المثقفين اليساريين وحتى “الثوريين” منهم بأطماع انتهازية مبثوثة بانكسارت “ثورية” ترسبت لبنيتهم النفسية ـ حالة سيكولوجية سلوكية ذات عمق انتهازي واع.

I  . الاطار النظري:

  • الايدلولوجيا الثورية :

تعتبر الايديولوجيا  نظرية ومنهجا وأداة ثورية  للقيام بتغيير جذري قطريا وعربيا، في تونس وباقي الأقطار العربية في أفق أممي بربط الصلات مع القوى الثورية في العالم. فالايلوجيا الثورية قاعدة النظرية ومنهجا سيلسيا على المستوى العملي بالاستناد الى مقولة  لينين الأساسية   لا حركة ثورية بدون نظرية “،  إذ تساهم  النظرية ذات الطابع السياسي تحديدا في تطوير الممارسة العملية بما أنها بحث في الواقع الخصوصي في علاقاته وقوانينه وآلياته الداخلية في مختلف مستويات الواقع من قضايا وإشكاليات. فالمعطيات النظرية وقواعدها  تساهم في توضيح الإشكاليات المطروحة و خاصة منها قضيتنا الجوهرية – قضية التحرر الوطني الديمقراطي – في مستواها التاريخي الخصوصي في موضوعيته التاريخية.

  1. الايديولوجيا الماركسية: وحدة النظرية بالممارسة
      • أ . مفهوم الايديولوجيا:

أول من وضع مفهوم الأيديولوجيا هو الفيلسوف الفرنسي ديتوت دى تراسي tracy De 1754 – 1836. وكلمة  أيديولوجيا Ideology كلمة يونانية تتكون من مقطعين ، المقطع الأول Idea ويعنى الفكرة والمقطع الثاني Logos  يعني العلم فتكون  الترجمة الحرفية ( علم الأفكار) وقد تأثر دي تراسي بنظرية الفيلسوف الإنجليزي جون لوك التجريبية ، كما تأثر بمذهب الفيلسوف الفرنسي كوندياك الذي يرد كل معرفة أو إدراك إلى أصول حسية بحت”([1]).

ويتم تعريف الأيديولوجيا باعتبارها علم الافكار ومنطق الافكار المنظم والمتناسق وكان ماركس أول من وجّه لها نقدا إذْ اعتبرها زيفا وتضليلا تعتمدها الطبقة البورجوازية لتسيطر على الطبقة العاملة من خلال ملكيتها لهذه الوسائل الايدلوجية  فكان أول تعريف قدمه ماركس وانجلز في كتابهما (الأيديولوجيا الألمانية) أن الأيديولوجيا عبارة عن نظام للأفكار الباطلة التي يمكن اعتبارها ثانوية وغير متصلة بحقيقة ثابتة (لأنها مجرد امتداد للبناء العلوي للطبقة الحاكمة) وأنها مجرد محاولة لتبرير السيطرة الطبقية ، فأفكار الطبقة الحاكمة، هي في كل زمن الأفكار الغالبة والمسيطرة ولذلك فإن الطبقة التي تمثل القوة المادية المسيطرة في المجتمع، هي دائماً ، وفي نفس الوقت القوة الفكرية المسيطرة، وعلى ذلك فإن الأيديولوجية هي تشويه للحقائق بقصد تبرير موقف الطبقة الحاكمة وقد لقبها إنجلز بأنها (وعي كاذب)².

وركز لينين على النضال الايديولوجي للطبقة العاملة من خلال الايديولوجيا الثورية، ايديولوجيا حزب الطبقة العاملة في مسار صراعها الطبقي ضد كل تزييف وتضليل ايديولوجي للطبقات الرجعية، فالنضال الالايديولوجي من منظور سياسي هو نضال ثوري على أساس طبقي ومقولة الصراع الطبقي.

  • النظري السياسي والايديولوجي

تتحول النظرية السياسية إلى ممارسة إيديولوجية، في مسار  تحويلها المعطيات النظرية إلى ممارسات عملية على قاعدة الصراع الطبقي الذي يشق مجمتعنا بالاستناد الى   مقولة أساسية في الفكر الماركسي المتصل بحركة البحث العلمي بوصفه  استعادة مستمرة لمعطيات علمية في ضوء ما توصل إليه العلم من معرفة متجددة”[2]. وفي تناول مسألة الإيديولوجيا بالنظري لابد من توضيح الاختلاف بين الإيديولوجي والنظري المعرفي. نفترض أن لكل مسألة مميزاتها النسبية عن الأخرى ولكل واحدة حقلها البنيوي المميز لها. فإذا ما ارتبطت النظرية بالممارسة الإيديولوجية فإن المعرفة نشاط علمي متواصل يكسب النظرية تجددها ويجعلها مناسبة للواقع التاريخي الموجود فيه. أما إذا ما انغلق النسق النظري على نفسه فتتحول الايدولوجيا إلى إيديولوجيا متحجرة لا تواكب الواقع في تطوره وتعدّ معرقلة له، كإباحة التطور وعنصر التقدم. أما إذا ما استهلمت النظرية العناصر الجديدة من الحقل المعرفي، فإنها تصبح أكثر حيوية ونشاطا، تواكب الواقع في تجدده، تفعل فيه، ويعطيها أرضية خصبة للانطلاق من جديد، بنفس جديد وبروح جديدة، متحولة عبر الحقل الإيديولوجي إلى عنصر فعال لتغيير الواقع والذهاب خطوة نحو الممكن والمأمول. ترتبط البنية الاجتماعية الشاملة بجملة من العلاقات للقوى الاجتماعية حيث يكون الوجود الاجتماعي ذا استقلالية نسبية عن الوعي الاجتماعي، لكن رغم وجود هذه الاستقلالية النسبية فإن البنية الاقتصادية هي المحددة في آخر المطاف، إذ يشقها صراع أساسي وجوهري متمثل في التناقض الجوهري بين الطبقات الاجتماعية الأساسية فيكون هذا الوجود الاجتماعي الموضوعي خارج الإرادات الجماعية الاجتماعية، “تكون العلاقة بين القوى الاجتماعية، وثيقة الارتباط بالبنية الاقتصادية الموضوعية المستقلة عن إرادة البشر… على قاعدة درجة تطور القوى المادية في علاقات الإنتاج التي تكون فيها المجموعات الاجتماعية فكل فرد منهم يقوم بدوره حسب موقعه الاجتماعي المحدد في علاقات الإنتاج… إن هذه التركيبة الأساسية تسمح لنا بدراسة إمكانية التحوّلات الاجتماعية الشاملة حسب الشروط الضرورية والمناسبة”[3].

وتعبتر النظرية الماركسية اللينينية تعميقا لوحدة النظرية بالممارسة العملية في عمقها السياسي باعتبارها بحثا نظريا  يرتقي بالممارسة العلمية ذات الأنشطة المتنوعة ( نقابية، حقوقية، فكرية، وثقافية فنية…) النظرية ينبغي لها أن تجيب عن الأسئلة التي يطرحها النشاط العملي” … ولأن من الواجب اختبارها بواسطة معطيات النشاط العملي. .. ومن الواضح أن النظرية تصبح دون غاية، إذا لم تكن مرتبطة بالنشاط العملي الثوري؛ كذلك تماماً شأن النشاط العملي الذي يصبح أعمى إذا لم تنر النظرية الثورية طريقه.  ص7

تقوم الايديولوجيا الثورية بربط النظرية بالممارسة والعمل السياسي المنظم على  اساس ثوري بالنشاط العملي الثوري وإلا اصبحت النظرية جوفاء بلا محتوى نضالي ومن الواضح أن النظرية تصبح دون غاية، إذا لم تكن مرتبطة بالنشاط العملي الثوري؛ كذلك تماماً شأن النشاط العملي الذي يصبح أعمى إذا لم تنر النظرية الثورية طريقه. ص7 إذ تقوم النظرية بوصفها مرشدا للنشاط العملي من خلال التنظيم الثوري للبروليتاريا الثوري( تكرار الثوري : الثانية يمكن الاستغناء عنها ) ومن صياغة التنظيم للتحالفات الطبقية ذات المصلحة في الثورة بقيادة الطبقة العاملة في صراعها الطبقي  فالنشاط هواختبار للنظرية  والخروج بها من حالة الجمود والعقم النظري”  كان لينين يقول أن “النظرية الثورية ليست عقيدة جامدة” وأنها “لا تتكون نهائياً إلا في صلة وثيقة بالنشاط العملي، بحركة جماهيرية حقاً وثورية حقاً” (مرض الطفولة(5)  

فتجانس النضال السياسي مع النضال العملي يقضي على الوعي المفكك الصدفي الذي يقتل في الإنسان الإرادة الفعالة ويكرس لديه نزعة الخمول والخنوع الفكري والعملي. ولكن الخطورة تكون أكبر عند انتشار هذا الوعي المشتت في صلب الطبقة الثورية، أي في صفوف البروليتاريا وحلفائها الطبقيين، طبقة غير مسلحة بالوعي السياسي الثوري وهي مهمة التنظيم الثوري الذي يزرع فيها وينشر لدى حلفائها  وعيا فكريا وسياسيا ثوريا وطنيا متجانسا لخلق رؤية وتصور للعالم وللحياة متجانسة ممّا يولّد إرادة جماعية فعالة قادرة على تغبير الواقع التاريخي الاجتماعي سواء في مستويات البنى الفوقية أو في المستوى الاقتصادي الاجتماعي هو التغيير الاجتماعي الجذري بأبعاده المختلفة. يبدو أن مسألة وحدة النظرية تتطلب بعض التوضيح  ليست العلاقة بين النظرية والممارسة علاقة خارجية ميكانيكية تكون فيها النظرية مجرد مكمل للعمل التطبيقي أو خادمة له. فمن الضروري طرح مسألة النظرية والممارسة في واقعيتها التاريخية كمسألة سياسية عكس ما يذهب إليه العديد من المثقفين الذي يعتبرون أن عملهم يقتصر فقط في مجال الفكر والمعرفة وبالتالي الانفصال عن الجماهير فيكون بذلك مجرد أرستقراطي الفكر والثقافة.

2 –  المعرفي والفلسفي:

إن علاقة المعرفة بالفلسفة أكثر شمولية من علاقة المعرفة بالنظرية وهي مرحلة من مراحلها  بوجود نقاط تشابه بينهما ( الشمولية، الانسجام التناسق ) وذلك بالاستناد إلى المنهج العلمي.

ولعل أهم نقطة تناولها ماركس  في الفلسفة قوله أن الفلاسفة همّهم الأساسي تفسير العالم وإنما المطلوب  تغييره كمعطى للوجود الطبيعي، وحدة الانسان بالطبيعة والسيرورة التي مرّت بها الانسانية تاريخيا كوجود موضوعي متطوّر، حركة تطور المجتمعات البشرية بتفاوت في سيرورة تاريخية اجتماعية معقدة في حركة نسق تطوّرها. لذلك كانت الفلسفة الماركسية تصورا للعالم والحياة وتتحوّل إلى نظرية تستند إلى العلم منهجا وموضوعا بتوّحد المنهج المادي الجدلي بالأساس المادي التاريخي لسيرورة تطوّر المجتمعات الانسانية. فاكتسبت الفلسفة واقعيتها  من خلال التصور الفلسفي الماركسي كتصور منطقي متجانس وواقعي من خلال المادية الجدلية والمادية التاريخية. فيحتل  النقد أحد أسس الفلسفة الماركسية وفق ولادتها السجالية واعتمادا على آخر ما توصّل إليه العلم. النقد والنقد الذاتي له أهمية خاصة في الفهم الماركسي باعتباره معطى أسياسيا في العلم. فالتصورات اختيارية إذا كانت فردية  فلا يمكن أن نفرض على الفرد تصورات حول العالم والحياة وإنما يمكن أن نقوم بعمل نقدي لتصورات لا تتوافق مع الحقيقة التاريخية الاجتماعية اي مجرد تصور نظري لا علاقة له بالواقع.يقوم التصور الفلسفي على التجانس والتناسق معرفيا ولكن الأهم في  الفلسفة هي علائقها الواقعية والتاريخية.

 فعلاوة على أن الفلسفة نظام فكري فإنها نشاط فكري وثيق الصلة بالوعي النقدي فالوعي الفعال هو عملية بناء تصور فلسفي متجانس تحكمه كلية متناسقة يتسم النشاط والحركية من خلال حركة انفتاحه على التراكمات والإضافات النوعية للمعرفة العلمية للارتقاء إلى درجة التصور النظري من خلال ما يسجله من تراكمات كمية ونوعية معرفية وعلمية بطرح إشكاليات جديدة موثوقة الصلة بالواقع التاريخي الاجتماعي وبذلك يكون الفكر عضويا. فالوعي النقدي رفض للوعي السكوني و الثبوتي “وبدلاً من نظرية ثورية متماسكة، كانت هناك فرضيات نظرية متناقضة، ونتف نظرية انفصلت عن نضال الجماهير الثوري الحي وانقلبت إلى عقائد جامدة رثة. وطبعاً، في سبيل إنقاذ الظواهر، كانوا يستشهدون بنظرية ماركس، ولكن لكي يستلوا منها روحها الثورية الحية. ص 4

ناضل كل من ماركس ولينين ضد الجمود الفكري والعقائدي من موقع ثوري على اساس طبقي من خلال مصلحة الطبقة العاملة  في نضالها الثوري المسلحة بالنظرية السياسية الثورية المستندة الى الانجازات العلمية التي تكتسبها حيويتها وتجددها وتمنعها من اي انحراف يميني او انتهازي من خلال ربط النظرية بالممارسة والنشاط الحزبي المنظّم في صفوف الطبقة العاملة.  يقول لينين أن النظرية الثورية هي:

ـ”النظرية الثورية ليست عقيدة جامدة” وأنها “لا تتكون نهائياً إلا في صلة وثيقة بالنشاط العملي، بحركة جماهيرية حقاً وثورية حقاً” (مرض اليسارية الطفولي(5) )،

ـ  ولأن “النظرية ينبغي لها أن تجيب على الأسئلة التي يطرحها النشاط العملي” (أصدقاء الشعب(6) )،

ـ ولأن من الواجب اختبارها بواسطة معطيات النشاط العملي.  أسس اللينينية ص 6

الايدولوجيا الثورية و المنهج العـلمي:

يذهب العديد من المثقفين الليبراليين و”اليساريين” على اعتبار الماركسية مقولة ايديولوجية انتهت مع انهيار الاتحاد السوفياتي وأنّ العصر الحالي عصر الديمقراطية خاصة بعد صدور مقال فوكوياما “نهاية التاريخ”، وسبقتها بعض المحاولات النقدية من مدرسة فرانكفورت وهيدغر وهبرماس وفوكو… فتمّ نفي الجانب العلمي عن الماركسية. إنّ هذا النقد له جوانب معرفية وجوانب ايديولوجية ولكن ما مدى “علمية” النظرية الماركسية اللينينية وعلاقتها بالايديولوجيا الثورية. هل يمكن انتزاع الايديولوجيا من أساسها الطبقي والخروج بها من حلبة الصراع السياسي؟

ان الصراع الطبقي صراع سياسي بامتياز وهو صراع ايديولوجي بين الايديولوجيا الثورية  و الايديولوجيا التبريرية ” ايديولوجيا زائفة” حسب تعبير ماركس. ولقد عبّرت الماركسية عن رفضها لكل جمود عقائدي وتمسّكها بالمنهج العلمي و تراكم المعرفة العلمية ( من غاليلي الى نيوتن وانشتاين الى كانط وديكارت وهيجل وصولا إلى هبرماس وفوكو وتشومسكي …فلسفة ما بعد الحداثة )، فالمعرفة الفلسفية والمعرفة العلمية تراكمية تضيء جوانب موضوعاتها وفق دراسة الظاهرة التي تتناولها ولكن كل مفكر وعالم يتحرك في حيز ايديولوجي، فلقد كان ماكس فيبر ودوركايم من أشدّ المدافعين عن الرأسمالية ولهم مساهمات هامة في تطوّر علم الاجتماع والأمثلة كثيرة فهل ننزع عنهم مساهماتهم العلمية؟

المعرفة باعتمادها المنهج العلمي لها أسس ومواصفات وتتمثل في:

المواصفات:

ـــ الانتقال بالعالم من الميتافزيقيا  الى العالم المحسوس المادي ( الوجود الموضوعي )

ــــ التخلّص من الذاتية واعتماد الموضوعية

ــــ الاختبارية ( المحسوس /  التجريب )

ـــ الدقّة والتحديد ( المفاهيم والموضوعات )

ــــ  تحليل المعطيات والوصول الى الاستنتاج العلمي

ــــ اكتشاف القوانين وقابلية صحتها ( الإثبات العلمي )

ــــ الاتصاف بالعالمية Universality ( تراكم المعرفة البشرية وشموليتها )

ـــ الشمولية والترابط ( العناصر المكوّنة والظواهر )

الأسس المنهجية:

ــــ الملاحظة العلمية

ــــ الفرضية العلمية

ـــــ إخضاع الفرضية الى التجربة والتحقق من صحتها

ــــ اكتشاف قوانين الظاهرة أو الظواهر وقابليتها للتعميم

ـــ الوصول الى نتائج علمية ثابتة

اعتماد أساليب وأدوات علمية وتعددية المناهج مع وحدة المنهج العلمي في أصوله ( التحليل “الكمي و النوعي”   “الوصفي” “المنظومي”  “البنيوي”، القياس، السياقات ، النسق، تفكيك و اعادة تركيب، السبب والنتيجة، المقارنة ، الخاص والعام، الترابط الجزئي والترابط الكلي… )

تعتبر الموضوعية العلمية مكوّنا جوهريا للمعرفة العلمية وتتمثل في عكسها الواقع كما هو والمعرفة غير العلمية تعكس الواقع بصورة مخالفة لما هو عليه في تفسير ظاهرات الكون والظاهرة الانسانية بتجلياتها المختلفة وبمختلف ابعادها رغم أنّ الحقائق العلمية غير مكتملة وإنما في تطوّر مستمر. فقانون الجاذبية للأرض حقيقة موضوعية باعتبارها ميكانيزما، تطوّرت نظريا بقانون النسبية مع اينشتاين والبعد الرابع في الفيزياء الجديدة ومن هنا نفهم الحتمية العلمية المطوّرة في نسقها التصاعدي من خلال “ابستملوجيا اللاحتمي”. فالعلم اكتشاف مستمر للقوانين في سياقاته التصاعدية بشكل لولبي وبذلك تخطو المعرفة الانسانية خطوات الى الامام وإلا سقطنا في المتافيزقيا بمعناها الفلسفي والديني والأسطوري.

ومع الفصل بين العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية بدأت المشكلات المنهجية تدخل إلى العلوم الانسانية  فأي اختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الانسانية يمكن أن يكون مقبولاً وصحيحاً فالاختلاف في الأساليب أو في الأدوات أو في نوعية الظواهر أمر معقول أما أن يكون الاختلاف في المنهج العلمي نفسه الـذي هو ملك للإنسانية كلها فذلك يعيق التقدّم الانساني و حلّ مشكلات التي تواجهنا إن أردنا تغيير الواقع تغييرا نوعيا وجوهريا.( غير دقيق في علاقته بما س

انبنى الكون، والعالم والإنسان على مبدأ أساسي جوهري Rien ne perte, rien se secret tous se transforme. فلا يمكن دحض هذا المبدأ العلمي ولا نقضه ذلك هو المسار الطبيعي للوجود الطبيعي في سيرورته اللامتناهية وفق مبدأ رياضي moin l’infini, plus l’infini. تنتفي الألوان في الظلام، فالألوان انعكاس ضوئي لمواد فيزيائية متنوعة ومختلفة من حيث مكوّناتها. هذه حقائق علمية ثابتة، فكل شيء يتغيّر ويتحّول في حركة مستمرّة مختلفة في انتظامها. فهذه الثوابت العلمية اعتمدتها الفلسفة الماركسية على أساس مبدأ التناقض ” صراع / وحدة في عملية تحول مستمر في ” حركة دائمة ” قانون الطبيعة للوجود الطبيعي وقانون المجتمع للوجود الاجتماعي الذي يتخذ تشكلات مختلفة ومتنوعة من حيث  التركيب والعناصر المكوّنة والحركة والأبعاد في سيرورة تحوّلات بطيئة تبدو كأنّها حالة سكون وثبات وتحولات نوعية جوهرية في الصفات والمكونّات  تنطبق على الطبيعة والانسان والمجتمعات، فكانت الماركسية المطوّرة لينينيا، فلسفة التغيير و الثورة، فهذا التحّول النوعي يحدث في الطبيعة كما يحدث في المجتمعات في وجودهما الطبيعي النوعي، يتشكّل فيها ما هو بسيط وما هو معقّد.  تنبعث الحياة من مادة بسيطة ” العفن” ( انبعاث من مادة ” جامدة ” في ظاهرها الى حالة ” حياة ” تكاثر من انقسام توسّع، حركة الحياة تبدأ ).

  • نظري نسق الماركسية نسق نظري متكامل:

الماركسية نسق نظري متكامل للكون والعالم والإنسان ونظرية تغيير المجتمعات في سيرورتها التاريخية. ولدت الماركسية من نقطة البدء هيرقليطس وخرجت من ظهراني فلسفة فيورباخ وهيجل معلنة ولادتها الفلسفية، مارة بفلسفة كانط وديكارت وهوبز … منهجيا، فلاسفة العصر الحديث، من خلال عملية نقدية مستمرة للافلاطونية وصورية ارسطو* و تمثلاتهما الحديثة، عملية هدم للميتافيزيقيا إنّها فلسفة في حركة مستمرّة في نسقها النظري.

*  دفاتر فلسفية لينين  ص

** نمط الانتاج الآسوي كارل ماركس ص

انطلقت الماركسية نظريا بارتكازها على قول الفيلسوف العظيم دمقريطس، لاتناهي ذرات المادة من حيث العدد وأزليتها  كما لا يمكن أن نستحم في نفس النهر مرتين* ومع لافوازيه Antoine Laurent de Lavoisier بقوله secret tous se transforme Rien ne perd, rien ne se”، كونية المادة ووحدتها. وفق هذا المبدأ بدأت منذ الانفجار الكبير  BIG BUNG، في لا تناهي الكون بأكوانه الشمسية من حيث الفرضية العلمية المستقبلية ومحاكاة “الانفجار الكبير” من ناحية التجريب العلمي حاليا. سيرورة الحركة في ترابطها الجدلي الكلي من charge électrique sans volume إلى الخلايا العصبية المعقدّة وأثارها النفسية والسلوكية ” الارض هي المختبر الطبيعي للإنسان “** وحدة الانسان بالطبيعة وكجزء من هذا الكون العظيم اللامتناهي في وحدته العضوية موضوعيا عبر حركة لا تنتهي وتحوّلات مستمرّة.

  • الماركسية فلسفة وعي التاريخ موضوعيا في شموليته:

اعتمدت الماركسية نظريا على الموضوعية التاريخية على أساس مادي من حيث التشكل التاريخي للمجتمعات البشرية في سيرورة تحوّلها النوعي والكمي وفق سياقات تاريخية مختلفة ومراحلها النوعية من حيث وحدة البنى الاقتصادية الاجتماعية بالبنى الفوقية بشكل تفاعلي.”فالانسان او البشرـــ يعملون، اي انهم يخلقون وجودهم ويعيدون انتاجه في ممارستهم اليومية، في تنفّسهم وفي سعيهم وراء الغذاء والمأوى والحب والخ “¹. يكمن التاريخ عند ماركس  في الاساس الموضوعي لــ “الانسانية”، وهي الموضوعية التاريخية في شموليتها لكافة المجتمعات البشرية في مسار تطورها ” ينسجم هذا الشكل مع امكان ظهور الوحدة الشاملة  شمولا كليا”²،  صياغة التاريخ في اكثر اشكاله تعميما في تشكله المستقبلي، فهم ميكانيزماته العامة، مضمونه التقدّم التاريخي الذي يمكن تحديده موضوعيا لتحقق الانسانية ذاتها. الماركسية هي وعي الانسانية لتاريخها الموضوعي في تجسداته الواقعية وتمثلاته المستقبلية بدراسة تاريخ المجتمعات البشرية وتحولها موضوعيا وعمليا في افق تطورها التاريخي في عملية تحول بعيدة المدى وما تعانيه من معضلات الانتقال من مرحلة الى اخرى. اعتبر ماركس الراسمالية آلة اجتماعية لا انسانية

*ديمقريطس

” يبدو تصور العالم القديم حيث يظهر الانسان دائما ( مهما كان تعريفه القومي، او الديني، او (؟)

السياسي ضيقا ) على أنّه غاية الانتاج، أرفع شأنا بكثير من تصور العالم الحديث حيث الانتاج غاية الانسان”¹.

مهمّة علم التاريخ* عند ماركس كشف حقيقة التاريخ باعتبارها حقيقة العالم في مستواها النظري والتي عبّر عنها بفلسفة علم التاريخ، وعي التاريخ باعتباره حقيقة واقعية يستعيد من خلالها الانسان ذاته ويحقق ذاته وسعادته على الأرض “قطف الزهرة الحيّة”…”إن مهمة التاريخ، إذن، بعد زوال عالم ما وراء الحقيقة هي أن يقيم حقيقة هذا العالم. تلك هي، بالدرجة الأولى، مهمة الفلسفة، التي تخدم التاريخ2

 الماركسية نظريا حلّ تاريخي للتناقضات

تقرأ الماركسية التاريخ من رؤية نقدية باعتبارها عملية نقدية للواقع التاريخي الذي يعيشه الانسان ليخرج من حالة الاستلاب ويتخلص من الاوهام التي ورثها تاريخيا. يقوم التاريخ على الوقائع و الاحداث التاريخية بكشف القوانين التي تحكمها في سيرورتها وشموليتها، شمولية التاريخ الانساني. تاريخ الانسان تاريخ صراعات و إنجازات، تميّز بالركود والتحولات الكبرى، تحولات تاريخية، ثورات في مستويات مختلفة ليتقدّم بها التاريخ. تاريخ اضطهاد الانسان للإنسان. الماركسة هي الخروج من الشقاء الواقعي ليتخلص المخلوق المضطهد من زفيره وبناء سعادته الانسانية على المستوى التاريخي. لذلك اكتسبت الماركسية خاصيتها النظرية التي تتصف بالشمولية اذ اعتبرها المفكر المصري محمود أمين في قراءة النص الماركسي نظرياان ما يسبغ عليها صفة النظرية، أي اعتبارها ماركسية لا مجرد كتابات ماركس، بل هو ارتفاعها من مستوى القراءة الوصفية للواقع الآني في عصره، الى التحديد العلمي والفلسفي والتوجيه العملي المستخلص من هذا الواقع والذي يصلح ان يكون رؤية شاملة، وفاعلية مؤثرة في حركة الواقع في عصره، وفي تغييره تغييرا جذريا ذا طابع انساني مستقبلي شامل. هذا معنى انها نظرية أي انها نسق متجانس مترابط موحد من الافكار التي تسعى لتفسير المشاكل الاساسية التي تواجهها الانسانية

1نصوص حول أشكال الاناج ما قبل الرأسمالية ص 7

2ا.لمرجع السابق ص 63

 * علم التأريخ يشير إما إلى دراسة منهجية تطور “التاريخ » كتخصص « ، أو مجموعة من الأعمال التاريخية بشأن موضوع متخصص.   http://ar.wikipedia.org/w/index.php?t

 

 وتتضمن منهجا لحلها او لحل جانب منها”1.  

علم التاريخ والماركسية: اهتم دارسو التاريخ بدراسة الماضي البشري بالاعتماد على الوثائق التاريخية ( مصادر ومراجع ) والحوادث الماضية، وتوفر للبشرية كم هائل من الدراسات التاريخية  سجلت تاريخ حياة الشعوب خلال فترات تاريخية مختلفة وتمّ تفسيرها من منطلقات مختلفة ومع هيغل اتخذ التاريخ صفة الشمولية “جدلية التاريخ” التي اعطاها  ماركس الصفة الانسانية والواقعية الاجتماعية، فأصبح التاريخ تاريخ الانسانية الواقعي، التاريخ المشترك لكافة الشعوب التي ساهمت في صنعه بدرجات مختلفة في فترات مختلفة متلاحقة التي أطلق عليها اسم “الصيرورة” التاريخية” كما تناول الضرورة التاريخية في عملية التحولات التاريخية سواء كانت بطيئة او متسارعة ” حركة التاريخ”، اذ اعتبر أنّ الشعوب هي التي تصنع التاريخ ” التاريخ تاريخ تناقض” من ثورة العبيد سبارتكيس الى ثورة البورجوازية سنة  1789 الى “ثورة” العمال  بباريس سنة 1848 التي آذنت بتاريخ جديد للبشرية وتدعمت عمليا بثورة أكتوبر العظيمة سنة 1917 بقيادة لينين الذي أدخل نظرية ماركس في مجال التحقّق التاريخي.

ويتمّ الاختلاف حول الحقب التاريخية التي حددها “التاريخ الغربي” بثلاث حقب: التاريخ القديم والوسيط والحديث بينما يتم نقد اللوحة الخماسية لماركس وإعطائها صفة الغائية التاريخية وتختزل رؤيته للتاريخ في هذه اللوحة “الحديدية” رغم الاتفاق على أنّ التاريخ تاريخ تقدّم. وفق أيّ منظور يتمّ التقدم بمعناه الإنساني وفق مركزية التاريخ، تاريخ الرأسمالية الغربية، الحضارة الحديثة مركزها “الغرب” عنوان “التقدّم”، أنموذج تسير عليه بقية الشعوب، تاريخ العصر الحديث تاريخ حروب استعمارية منذ القرن السادس عشر إلى الحرب على العراق سنة 2003 وتزييف الحقائق ( تقديم معلومات مزيفة حول امتلاك اسلحة نووية  في مجلس الأمن من قبل كولن باول وزير الخارجية الأمريكي) وثبت عدم صحة هذه المعلومات. كما تم اضطهاد الشعوب وتقتيل شعب بكامله على أساس عرقي عنصري “الهنود” وعلى هذا الأساس قامت امبراطورية العالم الحديث الولايات المتحدة الامريكية  وتحكمّها في مصائر الشعوب  بعناوين “حقوق الإنسان و نشر “الأنموذج الديمقراطي” ونشر السلم في العالم.

يبين المسار التاريخي العام ان التاريخ غير ممركز في ذات محددة في شخصية ذات طابع تاريخي أو في مجتمع محدد مهيمن يحدد هذا المسار التاريخي، لأنّ التاريخ إنساني تشترك فيه كافة الشعوب بدرجات متفاوتة للمساهمة في الحضارة الانسانية ” انجازات حضارية” ذات طابع تاريخي. ولكن هذا لا يلغي سيادة مجتمع ما لفترة تاريخية محددة ومحدودة بشروطها التاريخية. تنظر الماركسية إلى التاريخ في شموليته وعوامله المختلفة المتضافرة اللتي تساهم في احداث تحولات تاريخية عميقة في كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الثقافية ذات طابع حضاري و يبرز التحول السياسي بأشكاله وتمظهراته وأساليبه الجديدة المظهر الأبرز لهذه التحولات العميقة، أي يقود العملية برمتها المحكومة بقانون الصراع الطبقي على أساس سياسي ” تناقضات طبقية اقتصادية واجتماعية وفكرية ــ ثقافية ــ سيكولوجية تتجسد عمليا وعينيا في ممارسات”. يمكن ان نعتبر الماركسية تتميز بالكلية الجدلية نظريا / واقعيا، بربط التغيرات الجزئية بالتغيرات الكلية الشاملة في تحولاتها الكمية والنوعية في مسار تاريخي تطوري تقدمي من خلال قانون التناقض الذي يألف جدلية التاريخ.  ” وأن التناقض بين مكونات الأشياء يعد الأساس في حركتها- وما من شيء في الطبيعة والحياة الاجتماعية إلا ويحمل في مكوناته قدراً من التناقض ينتج صراعاً مستمراً بينها- وأن الصراع بين المكونات يؤدي باستمرار إلى ما يعرف بنفي النفي، فكل مرحلة من مراحل التطور تنفي بالضرورة المراحل السابقة، ولا يمكن أن تتعايش المراحل مع بعضها إلا لفترات مؤقتة توصف بالتناقض، ولايمكن أن يكون بينها أي وفاق أو استقرارالمادية التاريخية هي نتاج تطبيق المنطق الجدلي على التطور التاريخي للمجتمع”1 .

يشترك كل من ماركس و هيجل في رؤية التاريخ من منطقه الجدلي ولكن من منطلقات مختلفة فهيجل ينظر من زاوية المنطق العقل الخالص أو الفكر المطلق  والذي يمكن تسميته الجدلية الذاتية للتاريخ في مساره  التطوري و التقدّمي. “ومن ثم فإن العقل هو جوهر الطبيعة كما أنه جوهر التاريخ …لكننا نشعر بالحاجة إلى وحدة  وسط هذا التنوع الهائل، فقارن بينها حتى تعثر على العنصر الكلي الكامن  وراءها…  فإذا كان موضوع التاريخ  كما يراه هيجل  هو الحياة البشرية في امتدادها الزمني على الأرض، وما يحكم هذه الحياة من عوامل، فإن التاريخ لا يبدأ في المراحل  التي يكون الإنسان متحدا في الطبيعة، عاجزا عن التعرف على ذاته، إذ لا بد أن ينفصل الإنسان عن الطبيعة بحيث يصبح واعيا بنفسه حتى ولو ظل هذا الوعي معتما للغاية لفترات طويلة من التاريخ.2

  1 . موقع الموسوعة العربية

2 . هيجل العقل في التاريخ. ترجمة وتقديم د. إمام عبد الفتاح إمام . دار التنوير للنشر والتوزيع بيروت ص ص 40 ــ 41

لا يمكن ان نفهم  الماركسية نظريا وسياسيا على أنّها الحلّ النظري للتناقض التاريخي على المستوى النظري إلا من خلال تشكلها في الواقع العيني عند القيام بعملية تغيير جذرية للواقع المطلوبة تاريخيا والممكنة موضوعيا.

قام كارل ماركس بثورة على هيجل فلسفيا وبثورة في علم الاقتصاد السياسي من خلال نقده لبرودون الذي وصفه بـ الفيلسوف الفاشل / الاقتصادي الفاشل ـــ في كتابه “بؤس الفلسفة ردّ على فلسفة البؤس لبرودون” خاصة في قسم ( الطريقة او الملاحظات السبع ). فيقول: ” ان كل ما حدث ـــ بالنسبة لهيجل ـــ وما يزال يحدث ليس إلا في عقله … يعتقد أنّه يبني العالم بحركة الفكر، حيث يعيد البناء بشكل منظّم ومصنف للأفكار التي في عقول الجميع بواسطة الطريقة المطلقة فقط “1  سبق ماركس معارضته لهيجل فيلسوف العقل الخالص بنص جدلي للتجريد الفكري أكثر تميّزا ” ان انصهار هذه الافكار المتعارضة يؤلف فكرة جديدة، هي تركيب لهذه الافكار. وهذه الفكرة تنقسم مرة ثانية الى فكرتين متعارضتين، تنصهران بدورهما في تركيب جديد. ومن هذا المخاض تولد مجموعة من الافكار. وتتبع هذه المجموعة من الافكار الحركة الديالكيتكية نفسها باعتبارها مقولة بسيطة…”2  اذ يعتبر هذه الافكار منتجات تاريخية مؤقتة وما التجردات النظرية إلا تعبير عن علاقات الانتاج الاجتماعية نفسها ” ان برودون الاقتصادي يفهم جيدا ان الناس يصنعون الثياب والكتان او مواد الحرير في علاقات محددة من الانتاج. ولكن ما لا يفهمه هو ان هذه العلاقات الاجتماعية المحددة هي من انتاج الناس تماما مثل الكتان …تربط بقوى المنتجة … وفي سعيهم وراء قوى منتجة جديدة يغيرون طريقتهم في الانتاج يغيرون كل علاقاتهم الاجتماعية”3 .  فالمقولات الاقتصادية ليست مقولات مجردة، وباعتبارها مقولات مجردة فهي مقولات نظرية ولكن متناقضة مع طبيعتها الاصلية ذات طبيعة مادية ملموسة ( الرصيد، النقد، تقسيم العمل، أدوات الانتاج، رأس مال…) فيتم تناولها كمعادلات رياضية صرفة منزوعة عن واقعها رغم

  1. بؤس الفلسفة كارل ماركس ص 102
  2. المرجع السابق ص 101
  3. . المرجع السابق ص 103
1

صياغتها الهيجلية فانها عمليات ذهنية ” الوضع والتعارض والتركيب ” هيجلية اقتصادية من قبل برودون  في المستوى الذهني نابعة من العقل الخالص ولكن أقلّ شأنا من جدلية هيجل الفلسفية الذي صاغها بمهارة وحرفية فقدت الهيجلية معناها مع برودون في محاولة تحويلها ” اقتصاديا” وبتعبير رسطو انها نسخ النسخ الاكثر مسخا.( بدت لي غير واضحة ) فلقد اعطى ماركس المقولات الاقتصادية معناها الواقعي الملموس في صياغة علمية اقتصادية جديدة ( علاقات الانتاج، قوى الانتاج، الربح والربح الاقصى، القيمة الزائدة، القيمة التبادلية وعمليات التبادل، القيمة الاستعمالية، نظام الانتاج، المنافسة، تراكم الرأس المال… ) كما اعطاها محتواها الاجتماعي، فدخلت معه المقولات الاقتصادية الحياة الاجتماعية وأصبحت قابلة للحياة.  فعملية نشوء الماركسية نظريا بدأت بمفهوم الوسائط التي تربط الانسان بالطبيعة لتشكل عملية الانتاج وعلاقات الانتاج ذات طبيعة انسانية. ” ان الطريقة التي ينتج بها البشر وسائط  وجودهم بها تتوقف قبل كل شيء على طبيعة الوسائط الوجود المعطاة من قبل والتي عليهم انتاجها. ولا يجب اعتبار هذا نمط في الانتاج  من وجهة النظر هذه وحدها، ألا وهي أنه تجديد لانتاج وجود الانسان الجسدي. انه يمثل على العكس من ذلك نمطا محددا لفاعلية هؤلاء الافراد، طريقة محددة للتعبير عن حياتهم، أسلوبا في الحياة محددا. وكما يعبر الافراد عن حياتهم كذلك يكونون بالضبط، بحيث تتطابق ماهيتهم مع انتاجهم سواء مع ما ينتجونه ام الطريقة التي ينتجونه بها. فماهية الافراد تتوقف اذن على شروط انتاجهم المادية.”   العمل أساس عملية الانتاج كما انه الرابط بين الانسان والطبيعة، به يغير الانسان الطبيعة ويغيّر من ذاته. هذه العملية انسان / طبيعة من خلال العمل هي عملية تطوّرية تاريخية في عالم انساني واقعي. فالصياغة المفاهيمية الاقتصادية ــ الاجتماعية ــ عند ماركس مستمدة من الواقع العيني وليست متعالية عنه، عندا تتحرك في عالم مجرّد تتحوّل إلى” مقولة جوفاء”. لقد ربط ماركس بين النظري والواقعي وأعطى للمقولات الاقتصادية ومفاهيمها موضوعيتها الواقعية ومعه تحولت المقولات الاقتصادية الى مقولات علمية وفق منطق التحليل العلمي*.

  1. كارل ماركس . الايديولوجيا الالمانية.  ترجمة حنا عبود  دار دشق  ص  25

*  كتاب ماركس الرأس المال

لذلك يعتبر ماركس الناس يصنعون التاريخ وقادرين على تغييره لمصلحتهم، ويعتبر أن التناقض بين الطبقة العاملة والطبقة البورجوازية تناقض تاريخي من خلال قانون نفي النفي، ولا يتمّ القضاء على الاستغلال واقعيا من خلال مقولة الصراع الطبقي بين طبقة مستغَلة وطبقة مستغِلة إلا بتدمير علاقات الانتاج التي تقوم على الاستغلال في شكلها البورجوازي ـــ الربح يتأتى من القيمة الزائدة ــ ولا يمكن الخروج من بوتقة الاضطهاد الطبقي الا بتغيير نظام علاقات الانتاج الرأسمالية من خلال ثورة سياسية وسيطرة الطبقة العاملة الثورية على السلطة وإقامة سلطتها ـــ سلطة ثورية تنتفي فيها تدريجيا علاقات الاستغلال الطبقي، لكي لا نتحوّل الى بردونيين. فيمكن للبورجوازية ان تسيطر على  الصراع وبإمكانها ان تجدّد أدواتها ولكنها تعجز عن حلّ هذا التناقض التاريخي ولا تقوم الا بطبقة ذات أفق تاريخي،  وهي الطبقة العاملة الطبقة التي اعتبرها ماركس ثورية، لأنها الطبقة الوحيدة القادرة على  تغيير علاقات الانتاج الرأس مالية. وأصبح حلّ هذا التناقض التاريخي ضرورة عملية عند وصوله نقطته القصوى في مرحلة الرأسمالية المعولمة سواء بالنسبة للبلدان الرأسمالية أو البلدان المستعمرة او شبه مستعمرة.

خليفة يحي / تونس

(1) المرجع السابق ص 9

  (1) مقطع من مقدمة “نقد فلسفة الحقوق عند هيغل” (ترجمة

([1]) هنري ايكن ، عصر الأيديولوجية ، ترجمة فؤاد زكريا، مكتبة الأنجلو المصرية ، 1963، ص 63.

(2) نفس المرجع ص 63

– تحريرا في 26-10-2017

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى