مقالات

ما هي المنطقة الآمنة التي تحتاجها سوريا؟

بقلم : سيهانوك ديبو

  • المركز الديمقراطي العربي

اليوم. وفي كل تقليص لعدد المتدخلين في سوريا؛ يؤدي بالضرورة إلى الاقتراب من حل الأزمة السورية وفق مساره السياسي. الحل السوري سياسي ولا أفق لأي حسم عسكري. أمّا التقليص فإن له مداخل ومداخيل عدة؛ أبرزها المنطقة الآمنة التي تصدّرت الحديث مرة أخرى في ضوء التعقيد الذي نال الوضع السوري.

اليوم تعيش سوريا أزمة ومقتلة من بعد التصادمين الإقليمي عليها ومنها وفيها؛ بالذكر بأن حالة التصادم هذه والربط المحكم ما بين الملف السوري مع ملفات أخرى إنما فرض بدورها أوضاعاً أشبه بوضع المرآة المكسورة التي تنقل الصورة بشكل غير حقيقي أو لنقل بشكل تجزيئي. كما أن إقليم الشرق الأوسط –هو بالأساس إقليم واحد- بحد ذاته يعيش أزمات خانقة؛ بخاصة للمتدخل منها في سوريا. أزمة في إيران. وأزمة في تركيا. جميع من تدخل في سوريا يعيش أزمة. سوى أن أزمة عن أزمة تختلف.

لكن بالرغم من ذلك فإنه يوجد شبه اجماع كامل بأن سوريا باتت بمركز الأزمة. ومن خلال ذلك فإن بلدان الشرق الأوسط –بخاصة للمجاورين لها- من صالحها أن تتعجل في استقدام الحل. وإلا فإن انعكاس الأزمة إليها تنبأ بكل تأكيد عن أوضاع تضاهي بكثير ما عانتها سوريا. أحد السبل في منع ذلك هو الاقتناع بأن منطقة آمنة حقيقية وليست نسجها وفق أجندات معينة حان وقتها لتكون بالأسلم سوريّاً وإقليمياً فبالضرورة عالمياً. أي أن للمنطقة الآمنة مبدأ أساسي أو مبادئ أساسية كما كل المعالم.

أمّا مبادئ المنطقة الآمنة الأساسي فهو الوصول إلى نقص آمن لأكبر عدد من المتدخلين إلى درجة التداخل في سوريا من دون تأثير أو ارتدادات سلبية على داخل كل من تدخل في الوضع السوري، بجانب ذلك حماية الخيارات الوطنية التي تحققت وأصبحت اليوم بالمكتسبات في المنطقة المختارة كي تكون الآمنة؛ أي شمال سوريا وشرقها، قبلهما بأن المنطقة الآمنة تأكيد على السيادة السورية. أمّا المؤكد هنا فإنه لا وجود لسيادة سوريا منذ العام 2011 حتى اللحظة.

إذْ بات بالمعروف بأن المنطقة الآمنة ليست بالأمنية؛ الأولى أي الآمنة فإنها تكون حينما تتوفر شروطها الذاتية التي تؤهلها كي تكون منطقة آمنة؛ ووفق ما تحظى بها من عوامل وآليات ملموسة تحقق من خلالهما درجة معينة من الأمن والاستقرار المجتمعي، وأن تديرها إدارة محلية مدنية؛ وتحظى بوجود قوات عسكرية منها وفيها قامت بتوفير البيئة الآمنة والمجتمع المستقر بالضد من أي خطر خارجي أو داخلي. مثال هذا الشيء ينطبق على الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقواتها العسكرية التي هي جزء من (جيش سوريا الحل السياسي) قوات سوريا الديمقراطية كرمز عالمي ضد الإرهاب بما تحظى من قبول ومباركة وحاضنة مجتمعية. وفي ذلك فإن ملتقى العشائر السورية المنعقد في عين عيسى بتاريخ الثالث من مايو أيار الحالي كان بالإعلان الصريح لذلك.

أما المنطقة الأمنية فهي متنوعة بدء من المنزوعة السلاح وصولاً إلى مناطق خفض التصعيد. ولعل أفضل الأمثلة الدّالة على المناطق الأمنية هي التي أنتجتها الآستانات؛ بما أوصلت اليوم إلى مأزق إدلب اليوم. وفي هذا المعرض فإنه من المصيب لو نقول بأن كرة النار المتدحرجة من قبل عملية الآستانات أوصلت إلى احتلال تركيا لعفرين وإلى الانسداد الكامل لعمل ما تسمى باللجنة الدستورية التي نتحتها، وإلى المزيد من التعقيد.

أما المنطقة العازلة فتكون بالأضيق جغرافياً؛ محددة بنقطتين نصف أمنية لنصف آمنة، أمّا الحدود المقرة بها عالمياً والفاصلة ما بين بلدين فإنها بحد ذاتها شريط عازل وقد تكون مسافة معينة على جانبي الحدود تتراوح ما بين 500 م كحد أدنى و1000م كحد أقصى من هذا الشريط/ الحدود على جانبي الخط الحدودي؛ قد تكون هذه المسافة ينصفها الحدود وفق اتفاق من نوع خاص بوجود دولي مؤقت متفق عليه هي العازلة.

أما المنطقة الآمنة حتى تكون بجدوى وآمنة وتقطع الطريق على السلخ وفي الوقت نفسه على التقسيم فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار عديد من النقاط؛ أهمها:

1- فإنه وقياساً بالوضع الحالي وبوجود مناطق سوريّة محتلة من قبل تركيا؛ فإن المنطقة الآمنة ذات الجدوى والتي تكتسب صفتها الشرعية عن طريق اقرارها من قبل مجلس الأمن تنطبق اليوم على كامل (شرقي الفرات). وفي ظل التهديد المحدق على مناطق من شمال سوريا في (غرب الفرات) من قبل تنظيمات إرهابية: النصرة والتركستاني وحراس الدين والمرتبطة بها في العلن وفي السر؛ فإن مفهوم المناطق الآمنة لا ينطبق عليها. يجب أولاً تطهير هذه المناطق من التنظيمات الإرهابية واستعادتها إلى الوضع الآمن الذي كانت عليها سابقاً؛ أي انهاء كل احتلال.

2- مرتبط بالأولى ومتمم لها من أن تؤدي إنشاء هذه المنطقة إلى الحفاظ على وحدة سوريا والقطع في وجه أي محاولة سلخ/ ضم/ احتلال من قبل كل جهة إقليمية تبغي تحقيق مشاريع ماضوية أكل عليها الزمن وشرب؛ في مثال ما يتحدث عنه ويصر عليه رئيس تركيا. حلب وكل شمال سوريا وغيرها لم تكن أراضي تركيّة إنما مناطق محتلة ومسيطر عليها من قبل السلطنة العثمانية. تم انهاء تلك السيطرة وذاك الاحتلال من قبل بريطانيا وفرنسا وبمباركة روسيا القيصرية وغيرها من القوى العالمية وقتها منذ بداية القرن الماضي. انهت مجتمعة السلطنة العثمانية وقامت في الوقت نفسه بتقسيم المنطقة وفق الجغرافيات الحديثة الحالية. هذه حقيقة ما حدث. ما الفائدة من تجنبها بخاصة إذا ما في العلن أن يصل كل صاحب حق إلى حقه؟ وأن يحظى الجميع بعيش آمن وسلام مستدام وعيش مستقر.

3- أن تمنع هذه المنطقة من الانتقال السهل أو تسلل عناصر التنظيمات الإرهابية الآتية في أغلبها إلى سوريا من الحدود التركية. وفي الوقت نفسه أن لا توفر الأوضاع الحالية غير المستقرة بشكل كامل؛ بخاصة في غربي الفرات؛ من توفير فرصة انتقال معاكس للتنظيمات الإرهابية/ عناصرها إلى تركيا ومن ثم توجيههم إلى أوربا، ومناطق أخرى.

4- تحقق المنطقة الآمنة فرصة مناسبة لعودة اللاجئين والنازحين السوريين. وبذلك تقطع الطريق أمام أي استعمال لهم بشكل يخالف لوائح وأنظمة الشرعة الدولية ذات الصلة؛ من تجنيدهم، إلى الإتجار العضوي بهم، والضغط من خلالهم على بلدان إقليمية كانت أو عالمية.

5- إنشاء المنطقة الآمنة تسهم بالضرورة ولا تعرقل عملية مفاوضة حقيقية وبناءة بين الأطراف السورية في مقدمتها: مجلس سوريا الديمقراطية والسلطة في دمشق. في ظل إظهار الطرفين رغبة اللقاء وإكمال الحوار. وفي مثل هذا فإن الطرف الروسي أكثر الأطراف الممكنة للعب دور تقليص المسافة وتدوير الزوايا ما بين دمشق ومسد.

6- وفي إنشائها؛ المنطقة الآمنة؛ أن لن تكون على حساب المكتسبات المتحققة المنجزة بإرادة المكونات المجتمعية لشمال وشرق سوريا، ونذكر بالتحديد منجز الإدارة الذاتية التي قدمت في نهاية العام الماضي خارطة طريق صريحة لموسكو توضح فيها مطاليبها بشكل واضح ورؤيتها لسوريا المستقبل. أكدت هذه الخارطة على آليات وعوامل تمكين دمشق/ الحكومة المركزية وفق الصلاحيات السيادية المعروفة والمتعارف عليها، وتوزيع الصلاحيات ما بين دمشق والإدارة الذاتية: صلاحيات المركز، صلاحيات الإدارة الذاتية، الصلاحيات المشتركة فيما بينهما. وفي ذلك وفي أقل تقدير فإن نصف الكرة الأرضية من بلدان هذه الكرة تدار وفق أنظمة تتفق فيما بينها على مثل هذه الأصول ووفق مثل هذه الفروع.

7- على اعتبار المنطقة الآمنة؛ في حال تم؛ فإنه بالمنجز الإقليمي والعالمي، أي لا يصنعه طرف بعينه. فإن إنشاء هذه المنطقة يعني أنه بدعم أمن كل بلدان المنطقة والقطع على أية حجة تنطلق من ذلك. أيضاً أقلّ ما يمكن قوله. وحينها لا يمكن لجهة أن تتدعي بأن جهة ما في سوريا تود النيل من (أمن) بلد ما وتهدد استقراره. كما الذي تتحدث عنه أنقرة. تبيح لنفسها كل شيء من بينه الاحتلال والتدخل ليس فقط في سوريا إنما في كل بلدان المنطقة والبلدان المجاورة لها.

بالرغم مما تقدم، وعلى ضوء أهميته. فإن التعويل الأكبر هذه اللحظات الحاسمة يكون على تحقيق عملية مفاوضة حقيقية وحوار سوري سوري. وهنا فإن الرياض3 إذا ما تمّ فيجب أن يكون بالمغاير عن الذي سبقهما؛ الرياض التي اختيرت بقرار أممي وكإحدى مقررات اجتماعات فيينا 2015 في أن تحظى باجتماع للمعارضة السورية ليخرج عنها هيئة تفاوض. ما تقدم يعتبر ذلك أهم النتائج الآمنة لتغدو سوريا كلها -من خلالها- جغرافية موحدة متكاملة آمنة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق