الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

حملة البحر الأحمر : التحديات والمخاطر التي تواجه التحالف الخليجي والقوات الحوثية

-المركز الديمقراطي العربي

في الأول من أيار/مايو، دعا المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة خالد حسين اليماني الأمم المتحدة إلى السعي لوضع ميناء الحديدة تحت الإشراف الدولي. وجاءت الدعوة في الوقت الذي بدأت فيه القوات المسلحة اليمنية بتنفيذ عمليات هجومية جديدة للتقدم لمسافة 140 كلم نحو الحديدة من الشمال، بمساعدة من المملكة العربية السعودية، و100 كلم من الجنوب، بدعم من الإمارات العربية المتحدة.

في سلسلة من ثلاثة أجزاء نشر معهد واشنطن تحليل حول حملة البحر الأحمر التي تلوح في الأفق بين القوات العسكرية اليمنية المدعومة من التحالف الخليجي والقوات الحوثية للباحث مايكل نايتس هو زميل “ليفر” حيث يركز هذا المقال على المخاطر الإنسانية والعملياتية والتصعيدية. وسوف يتطرق الجزء الثاني إلى التحديات العملياتية التي تواجه الجانبين حول ميناء الحديدة. وسيبحث الجزء الثالث خيارات الحوثيين لتوسيع الحرب إذا ما تم تهديد إمكانية وصولهم إلى البحر”.

  • أسباب الأزمة الإنسانية في اليمن:

تعاني المناطق اليمنية التي تقع تحت سيطرة المتمردين الحوثيين – وهي المناطق الأكثر اكتظاظاً بالسكان – من أزمة إنسانية حادة. وحتى قبل أن تبدأ الحرب في عام 2015، كان اليمن على شفير كارثة إنسانية، لكن تحليل إحصاءات “برنامج الأغذية العالمي” لعام 2017 يشير إلى أن الحرب قد زادت عدد اليمنيين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بنسبة تتجاوز الضعف لتصل إلى 17.8 مليون شخص (64٪ من السكان مقابل 31.5 ٪ في عام 2010)، ويشمل ذلك 7 ملايين شخص (25.1 ٪ مقابل 11.8 ٪ في عام 2010) الذين تم تقييمهم على أنهم يعانون حالة شديدة من انعدام الأمن الغذائي.

وتُعزى الأسباب الرئيسية للأزمة إلى انهيار جدول الرواتب الحكومية داخل المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون منذ عام 2015 والضرائب التي يفرضها الحوثيون على المواد الغذائية التي تدخل مناطقهم، كما هو موثق من قبل فريق خبراء الأمم المتحدة، بالإضافة إلى كمية الأغذية القليلة التي تصل إلى اليمن عبر ميناء الحديدة، الأقرب إلى مناطق الحوثيين.

(في أيار/مايو 2016، استوردت الحديدة 543,782 طناً مترياً في الشهر. وفي الربع الأول من عام 2018 هبط المتوسط ​​الشهري إلى151,917 طناً مترياً فقط). ومع اقتراب معركة الحديدة، فإن السؤال الجوهري لصانعي السياسة في الولايات المتحدة هو ما إذا كان تحرير الميناء سيحسّن الوضع الإنساني أم يزيده سوءاً.

وفي محاولة لتحسين فهم هذه المسألة القائمة على البيانات، أجرى كاتب هذه المقالة دراسةً استقصائيةً شملت كل من “التحالف الخليجي” والحكومتين الأمريكية والبريطانية، بالإضافة إلى مقاييس المنظمات غير الحكومية بشأن الواردات عبر الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون، والموانئ الواقعة تحت سيطرة الحكومة، والحدود البرية الخاضعة لسيطرة الحكومة والمطارات.

وركّزت فترة التغطية على الربع الأول من عام 2018، ويشمل ذلك سجلات مفصّلة عن 428 سفينة تم تفريغها في ستة موانئ (هي الحديدة وعدن والمكلا والصليف ونشطون والشحر)، فضلاً عن تدفقات الحدود البرية عبر منفذ الوديعة والخضراء (على الحدود السعودية) وشحن وصرفيت (على الحدود العُمانية)، بالإضافة إلى الشحنات الجوية عبر مأرب.

  • الحديدة ما زالت في حالة حرجة:

تعتمد شحنات الأغذية والوقود المتوجهة إلى اليمن على الموانئ البحرية بشكل شبه كامل. وتشير بيانات “مركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن” التابع للتحالف الخليجي، والتي اطّلع عليها الكاتب، إلى أنه تم إرسال 4,757,797 طناً مترياً إلى اليمن في الربع الأول من عام 2018، حيث تم إدخال 158,870 طناً مترياً (3.3٪) فقط من خلال المعابر البرية وكمية قليلة قدرها 292 طناً مترياً عبر الجسر الجوي المدني إلى مأرب.

(غالباً ما تكون بيانات السفن التي تصف الحمولة بالطنّ المتري خاطئةً، ويعزى ذلك جزئياً إلى أن قسماً من الغذاء يتم تحويله (إلى مقاصد أخرى) قبل وصوله إلى اليمن بسبب الفساد القائم.

ومع ذلك، فعلى افتراض أن هذه الخسارة متعادلةً تقريباً عبر كافة السفن المتجهة إلى جميع الموانئ، فيجب أن يكون التوازن النسبي بين الموانئ ذا مغزى). كما أن توزيع الواردات الغذائية عن طريق البحر التي يقدمها “مركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن” ﯾؤﮐد الدور الحاسم للموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

  • الموانئ الحوثية. لا يزال ميناء الحديدة، وهو الميناء الأول للحمولات الثقيلة في اليمن، يشكّل مدخلاً حيوياً للأغذية، حيث تلقى 455,751 طناً مترياً في الربع الأول من عام 2018. ومن جهة أخرى، سجّل ميناء الصليف، الميناء الآخر الذي يسيطر عليه الحوثيون، 182,403 طناً مترياً إضافياً في الربع الأول من عام 2018. ووفقاً لـ “مركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن”، وصل مجموع المواد الغذائية التي تم تفريغها من الموانئ الحوثية إلى 638,154 طناً مترياً خلال الربع المذكور. وكمرجع قياسي، تشير إحصاءات “آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش” في اليمن إلى أنه تم تفريغ 672,555 طناً مترياً من المواد الغذائية من سفن “فُرّغت وأبحرت” في كل من ميناء الحديدة والصليف، وهو رقم أعلى لكنه قابل للمقارنة تقريباً.
  • الموانئ الخاضعة لسيطرة الحكومة. يوفّر ميناءان حكوميان فقط كميات كبيرة من الأغذية، وهما: ميناء عدن (الذي سجّل 255,626 طناً مترياً في الربع الأول من عام 2018) والمكلا (68,310 طناً مترياً). ووصل مجموعهما إلى 323,936 طناً مترياً خلال الربع المذكور، مسجّلاً 50.7٪ فقط من واردات الأغذية التي تم تسليمها عبر الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون. وسجّل الاستيراد البري للأغذية بواسطة الشاحنات عبر المناطق التي تسيطر عليها الحكومة 107,782 طناً مترياً إضافياً في الربع الأول، ويشمل ذلك 72,738 طناً مترياً عبر المعبر الحدودي السعودي في الوديعة.

ويعني ذلك كله أن “مركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن” لا يشكّل، كما أشير، طريقةً ناجحة تحل محل كل من ميناء الحديدة والصليف كمركز للاستيراد الغذائي. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ تعزيز المنافذ الحكومية قد عاد بالنفع على واردات الوقود (751,173 طناً مترياً في الربع الأول من عام 2018 مقابل 540,964 طناً مترياً تم تفريغها في موانئ الحوثيين) وأفادت أيضاً بصفة خاصة السلع الاستهلاكية (1,377,501 طن متري في الربع الأول من عام 2018، وفقاً لـ”مركز إسناد العمليات الإنسانية الشاملة في اليمن”، وهو ترتيب يفوق النسبة المستوردة في الموانئ التي يسيطر عليها الحوثيون والتي تبلغ 9,474 طناً مترياً).

  • فوائد تحرير الحديدة:

لا يوجد في الوقت الحاضر أي احتمال ملموس لاستبدال تدفقات الأغذية من الحديدة والصليف. فالموانئ الأخرى مثل عدن بعيدة جداً عن المراكز السكنية التي يسيطر عليها الحوثيون، ولا تستورد سوى القليل جداً من الأغذية بسبب الفساد وعدم الكفاءة، وهي نفسها عرضةً لانعدام الاستقرار المحلي.

وعندما تم إغلاق موانئ البحر الأحمر مؤقتاً في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، سجّل “برنامج الأغذية العالمي” ارتفاعاً حاداً بنسبة 10٪ في أسعار المواد الغذائية في كانون الأول/ديسمبر، وارتفاعاً بنسبة 6٪ في الشهر التالي بسبب التخزين الاحتكاري والتلاعب في الأسعار، على الرغم من إعادة فتح الموانئ بسرعة لعمليات الشحن. وفي هذا الإطار، يُذكر أنّ إمدادات الأغذية المحلية في الحديدة نفسها – مدينة مكتظة بالسكان قد يصل عددهم إلى 700 ألف نسمة – من المحتمل أن ينخفض بشكل كارثي خلال المعارك.

ومع ذلك، فإنّ التقاعس في الحديدة سيسفر عن تكاليف باهظة. وطالما بقي الميناء تحت سيطرة الحوثيين، لن يعود تجار الأغذية والشاحنون لأنهم يخشون المعاملات المضنية والبطء في إنجاز المعاملات الورقية ومخاطر الحرب والضرائب التي يفرضها الحوثيون. أمّا إذا تم تحريره، فيمكن توسيع قدرة الميناء بسرعة، لا سيّما إذا تمت عملية التحرير عاجلاً وبدقة.

ويشار إلى أن سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة هم أفضل حالاً من سكان المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، ويعزى ذلك على وجه التحديد إلى إعادة اتصالهم بالموانئ العاملة، وبشكل جزئي إلى نظام الرواتب الحكومية. وبالتالي، سيستفيد الناس في الحديدة من هذا التحرير. كما أنهم “يريدون” أن يتم تحريرهم لأن الحوثيين ليسوا سكاناً محليين في منطقتهم، في حين أن القوات اليمنية المتقدمة تتضمن أعداداً كبيرة من “قوات أمن البحر الأحمر”.

أخيراً من المرجح أن تنخرط الحكومة اليمنية والتحالف الخليجي في محادثات سلام حسنة النية إذا لم يخشوا وجود دُوَيلة حوثية مرتبطة بإيران عن طريق البحر.

  • سياسة الولايات المتحدة تجاه الحديدة والموانئ الأخرى:

بالإضافة إلى تقليص احتمال وقوع مجاعة، يتعين على الولايات المتحدة التركيز على إنهاء الحرب في اليمن، التي تشكّل تشتيتاً مكلفاً ومدمراً لحلفاء الولايات المتحدة في الخليج. لكن من غير المرجح أن يتخلى التحالف اليمني-السعودي-الإماراتي أو الحوثيين عن المنافسة الشديدة لبسط سيطرتهم على الموانئ. وتقترب المعركة لا محالة من الحديدة يوماً بعد يوم، وأمام واشنطن ثلاثة خيارات.

  • الخيار الأول: تجميد التحرّكات العسكرية في البحر الأحمر دون تقديم حلّ. يكون الخيار الأسوأ أن تواصل الولايات المتحدة معارضتها من وراء الكواليس لعملية عسكرية حاسمة تقودها الإمارات العربية المتحدة لتحرير الحديدة وساحل البحر الأحمر، في حين لا تقدّم أيّ بديل. وقد يجذب هذا الخيار البعض لأنه لا يترتب عليه أيّ تكاليف أو التزامات أمريكية مباشرة، ولكن من المرجح أن يطيل أمد الحرب والمعاناة الإنسانية. وسيستمر الشاحنون والتجار بتجنّب الحديدة حتى يتم إيجاد حلّ لمستقبل الميناء. وسيزحف التحالف الخليجي باتجاه الموانئ، كما يحدث الآن، ذلك لأنّه ربما لا يستطيع دعم أيّ اتفاق سلام في اليمن يمنح الحوثيين، ككيان مشابه لـ”حزب الله”، حرية الوصول البحري المباشر إلى إيران، ولأنّ نظام التفتيش البحري للشحن قد أثبت بأنه غير عملي. وقد شكّل خيار “الاستنزاف” هذا سياسة الولايات المتحدة خلال أغلبية العامين الماضيين، ولم يساعد إلا في منع ظهور الحديدة كالمركز الأكبر لاستيراد المواد الغذائية في اليمن. ولن يستعيد قدرته على إمداد شمال اليمن بالأغذية قبل أن تتم إزالة الحوثيين من الحديدة، حيث يبتزّون الميناء ويسيئون إدارته.
  • الخيار الثاني: نزع السلاح في موانئ الحوثيين في ​​البحر الأحمر. قد يتمثل السيناريو الأفضل في نزع السلاح من موانئ البحر الأحمر تحت مراقبة الوكالات الدولية واليمنيين المحليين – أو ما يُعرف بمبادرة الحديدة التي أطلقها اليمن مرةً أخرى في الأول من أيار/مايو. فإذا تم نزع السلاح في الحديدة، هناك إمكانية لاتخاذ سلسلة من الخطوات الإيجابية. وقد يتم تجنّب تعرّض الميناء للأضرار بشكل كامل. ويمكن لتحالف الخليج إصدار توجيهات طويلة الأمد لمشغّلي الشحن وتجّار المواد الغذائية، مما يشير إلى بقاء الميناء مفتوحاً. وقد تنخفض تكاليف التأمين إذا ضمنت الجهات الدولية الفاعلة أمن الميناء، وبالتالي، فوفقاً لـ “آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش” في اليمن، قد يعود الميناء بسرعة إلى مستويات الاستيراد السابقة – التي غالباً ما كانت تصل إلى 1.6 مليون طن متري في كلّ ربع. وطالما يتمّ شمل الصليف، فربما يكون الائتلاف الخليجي مستعدّاً للنظر في هذه النتيجة، لأنّه سيسمح بفحص الشحنات البحرية بشكلٍ أكثر فاعليةً وأقل إثارةً للجدل، مما يقلّل إلى حد كبير من مخاوف التحالف بشأن إعادة التزويد بالقذائف الإيرانية عبر الميناء. ويمكن للولايات المتحدة أن تشير إلى المجتمع الدولي بأنّ هذه هي الفرصة الأخيرة لتجنّب العمليات العسكرية الهادفة إلى تحرير الميناء، وأنّ واشنطن لن تتمكّن من ثني اليمن والتحالف الخليجي عن إطلاق عملية حاسمة في غياب التقدّم الدبلوماسي الفوري في الحديدة.
  • الخيار الثالث: دعم التحرير السريع للموانئ. إذا فشل المجتمع الدولي في تبنّي مبادرة الحديدة، سيشهد هذا الصيف عمليات عسكرية مكثفة بالقرب من الحديدة والصليف. وفي ضوء هذا التطوّر، يمكن القول إن المصالح الأمريكية ستتغير: يجب أن تكون مدة القتال قصيرةً وحاسمةً وبأقل نسبة خسائر ممكنة. ويتعيّن الحفاظ على تكتيكات التخريب المعروفة بـ “عملية الأرض المحروقة” والأضرار الجانبية إلى أدنى حدّ ممكن (كما سيتم مناقشة ذلك في الجزء الثاني من هذه السلسلة). وإذا تم شنّ معركة في الحديدة، فقد تنظر الولايات المتحدة إلى تحرير الميناء باعتباره أفضل طريقة لإنقاذ الأرواح في اليمن عن طريق تقصير الحرب ومعالجة المزيد من السلع بسبب زيادة كفاءة التفتيش على البضائع على الشاطئ. وبالاستناد إلى السلطات الدفاعية لحماية حلفاء الخليج والممرات البحرية العالمية، فقد يقتصر الدعم الأمريكي على إجراءات سلبية مثل الكشف عن إطلاق الصواريخ الحوثية والألغام البحرية التي ينشرها الحوثيون والهجمات المضادة التي يقومون بهاعلى ساحل البحر الأحمر. ومن شأن الدعم المقدّم من قبل الحراسة البحرية متعددة الجنسيات والسفن التجارية التي تحمل رافعات مدمجة أن يعيد الحديدة بسرعة إلى ميناء حاويات قادر على أداء مهامه. ومُقابل مساندتها القوية، على واشنطن أن تستخلص ضمانات مسبقة صارمة من السعودية والإمارات بأنّه عند تحرير الحديدة والصليف سيدعم التحالف الخليجي وقف إطلاق النار الفوري مع الحوثيين المحاصَرين حالياً في المناطق غير الساحلية ومساندة عملية الوساطة من قبل الأمم المتحدة.

ويتساءل ألكسندر ميلو هو محلل الأمن الرئيسي في الشركة الاستشارية للمخاطر “هورايزن كلاينت آكسس” ومايكل نايتس حول امكانية  اليمن استعادة الموانئ الرئيسية من المتمردين الحوثيين في الجزء الثاني الذي نشره معهد واشنطن:

شرعت القوات اليمنية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة بالتقدم ١٠٠ كيلومتر نحو الميناءين الأخيرين الخاضعَين لسيطرة الحوثيين على البحر الأحمر – وهما الحديدة والصليف – بينما تمركزت القوات اليمنية المدعومة من السعودية في وضع يؤهلها الضغط على تلك المناطق من مسافة ١٤٠ كيلومتراً إلى الشمال.

يقول الباحث ألكسندر ميلو والباحث مايكل نايتس  أنّ أبرز ما يثير شكّ صانعي السياسات والوكالات الإنسانية في الولايات المتحدة هو إمكانية تنفيذ هجوم يمني جديد للوصول إلى الحديدة والصليف، ومن ثم الاستيلاء على هذين الميناءين الحيويين المستخدَمين لاستيراد الأغذية دون إلحاق أي ضرر بهما:

الجغرافية العسكرية لساحل البحر الاحمر:

تضم منطقة تهامة اليمنية شريطاً يتراوح عرضه بين ٥٠ و٧٠ كيلومتراً يمتد على طول ساحل البحر الأحمر من مضيق باب المندب إلى الحدود السعودية. ويقع ميناء الحديدة، وهو أحد أكبر الموانئ اليمنية على البحر الأحمر، في منتصف الطريق نحو الساحل تقريباً. ويقع كل من الصليف، وهو ميناء رئيسي آخر على البحر الأحمر، ورأس عيسى، وهو محط سفن مجاور لتصدير النفط، في شبه الجزيرة على بعد ٦٠ كيلومتراً شمال الحديدة.

وعلى خلاف المرتفعات الوعرة في وسط اليمن، فإن أرض تهامة مسطحة بشكل كبير، وتغطيها الصحراء الرملية المقطّعة بواسطة “الأحزمة الخضراء” الغربية الشرقية، وأنواع من الأشجار الخفيضة الكثيفة، وبساتين النخيل، والمزارع الواقعة على طول الوديان في أسفل الهضاب. وتنتشر العديد من البلدات والمزارع الصغيرة لتشكّل منظراً طبيعياً.

كما يمر طريقان رئيسيان من الشمال إلى الجنوب على طول سهل تهامة – الأول على الساحل والثاني موازٍ للساحل ويمتد على مسافة ٥٠ كيلومتراً. ويمثّل المدخلان الرئيسيان اللذان يسيطر عليهما الحوثيون حالياً تحديات عملياتية مختلفة تماماً أمام القوة المحرّرِة:

  • الحديدة مدينة متوسطة الحجم تبلغ مساحتها ٥ × ٦ كيلومترات ويفوق عدد سكانها الـ ٧٠٠ ألف نسمة. ويقع ميناء الحديدة عند الطرف الشمالي، أي خارج المنطقة الحضرية الرئيسية. كما تبلغ مساحة المدينة القديمة المكتظة بالسكان كيلومتراً ونصف. أمّا إذا اتجهنا مباشرةً نحو المنطقة الجنوبية الشرقية للمدينة، فنجد “منطقةً خضراء” – كما يشار إليها باللّغة العسكرية اليمنية –  يغطيها غطاء نباتي وتبلغ مساحتها ٥٠ كيلومتراً مربعاً. ولكن يمكن تجاوز هذه المنطقة من الجهة الغربية والشرقية على امتداد الطرق السريعة ومن خلال الصحراء المفتوحة. كما يبرز غياب الأراضي المرتفعة مباشرةً شرق المدينة، حيث من المحتمل أن يتراجع إليها الحوثيون. وفي الواقع، تقع أقرب سلسلة جبال على بعد ١١٠ كيلومترات إلى الشرق. أمّا من حيث جغرافيا السكان، فيقطن الحديدة بصورة أولية سكان المناطق الحضرية والشمالية الذين ينتمون إلى المذهب الشافعي، وليس قبائل الطائفة الزيدية الجبلية التي تشكّل الكوادر القتالية الموثوقة لدى الحوثيين. إن الحوثيين هم محتلين غرباء ومن المرجّح أن يكون عددهم أقل من ٥ آلاف، في حين أن قوات المقاومة اليمنية الزاحفة نحو الحديدة والتي يبلغ قوامها ٢٢ ألف جندي فتتمتع بصلات قوية بالمنطقة، وتضمّ أعداداً كبيرة من مقاتلي تهامة الساحليين الذين تربطهم الأواصر الأسرية بالمدينة.
  • يقع ميناء الصليف في شبه جزيرة رملية ذات كثافة سكانية منخفضة تمتد إلى البحر الأحمر على بعد ٦٠ كيلومتراً شمال مدينة الحديدة. كما يحتوي الميناء على مرسَيَيْن للمياه العميقة ومحطة كبيرة لتحميل الحبوب. ويقع مرفأ رأس عيسى لتحميل النفط، وهو المحطة الساحلية لخط أنابيب النفط في مأرب، في الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة. وفي هذا الإطار، قام الحوثيون بزرع حقول من الألغام وحفر شبكات خنادق واسعة النطاق في شبه الجزيرة، لكن المنطقة مفتوحة ولا توفر أي غطاء من الهجوم الجوي، ومن المرجح أن يتخلى الحوثيون عنها إذا واجهتهم قوى زاحفة تهدد بقطع خطوط شبه الجزيرة.

قدرات الحوثيين الدفاعية:

يعتمد الحوثيون على مجموعة صغيرة من المقاتلين المتمرسين القادمين من محافظاتهم الأساسية في صعدة وعمران، في شمال اليمن. وتعتبر هذه القوات متفانية وملتزمة للغاية، وتستقي شجاعتها شبه المتعصبة من المعتقد الديني والولاء العشائري، ومن استخدام المنشطات الأمفيتامينية مثل الكبتاجون (فينثيلين). أمّا على جبهة البحر الأحمر، فتقدِّر المخابرات اليمنية عدد الكوادر بأقل من ألف شخص. ولحشد جبهة تهامة الأمامية، فرض الحوثيون الخدمة العسكرية الإجبارية على ما يقارب أربعة آلاف من القبليين والأطفال الجنود من تهامة والمحافظات الجبلية في وسط اليمن، وذلك من خلال تهديد زعماء القبائل باستعمال العنف. لذا، فإن معنويات هذه القوى البشرية متدنية، وغالباً ما يتخلى هؤلاء المقاتلون عن الحوثيين عندما لا يخضعون لإشراف مباشر.

كان الحوثيون قد تكيّفوا مع الوجود المستمرّ للطائرات العسكرية والطائرات بدون طيار التابعة للتحالف الخليجي من خلال القتال بأسلوب شديد التشتت ومنخفض الكثافة، حيث غالباً ما تسيطر خلايا مكوّنة من عشرة إلى اثني عشرة مقاتلاً على واجهة تمتدّ عشرات الكيلومترات، وتكون فرقاً من مقاتلَيْن أو ثلاثة مسؤولة عن تلّة أو مزرعة والمنطقة المحيطة بها. ويمكن لعدد صغير من المقاتلين الحوثيين تغطية واجهة واسعة من خلال التسلّل إلى الخط الأمامي دون حمل سلاح، والقتال من مخابئ سابقة التجهيز، واحتلال أجزاء من نظام التحصينات الدفاعية الذي كان قد سبق إعداده، ثم التخلي عنه.

وترتبط المقاومة الحوثية الدفاعية ارتباطاً وثيقاً بالتضاريس، إذ تدافع القوات الحوثية بنجاح أكبر في المناطق الجبلية، حيث تشعر بالثقة والأمان. ففي سهل تهامة المسطّح، استخدم الحوثيون غطاء الشجيرات الكثيفة للأحزمة الخضراء لبناء نظام شامل من مواقع القتال الدفاعية، والتي تشمل شبكات الخنادق والمخابئ الصغيرة تحت الأرض ومخابئ الأسلحة والذخيرة المعدّة مسبقاً. وكثيراً ما يستخدمون المناطق الكثيفة النباتات لإخفاء مواقع الهاون أو مدافع الهاوتزر وحتى دبابات من طراز “تي ٥٥”.

وكما هو الحال في الخطوط الأمامية الأخرى، قام الحوثيون بتغطية ممرّات الطرق الوعرة على طول الوديان والمسارات الترابية بحقول الألغام، وزرعوا أطراف الطرق المعبّدة بالأجهزة المتفجّرة المرتجلة، من بينها قذائف الاختراق وألغام “كلايمور” المموّهة بألواح رغوية مطلية لكي تشبه الصخور.

لقد كان سجل الحوثيين في ​​الدفاع عن المناطق الحضرية الكبيرة متفاوتاً، وقد تعثّرت هذه الدفاعات بشكل عام – على الرغم من أنهم قد يحاولون بشكل أكثر جدية الدفاع عن “بقرتهم الحلوب”، أي الحديدة. ففي عام ٢٠١٥، خاض الحوثيون معارك في المدن استمرت أربعة أشهر في عدن (عدد سكانها 1.7 مليون) ضد المقاومة اليمنية المشكّلة حديثاً، والتي كانت مدعومة بأعداد ضئيلة من القوات الخاصة الإماراتية. ومع ذلك، انهار الحوثيون في أقلّ من أسبوع عندما قدّمت الإمارات العربية المتحدة مركبات مدرّعة مضادة للكمائن والألغام للوحدات اليمنية المدرّبة، ووضعت خطّة مناورة جيدة التخطيط. أما في تعز (عدد سكانها 900,000 نسمة)، فلم يدافع الحوثيون عن المدينة بحد ذاتها، بل عن الجبال التي ترتفع فوقها. وفي المعارك [للاستيلاء] على المدن الصغيرة على جبهة تهامة مثل المخا والخوخة وحيس، اتبع الحوثيون طريقة [العمليات] نفسها، حيث قاتلوا بقوة لعدة أسابيع في مواقع دفاعية متعددة خارج المناطق الحضرية، ثم انهاروا وتراجعوا عدة كيلومترات، وعادوا فقط لمضايقة المدن التي تم الاستيلاء عليها مؤخراً بإطلاق الصواريخ. وفي الواقع، عند تعرّض الحوثيين لهجمات سريعة من عدة اتجاهات تهدد طرقهم اللوجستية الخلفية، كثيراً ما تتخلى قواتهم عن مواقعها وتتوارى عن الأنظار قبل أن تعيد تنظيم صفوفها في المناطق الوعرة.

احتمالات اختراق هجومي

ستستلزم عملية إعادة السيطرة على الحديدة توغّل القوات اليمنية المدعومة من دولة الإمارات مسافة ١٠٠ كيلومتر من مواقعها الحالية في حيس والخوخة. وسيحتاج الهجوم إلى عبور عدد من “المناطق الخضراء” التي ستشن من خلالها خلايا صغيرة من الحوثيين هجمات مضايقة متواصلة على خطوط الاتصال اليمنية. ولن يشكّل ذلك عقبات مستعصية أمام القوات اليمنية المدعومة من الإمارات، والتي تشمل وحدات مدرعة قوية مسلّحة بدبابات قتالية رئيسية من طراز “لوكليرك”، ومدعومة بنظم جوية واسعة، وطائرات بدون طيار، ومنظومات مدفعية. وفي الواقع، دعمت دولة الإمارات توغلات يمنية أخرى بعيدة المدى:

  • في عملية اختراق جرت من عدن في تموز/يوليو وآب/أغسطس ٢٠١٥، قامت مجموعة قتالية بقيادة دولة الإمارات بالتوغل من عدن عبر مدينة لحج إلى “قاعدة العند الجوية” في أقل من عشرة أيام، أي بمعدل تقدّم يبلغ حوالي ٤ كيلومترات يومياً في تضاريس مشابهة لتهامة.
  • في عام ٢٠١٧، حققت قوات مقاومة تهامة المدعومة من قبل مجموعة مقاتِلة من دولة الإمارات معدل تقدم مماثل خلال تحركها نحو ساحل البحر الأحمر، حيث تقدمت مسافة ٥٨ كيلومتراً إلى المخا والخوخة في غضون أسبوع واحد تقريباً.
  • من المرجح أن تؤدي عملية تنطوي على عناصر برمائية، كما حصل في عدن عام ٢٠١٥، إلى تقليص الإطار الزمني المطلوب لاستعادة الميناء والمواقع الرئيسية الأخرى.
  • وبالمثل، قد تقلّ مقاومة الحوثيين إذا تقدمت القوات اليمنية المدعومة من السعودية جنوباً من ميدي على بعد ١٧٠ كيلومتراً شمال الحديدة.

لذا لا يشكّل الوصول إلى الحديدة العقبة الرئيسية هنا، حيث قد لا يكون الاستيلاء على الميناء بنفس الصعوبة التي يتوقعها الكثير من المراقبين، وذلك نظراً لانعزالها الطفيف عن المدينة وتصميمها المكشوف إلى حد ما. ومن جهتها، قامت دولة الإمارات بتحصين جميع المواقع وتوفير الدفاعات الصاروخية لها بسرعة، مما ساهم في تحريرها حتى الآن. كما استخدمت الإمارات إمكانيات الشحن البحري والقدرات العسكرية الهندسية المملوكة للدولة لتشغيل الموانئ فوراً في عدن والمكلا وباب المندب والمخا. وفي عدن عام ٢٠١٥ على سبيل المثال، اعتمدت الإمارات على خبرتها الواسعة في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية لإعادة فتح الميناء في أقل من أسبوع.

ومع ذلك، سيكون من الصعب إقناع شركات الشحن التجاري بالتوقف عند ميناء يتلقى مضايقات انتقامية متفرقة من صواريخ وقذائف الهاون. إذ يتطلّب التشجيع على مثل هذه الحركة تطهير نطاق أوسع حول الميناء، بما في ذلك المنطقة الحضرية. ولكن قد يؤدي تطهير منطقة الحديدة الحضرية إلى معركة طويلة قد تستمر لمدة تصل إلى أربعة أسابيع إذا دافع الحوثيون بقوة. وتماماً كما حصل في عدن، إذا أخذنا هذه المدينة كمثال، قد ينسحب الحوثيون بسبب أعدادهم الصغيرة تجاه منطقة مأهولة بالسكان المحليين غير الودودين. ومن المرجح أن تتم عملية التطهير في المناطق الحضرية بشكل رئيسي من قبل مقاومة تهامة المحلية القوية البالغ عددها ٢٢ ألف شخص بالإضافة إلى القوات السلفية في عدن المدربة والمجهزة من قبل الإمارات، مع قيام القوات الإماراتية بتوفير الخدمات اللوجستية، والاستخبارات، والمدفعية الانتقائية والدعم الجوي.

التداعيات على السياسة الأمريكية :            

تشير دلائل قوية إلى أن القوات اليمنية المدعومة من الإمارات قد تتوغل بنجاح في الحديدة والصليف. وبناءً على التجارب السابقة، أمامها فرصة كبيرة للاستيلاء على ميناءيهما بشكل سليم وتشغيلهما فوراً بعد المعركة. وتضعف المقاومة الحوثية في سهل تهامة يوماً بعد يوم، كما أن المقاتلين الحوثيين غريبون عن المنطقة وأهلها.

وعندما يتم تحريرها، ستتمكن الموانئ من تلقي المزيد من الطعام وبنسبة أكبر من الوقت الراهن، كما ينبغي على الوكالات الدولية إلقاء اللوم الكامل على الحوثيين المدعومين من إيران إذا فرضوا ضرائب على المواد الغذائية والوقود أو عرقلوا إيصالها إلى شمال اليمن. وستتمكن الوكالات الإنسانية من العمل في الحديدة دون خوف من ترهيب الحوثيين أو الأضرار الثانوية المرتبطة بالحملة الجوية للتحالف. كما ستخلو سواحل البحر الأحمر ومضيق باب المندب من خطر الألغام البحرية الحوثية والقذائف المضادة للسفن والقوارب المتفجرة وغيرها من الهجمات. يتعيّن على الولايات المتحدة دعم جميع هذه النتائج.

يجب على الحكومة الأمريكية أن تتّبع المبدأ التوجيهي الأساسي القائم على “عدم إلحاق الضرر” – بمعنى آخر، الابتعاد عن طريق [القوات] اليمنية المدعومة من الإمارات التي تحرر الحديدة والصليف وساحل البحر الأحمر بأكمله. يتعين على واشنطن العمل مع منظمات دولية وعواصم أخرى لتحذير الحوثيين علناً من استخدام استراتيجية الأرض المحروقة في الموانئ التي قد تبطئ تطورها كمواقع لاستيراد الأغذية.

وإذا أمكن، ينبغي على الولايات المتحدة أن تنقل معلومات مفيدة إلى الحكومة اليمنية والتحالف الخليجي، مما قد يقلل من نطاق التدمير ومدة حملة تهامة، التي يمكن أن تؤدي – في أسوأ الحالات – إلى وقف كل من الحديدة والصليف عن العمل لعدة أشهر وتفاقم المجاعة في شمال اليمن.

وبالفعل، تقوم الولايات المتحدة بإجراء مثل هذه المراقبة، وذلك نتيجة وعيها بالوضع الراهن. وقد تكون اللحظة مناسبة لتشغيل خليّة مشتركة وتحديداً لضمان إرسال تحذيرات في الوقت المناسب من اعتماد تكتيكات الأرض المحروقة أو غيرها من التهديدات ضد القوات اليمنية التي تتحرك لتحرير موانئ البحر الأحمر.المصدر: معهد واشنطن

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق