fbpx
مقالات

الثورة والإصلاح في العالم العربي..ثقافيتهما وتخليق التقدم

الدكتور ميلاد مفتاح الحراثى
Dr Milad ELHARATHI
Reform and Revolution in the Arab World
لقد أصبح موضوع الثورة والإصلاح في العالم العربي في مكان الصدارة، سوى على المستوى الرسمي، أو النخبوي، أو الأكاديمي، إلا أن مشاهد ” ثورات الربيع العربي” وضعت المراقب أمام مجموعه من الحقائق ولعل من أهمها: هل هناك حاجة للإصلاح أو الثورة في العالم العربي، ولا تحتمل الإبطاء أو التعجيل به؟
هل هناك ضغوطاً خارجية أو داخليه تسمح بالحديث عنه؟ من هي الجهة المخولة بالحديث وقيادة الثورة والإصلاح، ورسم بوصلتهما ومنوالهما وإحداثياتهما؟ وهل هناك رؤية عن الخصوصية والاستثنائية فيما يتعلق بالإصلاح الثورة في العالم العربي؟
ولا نسقط بقيه الأسئلة: ما هو المقصود بالإصلاح والثورة ؟ وهل نتحدث عن إصلاح كلى وشامل أم إصلاح قطاعي وجزئي؟ وهل نتحدث عن إصلاح تدريجي أم عن إصلاح جذري ؟ وهل نتحدث عن إصلاح وفق منظومة فكريه حياتيه أم عن إصلاح وصولي نفعي، برجماتى؟
بدايةً لابد من التقرير بأنه لا يوجد تعريف محدد للإصلاح وواضح في معظم الأدبيات السياسية عامةً, إلا أن هناك مرادفات للإصلاح تستعمل له، كمفهوم التحول الديمقراطي والتقدم والتغيير والتنمية والتطوير، بغض النظر من اقتراب هذه المفاهيم من حيث الدلالة الى مصطلح الإصلاح , من جانب أخر, كما يعتقد البعض, أن الإصلاح هو خطوه أو وسيله باتجاه تحقيق الديمقراطية ! إذًا هنا عندما يطالب بذلك معنى ذلك إننا نخاطب مجتمعاً لم يمارس الديمقراطية أساساً !
من المفيد عند تعريف الإصلاح، ومفهومه ينبغي الإشارة إلى الدلالات اللغوية له، فمصطلح الإصلاح يعنى ضمناً أن هناك خللاً ما أو قصور أو تقصير في الوضع المراد إصلاحه، وفى هذا السياق قد يشير إلى إحدى معاني التطوير أو التنمية أو التعديل غير الجذري. فإذا قلنا الإصلاح السياسي فأننا نعترف بوجود خلل في الوضع السياسي القائم الأمر الذي يتوجب معه إحداث تعديل أو تطوير غير جذري في شكل ممارسة السلطة او العلاقات ألقائمه, ولكن بدون المساس بأسس النظام السياسي القائم, بمعنى أخر, إحداث التحسين، أو الترصين، أو الترقية، في أداء النظام السياسي القائم.
وإذا قلنا الإصلاح الاقتصادي فأننا نعترف أيضاً بوجود خلل في الوضع الاقتصادي القائم الذي يتوجب معه إحداث تعديل أو تطوير أيضاً غير جذري في شكل النظام الاقتصادي وبدون المساس بهوية النظام الاقتصادي، فقط إحداث التحسين للنشاط وأداء النظام الاقتصادي ودون تغيير أسسه. بهذا التعليل الاستدلالي اللغوي يكون الاصطلاح بعيد كل البعد عن التغيير بمعنى استدعاء البعد الثوري للتغيير بديلاً للإصلاح . وهنا وجبت الإشارة إلى أن مصطلح الثورة ليس مصطلحاً سياسياً بقدر ما هو مصطلح علمي .
فالرسالة الثقافية الموجهة عبر الإصلاح الاقتصادي تصب لصالح تلك التحولات الاقتصادية المطلوب إحداثها وهى لا تؤسس لممارسه ديمقراطيه فعليه, وإن تؤكد على ضرورة إحداث الإصلاح الثقافي، أو تبنى التغيير, كما يرى البعض, فأن ذلك لا يعنى بالضرورة خلق مناخ ثقافي يدفع نحو ممارسه إصلاحية سياسيه حقيقية بقدر ما يعنى تذويب الثوابت الثقافية والقيميه والمؤسساتية التي قد تعمل كمواقع وموانع ثقافيه اعتراضيه في وجه عولمة الاقتصاد والسياسة والثقافة، والتي عادة ما تتخذ الأخيرة من الإصلاح اختياراً وشعاراً وطريقاً.
فالاقتصاد في الحالة العربية هو اقتصاد ريعي، قاعدته القطاع العام، وينبغي أن يكون كذلك . لماذا؟ لأنه لا يزال يعتمد على إيرادات القطاع العام وريعه، والدولة لا تزال مستمرة في حالة عدم التمييز بين المال العام والخاص في تخليها التدريجي عن مسؤولياتها التنموية تجاه العديد من القطاعات، متذرعة بأهمية دور القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني في ضرورة الشراكة في التنمية وبرامجها، كما تطالب النخب العربية المثقفة، المرتبطة بالإصلاح والقادرة في أحيان كثيرة على التنظير لكل مثل هذه التحولات المتوقع حدوثها باعتبارها تحولات إيجابيه قد يعززها الواقع.
فالإصلاح التدريجي والجذري نقيضان لا يلتقيان، وكذلك الإصلاح الجزئي نقيض للإصلاح الكلى الشمولي . وهنا يجب علينا توفير مظهر أو جانب من جوانب الإصلاح حتى تتضح صور التحليل لدينا. مفهوم الإصلاح السياسي في العالم العربي، مثلاً أخذ يتطور في الآونة الأخيرة بكثرة الحديث عنه والبحث فيه من زوايا مختلفة دونما العناية بأركانه المفاهيميه . فأدخل هذا المصطلح على مستوى الممارسة السياسية والجدل الثقافي العربي فجاءه , ومحاولة الأخذ به على مستوى التنظير، وأصبح من الاتساع بحيث شمل كل أشكال التحول المختلفة لكل القطاعات الأمر الذي قد أثر على كل أنماط التحول والانتقال على مستوى الأهداف أو النظام البنيوي أو التحولات المجتمعية في دول الانتفاض الأخير.
ليس معروفاً إلى هذه اللحظة ما إذا كان الإصلاح يشمل كل القطاعات البنيوية للمجتمع في العالم العربي، وبالتالي يقود إلى التغيير غير الجذري ؟ أو بلوغه حدود ما وراء الإصلاح ونطاقه ؟ عموماً الإصلاح إذا أخذ به فأن مداه ونطاقه قد يضيق أو يتسع وفق حاجة كل قطاع إن كان سياسياً و ثقافياً او اقتصادياً ووفق حالة كل قطاع والغرض من إصلاحه، في كل دولة قطرية عربية . فالحيّل الأكاديمية لا ينبغي أن تنطلي على أحد بأن الإصلاح الاقتصادي يؤدى إلى الإصلاح السياسي , لأن الخيار الاقتصادي هو ملك للخيار السياسي وإرادته. فمن هذا التعريف يتضح مدى الربط بين مفهوم الإصلاح السياسي والتحول نحو الديمقراطية من خلال الإصلاح الاقتصادي، , وكأن الإصلاح الاقتصادي بهذا المعنى يمثل المدخل نحو إحداث الديمقراطية وخلق المناخ الملائم لممارستها.
نتصور أن الربط بين الإصلاح والتحول السياسي نحو الديمقراطية إنما يضيف لمفهوم الإصلاح جملة من التعقيدات والتشويش المفاهيمى . بمعنى أن المسافة الديمقراطية تحتاج إلى المسافة الزمنية، والمسافة الزمنية مرتبطة بمسافة ثقافية التنمية والنمو. فالتحولات الديمقراطية تعنى بالأساس, وبدون الدوران حول الثقب, التحول من أنظمة التسلط إلى أنظمة الديمقراطية، وهذه العمليات معقدة وتطال كل الأساس البنيوي والمؤسساتي والأهداف وممارسة الحقوق والواجبات، وتوزيع السلطة في أى مجتمع من المجتمعات العربية. وينبغي الانتباه إلى أن ربط الإصلاح السياسي بالتحول الديمقراطي يتضمن مراحل كثيرة واشتراطات ليس لكل المجتمعات ألقدره على توفيرها . فهذه المراحل تبدأ عادة بزوال القائم من الأنظمة السياسية، وقيام نظام ديمقراطي مستحدث في الوقت الذي فيه عدم أتفاق بين بُحاث الديمقراطية وتجاربها على نوع وعدد والزمن المقدر لهذه المراحل.
صموئيل هنتنجون مرجعية الليبراليجيّين العرب هو في حد ذاته لم يرسو على بر في هذه المسألة. يقدم لنا عدة مراحل : مرحلة التحول Transformation, ومرحلة التحول الاحلالى Transplacement، ومرحلة الإحلال Replacement, ومرحلة التدخل الاجنبى External Intervention . فالمرحلة التي تحدث عنها عندما تحصل يصفها هنتنجون هي “عملية التحول نحو الديمقراطية”. بتقديرنا إن هذه الأطروحات لا تنطبق على الغرب ولكن صياغتها موجهه إلى” ديموقراطيات” العالم الثالث , وهناك أراء أخرى ترى بأن تلك المرحلة هي نحو التحول الليبرالي أو نحو الدمقرطه، أو مرحلة ترسيخ الديمقراطية.
إذاً هذه هي دعوات الإصلاح والتي وجب الانتباه إليها والى خيوطها التي قد ترهق كاهل التحولات الموعودة خصوصاً في المجتمعات التقليدية ألقائمه على روابط النسب والتصاهر بين النخب وتركيباتها الاجتماعية المختلفة والعالم العربي ليس استثناءً.
ولعل العالم العربي يحتاج إلى منظور أخر لأحداث التحول بشتى أنواعه، وحتى كما تريد النخب المثقفه، أو الحاكمة, إنه البحث عن مشروع نهضوى، وهو قد يعنى مرادفاً للإصلاح, إلا إنه يتجاوز مفهوم حدود الإصلاح الكلاسيكي، والوافد في أحيان كثيرة. فركائز النهوض كتعبير عن النهضة والتقدم تستهدف تحقيق التقدم ،والتحديث، والحداثة وإحراز التحرر والحرية , باعتبار أن النهضة وركائزها تعبير واسع وشامل للحراك المجتمعي يسعى دوماً إلى إكساب التحولات بُعد التكافؤ في التعامل مع حضارة الأخر خصوصاً في إنتاج المعارف والمهارات والقيم والعلوم والتمدن والتحضر, في المقابل يظل الإصلاح ممارسه استثنائية إستنساخية للأخر من خلال إقصاء بقية الفئات غير النخبوية . ويظل مقصدنا في هذا الجدل هو كيفية البحث عن آليات تخليق التقدم لتحقيق فلسفة قيام الإصلاح، أو الثورة.
لعلنا نشير أيضاً, وهو أمر غنى عن القول, أن أي دعوة نهضويه عموماً لأبد لها أن تستند على عناصر الإرادة والفكر والعمل والتمكين، والتي تجلت في المشروع النهضوى الاوروبى , وفى ظل هذه التلازميه الرباعيه للنهضه وعدم وجود موانع تعترضها يمكن للحالة العربية أن تكون مختبراً لصنع التقدم والنهوض. وتأتى الاستثنائية والخصوصية كمتلازمتان للإصلاح والنهوض والتقدم ، فالأستثنائيه مشروطيه للإصلاح والنهضه والتقدم مرهون بالخصوصية وتوفرها.
فالمجتمعات الغربية لم تمر بمراحل الإصلاح بفعل الاستثنائية بقدر توفر الخصوصية ولم تصنع لنفسها مراحل إصلاحية بقدر محاولاتها المستمر نحو تخليق التقدم وهى لم تعمل في يوم من الأيام على تخليق الإصلاح لديها. فمرحلة التحول الديمقراطي من خلال الإصلاح هي مرحله غير مؤكده كما يؤكد هنتنجتون بنفسه عند حديثه عن “حالات الارتداد والعودة إلى النظم السلطوية وعودة الفوضى وعدم الاستقرار السياسي” . ولكن في مرحلة صنع التقدم الأمر ليس كذلك , خصوصاً في الحالة العربية, حيث لا وجود للإقطاع السياسي أو الاقتصادي، ولا وجود للملكية المطلقة، وهو كما كان متعارف عليه في أوروبا في عصر صنع نهضتها مثلاً، فاختيار مسالك ودروب التقدم سوف تكون ميسره وشروط قيامه أفضل من اشتراطات الإصلاح. وهذا هو حال الإصلاح في العالم العربي، وكيف تكون علاقته بثقافية تخليق التقدم ؟

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق