الجماعات الاسلاميةالدراسات البحثية

مستقبل تنظيم “داعش” بين التراجع المرحلى وتجاذبات القوى وتعدد الأحلاف

إعداد الباحثان : مسلم محمد هنيدى – محمد عمر الحنش 

  • المركز الديمقراطي العربي

ساهم ظهورما يسمى بتنظيم “داعش” في المنطقة العربية وليس في العراق فقط في يونيو 2014 في بروز حالة من الاستقطابات والتحالفات المحلية والإقليمية والدولية لمواجهته بشتى الصور, ورغم تعدد أسباب وتفسيرات نشأة التنظيم، فقد ساهمت أغلب القوى وعملت على استغلاله لتحقيق مصالحها ومشاريعها الإقليمية والدولية على حساب المنطقة العربية والتي عانت كثيرًا من حكم تسلطي، جاءثورات ما سمى بـ”الربيع العربي” لتعدل أو تغير من مساره، ولكنها حتى الآن فشلت في تحقيق مآربها باستثناء محدود في تونس ومصر, بل زادت عمليات القمع والإقصاء والتهميش من قبل الأنظمة العربية وخاصة التي فشلت فيها الثورات, وهذا ما أعطى مبررات أكثر لخطاب وأيديولوجية الجماعات والتنظيمات الإرهابية التي أوحت للكثير لاسيما الشباب من فشل تغير الأنظمة أو تعديل مسارها سلميًا، وهو ما أدى لانضمام جزء غير قليل من شباب تلك الشعوب للتنظيم، تحت دعوى الخلاص من التبعية العربية للغرب ومواجهةالاستبداد بوسائل عنف أكثر نفاذية، وهو ما جعلهم بمثابة الوقود البشري والحركي الفاعل لهذه التنظيمات، والتي لم تكتف بالعناصر العربية،بل سعت لضم مقاتلين أجانب من حوالي 70 دولة ويفوق عددهم 30 ألف مقاتل كما في حالة “داعش”.

ولكن رغم كل هذا الحشد وكثرة الدعم الخفي والمعلن لمثل هذه التنظيمات، فقد فشلت بشكل مبدئي حتى الآن أغلب الأطراف اليوظفتها من تحقيق أهدافها، بل انقلبت عليها، فلم تعد تستطيع السيطرة عليها كما حدث من قبل مع تنظيم “القاعدة” الذي أنشأته الولايات المتحدة الأمريكية بدعم حلفائها وشركائها لقتال الاتحاد السوفيتي في أفغانستان أواخر القرن المنصرم, ولكن بعدما فرغت هذه التنظيمات من هدفها تحولت لتضرب مؤسسها وحلفاءهم.

لذا،سيحاول هذا التقرير التركيز على حالة “داعش” كأحد أبرز التنظيمات الإرهابية الحالية، حيث سيستعرض وضعه الحالي وأبرز مؤشرات تراجعه خاصة بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا, ومحددات القوى الإقليمية والدولية من إعادة النظر في البقاء أو التعجيل بالقضاء على “داعش” بصورة ناجزة, وهو ما سيقود للنظر في مدى فاعلية التحركات المحلية والإقليمية والدولية في القضاء عليه من عدمه, ثم ينتهي بوضع تصور ورؤية استشرافية لمدى إمكانية القضاء على “داعش” أو استمرار توظيفه أو إيجاد بدائل له لتسهم في زعزعة استقرار المنطقة، خاصة بعد تعثر وتراجع خطة توظيف التنظيم لتدمير المنطقة.

أولاًـ وضع” داعش” الحالي ومؤشرات تراجعه:

رغم وجود نوع من الإجماع الدولي على التصدي لـ”داعش” وإن كان كل طرف أو مجموعة من الأطراف لهم أهداف خاصة من القضاء أو الإبقاء على التنظيم، وذلك بداية من “التحالف الدولي ضد داعش” بقيادة الولايات المتحدة وصولاً للتحالف الرباعي (تحالف استخباراتي) الذي عملت على إقامته موسكو بجانب إيران وسوريا والعراق، إضافة إلى مواجهة كل دولة على حدة للتنظيم على أرضها مثل مصر وتونس وليبيا وغيرها، إلا أن التنظيم ما زال باقيًا وإن لم يتمدد لكنه بات يتأرجح بيننوبات انحسار وإعادة تمدد، مما أسهم في إنهاك جيوش وقدرات الدول، بل وسيسهم في تنامي حالة التدخل الدولي من جديد في شئون المنطقة العربية باعتبار تواجد التنظيم على أراضيها، وبدعوى مواجهته بعد أن بات يشكل تهديدًا على الأمن الأمريكي والأوروبي، ما بعد استهدافهللغرب بعدد من العمليات التفجيرية المتعاقبة, ولكن بالنظر إلى أبرز مناطق تواجد “داعش” في سوريا والعراق أشار تقرير ميداني نشرته صحيفة الشرق الأوسط يوم 4/5/2016, نقلاً عن مركز “جسور” السوري المعارض، إلى تراجع تقدم النظام في المواجهة مع المعارضة المسلحة و”داعش”، وهذا يكشف تراجع الدعم الروسي العسكري, ويمكن توضيح أبرز نقاط التقرير كما يلي(1):

  • لا يزال “داعش”اللاعب الأول بسوريا حيث يسطر على 49% من الأرض، يليه النظام بـ27%، ثم الأكراد في 15%، ففصائل “الجيش السوري الحر” و”جبهة النصرة” التي توجد على مساحة 8% .
  • حساب المناطق الفعالة يغير المعادلات لأن أقل من نصف الأرض السورية يصنف في خانة الصحارى والغابات والبحيرات،وبهذا يتقلّص النفوذ الفعلي للتنظيم إلى 15%، ليتساوى مع النظام بـ15%، في حين يسيطر الكرد على 14%، أما “الجيش الحر” والفصائل الأخرى تسيطر على 7 %من الأرض.
  • تتركز مناطق ثقل النظام في محافظات “طرطوس” (100%) و”اللاذقية” (95%) و”السويداء” (93%)، ومحافظة مدينة دمشق (89%)، ومحافظة ريف دمشق (74%)، وحماه (52%), فيما ينحسر نفوذه في محافظات “درعا” (30%) و”حمص” (25%) و”القنيطرة” (19%) و”حلب” (12%)، ثم يتقلص إلى أقل من (2%) في “الرقة”، و(1%) في “دير الزور”، وينعدم وجوده في “إدلب”.
  • يتركز وجود”داعش”، في “دير الزور” بنسبة(98%) من أراضيها، ويتقاسم مع الميليشيات الكردية محافظة الرقة؛ فيسيطر على (75%) من أراضيها، ويسيطر في حلب على (49%) منها، وفي محافظات حماه (33%) وريف دمشق (21%) والحسكة (13%) والسويداء (5%) ودرعا (5%) ومدينة دمشق (1%) والقنيطرة (1%) وينعدم وجوده في طرطوس واللاذقية وإدلب.
  • يتركز وجودفصائل “الجيش الحر” ومعها “جبهة النصرة” في إدلب التي تسيطر عليها بالكامل، ثم في القنيطرة (79%) ودرعا (64%)، وحلب (16%) وحماه (15%) ودمشق (7%) وريف دمشق (6%) واللاذقية (5%) والسويداء (2%) وحمص (1%)، وينعدما في طرطوس والرقة والحسكة ودير الزور.
  • الميليشيات الكردية تسيطر على (84%) من الحسكة، بينما يتناقص حضورها في الرقة (25%) وحلب (24%) ودير الزور (1%) وينعدم في 10 محافظات.

وعليه، تؤكد هذه النسب أن التدخل العسكري الروسي رغم أنه أسهم في إنقاذ النظام بسبب فشل إيران التي دعمته ومنعت سقوطه بشكل كامل، إلا أن موسكو لم تستطع حتى الآن منذ تدخلها في 30 سبتمبر 2015, حسم المعركة والقضاء على “داعش” بصورة مطلقة, مع أنها حددت ثلاثة أشهر لمهمة قواتها الجوية, لمساعدة الجيش السوري في القضاء على التنظيمات الإرهابية، ولكن اتهمت من قبل أطراف دولية عدة وعلى رأسهم واشنطن أنها تستهدف المعارضة وليس الجماعات الإرهابية, وهذا ما أسهم في تفاقم معاناة السوريين وتنامي عمليات الإرهاب، ليس في سوريا، ولكن امتدادها لدول الجوار بل والغرب، وهذا ما اتضح في تفجيرات باريس نوفمبر 2015, وتفجيرات بروكسل مارس 2016.

وانتقالاً من عرض وجود “داعش” في سوريا والذي فقد حوالي 20% من مناطق سيطرته فيها يتبين أن موقف التنظيم أضعف في العراق بسبب توالي خسائر التنظيم، حيث خسر حوالي 40% من مناطق سيطرته،إذ فقد عدة مدن مثل تكريت وهيت والرمادي وغيرها، وتستعد الآن القوات العراقية بالإضافة لمشاركة إيران من خلال دعمها المباشر للميلشيات وتقديم الدعم والخبرة للعراق إضافة لضربات التحالف الدولي في القضاء على باقي معاقل “داعش”، لكن يبدو أن كافة هذه القوى فشلت حتى الآن منذ سقوط الموصل في يونيو 2014, ثم تمدد التنظيم في عدة مناطق مثل الأنبار وصلاح الدين, علاوة على عملياته التفجيرية في أغلب مدن العراق, في دحره عسكريًا، وهذا يبين أن التنظيم ما زال قادرًا على البقاء رغم الحشد الدولي والمحلي له, وكذلك رغم فقدانه ما بين 20 و30% من إجمالي مناطق سيطرته, وخسارته مدنًا ومناطق مهمة في سوريا مثل تدمر, ومقتل حوالي 22 ألف مقاتل من صفوفه منذ منتصف 2014 وحتى يناير 2016, من بين 35 ألف مقاتل، وذلك وفق تصريحات أدلى بها وزير الدفاع الفرنسي “جان لودريان”(2).

وبالانتقال إلى مناطق تواجد التنظيم في مصر وتركزه في سيناء ورغم الضربات العسكرية وفشل عناصره حتى الآن في فرض سيطرة كاملة على مدن أو مناطق بشكل كامل كما في العراق أو سوريا، إلا أنه ما زال قادرًا على البقاء وتسديد ضربات وعمليات تفجيرية ضد القوات المسلحة، بل القيام بعمليات مؤثرة مثل تفجيره في أكتوبر 2015, طائرة روسية مدنية أقلعت من مطار “شرم الشيخ” والتي ساهمت في التشكيك بدرجة كبيرة في قدرة الأمن المصري في القضاء على التنظيم, وما زالت عمليات “داعش” وخاصة في سيناء ضد أفراد الجيش والشرطة مستمرة مما يسهم في إنهاك النظام المصري، ولكن رغم ذلك ما زالت القوات المصرية قادرة على منع التنظيم من بسط سيطرته كاملة على أي مناطق في سيناء بصورة مطلقة(3).

وبالانتقال من مصر إلى ليبيا نجد أن التنظيم متواجد ويتمدد بقوة؛ إذ تشير تقارير غربية إلى وجود تخوف من استخدام “داعش” لليبيا كدولة بديلة له، بسبب التضييق عليه في سوريا والعراق. ومن جانبها، حذرت الأمم المتحدة في مارس 2016, من نمو التنظيم في ليبيا مع تدفق المقاتلين للانضمام له، كما أن المقاتلين الأجانب الذين كانوا يهربون للقتال في سوريا أصبحوا يذهبون لليبيا، وتبلغ قوات “داعش” في ليبيا حوالي 10 آلاف مقاتل, ويتواجد في البيضاء وبنغازي وسرت والخمس وفي العاصمة طرابلس(4).

وبما أن الوضع الليبي ما زال حتى الآن متشرذمًا ولم يتكون نظام سياسي قوي رغم اعتراف المجتمع الدولي بحكومة الوفاق الوطنية، إلا أن حالة الصراع والتفكك ساهمت وستساهم في توفير بيئة مناسبة وجاذبة لـ”داعش” والتنظيمات الإرهابية الأخرى, وهذا ما سيؤثر على دول الجوار خاصة مصر وتونس, ففي الأخيرة يقوم التنظيم أو المتأثرون بفكره بعمليات ضخمة مثل حادث متحف “باردو”, والذي وقع في مارس 2015, وأدت إلى مقتل حوالي 23 فردًا وإصابة آخرين من جنسيات مختلفة, وحادثة “بن قردان” في مارس 2016, والتي قتل فيها حوالي 40 فردًا من “داعش” وبعض عناصر الأمن والمدنيين, وأعلن على إثرها الرئيس التونسي أن بلاده تواجه حالة حرب(5).

ولا يقتصر وجود “داعش” على الدول العربية السابقة، بل له بعض التواجد وإن كان في شكل خلايا تابعة له مثل عملياته الإرهابية في السعودية والكويت والأردن ودول عربية أخرى خاصة مهاجمة الأهداف الشرطية وتفجير المساجد مثل مسجد قوات الطوارئ في “عسير” وحادث “القديح” بالسعودية ومسجد “الصادق” بالكويت, وهذا يوضح أن التنظيم أقوى من أية تنظيمات أخرى رغم توالي الضربات ضده، فما زال قادرًا على القيام بعمليات إرهابية قوية ومؤثرة في عدة دول سواء في أوربا أو استمرار قتاله للحفاظ على مناطق تواجده في الدول العربية.

ورغم ما يقال عن أن تدخل التحالف الدولي ضد التنظيم فضلاً عن التدخل الروسي خلافًا للدعم الإيراني المستمر والمباشر للنظامين العراقي والسوري, إلا أن التنظيم استطاع البقاء والتكيف حتى الآن لما يقرب من عامين, وهذا يؤكد فشل كافة الجهود حتى الآن لأنها تركز على الجانب العسكري والأمني، علاوة على غياب التنسيق الحقيقيوتنازع الأجندات واختلاف الأهداف, وقدرة التنظيم على استغلال هذه النقاط، بل إن البعض يتهم النظام السوري بالتنسيق مع التنظيم، حيث اعتبر البعض أن “داعش” لم يخسر مدينة “تدمر” بل تنازل عنها للنظام السوري في إطار صفقات معينة، بل إن النظام كان يشتري النفط من “داعش”.كذلك هناك اتهامات للجانب التركي بدعم “داعش” من خلال السماح للمقاتلين الذين يرغبون في الانضمام له بعبور أراضيها, إضافة لاتهام الجانب الخليجي وخاصة السعودية وقطر بدعم جماعات مسلحة أخرى من أجل إسقاط نظام “الأسد”، وذلك في إطار التنافس الإقليمي والتخوف الخليجي من محاصرة إيران لهم، حيث تتدخل طهران بشكل كبير في دول الجوار الخليجي مما يؤثر على أمنها، إضافة لدعمها بعض الشيعة الموالين لها مما قد يؤدي لزعزعة الأنظمة الخليجية, لذا يساهم كل هذا التناقض وكذا تحويل الحرب على “داعش” لحرب بالوكالة، في تشتيت جهود الحرب على التنظيم والتنظيمات الأخرى مثل “القاعدة” و”جبهة النصرة” .

ولكن رغم عدم القدرة حتى الآن في القضاء على “داعش”، إلا أن استمرار الضربات يسهم بشكل تدريجي في إضعاف مناطق سيطرة التنظيم, حيث أعلن مسئول في وزارة الدفاع الأمريكية يوم 4/4/2016, ارتفاع عدد عناصر “داعش” في ليبيا في الأشهر الأخيرة مقابل تراجعه في العراق وسوريا, حيث يوجد نحو 5000 عنصر من التنظيم في ليبيا، في حين ذكرت تقديرات سابقة أن هذا العدد يتراوح بين 2000 و3000, ورغم ذلك أوضح وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري”، أن التحالف الدولي أكد أن التدخل العسكري ضد الجهاديين ليس مطروحًا حاليًا، مفضلاً التركيز على تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا(6).

وهذا يوضح أن الموقف الدولي مشتت وبه مصالح متناقضة، فرغم علم الدول الكبرى بسعي التنظيم لنقل تمركزه إلى ليبيا أو على الأقل خلق قاعدة قوية له، إلا أنها استبعدت التدخل، وهذا يعزز سيطرة “داعش”, بل إنها تمنع دول الجوار من التدخل أو المساعدة مثل مصر التي يشكل وجود التنظيم في جوارها الغربي تهديدًا استراتيجيًا لأمنها القومي،حيث سيشكل ذلك ضغطًا على النظام المصري في جبهتين متباعدتين؛ تواجده في سيناء, وأكثر ما يقلق مصر أن هذا سيكون مبررًا لعودة الوجود الدولي في ليبيا مما يمثل تهديدًا فعليًا للأمن المصري وسعي بعض القوى مثل قطر وتركيا لإيجاد نظام موالٍ لها في ليبيا يختلف مع الرؤية المصرية.

ثانيًاـ محددات القوى الدولية والإقليمية من “داعش”:

بالنظر إلى نشأة التنظيمات الإرهابية نجد أنها لا تنحصر في بداية “داعش” فقط، بل سبق وأنشأت مثل هذه التنظيمات من قبل بدعم دولي وإقليمي واستغلت من أجل تحقيق أجندات معينة مثل “القاعدة” والذي دعمته الولايات المتحدة وبعض حلفائها وشركائها مثل السعودية إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان في الثمانينيات, وهو ما ساهم بدور كبير في دحر السوفييت, ولكن انقلب التنظيم بعد ذلك على داعميه ومؤسسيه, وداعش ليس استثناء رغم أنه خرج من رحم “القاعدة” إلا أنه انقلب عليها وعلى تصورها للعدو القريب والبعيد وأولوية مناطق القتال, وتجلى الانفصال في إعلان زعيم التنظيم “أبو بكر البغدادي” الخلافة في يونيو2014, ومطالبة الجماعات الجهادية بمبايعته, ورغم خطورة داعش ليس فقط على المنطقة العربية ولكن الغرب، إلا أن هناك اختلافًا في التصورات والمواقف الحاكمة وأجندات اللاعبين الدوليين والمحليين ضد “داعش”،ويمكن استعراض أبرز هذه المواقف كما يلي:

1ـ الموقف الأمريكي:

رغم قيادة واشنطن لـ”التحالف الدولي ضد داعش” في سبتمبر 2014، إلا أنها لم تستطع دحر التنظيم, بل إن البعض يشكك في رغبتها فى القضاء عليه، ويعدون ذلك من ضمن وسائلها لتقسيم المنطقة, إضافة لعدم تحركها بجدية من أجل رحيل نظام “بشار الأسد” الذي ساهم بقدر كبير في تنامي عمليات تدمير سوريا وإيجاد مبرر وحاضنة للتنظيمات الإرهابية, كذلك ما زالت واشنطن تدعم النظام العراقي الذي أسهم بقدر كبير في تنامي الطائفية، مما أوجد حالة من الغضب السني، وهو ما استغله “داعش” إضافة للتدخل الإيراني العسكري المباشر من خلال ميلشياتها أو من خلال إعداد وتدريب الميليشيات العراقية الموالية لها.

وباعتبار أن مدينتي الرقة بسوريا والموصل بالعراق هما معقل التنظيم، إلا أن الإدارة الأمريكية ما زالت لم تحسم موقفها من التدخل البري المباشر ضد التنظيم مكتفية ببعض ضرباتها وتقديم الدعم المخابراتي والتدريب, ورغم إعلان الرئيس “باراك أوباما” يوم 25/4/2016, أنه سيرسل 250 عسكريًا إضافيا لسوريا ليكون بذلك 300 عسكري من أجل تدريب القوات المحلية التي تقاتل ضد “داعش”, إلا أن هذا يعتبره البعض غير كافٍ من أجل دحر التنظيم, معتبرين أنه تجاهل سببًا جوهريًا لتنامي التظيم وهو بقاء “الأسد”، بل أوضح “أوباما”أناستخدام بلاده أو بريطانيا قوات برية للإطاحة بـ”الأسد” سيكون خطأ, لكن بالإمكان تقليص سيطرة “داعش” ببطء والسيطرة على معاقله بالموصل والرقة”(7).

وهنا يتجاهل “أوباما” دور النظام السوري في عمليات القتل بمساعدة روسيا وإيران, بل يقترب من الرؤية الروسية بحل الأزمة السورية، حيث رفضه استخدام قوات للإطاحة بـ”الأسد”, وهذا ما يساهم في استمرار حالة الصراع بين الفصائل المتحاربة والنظام مما يسهم في تشتيت جهود محاربة التنظيم.

وعلى جانب متصل، يوضح كبير محرري صحيفة (ديلي بيست) “مايكل وايس” أن الأحداث الجيوسياسية في المنطقة خلال العقد الماضي ساهمت في دعم “داعش”, وعزز الاتفاق النووي الإيراني نظرية المؤامرة التي يروّج لها “داعش”، وبين أن الأشخاص الذين ينتمون لفكر التنظيم قد لا يكونون متطرفين دينيًا، ولكنهم يؤمنون بأن الولايات المتحدة تعمل على تهميش السنة في الشرق الأوسط, وكذلك الغرب الذي ساهم في تعزيز صحة دعاية التنظيم(8).

بل إنه نتيجة للدور الأمريكي الغامض ورغم قيادتها للتحالف الدولي وتقديم الأسلحة والدعم الاستخباراتي للدول المواجه للتنظيمات الإرهابية, أوضح استطلاع للرأي أجرته مؤسسة “كونراد اديناور” الألمانية ومكتب “سيقما كونساي التونسي للدراسات الإحصائية”، و”المرصد العربي للأديان والحريات”, أن نحو نصف سكان شمال إفريقيا يحمّلون الولايات المتحدة مسئولية دعم “داعش”، وكذلك الغرب تسبب في تفشّي التطرف في بلدانهم, وقد شمل الاستطلاع خمسة بلدان: تونس والجزائر والمغرب وليبيا ومصر, وجاءت النتائج كالتالي(9):

  • في ليبيا اعتبر 58.8% أن الغرب هو سبب التطرف، وبلغت النّسبة 42.8% في مصر وتونس 30.4٪، والجزائر 49%، أما في المغرب فكانت النسبة 38.4%.
  • بشأن وقوف واشنطن خلف “داعش”، اعتبر 52.8 % من التونسيين بذلك، و59.1%من المصريين و49.4%من الليبيين و37.5% من المغربيين و48.1% من الجزائريين.
  • اعتبر أكثر من 80% من التونسيين أن “داعش” تشكل خطرًا على البلاد، في حين لم بلغت النسبة 39.4٪ في مصر و34٪ في المغرب.
  • أكد المشاركون في الاستطلاع، أن الالتحاق بـ”داعش” سببه تفشي البطالة والفقر والرغبة في الحصول على الأموال.

ومع ازدياد الضغط في الفترة الأخيرة على “داعش”, وتوجهه لنقل تمركزه في ليبيا, انطلقت معركة حكومة الوفاق الوطني ضد “داعش” لتحرير مدينة “سرت”،وبالتزامن مع ذلك نشرت واشنطن الآلاف من جنودها حول مدينتي مصراتة وبنغازي لخلق تحالف محلي لدعم الحرب ضد “داعش”، بل وأعلنت عزمها تخفيف القيود المفروضة على تسليح الجيش الليبي, ولكن هذه الإجراءات تؤكد كغيرها عدم جدية التحرك،الأمر الذي ساهم في إيجاد موطئ قدم لـ”داعش” في ليبيا استطاع من خلاله شن هجمات على دول الجوار كما في حدث”بن قردان” في تونس, وكذلك توفير بعض الموارد المالية للتنظيم وجل المقاتلين عن طريق البحر المتوسط لسيطرته على مدن ساحلية(10).

2ـ الموقف الأوربي:

انخرطت أوروبا وخاصة فرنسا وبريطانيا في مواجهة التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها “داعش”، حيث استهدف باريس في نوفمبر2015, بتفجيرات أودت بحياة أكثر من 120 فردًا, وفي مارس 2016 قام بتفجيرات بروكسل عاصمة بلجيكا قتل فيها أكثر من 30 فردًا, وتوضح هذه التفجيرات أن التنظيم لديه القدرة على القيام بعمليات نوعية وضرب أهداف قوية وذات رمزية معينة، حيث تعد بروكسل عاصمة للاتحاد الأوروبي, ومن يقومون بهذه التفجيرات متواجدين في أوروبا وحاصلين على جنسياتها، وهذا يؤكد قدرة التنظيم على اختراق صفوف الأوروبيين وجذب مقاتلين منهم للانضمام لصفوفه للقتال، لاسيما في سوريا والعراق, وخلق خلايا تابعة له، وهذا أدى لتنامي الإسلاموفوبيا وتهديد الوحدة الأوربية، مما دفع لتشديد الإجراءات الأمنية والعمل على خلق قوانين مقيدة للحريات, وتقييد سياسة التنقل بين دول الاتحاد.

وفي تعليق الكاتب الأمريكي “جورج فريدمان” على هجمات بروكسل التي سبقتها تفجيرات قوية أجراها التنظيم في اسطنبول يوم 19/3/2016, أكد أن نجاح العمليات الإرهابية للتنظيم في تركيا وبلجيكا سيمكن “داعش” من خلق فصيلاً في كل دولة يقاوم محاربة “داعش” خشية العواقب, كذلك سيستغل عدد السكان في الدولتين لتجنيد عملاء يمكنهم الانضمام إلى صفوف التنظيم, وحتى لو تعذر ذلك فإن التضييق الأمني من قبل الحكومات قد يدفع بشكل غير مباشر إلى تجنيد عملاء جدد وموالين للتنظيم كرد فعل على هذه الإجراءات(11).

ونتيجة لاختراق “داعش” للمجتمع الأوروبي اتخذت دوله إجراءات عسكرية وأمنية وفكرية، فلم تقصر مشاركتها في التحالف الدولي أو تقديم الدعم الاستخباراتي،وإنما سعت لخلق حلفاء لها في المنطقة ليقاتلوا أو على الأقل ليتصدوا نيابة عنها لمثل هذه التنظيمات، وهو ما يتضح في صفقات الأسلحة التي قدمتها لدول المنطقة العربية, خاصة فرنسا التي تنخرط بقوة في التصدي للتنظيم، حيث ازدياد نسبة المسلمين بها والمهاجرين جعل التنظيم قادرًا على تجنيد الكثيرين للقيام بعمليات متعددة ومؤثرة.

وعلى المستوى الفكري أعلنت باريس في خططها لمكافحة الإرهاب، أنها ستنشئ بنهاية 2017 مركزًا إعادة دمج في كل منطقة لمن اعتنقوا الفكر المتطرف أو المعرضين للالتحاق بالجهاديين, وخصص لها 40 مليون يورو إضافية حتى 2018، وعلى مدى عامين، وذلك مضاعفة قدرات متابعة الشباب الناشطين في الشبكات الجهاديين أو المعرضين للالتحاق بصفوفهم, واعتبر رئيس الوزراء الفرنسي “مانويل فالس” أن مكافحة الجهاديين تشكل التحدي الأكبر لبلاده، لذا وفقًا لهذه الخطة سيستقبل المركز التائبين الذين يجب اختبار صدقهم ورغبتهم في إعادة الاندماج في الوقت المناسب, لكن نصف المراكز على الأقل ستستقبل بناء على طلب السلطات القضائية الذين لا يمكن احتجازهم, وسبقت هذه الخطة خطط أخرى منها: إعادة تأهيل وتدريب الأئمة ورجال الدين الإسلامي لتقبل فكرة الإسلام المتناغم مع البيئة الفرنسية, إضافة إلى منع التمويل الأجنبي للمساجد, إذ تعد فرنسا أكبر دول أوربا تصديرًا لمقاتلي داعش، حيث يوجد حوالي 2000 فرنسي انضموا إلى القتال في سوريا بجانب داعش(12).

ورغم مشاركة بعض دول أوروبا في التحالف الدولي الذي يقوم بأعماله ضد “داعش” في العراق وسوريا، إلا أن دول أوروبا لم تتدخل في ليبيا لمنع التنظيم أو غيره من التنظيمات الاخرى في إقامة قاعدة بل دول له في ليبيا، نظرًا لما تمر به من حالة ضعف, إذ اكتفى البرلمان الأوروبي في قرار أصدره يوم 3/4/2016 بالدعوة لتشكيل تحالف دولي من أجل مواجهة تنظيم “داعش” في ليبيا قبل أن يطال جيرانها، وأن تركز دول الاتحاد الأوروبي دعمها لحكومة الوحدة الوطنية الليبية، بعد حصولها على ثقة مجلس النواب، وذلك بهدف مساعدتها على إعادة مؤسسات الدولة والعمل مع الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي “الناتو” والأطراف الإقليمية من أجل المساعدة على إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتشكيل جيش وطني يخضع لسلطة حكومة الوحدة الوطنية, حيث ترتب على انعدام مراقبة الحدود الليبية وغياب سلطة مركزية انتشار تهريب السلاح وحرية تنقل المجموعات المسلحة الليبية والأجنبية(13).

3ـ الموقف التركي:

منذ انطلاق “داعش” من الموصل بالتمدد الى جوارها، اُتهمت تركيا بأنها من الدول الداعمة لتكوين الدولة الإسلامية، بحكم أن الدولة الإسلامية هي دولة سنية مقابل دولة شيعية تحكم العراق, وعزز ذلك تمدد “داعش” إلى سوريا، وسيطرته على أجزاء واسعة من الشمال السوري وعدد من المعابر الحدودية مع تركيا دون أن تواجهه أنقرة عسكريًا، كما امتنعت أنقرة عن مقاتلة التنظيم بعد دخوله “عين العرب/كوباني”، ومحاولة تحريرها من قوات التحالف الدولي ووحدات حماية الشعب الكردية بحجة أن معظم سكان عين العرب السورية من الأكراد، ولم تستطع وحدات حماية الشعب من دخول “عين العرب” إلا بعد مساعدة تركيا عسكريًا لقوات البشمركة، وبهذا لم تورط بنفسها في محاربة التنظيم, بل اشترطت ـ وما زالت ـ للمشاركة في قتال التنظيم بفاعلية معالجة أسباب الصراع الحقيقية في سوريا والعراق، وفرض منطقة آمنة للشعب السوري في شمال سوريا تكون تحت الحماية الدولية، وفرض حظر جوي عليها، ودعمها بقوات الثورة السورية لحين قيام الحكومة السورية بعد سقوط “الأسد”, واعتبر الرئيس التركي “طيب أردوغان” أن الأحداث في سورية أصبحت تحدد الأمن الدولي، وأن “داعش” منظمة إرهابية سلطها نظام “الأسد” على الشعب لكسر مطالب الحرية والديمقراطية(14).

فقد اتهم الرئيس “أردوغان” في 8/5/2016, دول التحالف الدولي بأنها تركت تركيا وحيدة في مواجهة الجهاديين الذين شنوا هجمات عدة على أراضيها, موضحًا أن أحد لم يلحق خسائر بـ”داعش” مثل بلاده والتي دفعت ثمن ذلك أكثر من غيرها, حيث سبق أن تعرّضت تركيا في الآونة الأخيرة لعدة اعتدءات من قبل التنظيم، فمثلاً في أكتوبر 2015 أسفر هجوم للتنظيم عن مقتل أكثر من مائة فرد في أسطنبول, إضافة لتعرض مدنها الحدودية مع سوريا للقصف من التنظيمات الإرهابية, وردًا على ذلك تكثف أنقرة ضرباتها خاصة المدفعية على شمال سوريا ردًا على هذه الهجمات(15).

وربما تسعى تركيا للتأكيد على أنها تواجه “داعش” ولا تستغله كما يتهمها البعض, حيث بين رئيس هئية الأركان التركية”خلوصي آكار”، أن القوات التركية قتلت حوالي 1300 فرد من “داعش” في سوريا والعراق منذ بدايته وحتى مايو 2016, ودمّرت جزءًا من أسلحة ومواقع تابعة للتنظيم, وفي إطار الاستغلال التركي للأزمة والتخوف من إقامة دولة كردية على حدودها مما يساهم في انفصال الكرد الواقعين تحت سيطرتها, تعمل على تكثيف ضرباتها للكرد وتصنف جماعات عدة منهم كمنظمات إرهابية, إذ أوضح “آكار” أن بلاده تواصل محاربة منظمة “بي كا كا” الإرهابية، وأن تنظيم ” ب ي د” وجناحه المسلح “ي ب ك” يعدان جناح منظمة “بي كا كا” الإرهابية، في سوريا، وأن العلاقة بينهما وتعاونهما واضح(16).

ورغم النفي التركي الدائم بعدم دعم “داعش” في إطار استراتيجيتها لمنع إقامة دولة كردية في سوريا والتي ستؤثر عليها وستقوي التحركات الانفصالية التي يقودها أكراد تركيا, إلا أن هناك العديد من التسريبات حول الدعم التركي للتنظيم، وذلك من خلال تغاضي الحكومة التركية عن بعض عمليات “داعش” في المنطقة الحدودية مع سوريا، بل بموافقة ضمنية منها، وقد أشار لهذا الدور البرلماني التركي المعارض “أريم أرديم”، إذ اتهم سلطات بلاده بالتستر على نقل جرحى “”داعش” إلى تركيا وعلاجهم في بعض المراكز الصحية والمستشفيات, وسبق أن اتهمت موسكو أنقرة بدعم “داعش” عقب إسقاط إحدى طائراتها الحربية لاختراقها المجال التركي, لكنها تراجعت عن ذلك في ديسمبر 2015, حيث أكد وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” أن بلاده لم تتهم السلطات التركية بالتعامل مع “داعش”، بل أوضح أنه ليس لديهم أي سبب للاعتقاد بأن التعامل مع داعش هو توجه تتبناه السلطات التركية، لذا تناولت موسكو القضية من خلال قنوات سرية(17).

ولهذا، يتضح تضارب الموقف التركي كغيره من المواقف الدولية والإقليمية تجاه “داعش” وغيرها من التنظيمات الإرهابية, فتركيا وإن كان يمثل لها التنظيم تهديدًا فعليًا من خلال العديد من العمليات الإرهابية التي استهدفتها, إضافة لدوره في إغراق تركيا بأعباء اللاجئين, إلا أنها حاولت توظيفه من خلال دعمها الخفي له من أجل ضرب مناطق الكرد ومنع إقامة دولتهم, وكذلك استغلال أزمة اللاجئين من أجل الضغط على أوروبا في أزمة الهجرة, والعمل على إقامة نظام جديد تابع لها في سوريا بالتعاون مع بعض الشركاء الأقرب إليها في هذا الإطار ومنهم السعودية وقطر.

4ـ الموقف السعودي:

كان ولا زال رافضًا لوجود “بشار الأسد” في السلطة، ولطالما هددت الرياض ـ وما زالت ـ  على ضرورة الإطاحة بـ”الأسد” سياسيًا أو عسكريًا، وذلك في إطار حرب الوكالة الدائرة بينها وبين وإيران وأتباعها، حيث تعتبر السعودية ودول الخليج إيران المهدد الحقيقي لأمنهم واستقرارهم نتيجة الدعم الإيراني المستمر والمتواصل للجماعات الشيعية المناهضة لأنظمة الخليج الحاكمة, وسعيها لتطويق دول الخليج كما في اليمن من خلال دعمها لـ”الحوثيين”, وكذلك النظام العراقي الطائفي, ودعم “حزب الله” في لبنان, إضافة لدعمها اللامحدود لـ”الأسد”،إذ تعتبر أن الدفاع عن النظام السوري هو دفاع عن الأمن القومي الإيراني, لذا تتشدد الرياض وحلفاؤها مع “الأسد”، بدعمها جماعات مناوئة له وأبرزها “جيش الإسلام”, وكذلك قطر التي هناك حديث عن دعمها لـ”جبهة النصرة” الموالية لتظيم “القاعدة” وغيرها من الجماعات.

وفي إطار هذه المواجهة سعت الرياض لقيادة وحث الدول الكبرى خاصة واشنطن على التدخل البري من أجل الإطاحة بـ”الأسد”, لكنها فشلت حتى الآن في ذلك رغم قيادتها وإعلانها لـ”التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب”, والذي يتكون من 39 دولة, إلا أنه حتى الآن مجرد إعلان لم يصدر عنه أي تحركات فعلية في غطار ما جاء من أجله, بل ودفعت من أجل توظيف هذا التحالف للحصول على غطاء للتدخل في سوريا, كما حدث في اليمن وذلك تحت غطاء “التحالف العربي”, ولكنها هي من تقود فعليًا بجانب دولة الإمارات من أجل منع إقامة نظام موالٍ لإيران.

ورغم أن هدف التحالف هو العمل على تطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم محاربة الإرهاب، ووضع الترتيبات المناسبة للتنسيق مع الدول والجهات الدولية في سبيل خدمة المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب وحفظ السلم والأمن الدوليين, إلا أنه ما زال حتى الآن غير مفعل لتناقض أهداف المشاركين في التحالف مثل قطر وتركيا ومصر.. وغير ذلك, حيث ترفض مصر أي حل عسكري للأزمة في سوريا، بينما تدعم ذلك قطر وتركيا والسعودية, كذلك هناك تخوف من استغلال مثل هذه التحالفات للتدخل في الشئون الداخلية لأعضائه، حيث لم يقتصر التحالف على العمل ضد “داعش” فقط، ولكن أعلن أنه سيحارب أي منظمة إرهابية في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي(18).

فقد دفعت الرياض للاستفراد بحل الأزمة السورية لصالحها، بل همشت أقرب حلفائها في سوريا وهي قطر, إذ أعلن رئيس وزراء قطر السابق “حمد بن جاسم آل ثاني”، أن الدوحة كانت المحرك الأساسي في الأزمة السورية منذ 2012 لتنقلب عليها السعودية لاحقًا، وتحاول الاستئثار بالملف وحدها, حيث أعطيت الموافقة بأن قطر هي التي ستقود، لأن السعودية لم ترد في ذلك الوقت أن تقود, لكن بعد ذلك حصل تغيير في السياسة، وانتهى الأمر بتنافس البلدان مع بعضهما,حيث أرادت قطر دورًا كبيرًا لـ”الإخوان المسلمين” بخلاف السعودية, ولم يقتصر ذلك في سوريا بل شمل ليبيا, حيث أوضح “حمد” أن قطر والإمارات دعمت فصيلين متناحرين في ليبيا، وبسبب تعدد التدخلات في ليبيا فسدت ما كانت تخطط له قطر(19).

5ـ الموقف الإيراني:

دعمت إيران منذ بداية الثورة في سوريا نظام “الأسد” وما زالت، وفقدت العديد من قادتها في الحرس الثوري في معارك القتال، سواء في سوريا أو العراق, ولكن أغلب من يقتلون من جنودها والميليشيات التابعة لها يقتلون خلال المعارك مع جماعات المعارضة السورية, وهذا يوضح أن طهران تستهدف بالأساس المعارضة وليس “داعش”، بل إنها تستغله من أجل عمليات التجنيد في ميليشياتها الطائفية للتدخل في العراق وسوريا, إضافة لاستغلال تلك الأزمة في تقاربها مع الغرب وعقد تسوية لبرنامجها النووي في يوليو 2015, إضافة لدعم سياستها التوسعية في المنطقة العربية ومحاولة استغلال ذلك في دعم الحركات الموالية لها أو خلق حركات جديدة ودعم الحراك الشيعي في دول الخليج كما في الكويت والبحرين والسعودية, وهذا ما دفع في الفترة الأخيرة لوجود حالة تصعيد كبيرة تقودها دول الخليج لعزل إيران والموالين لها كما حدث في قمة منظمة التعاون الإسلامي الأخيرة في أسطنبول, إضافة إلى تصنيف “حزب الله” منظمة إرهابية.

وتلقي العديد من الدول العربية مسئولية تنامي “داعش” على إيران وغيرها نتيجة لدعمه الطائفية في العراق وتهميش السنة في العراق، وهذا ما أسهم في إيجاد حاضنة بيئية للتنظيم, حيث تنامي “القاعدة” ثم تولد “داعش” عنه نتيجة لعمليات الإقصاء والتهميش والقتل للسنة, وتعمل إيران على دعم هذا التوجه من أجل توظيف القضية في إطار طائفي لدعم تحالفاتها في العراق, وإيجاد مبرر لتواجدها العسكري المباشر, وعملت على هذا التوجه في سوريا, حيث اتهمت بالتعاون مع نظام “الأسد” بتمهيد الطريق لـ”داعش” منذ 2013 ودعمه ليتمكن من اختراق مناطق سيطرة المعارضة ويصبح طرفًا يُستَخدم في تشويه الثورة السورية ودعم رؤية “الأسد” بأن مَن يقاتلون النظام هم إرهابيون(20).

6ـ الموقف الإسرائيلي:

تعتبر إسرئيل من أكبر المستفيدين مما يجري في المنطقة من صراعات وانقسامات، حيث ضعفت بل تلاشت أكبر الجيوش العربية التي كانت تمثل تهديدًا فعليًا لها كما في العراق وسوريا, وها هيتحاول تكرارنفس السيناريو مع الجيش المصري, كما تسعى إسرائيل لتوظيف ذلك من أجل التأكيد على إرهابية حركات المقاومة الفلسطينية لتقوم بحملة قوية لاستئصالها،خاصة “حماس”.

وتعمل إسرائيل على تعظيم خطر الجماعات الإسلامية المتطرفة بصفة عامة لتحقيق أهداف سياسية للاستفادة مما يحدث في المنطقة, حيث تستفيد من انشغال دول المنطقة بمسار الحرب ضد الجماعات المتطرفة، وأولها “داعش”، وتناسي العدوان الصهيوني المتكرر على “غزة”, وإماتة القضية الفلسطينية بعدم القبول بحل الدولتين, كما تستثمر إسرائيل الوضع المضطرب الذي أوجده “داعش” بالمنطقة بالتحذير من خطره القادم إليه، كذريعة أمام المجتمع الدولي للتمسك بشرط الحفاظ على السيطرة الأمنية في منطقة “الأغوار”، وبقاء جيشها ضمن المنطقة الحدودية مع الأردن، مقابل رفض نشر قوات فلسطينية فيها، وبهذا تدعم مشروعها في “الضفة الغربية” المحتلة بزيادة الاستيطان إضافة لإبقاء “غزة” معزولة بدولة ونظام مستقلين، وإخراج القدس من مطلب التقسيم, كذلك تهدف إسرائيل للمساواة بين “حماس” و”داعش” ، لنزع سلاحها، وتصفية البنية التحتية للحركة.

لكن رغم سعي إسرائيل للربط بين “داعش” و”حماس” وأنهما على تعاون، إلا أنه في يوليو 2015 هدد “داعش” بالقضاء على “حماس” متهمًا إياها بأنها غير جادة لتطبيق الشريعة, كما تعهد التنظيم باقتلاع إسرائيل, ولكن هذا وإن كان موجودًا، فقد حدث تفاهم مؤخرًا بين مصر والحركة, مما حد من حالة التوتر التي كانت موجودة, وتعهدت الحركة بأن سلاحها موجه لإسرائيل وليس ضد أي أحد أو تعاونها مع من يهدد الأمن المصري(22).

ومن ضمن ما تستغله إسرائيل لتوظيف ما يحدث في سوريا هو العمل على نزع اعتراف دولي بشرعية احتلالها لـ”الجولان” السوري، حيث عقد لأول مرة مجلس الوزراء الإسرائيلي في إبريل 2016, اجتماعًا في “الجولان” من أجل السيطرة عليه، ومن أجل استغلال النفط والغاز المتواجد فيها, كذلك تعمل إسرائيل على استغلال الأزمة من أجل إيجاد حالة من التطبيع مع الدول العربية, للتصدي للأخطار المشتركة ومنها “داعش” وإيران(23).

ثالثًاـ مدى فاعلية التحالفات الإقليمية والدولية في محاربة “داعش”:

بالنظر إلى التحالفات التي شكلت من أجل محاربة “داعش” يتضح أنها غير فاعلة، بل هي التي أرادت ذلك، فرغم أن التحالف الدولي يضم حوالي 60 دولة،لكن مر حوالي عامان على إعلان “داعش” الخلافة ومال زال مسيطرًا على مساحات شاسعة في العراق وسوريا رغم إعلان فقدانه أكثر من نصف أراضيه في سوريا والعراق, حيث كل طرف في التحالف له أهداف خاصة في القضاء على التنظيم في بعض المناطق والسماح له في التمدد بمناطق أخرى مثل مناطق الأكراد، حيث ساعدت الولايات المتحدة الأكراد في طرد التنظيم من مناطق تواجدهم، وذلك في إطار القبول الغربي بوجود دولة للأكراد، وهذا ما يتعارض مع مصالح تركيا، وبالتالي تغاضت بل سهلت انضمام المقاتلين الأجانب لـ”داعش” لمنع سيطرة الأكراد, وزادت من عملياتها ضد الأكراد، وعملت على تصنيف جماعات الأكراد كمنظمات إرهابية، ولكنها فشلت؛ حيث القبول الغربي لهذه الجماعات, إضافة للدعم الروسي لهم بعد تدخله العسكري في سوريا خاصة بعد سعي تركيا لإقامة مناطق آمنة في “حلب” وإسقاطها المقاتلة الروسية والتي ترتب عليها تدهور علاقات البلدين.

كذلك روسيا التي تدخلت عسكريًا في الأزمة لدعم نظام “الأسد” بالتعاون مع إيران وسعيها لإقامة تحالف استخباراتي يضمهم بجانب العراق، ولكن حتى الآن فشلت موسكو في دحر “داعش”، حيث لم يفقد إلا حوالي 20% من أراضيه في سوريا, حيث ركزت روسيا ضرباتها على قوى المعارضة وليس “داعش”، لأنها أرادت بذلك هزيمة جماعات المعارضة أو على الأقل إضعافها لإجبارها على التفاوض مع النظام لتؤمن لنفسها نظامًا لا يتعارض مع مصالحها، خاصة أن نظام “الأسد” يمثل مصلحة استراتيجية لروسيا في الشرق الأوسط, بجانب إيران التي من المحتمل أن تتقارب سريعًا مع الغرب، لاسيما بعد توقيعها الاتفاق النووي, ولهذا تخوفت من عدم وجود حلفاء أو شركاء لها في المنطقة، وذلك بعد التضييق الغربي والعقوبات المفروضة عليها لدورها في الأزمة الأوكرانية, وبعد هزيمة المعارضة أو خضوعها للتفاوض سيتفرغ الجميع لـ”داعش”، لذااستغلت موسكو التنظيم من أجل إعادة تأهيل نظام “الأسد” وإقناع الغرب أنه الأفضل في محاربة الإرهاب ومنع تمدده إلى أوروبا.

وانتقالاً للتحالف الإسلامي العسكري لمواجهة الإرهاب بمشاركة 39 دولة حتى الآن، إلا أنه لم يتخذ خطوات حقيقية أو ظاهرة لمحاربة “داعش” أو غيرها كما جاء في بيان إعلانه، سواء عسكريًا أو فكريًا في إطار استراتيجية مشتركة, وهذا يرجع لعدم وجود توافق حقيقي بين الأعضاء المكونين له، إضافة لاختلاف بعض الأطراف الأساسية المشاركة في التحالف, بل هناك خلاف على تعريف الجماعات الإرهابية داخل التحالف، فهناك دول تصنف جماعات إرهابية وأخرى غير ذلك. ومنذ آخر اجتماع للتحالف في مارس 2016 لم يعلن عن اجتماعات أو ترتيبات أخرى، وهذا يؤكد ضعفه, ورغم أن “داعش” يتركز في العراق وسوريا إلا أن كلا البلدين غير منضم للتحالف، وبهذا من الصعب تدخل التحالف فيهما إذا أرادت التدخل فعليًا، إضافة لمحاولة دول الخليج خاصة السعودية إظهار التحالف على أنه حلف سني في مواجهة إيران الشيعة, وهذا يوحي بأن الغرض ليس منه محاربة الإرهاب، بل في إطار تنامي الطائفية وحروب الوكالبة بين إيران ودول الخليج نتيجة لتنامي التهديد الإيراني لدول الخليج.

وفي المقابل ورغم الحشد في هذه التحالفات إلا أن بعض الدول التي يتواجد فيها التنظيم نجحت في هدم بنيانه ومنعه من السيطرة على أية مناطق وإقامة نظام له, كما في مصر حيث نجحت مصر في التضييق على تنظيم “أنصار بيت المقدس” والذي بايع “داعش” وسمي بـ”ولاية سيناء” وتصفية العديد من قياداته وأتباعه رغم عملياته المتكررة والناجحة ضد القوات المصرية في “سيناء”، إلا أنه فشل فيما كان يصبو إليه من إقامة إمارة له في “سيناء”, ونتيجة لهذا الضغط عمل التنظيم على القيام ببعض العمليات في الداخل المصري من أجل تشتيت جهود القوات المصرية, لكنه فشل في ذلك, بل بدأ في نقل عناصره من “سيناء” والهروب إلى ليبيا, وبهذا تكون مصر قد قطعت الطريق على أي مساعٍ دولية للتدخل في محاربة التنظيم, خاصة بعد تفجير “داعش” الطائرة المدنية الروسية التي أقلعت من “شرم الشيخ”, بل إن مصر عملت وما زالت تسعى لمحاربة التنظيم في ليبيا أو على الأقل توفير الدعم لمن يحاربه وهي قوات اللواء “خليفة حفتر”, ولكن نتيجة للضغط الغربي والأمريكي لم تستطع مصر تقديم الدعم الكافي لقوات “حفتر”، وهذا ما يزيد من الضغوط على الأمن القومي المصري، حيث وجود “داعش” في ليبيا يمهد لتدخل العديد من القوى في ليبيا, وكذلك تشتيت جهود مصر في محاربة الإرهاب في “سيناء”(24).

بيد ان الجانب الأبرز يكمن في تركيز الحرب على التنظيمات الإرهابية على الجانب الأمني والعسكري، سواء من قبل التحالفات أو من قبل كل دولة على حدة, مع قلة التركيز على معالجة الأسباب الحقيقية للتطرف, ومنها الفقر واستبداد الأنظمة والطائفية، فاستبداد النظامين العراقي والسوري ساهما في تمكين “داعش” وغيره من التنظيمات الإرهابية التي طرحت نفسها حاميًا وبديلاً لمثل هذه الأنظمة, بالإضافة لتضييق الأنظمة العربية على جماعات الإسلام السياسي المعتدل، وهذا ما ساهم في تشدد المنتمين لهذه الجماعات، وانشقاق البعض عنها ولجوئه للتطرف لشعوره بأنه مستهدف في عقيدته وفكره, والرغبة من قبل الأنظمة الحاكمة في إقصائه بل وتهميشه.

ومن الملاحظ أيضًاالازدواجية في محاربة التنظيمات الإرهابية، فما تعده بعض الدول جماعات إرهابية لا تصنفها دولاً أخرى منظمات إرهابية، وهذا ما يساهم في تناقض سياسات مكافحة الإرهاب ودعم كل دولة للجماعات المناهضة لها, وقد حاولت الدول الكبرى التي تسعى لوضع قائمة بالتنظيمات الإرهابية في سوريا، إلا أنها فشلت، حيث لم يتفقوا سوى على “داعش” و”جبهة النصرة”, من بين عشرات الجماعات الإرهابية. فما تعتبره روسيا وحلفاؤها تنظيمات إرهابية لا يعتبرها غيرها هكذا مثل “أحرار الشام” و”جيش الإسلام” التي أفشلت واشنطن مؤخرًا قرار لمجلس الأمن قدمته روسيا باعتبارهما جماعة إرهابية, كذلك تركيا تسعى لتصنيف الجماعات الكردية في السورية ومنها “قوات سوريا الديمقراطية” منظمة إرهابية تعارض روسيا والولايات المتحدة ذلك, وهذا ما يسهم في تشتيت الجهود، بل دعم كل طرف للجماعات المناوئة لخصمه، ويكون المستفيد التنظيمات الإرهابية.

كذلك استغلت القوى الإقليمية والدولية “داعش” والتنظيمات الإرهابية من أجل تحقيق أهدافها التوسعية أو حروب الوكالة وإنهاك الخصوم، وهذا ما ساهم في زيادة معاناة شعوب المنطقة العربية, حيث تسعى دول الخليج وخاصة السعودية إلى استنزاف إيران في سوريا في إطار حرب الوكالة بينهما ومنعها من إعادة تأهيل “الأسد” أو إقامة نظام موالٍ لها، وكذلك تعتبر إيران الدفاع عن نظام “الأسد” دفاعًا عن أمنها القومي, وكذلك استغلت إيران “داعش” في العراق للتواجد عسكريًا وتقديم نفسها شريك للغرب في محاربة الإرهاب السني, ومن القوى التي استغلت التنظيمات الإرهابية إسرائيل حيث عملت على استنزاف “حزب الله”، وكذلك إيران واستهداف قادته وتقديم نفسها شريك للعرب السنة في مكافحة الإرهاب, أما القوى الكبرى فقد استغلت الإرهاب لتصفية نزاعاتهم ومحاولة نزع تنازلات واعترافات بالنفوذ كما بين روسيا والولايات المتحدة، حيث الضغط على روسيا نتيجة دورها في أوكرانيا, دفعها لاستغلال الأزمة السورية من أجل الضغط على أوروبا بالمهاجرين وعمليات الإرهاب, كذلك استغلت بريطانيا وفرنسا تمدد الإرهاب لطرح نفسيهما شركاء لدول المنطقة في محاربة الإرهاب في إطار السعي لإعادة التواجد في المنطقة وكسب دور جديد لعقد المزيد من صفقات السلاح وتغذية المخاوف من الإرهاب والطائفية لدعم مثل هذه الصفقات والتحالفات.

رابعًاـ مستقبل “داعش” في ظل تنازع الأجندات الدولية والإقليمية:

لقد تبين الآن للقوى الداعمة والمستغلة للتنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية بعد “ثورات الربيع العربي”، فشل هذه التنظيمات في تحقيق أهدافها, إضافة لإنهاكها جميع الأطراف, لهذا تعمل على إعادة النظر في توظيفها وأهمها “داعش”, فلا يمكن القول إنها نتيجة مؤامرة أو تدبير بشكل كامل من الغرب، ولكنه تنظيم انشق عن “القاعدة” محاولاً استغلال الظروف المحلية والإقليمية والدولية في دعم أهدافه، وبالتالي أصبح مستغلاً ومخترقًا من قبل عدة أطراف بجانب تنظيمات أخرى، وهذا ما أطال الصراع في المنطقة, وبدأت بعض الدول تعيد حساباتها وخططها المرحلية, خاصة القوى الكبرى التي سعت لاستغلال التنظيم لعودتها للمنطقة مرة أخرى, ولكن مع جذب هذه التنظيمات لعدد كبير من المقاتلين للقتال في مناطق الصراع, وقيام بعضهم بعمليات إرهابية في العمق الأوربي مثل تفجيرات باريس وبروكسل, مما أدى إلى مزيد من السخط الشعبي على هذه السياسات،إضافة لتداعيات ظاهرة الهجرة والإسلاموفوبيا على الأمن الأوربي دفع القوى الأوربية لمحاولة الدفع بالتعجيل للقضاء على “داعش”.لذا من الوارد أن تواجه القوى الدولية والإقليمية “داعش” على عدة مسارات،وهي:

  • إطالة عمر التنظيم: ربما ستعمل القوى الكبرى والإقليمة المستفيده منالتنظيم، إطالة عمره من أجل المزيد من إنهاك دول المنطقة العربية وتغذية حالة الاستقطاب الطائفي, وتغذية النزاعات الانفصالية حيث يجري العمل على تهيئة المنطقة لتقسيم جديد فمثلاً تعمل القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة على إقامة ثلاث دول في سوريا واحدة للسنة وأخرى للشيعة وثالثة للكرد, وكذلك في العراق, وتحاول استغلال ذات الأمر في ليبيا ولكن على أساس قبلي وعرقي وليس طائفي.
  • التعجيل بالقضاء على “داعش”: أدركت القوى المستغلة للتنظيمات الإرهابية فشلها في تحقيق أهدافها حتى الآن، وهذا ما جعل هذه التنظيمات تخرج عن سيطرتها،ما أدى لاختراقها من قبل الكثيرين، مما أسهم في زيادة التكلفة السياسية والمادية والعسكرية, لذا تسعى الآن القوى الكبرى والإقليمة لحل أزمات المنطقة خاصة في سوريا، حيث ترعى روسيا والولايات المتحدة المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة من أجل إنهاء الحرب الأهلية للتفرغ لقتال “داعش”, أما في ليبيا أعربت الولايات المتحدة والقوى العالمية الكبرى عن استعدادها لتسليح حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، لمساعدتها على محاربة “داعش”, وستدعم طلب ليبيا في مجلس الأمن لرفع الحظر المفروض على تسليحها, وذلك خلال اجتماعات فيينا يوم 16/5/2016, بين الحكومة الليبية وممثلي القوى الكبرى, وفي العراق تعمل الآن دول التحالف على توحيد الجهود لإطلاق معركة تحرير “الموصل” والتي تعد عاصمة ومعقل “داعش”(25).
  • إعادة تأهيل “داعش”: يبدو أن بعض الدول الكبرى تحاول التدخل لإعادة تأهيل التنظيم وإيجاد مناطق تمركز جديدة له في غرب أفريقيا وليبيا, حيث تروج الولايات المتحدة ومعها بعض الدول الأوربية أن جماعة “بوكو حرام” والمتواجدة في نيجيريا والتي بايعت “داعش” أصبحت أكثر فاعلية، وترسل مقاتلين ولهذا تريد واشنطن منعه ووقف تطوره(26).
  • إنتاج بديل لـ”داعش”: مع عدم قدرة “داعش” على تحقيق بعض أهداف داعميه ومستغليه من المحتمل أن تسعى القوى الدولية والإقليمية لتقديم جماعات بديلة لـ”داعش” أو تقوية جماعات تخطتها “داعش” مرة أخرى كـ”القاعدة”، والتى تحاول إعادة نفسها مرة أخرى لساحات الجهاد, وهو ما اتضح في دعوة زعيمها “أيمن الظواهري” في مايو 2016, المجاهدين بالتوحد لمواجهة العدوان الروسي الأمريكي الرافضي النصيري (الطائفة العلوية التابع لها بشار الأسد)على سوريا والعراق كما دعا “حمزة بن أسامة بن لادن” في رسالة صوتية المجاهدين للاتحاد لقتال الغرب في بلاد الشام(27).

وختامًا، ربما تظل الحقيقة الراسخة التي لا تقبل المورابة، أن ميلاد التنظيم لم يكن بمحض الصدفة المطلقة، مثلما لم يكن ما سمى بالربيع العربى” صناعة عربية محلية خالصة، وإنما قد أسهم فيميلاد وتواجد الحالتين عدد من القوى الدولية والاقليمية والعربية المغرضة، والتي لا تريد استقرارًا سياسيًا وعسكريًا ومن ثم تنمويًا لدول الوطن العربي، الذي بات اصطلاحًا مكتوبًا على الورق، لكنه لم يعد فاعلاً على الأرض، مثلما في الماضي، ما قبل أن تتعرض المنطقة لتلك الهزات والتكتيكات المصنوعة، بهدف تدمير الكيان العربى، لصالح أطراف وكيانات أخرى.

وعليه، لا جدوى من تعدد التحالفات والتحركات التي تزعم أنها تسعى لوأد شأفة كل ما من شأنه أن يقوف نزيف التماسك العربى كوحدة سياسية وجغرافية واقتصادية وثقافية واحدة، أو حتى يستبقى على وحدة كياناته السياسية دون تفتيت أو منازعة، مالم تصدق تلك الجهود نوياها المعنلة مع بواطن أهدافها وتكتيكاتها الذاتية والمصلحية غير المعلنة.

بل سيظل الواقع العربى يُصنع ويُدار من الخارج لحساب اطراف غير عربية، دون أي دور للعرب كطرف أصيل في المنطقة، أو عبر استغلال أيادٍ عربية لطالما تحركت خارج السرب العربي، كما ربما تواصل سعيها الدءوب على نفس الشاكلة غير عابئة بخطورة دورها المسوم في تدمير المنطقة، لصالح أطراف لطالما ارتوت وتعايشت على ينابيع الدم العربي الطاهرة.

الهوامش:

(1) الشرق الأوسط تنشر خرائط انتشار القوى في سوريا: داعش الأكثر سيطرة على الأرض والنظام لم يستفد من الدعم الروسي وقواته تسيطر على محافظة واحدة بالكامل.. والأكراد يغيبون عن عشر, الشرق الأوسط, 4/5/2016.

(2) مقتل 22 ألف عنصر من داعش منذ صيف 2014, العربية نت, 22/1/2016.

(3)”داعش سيناء” يزعم إسقاطه للطائرة الروسية ومصر تنفي, العربية نت, 31/10/2016.

(4) سالي حسام الدين, الحرب والسياسة.. الصراع في ليبيا “مالوش آخر”, دوت مصر, 26/4/2016.

(5) عملية بن قردان.. الجيش التونسي يجهز على 6 إرهابيين آخرين, روسيا اليوم, 9/3/2016, وانظر: تونس.. 23 قتيلاً و50 جريحًا في هجوم متحف باردو, العربية نت, 19/3/2015.

(6) مسؤول أمريكي: تراجع داعش بالعراق وسوريا وتقدمه بليبيا, الشرق الأوسط, 4/4/2016.

(7) أوباما يرسل 250 جنديًا أمريكيًا إضافيًا لسوريا لمحاربة داعش, موقع 24 الإماراتي, 25/4/2016.

(8) داعش يكرس سطوته الفكرية.. سياسة واشنطن في الشرق الأوسط أفادت ماكينته الدعائية, الشرق الأوسط,21/3/2016.

(9) نصف سكان شمال إفريقيا يرون أن أمريكا “تقف وراء داعش”, وكالة الأناضول للأنباء, 10/5/2016.

(10) واشنطن مستعدة لتخفيف حظر السلاح وتنشر 25 من جنودها في موقعين ليبيين, البيان الإماراتية, 14/5/2016.

(11) جورج فريدمان, رسالة بروكسل: استراتيجية “داعش” للتمدد الأوروبي من تركيا إلى بلجيكا, المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية, 23/3/2016.

(12) مراكز إعادة الدمج..هل تنجح خطة فرنسا في مواجهة “داعش” فكريًّا؟9/5/2016.

رابط إلكتروني:http://www.islamist-movements.com/35491.

(13) البرلمان الأوروبي يدعو لتحالف دولي لمحاربة داعش بليبيا, العربية نت, 4/4/2016.

(14) محمد زاهد جول, الموقف التركي من تنظيم الدولة “داعش”, السورية نت, 15/7/2015.

رابط إلكتروني:http://www.turkpress.co/node/10519

(15) أردوغان: التحالف ترك تركيا وحيدة في مواجهة “الجهاديين”,إيلاف, 9/5/2016.

(16) رئيس الأركان التركية: قتلنا قرابة 1300 إرهابي من داعش, وكالة الأناضول, 11/5/2016.

(17) تسريبات تكشف دور الحكومة التركية مع تنظيم داعش, 15/5/2016.

رابط إلكتروني:http://forsanalmidan.com/?p=16484

وانظر روسيا تتراجع عن اتهام تركيا بالتعامل مع “داعش”, هافينجتون بوست عربي,9/12/2015.

(18) التحالف الإسلامي العسكري.. 39 دولة تحارب “الإرهاب”,  الجزيرة نت, 15/12/2016.

(19) رئيس وزراء قطر السابق يكشف سر الخلاف القطري السعودي, وكالة سبوتنيك, 20/4/2016.

(20)عبد الوهاب بدرخان, مخاطر الاستغلال الدولي لـ “الحرب على داعش”, السورية.نت, العرب القطرية, 28/12/2015.

(21) نادية سعد الدين, التوظيف الإسرائيلي لتهديدات “داعش” و”النصرة”, 10/5/2016.

رابط إلكتروني:http://www.siyassa.org.eg/NewsQ/4963.aspx

(22) تنظيم “الدولة الإسلامية” يهدد بالقضاء على حماس في غزة, فرانس 24, 1/7/2015,

(23) محمد صالح الفتيح,إسرائيل ونفط الجولان: محاولة بناء وقائع جديدة,, جريدة السفير, 13/5/2015.

(24) “أنصار بيت المقدس” يفرون من سيناء إلى ليبيا.. ويتقاتلون على تخوم طرابلس, الشرق الأوسط, 9/5/2016.

(25) القوى الكبرى مستعدة لتسليح حكومة الوحدة في ليبيا لمواجهة تنظيم الدولة, بي بي سي, 16/5/2016.

(26) مسئول أمريكي: بوكو حرام ترسل مقاتلين لـ”داعش ليبيا”, بوابة الوسط, 13/5/2016.

(27) هل يستعد حمزة بن لادن لزعامة “القاعدة” بعد والده؟, عربي 21, 13/5/2016.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى