الدراسات البحثيةالمتخصصة

التحول الديمقراطي في المغرب ما بعد 2011

اعداد : شيماء فاروق  – باحثة دكتوراه في العلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة

اجتاحت ثورات الربيع العربي المنطقة العربية من الخليج الى المحيط, فمنهم من استطاع تجاوز هذه المرحلة في ظل العديد من التغيرات ودول أخرى لازالت مستمرة في عملية التغيير ودول تفككت بالكامل, ولكن وعي بعض القيادات بخطورة موجة الربيع العربي جعلتهم ينصاعون لموجة التغيير عن طريق اصلاحات قانونية ودستورية, وحدث تحول ديمقراطي حقيقي وكانت من أهم الدول التي استطاعت احتواء موجة الربيع العربي المملكة المغربية, فقد وظِّف المملكة المغربية الانتقال الديمقراطي لتعزيز شرعية المؤسسة الملكية وقوتها, فقد تحدث الملك محمد السادس، في خطابه بتاريخ 9 مارس 2011، عن (الاستثناء المغربي) برعاية المؤسسة الملكية بصفته المنهج الوحيد المقبول لتشكيل مسارات الديمقراطية استجابة لإرهاصات الحراك الاحتجاجي في الشارع المغربي، الذي قادته حركة 20 فبراير التي تزعمت الحراك وطالبت بالعديد من  المطالب منها اجتثاث الفساد، والحد من البطالة، بالإضافة إلى تعزيز (الملكية البرلمانية) بصفتها خياراً شعبياً يضمن في ذات الوقت استقرار المنظومة السياسية وترسيخ الممارسة الديمقراطية.

لذلك لجأ الملك محمد السادس الى اصلاحات دستورية كخطوة نحو التحول الديمقراطي وانقاذ المملكة المغربية من سيناريو الفوضى الذي نال من بعض الدول العربية.

أولاً: الاشكالية البحثية.

تعد تجربة التحول الديمقراطي في المغرب من اهم التجارب العربية التي استطاعت تجنب سيناريو الفوضى السياسية في المملكة لذلك يدور التساؤل الرئيسي للدراسة حول:

“ماهي مسارات التحول الديمقراطي في المغرب عقب 2011؟”

لذلك يندرج تحت هذا التساؤل عدد من الأسئلة الفرعية:

  • 1) ما هو تعريف التحول الديمقراطي وأنماطه؟
  • 2) ما هي التغيرات التي أجرها الملك محمد السادس للانتقال الى التحول الديمقراطي؟
  • 3) هل مسارات التحول الديمقراطي في المغرب أحدثت تحول حقيقي أم لا؟

ثانيًا: أهمية الدراسة.

  • أهمية علمية :

تعد دراسات التحول الديمقراطي من الدراسات النظرية والعملية الهامة في مجال العلوم السياسية لذلك تركز هذه الورقة على احد المفاهيم الهامة والتعرف على أنماط ومظاهر التحول الديمقراطي.

  • أهمية عملية:

تعد موجات الربيع العربي من أهم الأحداث الاقليمية والعالمية التي أحدثت تغيرات جذرية سواء على النظام السياسي أو غيره, فقد شهدت المنطقة العربية مزيد من أحداث العنف التي الحقت الضرر بالبنية التحتية إلا أن القيادة السياسية البرغماتية في المغرب استطاعت تجنب سيناريو الفوضى بإجراءات التحول الديمقراطي وهو ما سيتم التركيز علي, وتقديم تجربة لصانع القرار استطاعت المضي في اجراءات التحول الديمقراطي.

ثالثًا: الاطار الزمني والمكاني والموضوعي:

  • الاطار الزمني للدراسة التحولات الديمقراطية منذ أحداث الربيع العربي 2011.
  • الاطار المكاني: المملكة المغربية.
  • الاطار الموضوعي: النظم السياسية.
  • أأ

رابعًا: تقسيم الدراسة

  • 1) الاطار النظري للتحول الديمقراطي ومظاهره.
  • 2) النظام السياسي بالمملكة المغربية.
  • 3) الحراك السياسي بالمغرب في 2011.
  • 4) مظاهر التحول الديمقراطي في المغرب.

أولاً: الاطار النظري للتحول الديمقراطي ومظاهره.

أ) الاطار النظري للتحول الديمقراطي.

  • التعريف اللغوي ” التحول الديمقراطي”

التحول في اللغة يعني الانتقال من مرحلة الى مرحلة , في حين كلمة ديمقراطي كلمة يونانية تعني حكم الشعب نفسه بنفسة, كما  تعبر “التحول” عن تغير نوعي في الشيء أو انتقاله من حالة إلى أخرى، وهي المرحلة الوسطية التي تقع بين الانتقال من نظام سياسي إلى نظام آخر و تبدأ عملية التحول نحو الديمقراطية بالتفكيك التدريجي للنظام السلطوي، ويشير لفظ التحول الديمقراطي لغة إلى التغير أو النقل، فيقال حول الشيء أي غيره أو نقله من مكانه بينما تشير الدلالة اللفظية” للتحول الديمقراطي” الى  المرحلة الانتقالية بين نظام غير ديمقراطي ونظام ديمقراطي، فالنظام السياسي الذي يشهد تحولاً ديمقراطياً يمر بمرحلة انتقالية بين نظام غير ديمقراطي في اتجاه التحول إلى نظام ديمقراطي.[1]

  • التعريف الاصطلاحي “التحول الديمقراطي”

تشير إلى مختلف الإجراءات الكفيلة بتعزيز المشاركة في السلطة السياسية استنادا لفهم جوزيف شومبتر فموجة التحول الديمقراطي تهدف إلى معرفة الأسباب التي أدت للدفع بإجراءات الانفتاح السياسي التي تبنتها بعض الأنظمة السياسية واجتياز الحاجز أو المسافة الفاصلة بين أنظمة الحكم غير ديمقراطية.

يعرفها رستو بأنها عملية اتخاذ قرار يساهم فيها ثلاث قوى ذات دوافع مختلفة وهي النظام، والمعارضة الداخلية والقوى الخارجية، و يحاول كل طرف إضعاف الأطراف الأخرى وتتحدد النتيجة النهائية وفقا للطرف المتغير في هذا الصراع”، فركز التعرف على الأطراف المشاركة في عملية التحول الديمقراطي.

أما صامويل هنتجتون يعرف التحول الديمقراطي على أنه : “مسلسل سياسي معقد تشارك فيه مجموعات سياسية متباينة تتصارع من أجل السلطة و تتباين من حيث إيمانها أو عدائها للديمقراطية، فهو مسلسل تطوري يتم فيه المرور من نظام سياسي تسلطي مغلق إلى نظام مفتوح، و هو مسلسل قابل للتراجع.[2]

  • التعريف الاجرائي ” التحول الديمقراطي”

“الانتقالTransition ويقصد منها عملية الانتقال من حالة الاستبداد إلى حالة المشاركة السياسية الفعّالة من قبل الشعب، والمصطلح الثاني “التحول” “Transformation” وهو يعني الاستمرارية بشكل عام في الممارسة، والتحول ضمن مسار واضح إلى مزيد من الديمقراطية، فعملية التحول عملية مستمرة تأتي بعد الانتقال إلى نظام حكم ديمقراطي, يعني الانتقال من نظام سياسي يسود فيه الحكم الفردي الاستبدادي إلى نظام سياسي يكون الحكم فيه عن طريق مؤسسات دستورية فاعلة تستمد شرعيتها من إرادة الشعوب.[3]

ب) مظاهر التحول الديمقراطي.

إن التحول الديمقراطي مراحلة ما بين السلطوية والانتقال الي الديمقراطية, وحتي يحدث ذلك قد يتم تنفيذ عملية التحول الديمقراطي من قبل النخبة الحاكمة نفسها، كما حدث في كثير من الأحيان في أمريكا الجنوبية, والمغرب عقب ثورات الربيع العربي فقط طبقت النظام التشاركي كما سنعرض لاحقًا, ولكن لتحقيق الديمقراطية هناك عدد من المؤشرات:

  • 1) إقرار مبدأ سيادة القانون، وقيام دولة المؤسسات، واعتماد مبدأ استقلال القضاء.
  • 2)  الاعتراف بالحقوق والحريات العامة وحمايتها.
  • 3) الفصل بين السلطات.
  • 4)  الاعتماد على مبدأ الانتخاب كأساس لتداول السلطة.
  • 5)  وجود آليات ومؤسسات فعلية تضمن تمثيل الإرادة العامة للشعب، وتضمن للحقوق والحريات العامة فعاليتها.[4]

بالنظر لتلك المؤشرات سوف نجد أن المملكة المغربية قامت بتغيير الدستور بما يتلاءم مع تجربة التحول الديمقراطي, ولكن الممارسات السياسية شابها العديد من العوائق والصعاب, ربما يرجع ذلك الي طبية النظام السياسي في المغرب لذلك لابد من التطرق الي ماهية النظام السياسي في المغرب.

ثانيًا: النظام السياسي بالمملكة المغربية:

النظام السياسي المغربي يشوبه نوع من التركيب والتعقيد نظرا لتداخل العديد من العوامل المؤثرة في صياغته و المكونة له, حيث يلعب فيه كل من العامل المقدس، النسب والتاريخ, أدوارا حيوية تضفي تركيبا خاصا في بنية هذا النظام، بالإضافة إلى نوع من الامتزاج بين الديني السياسي و بين التقليد و المعاصرة تجعله يتفرد بميزات خاصة عن غيره من النظم السياسية المعاصرة .

جاء في الفصل الأول من الدستور:” نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية اجتماعية”، مما يشر الى ” أن الملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية هي النظام الملكي الذي تشتغل فيه المؤسسات في إطار الدستور”، أو بمعنى آخر فإن الاختصاصات التي يمتلكها الملك تجد سندها في الدستور المغربي .

تتجسد مكانة المؤسسة الملكية في الدستور المغربي من خلال عاملين رئيسيين :

  • العامل الأول: يتمثل في الصلاحيات الدستورية لرئيس الدولة، وهي ميزات كلاسيكية يتمتع بها عادة أغلب رؤساء الدول، وتترجم في النظام السياسي المغربي في الملك الدستوري .
  • العامل الثاني: يجسده الفصل 19 من الدستور، و من خلال تكرس إمارة المؤمنين , وتتعلق مقتضياته ”المكانة السياسية و الدينية للملك-الخلفية، وعلاقته بالأمة في غياب الوسطاء، حتى و لو كان هؤلاء الوسطاء هم البرلمان الحكومة ، فلأنها مقتضيات فوق خلق البشر، فهو يتمتع بسيادة مطلقة إذ تحرم و تمنع مراجعتها او تعديلها عبر مسطرة المراجعة الدستورية.

صلاحيات الملك الدستورية :

ينص الفصل 19 من الدستور على ان “الملك أمير المؤمنين و الممثل الأسمى للأمة و رمز وحدتها ضامن دوام الدولة و استمراريتها ، و هو حامي حمى الدين و الساهر على احترام الدستور ، وله صيانة حقوق و حريات المواطنين و الجماعات و الهيئات “.

يحتل الملك بصفته أميرا للمؤمنين مكانة مقدسة داخل النظام السياسي المغربي ، تتجاوز النص الدستوري، وتتحداه لتفرض على الفاعلين السياسيين اعتبار الملك – بصفته أميرا للمؤمنين فوق المساءلة و المحاسبة، ولا ينطبق عليه فصل السلطات ، يتمتع باختصاصات واسعة تستمد مشروعيتها بالإضافة إلى الدستور من الإرث السلطاني, فأي مضايقة أو انتقاد، ما عدا النصيحة الشرعية، يعتبران جناية و انتهاكا للمقدسات، و هذان المفهومان لا ينفصلان في هذا المنطق, إن مهاجمته مخالفة لقانون مقدس و نزع للقداسة عن أسمى وجوه الكيان الإسلامي و ركائزه, والله يدعو إلى انتقاء ما ترتضيه الأمة ، يأمر ألا تبقى الأمة بدون إمام, هذا ، إذن ، هو البرهان الرادع لكل عصيان أو تمرد الطابع المقدس للمؤسسة الملكية.

إدماج صفة القداسة داخل المتن الدستوري يترتب عنه انعكاسات قانونية على عدة مستويات :

  • الملك يبقى فوق المساءلة و النقد .
  • لا تسري على الملك الأحكام القضائية .
  • شخص الملك لا ينتقد و هو في منأى عن كل تصوير غير لائق أو تشبيه كاريكاتوري .
  • جميع القرارات و المواقف و الخطب و الظهائر الملكية تعتبر سارية المفعول و تطبق عليها صفة القداسة .

و هكذا أصبحت المؤسسة الملكية بحكم القداسة في مرتبة فوق القوانين الوضعية ، و لا تسري عليها الاعتبارات في التعامل مع الاجتهاد البشري.

السلطة التنفيذية في النظام السياسي المغربي تتشكل من ثنائية تضم كلا من الملك و الحكومة ، تتألف هذه الحكومة من الوزير الأول الوزراء, غير أن هذه الثنائية لا تعبر عن توزيع فعلي للمهام بين الملك و الوزير الأول ، فالثنائية قد تكون شكلية ، و قد تعبر عن توزيع المهام لصالح الملك ( دستور 1962-1972 ) و أيضا دستور1996.

فالحكومة تعد مسؤولة أمام الملك أمام البرلمان “حيث يتقدم الوزير الأول أمام كل مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة يعرض البرنامج العام الذي يعتزم تطبيقه ، و يجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية للعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني بالأخص في ميادين السياسة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الخارجية.[5]

ثالثًا: الحراك السياسي بالمغرب في 2011.    

المغرب مثله مثل باقي الدول العربية فمع مطلع سنة 2011، ظهور حركة احتجاجية شبابية لقبت “بحركة 20 فبراير” اتساقا مع موجة الحركات الاحتجاجية التي عرفتها المنطقة، رفعت الحركة جملة من المطالب  كغيرها من المطالب التي رفعها الثوار, كانت كالتالي:

1)  حقوق الإنسان.

2) العدالة الاجتماعية.

3) ومحاربة الفساد والاستبداد.

إذ شكلت هذه التصورات والرؤى نقطا مشتركة بين أغلب مكونات الحركة، وقد اشتركت القوى الإسلامية واليسارية في مطلب محاربة اقتصاد الريع والامتيازات الملكية في المجال الاقتصادي، إلى جانب نقدها اللاذع لرموز النظام, دفعت المطالب التي رفعتها الحركة، المؤسسة الملكية إلى التسريع بالإصلاحات، استجابة ل”قانون توكفيل” بخصوص الثورة الذي يقوم على أطروحة مفادها، أن أي نظام عندما يتأخر في التعامل مع الموجة الأولى من الاحتجاجات، فإن التيار الراديكالي يتقوى أكثر فأكثر، ويصعد ليصبح الوضع أكثر احتقانا في المرحلة التالية.

لذلك لجأ النظام السياسي المغربي إلى عدة تدابير بشأن حقوق الإنسان، من بينها إعادة هيكلة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وإحداث المجلس الوطني لحقوق الإنسان بديلا عنه، والإفراج عن المعتقلين السياسيين للعهد الجديد وهم في غالبيتهم من الصف الإسلامي، كما تم الإعلان من خلال خطاب (09 مارس 2011 ) عن الرغبة في إعادة النظر في المسألة الدستورية التي كانت غائبة عن أجندة الملك، رغم أنه قضى أكثر من عقد من الزمن في الحكم، في ظل دستور الملك الراحل الحسن الثاني الذي أعده سنة 1996.

رغم الاصلاحات التي عبر عنها النظام السياسي من خلال التعديلات المتقدمة التي عرفتها الوثيقة الدستورية لسنة 2011 وتعيين حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية سنة 2012 الذي حصل على 107 مقعدا في البرلمان؛ إلا أن المشهد السياسي المغربي مع أواخر سنة 2013 عرف تراجعا عن مكسب الانفتاح السياسي الذي أطلق سنة 2011 بفعل الارتدادات اللاديمقراطية التي عرفتها بعض بلدان الشرق الأوسط، وبسبب الضغط الذي مارسته بعض دول الخليج خشية تصاعد المد الانتخابي للإسلاميين, كان عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة من الفاعلين السياسيين الذين حاولوا تجسيد هذا الانحراف السلطوي في خطابه من خلال حديثه عن أن هناك “دولتين في المغرب، دولة رسمية ودولة القرارات والتعيينات وعن مسألة التحكم في الشأن الحزبي والسياسي.[6]

رابعًا: مظاهر التحول الديمقراطي في المغرب.

نظمت المملكة المغربية في يوليو 2011، استفتاء عاماً على الدستور، شارك فيه أكثر من 13 مليون مغربي، صوت 98.50% منهم بالموافقة عليه، فيما لم تتجاوز نسبة المصوتين بـ”لا” نسبة 1.5%، في حين بلغت الأصوات الباطلة 0.83%, جاء خطاب الملك محمد السادس في 9 مارس/آذار، بإجابات شافية لجميع مطالب الشباب المغربي، كما أحبطت بشكل رسمي جميع المخططات التي كانت تروم لإغراق البلاد في دوامة الفوضى.

وقال إن دستور 2011 مختلفاً تماما، إذ أنه جاء بـ 180 فصلاً حملت في مجملها جديداً على مستوى المتن الدستوري، كما أن لحظة بنائه كانت تاريخية، حيث اجتمعت فيها كافة القوى.

وتميز الدستور المغربي الجديد بتكريس مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز التعاون ما بينها بشكل متوازن مع التأكيد على استقلال القضاء، ليصير سلطة مستقلة إلى جانب السلطة الدستورية المعروفة.

كما تم توسيع صلاحيات البرلمان بغرفتيه في ظل دستور 2011 ، بالإضافة إلى فرض تعيين رئيس الحكومة من الحزب الأول في الانتخابات البرلمانية، مع الارتقاء المكانة الدستورية لرئيس الحكومة، وتوسيع صلاحياته الدستورية, ويشدد الأكاديميان، رشيد لزرق، ومحمد بودن، على أن الكرة الآن في ملعب السياسيين، سواء الأحزاب التي تشكل الأغلبية الحكومية المغربية، أو تلك التي تُمثل المعارضة.

إذ أن تفعيل الدستور على أرض الواقع، يكون بإرادة سياسية تعطي أولوية كبيرة للمصلحة العليا للبلاد، بعيداً عن المصالح الحزبية والأيدولوجية الضيقة.

وفي هذا الصدد، فالدستور المغربي وضع أسساً قوية لبناء دولة الحق والقانون والكرامة المجتمعية، وبالتالي ظلت الكرة خلال كُل هذه السنوات، ولازالت، في ملعب السياسيين وأحزابهم، خاصة التي تلك تقود الحكومة. شهدت عدة مكاسب قانونية وحقوقية، فعلى مستوى السلطة القضائية تميزت بتنزيل استقلالها الفعلي والحقيقي عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، من خلال إرساء المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتشكيلته الجديدة المنفتحة على مكونات المجتمع المدني الحقوقي، إقراراً وتكريساً لفكرة أن القضاء شأن مجتمعي ولا يهم القضاة فقط”.

“وهكذا أصبح المجلس يضم الى جانب 10 قضاة منتخبين عن زملائهم في المحاكم، 5 شخصيات مستقلة يعينها الملك من بينها عضو يقترحه المجلس العلمي الأعلى، مشهود لها بالكفاءة والدفاع في مجال استقلال القضاء، إلى جانب رئيسة المجلس الوطني لحقوق الانسان والوسيط، والأعضاء الدائمين وهم الرئيس الأول والوكيل العام للملك ورئيس الغرفة الأولى بمحكمة النقض، دون أن ننسى وجود قاضيات في المجلس في اطار مراعاة مقاربة النوع الاجتماعي وسعي المجلس الى تحقيق المناصفة”. [7]

وأكد أن هذه الفترة، عرفت لأول مرة تكليف النساء القاضيات بالقيام بمهام قضاء التوثيق بعدما ظلت هذه المهمة ذكورية، عبر التاريخ القضائي في المملكة، كما تزايدت نسبة النساء القاضيات في مراكز صنع القرار، رغم الاكراهات الموجودة.

وأضاف أن الدستور المغربي الجديد مكن من إحداث مؤسسة رئاسة النيابة العامة، التي أصبحت ولأول مرة في تاريخ المملكة مستقلة عن وزارة العدل، وأصبح الوكيل العام لمحكمة النقض رئيسا للنيابة العامة، وتمكنت هذه المؤسسة من إصدار تقارير تقدم حصيلة سهرها على تنفيذ السياسة الجنائية، وتم نشر هذه التقارير في اطار تنزيل الحق في الوصول الى المعلومة. الدستور الجديد اعتنى أيضا بحقوق المتقاضين وسير العدالة وتم التنصيص على منع احداث أي محكمة استثنائية، وبموجب قانون القضاء العسكري الجديد تم منع محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية، في تنزيل لأحد أهم توصيات هيئة الانصاف والمصالحة

شمل ردّ النظام الملكي الفوري على الاحتجاجات دستورًا جديدًا في 2011 نقل بشكل رمزي بعض صلاحياته الواسعة لصالح رئيس الحكومة المنتخب، ما سمح للإسلاميين المعتدلين في “حزب العدالة والتنمية” باكتساب حسّ من الصلاحية في حكومة المغرب الوطنية. ومع ذلك، لا يزال المشهد السياسي في المغرب يشبه ذاك الذي خيّم على البلاد خلال العقود الماضية، عاكسًا عملية استقطاب سياسي تنفذها الدولة أكثر منه ديمقراطية تدريجية: فقد رسمت الدولة أكثر فأكثر معالم الاقتصاد والسياسة والصحافة والدين في المغرب للتأكيد على شرعيتها. ويُعتبر الاستحواذ على الحياة الدينية من خلال الاستقطاب في الواقع ميزة لطالما طبعت تاريخ المغرب؛ فلفترة طويلة من الزمن كان الملك الممثل الوحيد للإسلام في البلاد بصفته “أمير المؤمنين”. وتقليديًا، لطالما كان مقر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية محاذيًا للقصر الملكي (في المشور) كي يتمكّن الملك من التوجّه إلى مبنى الوزارة سيرًا على الأقدام لتفقّد شؤون البلاد الروحية. علاوةً على ذلك، كان الملك في الماضي ولا يزال يقدّم هدايا مالية سنوية إلى المحافل الدينية للإسلاميين الصوفيين المعتدلين المنتشرة في كافة أنحاء البلاد من أجل ضمان دعمهم المؤكّد. واليوم، يضمّ المحفل الصوفي القوي للطريقة البوتشيشية، الواقعة في محيط مدينة بركان المغربية الشرقية، الملايين من أصحاب المهارات العالية و المهن السامية في المغرب وخارجه على السواء، جميعهم أتباع أوفياء للطريقة. وبالفعل، خلال “الربيع العربي” في 2011، نظّم هؤلاء الأتباع تظاهرة حاشدة في الدار البيضاء دعمًا للملك و الملكية بالمغرب و تعبيرا صارخا لولائهم للنظام التقليدي المعروف ب”المخزن”.[8]

مقترحات الإصلاح الدستوري التي طرحها الملك تتضمن تخويل رئيس الوزراء والبرلمان سلطات تنفيذية أكبر والاعتراف بلغة أقلية البربر كلغة رسمية في المغرب.

ولكن الملك سيظل محتفظا بالسلطات الأساسية المدنية كما أنه سيظل قائدا أعلى للقوات المسلحة, كما تضمنت المقترحات مادة جديدة في الدستور لإضفاء صبغة رسمية على دور الملك كأعلى سلطة دينية في المغرب, وقال الملك محمد السادس إن الإصلاحات التي اقترحها سيكون من شأنها إرساء دعائم الديموقراطية وحماية الحقوق في البلاد.[9]

وأخيراً إن عملية التحول الديمقراطي ليست رهينة بالإصلاحات السياسية من قبل النظام أو النخبة الحاكمة ولكنها متصلة بمدى فاعليتها التطبيقية لذلك هشاشة النظام الحزبي أحد المعوقات الاصلية التي تعيق عملية التحول الديمقراطي في المغرب.

[1] صدفه محمد محمود. مفاهيم التحول الديمقراطي والمفاهيم وثيقة الصلة به. كلية السياسة والاقتصاد. جامعة القاهرة. 2013.

[2] التحول الديمقراطي – Democratic transformation. الموسوعة السياسية. متاح على الرابط التالي: https://political-encyclopedia.org/

[3] شريف طه. الانتقال الديمقراطي: الأسس والآليات. المعهد المصري للدراسات. 25 أكتوبر، 2019. متاح على الرابط التالي: https://eipss.online/

[4] The Global State of Democracy 2019. International IDEA. Sweden.2019.

[5] بحث قانوني حول النظام السياسي المغربي. ايثار موسى. 24 فبراير، 2018. https://www.mohamah.net/

[6][6] محمد ضريف. النظام السياسي المغربي وجمود الانتقال. الحوار المتمدن-العدد: 6581 – 2020 / 6 / 2 . متاح على الرابط التالي: http://www.ahewar.org/

[7] حمزة المعطي. دستور المغرب الجديد.. 9 سنوات على ترسيخ الديمقراطية والحريات. العين الإخبارية. https://al-ain.com/

[8] محمد اشتاتو. سياسة الاستقطاب في المغرب. معهد واشنطن. 7 أيار/مايو 2019. متاح على الرابط التالي: https://www.washingtoninstitute.org/

[9] المعارضون في المغرب: إصلاحات الملك ليست كافية. 18 يونيو/ حزيران 2011. بي بي سي بالعربية.

3/5 - (2 صوتين)

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى