مقالات

الكيفية الآمنة لعملية تفاوض حقيقية ما بين دمشق والإدارة الذاتية

بقلم : سيهانوك ديبو  – المركز الديمقراطي العربي

نسبةٌ سوريّة كبيرة أفراداً كانت أم أحزاب أو قوى سياسية تتناول التهديدات التركية لشرقي الفرات من زاوية تهيئة  وأن يتصيّر الاحتلال التركي على نفس منوال سيناريو احتلال تركيا لعفرين. فالجماعات المسلحة المنضوية تحت ما يسمى بدرع الفرات وما يسمى بغصن الزيتون ومظلتها السياسية الائتلاف –بعد أن تم احتشادها على الحدود السورية كتابع انكشاري للجيش التركي- تتنشط هذه اللحظات وتقوم بنشر فيديوهات مزيفة وأخبار كاذبة بمضمون ظلم (كردي) لِ (العربي) وبمصدر احتلال (كردي) لمناطق (عربية)، وبمضمون قيام قوات سوريا الديمقراطية بارتكاب الوحشيّة ضد العربي حتى ولو كانوا نسوة أو أطفال. معلوم للجميع وبخاصة لمتتبع مسيرة العثمانيتين الآفلة أو المراد أن تتجدد على يد السلطان أردوغان ورهطه؛ بمن معهم من مجموعات واقعة تحت مرض النوستالجيا العثمانية؛ معلوم لدى الجميع بأن الهدف من نشر هذه الأضاليل إحداث شرخ ما بين مكونات الوطن أو الجغرافية الواحدة، فإيصالها إلى درجة العمى من بلوغ عتبة الشحن التنميطي وتكريس حالات الانقسام السوري قوميّاً كانت أم دينياً وطائفياً. وبالتالي استحداث ذهنية القتل والانتقام؛ في منطقة تشهد لأول مرة الاجتماع السوري في صيغة العيش المشترك وأخوة الشعوب ووحدة مصيرها. من المهم هنا الذكر فشل كل محاولات من تبغي إفشال الإدارة الذاتية في وقوع حرب كردية بينية أو حرب على الأساس العربي الكردي طيلة عمر الإدارة الذاتية. كما من المهم الذكر أيضاً بأن كل هذه الأضاليل وفرض مناخات الكره وخطابا الكراهية من أجل التغطية على الهدف الأساسي المتمثِّل بتمرير احتلال تركيا لكل شمالي سوريا؛ بالطبع بشكل مبدأي. لأن العثمانية هي العثمانية، وإنْ كان من وجوب وجود اختلاف ما بين القديمة والجديدة؛ فإن الجديدة لن تكتفي بحدود السلطنة العثمانية في مرحلة الرجل المريض إنما تسيل لعابها منذ الآن لتصل إلى جنيف مروراً بشمالي أفريقيا وبلدان الخليج العربي؛ في ظل وهن القارة العجوز أوربا المصابة بأخطر الأمراض التاريخية على الإطلاق (الشعبوية).

بعكس أعلاه، من ضفة أخرى، تتزاحم خطابات (المعارضة الداخلية). لكن بالفعل عجيب أمرنا السوريين. هل سمع أحدٌ وجود معارضة الداخل ومعارضة الخارج؟ إنه لمفهوم مضلل آخر. فكل المعارضات يجب أن تكون واحدة طالما برنامجها يهدف إلى التغيير الجذري للسلطة أو النظام القائم. وما يميّزها آليات تحقيق ذلك. تصر أغلب هذه المعارضات المتعارضة فيما بينها أن تكون في مسمى المعارضة علماً بأن برنامجها لا تختلف إن لم نقل متأخرة عن الدستور السوري 2012 بما يحتوي من تغييرات شكلية وتعويم ظاهري للامركزية الإدارية والإدارات المحلية. من المؤكد بأن هؤلاء يعلم بأنهم المدافعين عن بقاء النظام المركزي في حلة 2011، وما يبقى فقط إعلانهم بأنهم الموالاة وليسوا بالمعارضة. أما ما يتزاحم عنهم فمفاده بأن على الإدارة الذاتية التنسيق مع السلطة وبدء الحوار! في تهيئة غير مباشرة، ومنح أنقرة وجماعاتها من (المعارضة) الذرائع التي تحتاج، ومنح النظام السوري حجة الصمت وتبرير سكونه؛ في الوقت نفسه. لكن هؤلاء من المفترض أنهم يعلمون بأن الإدارة الذاتية اجتمعت مرتين مع منظومة النظام بإشراف روسي في القاعدة الروسية حميميم نهاية العام 2016 وبداية العام 2017. ومرتين في دمشق بدعوة رسمية من دمشق لمجلس سوريا الديمقراطية في صيف العام الماضي في مثل هذا الوقت. ومرة بشكل غير مباشر معه في توسيط موسكو وتحميلها مبادئ عشرة من قبل وفد الإدارة الذاتية  الزائر إلى موسكو في نهاية العام الفائت. لكن المفاوضات في كل مرة كانت تتعثر؛ لأن سلطة دمشق لا تؤمن إلى اللحظة بأن حل الأزمة السورية وإنقاذ سوريا من شبح التقسيم والتفتيت يكون عبر مسار الحل السياسي التفاوضي. هي مولعة بما تسميه (المصالحة) التي حقيقتها إنهاء حلم شعب سوريا بالتغيير الجذري الشامل والذي خرج من أجله ملايين السوريين من منتصف آذار العام 2011. علماً بأن المصالحة قد تكون مفيدة في المناطق التي أخذت فيها؛ لكنها تفتقد الشروط والآليات والدواعي المقابل لها في مناطق الإدارة الذاتية.

العلم كله بأن سوريا ينطبق عليها أكثر من هو الوطني ومن هو غير الوطني؛ لتنتقل مفاهيم صحيحة مئة بالمئة كالمعارضة والموالاة إلى الخلف. والنظام المركزي الاستبدادي على الرغم من أنه سبب الأزمة السورية فإن سلطته جزء أساس من الحل. وبأن الطرفين –السلطة في دمشق والإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا- اليوم واللحظة بمستطاعهما إحداث اختراق حقيقي في الأزمة السورية؛ فيما لو اقتنعت السلطة في دمشق بذلك وتوفرت لديها الإرادة. لن يستطيع أيا كان أن يمنع تحول في الطريق السليم حيال ذلك. بخاصة في ظل التهديدات التركية المهددة للسيادات السورية والإقليمية والعالمية؛ من المفترض بأن تتيقن دمشق بأنها ما تزال بوسعها التحرك ضمن هذا الإطار المدعوم من قبل الأمم المتحدة ومجلس الأمن. لن تستطيع أية جهة في العالم؛ حتى لو متدخلة في عظم سوريا بأن تمنع السلطة السورية اتخاذ اجراءات الدفاع المشروع بكل حيثياته. ومن المفترض أنها المتيقنة بأن سوريا الجديدة المتضمنة للرباعية الأساسية: وحدة البلد، سلامة ترابه، سيادته غير المنقوصة، والتغيير الذي تحتاجه؛ باتت بمثابة بوابات الخروج الآمنة ليست فقط لسوريا إنما بشكل أكبر للمتدخلين فيها أيضاً. الاصفرار يبدو على وجوه كل المتدخلين والجروح تدخل مرحلة التقيح للمحتل التركي. وبشكل مترابط به فإن الكيفية الآمنة لملء الفراغ ما بين دمشق والإدارة الذاتية تتمثل قبل كل شيء بالرباعية الآنفة الذكر؛ اتفاقاً منجزاً ناتجاً عن حوار بنّاء و/ أو عملية تفاوض حقيقية واقعية ستفضي بالضرورة إلى الصلح السوري المتضمن بدوره عقد اجتماعي سوري جديد يليق بانطلاقة رصينة للجمهورية السورية الثالثة. الأولى كنتاج للجغرافية المستحدثة ما بعد سايكس بيكو. الثانية ما بعد الاستقلال السوري 1946 المشهودة بسلسلة انقلابات استقرت سوريا فيها منقلبة وانقلاب البعث حتى انقلاب شعب سوريا على الاستبداد البعثي في العام 2011. أما عقد سوريا الجديد أو دستور الجمهورية السورية فمن ضرورة أن تحتكم إلى مبادئ أساسية تقر فيها بصلاحيات السلطة المركزية السيادية المعلومة المنصوصة في دساتير كل البلدان، وبصلاحيات الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والصلاحيات المشتركة ما بينهما.

 بعض قوانين الهندسة الإقليدية لا تسري على الفضاء الكروي. إذْ هناك عدد لا نهائي من الاتجاهات التي يمكن للمرء أن يتحرك فيها في الفراغ، ولكن كل هذه الاتجاهات يمكن اعتبارها مركبة من ثلاثة اتجاهات أساسية تسمى “الأبعاد الثلاثة”. بينما في ديمومة الفراغ السوري لا اتجاهات تتكون فيه ومنه فإن كل شيء ينتفي. الأبعاد والاتجاهات. الأخلاق والقيم. فديمومة الفراغ يعني الممشى بشكل مقلوب نحو انتهاء سوريا والمنطقة. طرق تأسست: أوراسيٌّة (كبرى) تناقضت مع الشرق الأوسط (الكبير). فيما أن الشرق الأوسط الديمقراطي هو الأسلم للجميع.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق