fbpx
الدراسات البحثيةالمتخصصة

آليات عملية “إنشاء مناطق آمنة في سوريا” المخاوف والقيود والدروس المستخلصة

اعداد : عمار شرعان – المركز الديمقراطي العربي

سيمثل إنشاء مناطق آمنة تحولا كبيرا في السياسة الأمريكية. فقد عارض الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما الفكرة التي ستتطلب التزاما بالدفاع عن مثل هذه المناطق من هجمات للحكومة السورية أو حلفائها الأجانب ومن بينهم روسيا.

وأبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  شبكة (إيه.بي.سي نيوز) يوم الأربعاء أنه سيعمل على “إقامة مناطق آمنة في سوريا” للاجئين الفارين من العنف وأن أوروبا أخطأت باستقبالها ملايين اللاجئين من سوريا.

لكن محللين يشككون في أنه سيمضي قدما في خطوة قد تستدرج واشنطن إلى غمار الحرب وتسًرع بتشرذم سوريا وتهدد بصراع مع روسيا.

وقال كارل شيمبري المستشار الإعلامي الإقليمي بالشرق الأوسط للمجلس النرويجي للاجئين إنه بناء على تجارب المجلس “نحن نعلم أن ‘المناطق الآمنة‘ المفروضة عسكريا نادرا ما تجدي نفعا ويمكن فعليا أن تعرض المدنيين لمزيد من المخاطر.”

قال خبراء إن تحرك الرئيس الأمريكي من أجل إقامة مناطق آمنة في سوريا قد يدفعه لاتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر بشأن المدى الذي يمكن أن يبلغه في حماية اللاجئين بما في ذلك إسقاط طائرات سورية أو روسية أو الالتزام بنشر آلاف الجنود الأمريكيين.

أما ترامب فيرى فيما يبدو المناطق الآمنة سبيلا لوقف تدفق اللاجئين الذين يعتبرهم تهديدا محتملا لأمن الولايات المتحدة.

لكن لا إجابات واضحة فيما يتعلق بكيفية تجنب الولايات المتحدة للمشاكل التي منعتها من إقامة مناطق آمنة في سوريا من قبل ومنها التعقيدات التي تنطوي عليها حراسة مثل هذه المناطق الواقعة في منطقة حرب تعج بجماعات مسلحة.

وحولت الحرب المستمرة منذ نحو ست سنوات سوريا إلى رقع من الأراضي بعضها يسيطر عليه الأسد وأخرى تسيطر عليها جماعات المعارضة المسلحة بينما تسيطر على البعض الآخر فصائل كردية مسلحة أو تنظيم الدولة الإسلامية.

وتركزت المناقشات السابقة بشأن المناطق الآمنة في سوريا على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة في شمال غرب سوريا والتي تمتد من محافظة إدلب حتى نهر الفرات. واعتبرت المناطق في جنوب غرب البلاد عند الحدود مع الأردن مكانا محتملا أيضا.

لكن التعقيدات زادت منذ أن دعت المعارضة السورية أول مرة إلى إقامة مناطق آمنة ومن بين تلك التعقيدات نشر قوات لسلاح الجو الروسي في سوريا.

ومن المتوقع وفقا لوثيقة اطلعت عليها رويترز أن يأمر ترامب خلال الأيام المقبلة وزارتي الدفاع والخارجية بصياغة خطة لإقامة مناطق آمنة في سوريا ودول قريبة.

ولم تحدد الوثيقة ما الذي يجعل مناطق من هذا النوع “آمنة” وما إن كانت ستحمي اللاجئين من الأخطار على الأرض فقط – مثل خطر المقاتلين المتشددين – أو إن كان ترامب يتوقع إقامة منطقة حظر طيران تشرف الولايات المتحدة وحلفاؤها على مراقبتها.

وإذا فرضت منطقة حظر طيران دون التفاوض على اتفاق من نوع ما مع روسيا فسيتعين على ترامب أن يقرر إن كان سيمنح الجيش الأمريكي سلطة إسقاط طائرات سورية أو روسية إذا شكلت خطرا على الناس في تلك المنطقة وهو الأمر الذي رفض سلفه باراك أوباما القيام به.

وقال جيم فيليبس خبير شؤون الشرق الأوسط بمؤسسة هيريتدج البحثية في واشنطن “هذا في جوهره يعني الاستعداد لخوض حرب من أجل اللاجئين” مشيرا إلى دفاعات روسيا الجوية المتقدمة.

ووعد ترامب خلال حملته باستهداف المتشددين من تنظيم الدولة الإسلامية وسعى لتفادي الانزلاق بصورة أكبر في الصراع السوري الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن إن كان سيكتفي بتأكيدات – ربما من موسكو – بألا تستهدف طائرات روسية أو سورية المناطق الآمنة.

تشكل دعوة ترامب لإقامة مناطق آمنة جزءا من توجيهات أشمل من المنتظر توقيعها خلال الأيام المقبلة وتتضمن حظرا على دخول معظم اللاجئين للولايات المتحدة وتعليق إصدار تأشيرات دخول لمواطنين من سوريا وست دول أخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا ينظر لها باعتبارها مصدر خطر إرهابي محتمل.

وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية وبعدها دعا ترامب لإقامة مناطق حظر طيران لإيواء اللاجئين السوريين بدلا من لسماح لهم بدخول الولايات المتحدة. واتهم ترامب إدارة أوباما بالتقاعس عن التحري عن اللاجئين السوريين الذين يدخلون الولايات المتحدة للتأكد من أنه لا صلة لهم بالمتشددين.

ومن شبه المؤكد أن تتطلب أي منطقة آمنة في سوريا – تضمنها الولايات المتحدة – درجة من درجات الحماية العسكرية الأمريكية. ويقول مسؤولون أمريكيون سابقون وخبراء إن تأمين البر وحده سيتطلب آلاف الجنود.

وحذر أنتوني كوردسمان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن تصبح المناطق الآمنة داخل سوريا لعنة دبلوماسية تجبر إدارة ترامب على التعامل مع مجموعة من التوترات العرقية والسياسية في سوريا إلى أجل غير مسمى.

وقال خبراء آخرون إن من الممكن أن تجتذب المنطقة الآمنة متشددين إما لتنفيذ هجمات – وهو ما قد يحرج الولايات المتحدة – أو لاستخدام المنطقة مأوى يمكن للمتشددين إعادة تنظيم صفوفهم فيه.

كما أن إقامة مثل هذه المناطق سيكون مكلفا نظرا لضرورة توفير أماكن إيواء وطعام وتعليم ورعاية طبية للاجئين.

وقال كوردسمان “أعتقد أن هؤلاء الناس ليست لديهم أي فكرة عما يتطلبه توفير الدعم لخمسة وعشرين ألف شخص وهو رقم صغير في حقيقة الأمر فيما يتعلق (بالنازحين) واللاجئين” في سوريا.

المقدمة:

مع فرار الآلاف من اللاجئين السوريين من الهجوم الذي يشنه نظام الأسد بدعم من روسيا وإيران لتطويق مدينة حلب، أكبر مدينة في سوريا، ومع إشارة المسؤولين في الاستخبارات الأمريكية إلى اختراق تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») لموجات اللاجئين الضخمة المتجهة الى الغرب هذا العام، حان الوقت لقيام واشنطن بمساعدة الدول المجاورة لسوريا على معالجة الاحتياجات الإنسانية للسوريين الذين فروا إلى هذه البلدان.

وصلت الحرب الأهلية السورية الوحشية إلى نقطة التأزم، مع أكثر من 12 مليون سوري من غير مأوى. كما قد انتشر سرطان هذه الحرب وتفشى إلى الدول المجاورة وإلى قلب أوروبا. وقد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط لجيل بأكمله.

وقد تكون القضية السورية من أكثر التحديات العالمية الحاسمة إرباكاً التي تواجهها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في عامها الأخير.

  • إنشاء مناطق عازلة في سوريا الخطوة الأمريكية الأولى لحماية المدنيين من تنظيم “داعش”:

حدد أندرو جيه. تابلر هو زميل “مارتن غروس”خطوات كجزء من طاولة مستديرة بعنوان “غرفة للنقاش” حول تحرك الولايات المتحدة في سوريا.

وتتجلى الخطوة الأولى الأفضل لمواجهة تهديد المهاجرين من تنظيم «الدولة الإسلامية» في قيام الولايات المتحدة و”حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”) بحماية المدنيين السوريين في المناطق العازلة الموجودة بالفعل على طول الحدود السورية ورعايتهم.

لقد تسببت المخاوف بشأن اختراق تنظيم «داعش» لصفوف اللاجئين إلى قيام الأردن أساساً بإغلاق حدودها العام الماضي، واختارت رعاية اللاجئين السوريين في المناطق العازلة التي بنيت في الأرض المحايدة بين الحدود السورية والأردنية.

وفي حين أن هذه المناطق لا تزال تفتقر إلى الاحتياجات الأساسية لمخيمات اللاجئين الملائمة، يمكن لهذه المناطق، إذا تم تحسينها بشكل كبير وضمان أمنها، أن تشكل قاعدة للجهود الرامية إلى حماية السوريين ورعايتهم في بيئة محصورة. وستحتاج مثل هذه المناطق إلى ضمان أمنها من قبل القوات العسكرية للدول المجاورة لسوريا، مثل تركيا والأردن، ولكنها ستتطلب أيضاً دعم القوات الجوية والقوات الخاصة الأمريكية، وهي المساندة التي رفضت واشنطن حتى الآن تقديمها.

إن ذلك يمكن أن يضفي طابعاً رسمياً فعلياً على المناطق العازلة التي بقيت قائمة على طول الحدود السورية لسنوات.

وقد شكّل قرب هذه المناطق من الدول المجاورة لسوريا رادعاً طبيعياً للضربات الجوية لنظام الأسد لسنوات. ولكن في ظل ازدياد حدة التوتر بين روسيا وتركيا إثر عملية إسقاط الطائرة الروسية في أواخر العام الماضي، فإن زيادة هذا الردع يحتاج إلى دعم من قبل الولايات المتحدة و”حلف شمال الأطلسي”، ولا يقتصر فقط على الدعم الجوي، بل على أرض المعركة أيضاً.

وعند حمايتها بشكل صحيح، يمكن توسيع هذه المناطق العازلة إلى “مناطق آمنة” محمية من الجماعات الإرهابية التي تعمل ضمن إطار المعارضة، والنظام والمناطق التي يسيطر عليها الأكراد في سوريا من خلال جهود منسقة من دول الجوار. وفي وقت لاحق، يمكن لهذه المناطق أن تكون بمثابة قاعدة لممرات إنسانية إلى المناطق المحاصرة من حلب وأماكن أخرى، وذلك بدعم من الإنزالات الجوية.

ويقول “نيكولاس بيرنز” هو أستاذ في جامعة هارفارد : نحن نعتقد أن الرئيس أوباما لم يعد قادراً على تجنب تقديم قيادة أمريكية أكثر قوة لعكس هذه الموجة العاتية من المعاناة والعنف في بلاد الشام. فالمصالح الاستراتيجية الأمريكية فضلاً عن واجب الولايات المتحدة الإنساني كأقوى دولة في العالم تحتم على واشنطن إجراء تغيير في الاستراتيجية، وفي الأفكار أيضاً.

ومع انتهاء المحادثات، سيتعيّن على أوباما وكيري النظر أيضاً في اتخاذ تدابير أكثر قوة لحماية ملايين المدنيين المعرضين للخطر، بما في ذلك إنشاء ممرات إنسانية للوصول إلى أولئك المعرضين لهجمات جوية تشنها الحكومة ولهجمات أخرى من قبل المنظمات الإرهابية على الأرض.

والأهم من ذلك، نحن نعتقد أنه سيتوجب على فريق أوباما إعادة النظر بما رفضه في الماضي، أي إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا لحماية المدنيين، إلى جانب إقامة منطقة حظر جوي لحماية هذه المنطقة.

وفي حين يتمتع الجيش الأمريكي بخبرة تخوله أن يقرر كيفية إنشاء مثل هذه المنطقة، يمكن أن يتمثل أحد الخيارات في تحديد أكثر من 25 إلى 30 ميلاً جنوب الحدود التركية، مع روابط إلى المناطق التي يسيطر عليها الثوار الأكراد السوريون.

وسيكمن هدف هذا الخيار الرئيسي في مساعدة القوات المحلية على طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» وتوفير ملاذ آمن للمدنيين إلى حين إنهاء الحرب.

  • أهم المبررات القانونية لإقامة منطقة آمنة في سوريا وآلياتها:

ينبغي على أي مناقشة بشأن فرض منطقة حظر جوي أو منطقة آمنة أو منطقة عازلة مماثلة داخل سوريا، أن تقوم بتحليل المبررات القانونية الممكنة لمثل هذا الإجراء.

وتطرق “جيمس جيفري” وهو زميل متميز في زمالة “فيليب سولوندز” لمختلف القوانين المعمول بها والصلاحيات التنفيذية داخل الحكومة الأمريكية، وآليات الأمم المتحدة ذات الصلة، والمسألة الأوسع نطاقاً المتعلقة بالدعم الدبلوماسي الدولي.

-الاعتبارات القانونية المحلية:

كان “التفويض باستخدام القوة العسكرية” الذي صدر بتاريخ 18 أيلول/ سبتمبر 2001 المحرك القانوني الأساسي الذي مكّن الولايات المتحدة من شنّ عمليات ضدّ تنظيم «القاعدة» [في ذلك الحين]، وتنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») مؤخراً.

وقد طمأن وزير الدفاع الأمريكي آش كارتر المشرعين خلال شهادته أمام “لجنة الخدمات المسلحة” في مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 9 كانون الأول/ ديسمبر 2015 إلى أنّ هذا “التفويض” أساس قانوني كافٍ لجميع العمليات ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية»، بما في ذلك في سوريا. وبالتالي، قد يبدو أنّ مسألة إقامة منطقة آمنة أو منطقة حظر جوي بهدف عرقلة خطوط الاتصال الخاصة بـ تنظيم «داعش» تقع ضمن السلطة القانونية المحلية القائمة لإدارة أوباما والتي تتيح لها شنّ عمليات ضد التنظيم.

وتستطيع الإدارة الأمريكية القول إنّ أنشطتها تدعم قرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي يدعو بشكل خاص إلى المساعدة الإنسانية داخل سوريا، وذلك لتبرير الأهداف الأدنى الهامة للمنطقة، ألا وهي حماية المدنيين ووقف تدفق اللاجئين السوريين المزعزع للاستقرار إلى تركيا وأوروبا.

ان للولايات المتحدة سوابق كثيرة فيما يتعلق باستخدام أفراد عسكريين لمساعدة المحتاجين في الكوارث الطبيعية أو الحروب (على سبيل المثال، الإنزالات الجوية في البوسنة و”عملية توفير الراحة” في شمال العراق).

ولكن الهدف الضمني القاضي باستخدام منطقة آمنة لممارسة الضغط على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس يشكّل مشكلة أكبر.

وقد يكون فشل تحالف الأسد في تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254 واتفاق ميونيخ من 12 شباط/ فبراير أحد المبررات السياسية لهذا الهدف – وكانت روسيا قد وقّعت على الاتفاق الأخير، كما أنّ كلاً من موسكو وطهران طرف في القرار رقم 2254. بالإضافة إلى ذلك، وثّقت العديد من التقارير الإعلامية عملية سرية بإدارة “وكالة الاستخبارات المركزية” لدعم المعارضة المسلحة ضدّ نظام الأسد. وبموجب سياسات العمل السري للولايات المتحدة، ينبغي أن توافق لجان الكونغرس المعنية على مثل هذه الأنشطة. ولا يرقى ذلك إلى مصاف موافقة قانونية من الكونغرس، بل يشكل دليلاً داعماً (وإن كان غير مباشر نظراً لتصنيف لجنة “الاستنتاجات” بشأن هذه المسائل) لفكرة أنّ الأجهزة المختصة في الكونغرس قد وافقت عموماً على جهود الإدارة الأمريكية لمساعدة المعارضة.

وينبغي أن تكون السلطة الدستورية للرئيس الأمريكي كقائد أعلى للقوات المسلحة والمادة 51 من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (الذي أنشأ الحق الأصيل في الدفاع عن النفس) أسباب كافية لتبرير الإجراءات الدفاعية لحماية المنطقة الآمنة والعناصر المتمركزة فيها.

ولكن من المؤكد أنّ هناك حدود لذلك، فمن غير المرجح أن يشكّل “التفويض باستخدام القوة العسكرية” الصادر في عام 2001 وسيلةً تسمح بشن هجوم وقائي على أنظمة الطائرات والدفاع الجوي الروسية أو السورية بناءً على مبررات حماية منطقة تهدف إلى التخفيف من قدرة تنظيم «الدولة الإسلامية».

وأخيراً، سيكون من الحكمة بمكان أن تتّخذ الإدارة الأمريكية خطوات متسقة مع “قانون سلطات الحرب” – أي إخطار الكونغرس ودفعه لأن يأذن بعملية ضمن المدة المحددة بما بين ستين وتسعين يوماً. ومن شأن هذه المقاربة أن تشير أيضاً إلى جدية الولايات المتحدة أمام حلفائها وأعدائها على حد سواء.

-الاعتبارات القانونية الدولية:

كجزء من تقرير “معهد دراسات الحرب” لشهر تشرين الثاني/نوفمبر بعنوان “خيارات الولايات المتحدة فيما يتعلق بمنطقة حظر الطيران في سوريا”.

ربما الأفضل، للجوانب القانونية الدولية لفرض منطقة حظر جوي. ولو افترضنا بصورة معقولة أنه لن يكون ثمة أي تفويض من قبل مجلس الأمن الدولي لإقامة منطقة مماثلة، تتضح ثلاثة مبررات قانونية محتملة:

قرارات مجلس الأمن بشأن تنظيم «الدولة الإسلامية»: هنا يستشهد “معهد دراسات الحرب” بقرار مجلس الأمن رقم 2170، والذي يخوّل الدول بالتحرك ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذي على أساسه قامت الولايات المتحدة وغيرها من دول التحالف بشنّ عمليات عسكرية في سوريا دون الحصول على إذن من دمشق. ومع ذلك، يمكن إيجاد حجة قانونية أفضل في قرار مجلس الأمن رقم 2249 – الذي تمّ اعتماده بعد سلسلة من الحوادث الإرهابية المرتبطة بـ تنظيم «داعش» والتي بلغت أوجها مع هجمات باريس – الذي حثّ الدول الأعضاء على “اتخاذ جميع التدابير اللازمة، وفقاً للقانون الدولي، ولا سيما ميثاق الأمم المتحدة، والقوانين الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، واللاجئين، والشؤون الإنسانية، في الأراضي الواقعة تحت سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، في سوريا (مع التشديد عليها) والعراق، وكذلك مضاعفة جهودها وتنسيقها لمنع وقمع أي أعمال إرهابية يقوم بها تنظيم «داعش» على وجه التحديد.”

وقد حثّ القرار نفسه الدول الأعضاء أيضاً “على تكثيف جهودها لوقف تدفق المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى العراق وسوريا”؛ وبالطبع سيكون ذلك أحد الأهداف المحددة لإقامة منطقة حظر جوي.

قرارات مجلس الأمن بشأن سوريا. هنا يستشهد “معهد دراسات الحرب” بقرار مجلس الأمن رقم 2118، ولكنّ القرار الأخير رقم 2254 هو أكثر انطباقاً لأنه يضغط لوقف إطلاق النار ويدعو إلى تقديم المساعدة الإنسانية للسكان السوريين (المادة 12).

وقد شكّلت قرارات مماثلة بشأن العراق في عهد صدام حسين غطاءً ضمنياً لإقامة مناطق حظر جوي فوق البلاد – ولم تنشئ القرارات نفسها المناطق موضع البحث، ولكنّ شكواها العامة إزاء وجوه القلق في المجال الإنساني والتهديدات للسلام النابعة من العراق ما بعد عام 1991 عملت على تبرير العمليات التي شنتها الولايات المتحدة وأطراف أخرى دون مواجهة اعتراضات قانونية كبيرة.

“مسؤولية الحماية”: هذا المبدأ ليس قائماً في القانون الدولي، ولكن تمّ استخدامه لتبرير القيام بعمليات دون قرارات صادرة عن مجلس الأمن، ولا سيما في كوسوفو في عام 1999. ومرة ​​أخرى، يخوّل قرار مجلس الأمن رقم 2249 اتخاذ “جميع التدابير الضرورية” ضدّ تنظيم «الدولة الإسلامية»، من بين أمور أخرى، وفقاً «للقانون الدولي لحقوق الإنسان، واللاجئين، والشؤون الإنسانية» – وهذا اعتراف صريح بمبرّر “مسؤولية الحماية.”

وقد يكون ثمة مبرران قانونيان آخران ذويْ أهمية وغير مذكوريْن في تقرير “معهد دراسات الحرب”.

  • أولاً، في حال تجاهل نظام الأسد وشركاؤه وقف الأعمال العدائية الذي دعا إليه اتفاق ميونيخ – الذي تمّ التفاوض عليه تحت مظلة قرار مجلس الأمن رقم 2254 وغيره من القرارات، وهذا أمر مرجّح جداً – فإن مثل هذا “الانتهاك” قد يبرّر حجة “القوة القاهرة”.

وعلى سبيل المثال، تستطيع واشنطن أن تؤكد أنّ الأطراف غير راغبة في الالتزام باتباع أي تفاهمات واتفاقات دولية بشأن قضية الحرب والسلم، وبالتالي السماح للدول الأخرى باتخاذ إجراءات تصبّ في مصلحتها. وعلى وجه الخصوص، تَستخدم المادة 13 من القرار رقم 2254 أقوى عبارات ممكنة “للمطالبة” بوضع حدّ للهجمات على المدنيين.

  • ثانياً، يمكن بناء حجة قوية على واقع أنّ “حلف شمال الأطلسي” يواجه حالة طوارئ على جبهتين: الأولى هي أنّ تركيا، إحدى الدول الأعضاء، قد تتورط في أعمال عدوانية مباشرة وواسعة النطاق مع روسيا وغيرها من الأعضاء في تحالف الأسد، والثانية أنّ أزمة اللاجئين السوريين قد يكون لها أثر سلبي على جناح الحلف الأوروبي بأكمله. وسيضفي هذان التهديدان على ما يبدو الشرعية على التحرك الأمريكي والدولي المحدود لإنشاء منطقة لحماية المدنيين، وطرد تنظيم «الدولة الإسلامية»، والعمل بمثابة منطقة عازلة بين تركيا وجبهة الأسد.

-الاعتبارات السياسية والدبلوماسية:

في الوقت الذي يكون فيه التبرير القانوني المحلي لإقامة منطقة حظر جوي واضح المعالم، ليس هناك شكّ في أنّ الوضع أقل وضوحاً بموجب القانون الدولي. ومع ذلك، ثمة مبررات قانونية كافية في قراريْ مجلس الأمن رقم 2170 و2249 ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، والقراريْن رقم 2249 و2254 بشأن دعم الجهود الإنسانية لمساعدة اللاجئين، أقلها توفير دوافع لـ “منطقة رمادية” مقنعة تتيح اتخاذ إجراءات.

وفي ظل هذه الظروف، تصبح المكانة التي تحتلها التحركات الأمريكية ضمن المجتمع الدولي بالغة الأهمية. وتمتلك واشنطن حالياً ورقة رابحة مهمة، لأنّ سوريا وروسيا هما على الأرجح الطرفان اللذان سيطعنان في إقامة منطقة كهذه على أسس قانونية، وكلاهما على قائمة أكبر المخالفين للقانون الدولي، مباشرة بعد كوريا الشمالية.

ولكن مع ذلك، ينبغي أن يلتزم أي إجراء أمريكي بمبادئ معينة لكسب تأييد دولي واسع. أولاً، يتعين على الولايات المتحدة ضمان دعم إجراءاتها الفعلية لأقوى الحجج القانونية – وعلى وجه التحديد تلك التي تبرّر طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» وتوفير ملاذ للاجئين والمشردين داخلياً.

كما ينبغي عليها فرض وقف لإطلاق النار داخل المنطقة ومنع جماعات المعارضة، حتى “الودية” منها، من شنّ هجمات انطلاقاً من المنطقة. وبالمثل، ينبغي على العناصر الأمريكية القيام بتدريب قوات المعارضة وتجهيزها في مناطق أخرى.

ثانياً، يجب أن تلتزم واشنطن بمبدأ التناسب في قانون الحرب، إذ سيتمّ اعتبار اتخاذ أي إجراء يتخطى الدفاع المباشر عن النفس ضدّ الأسد وحلفائه كعمل غير متّسق مع الهدف المعلن لإقامة المنطقة موضع البحث.

وفي هذا الصدد، وحتى إذا تم إنشاء منطقة آمنة، يتعين على الولايات المتحدة مواصلة عملية التفاوض ضمن “المجموعة الدولية لدعم سوريا”، متمسّكة بنصّ وروح اتفاقيات جنيف، وفيينا، وميونيخ. وفي الوقت نفسه، ينبغي عليها تجنيد أكبر عدد ممكن من أعضاء التحالف المناهض لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» للمشاركة الرمزية – على الأقل – في عمليات المنطقة مع قوات من الجيش الأمريكي وشريكه الأساسي، تركيا.

كما يتوجب عليها الدفع نحو إصدار إعلانات دعم رسمية من هيئات دولية مثل منظمة “حلف شمال الأطلسي” وجامعة الدول العربية – نظراً للمخاطر في سوريا، ولبنان، والعراق.

وأخيراً، يجب على واشنطن أن تحثّ روسيا على المشاركة في هذه المبادرة، فالأهداف الصريحة من إقامة المنطقة ستكون متّسقة مع مواثيق الأمم المتحدة وغيرها من الاتفاقيات التي وافقت عليها موسكو بشكل رسمي.

ومع أنه من غير المرجح أن يوافق الكرملين على تلبية هذه الدعوة، فإن القيام بعرض مماثل سيضعف أي مزاعم روسية بشأن طبيعة المنطقة “العدوانية.”

  • حجج الإدارة الأمريكية حول المنطقة الآمنة أو الحظر الجوي لحماية المدنيين في سوريا:

عندما اشتد التركيز على احتمال قيام منطقة حظر جوي أو منطقة آمنة كإحدى مكونات “الخطة (ب)”، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري أنه لكي تكون دائرة ما “منطقة آمنة” لا بد لها من أن تكون “آمنة”، مؤكداً أن ذلك قد يتطلب إزاحة نظام الأسد ويُفترض أيضاً إزالة الدفاعات الجوية الروسية، والقيام بدوريات في المنطقة إلى جانب دورية جوية قتالية، ونشر بعض القوات البرية لطرد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ومن ثم الدفاع عن المنطقة.

وبعد ذلك، قال، إن وزارة الدفاع الأمريكية تعتقد أن ذلك سيتطلب نشر “ما يصل إلى” 15,000  أو 30,000 جندي. وأنهى النقاش بطرحه سؤالاً تحقيقياً عما إذا كان الكونغرس مستعداً لمنح الإذن لمثل هذا الوجود الأمريكي.

وقد هيمن الوضع في سوريا على الشهادة التي أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي في الكونغرس حول ميزانية وزارته، في الجلسة التي انعقدت في الأسبوع الأخير من شباط/فبراير.

وقد رفض كيري صراحة أن “يضمن” التزام الروس وغيرهم باتفاق وقف إطلاق النار الذي كان قد تفاوض حوله في ميونيخ في 13 شباط/فبراير وبدأ يُطبَّق في موعده الجديد في 27 شباط/فبراير، بعد أن تم تأجيله بأسبوع واحد. إلا أن كيري تعرض لضغوط كبيرة – لا سيما في “لجنة العلاقات الخارجية” في مجلس الشيوخ الأمريكي واللجنة الفرعية لـ “الشؤون الخارجية والعمليات الخارجية والبرامج ذات الصلة” التابعة لـ “لجنة تخصيص الاعتمادات” في مجلس الشيوخ – لكي يشرح ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم يلتزم الرئيس السوري بشار الأسد وأنصاره الروس والإيرانيين و «حزب الله» بالجزء الذي يخصهم من الاتفاق.

وقد تحدث كيري مراراً عن “الخطة (ب)”، التي أكد أنه تُجرى حولها “مناقشات مستفيضة” داخل الإدارة الأمريكية. وعندما واجه بعض التحديات أثناء إدلائه بشهادته، قال إنه سيكون من الخطأ الإفتراض أن الرئيس أوباما سوف يسمح لهذه الأطراف بـ “الإفلات من العقاب” إذا ما انتهكت التزاماتها مرة أخرى.

لكنه لم يقدم أي تفاصيل حول ما تستلزمه “الخطة (ب)”، بل حتى لم يُشر إلى ما إذا كانت ذات طابع عسكري أم لا. ويقول الباحث “جيمس جيفري” وهو زميل متميز في زمالة “فيليب سولوندز” في معهد واشنطن,في تحليل تحت عنوان”كيري لا يستثني فكرة المنطقة الآمنة ولا يدعمها”.

– تقييم تقديرات الإدارة الأمريكية للقوات اللازمة، إدعاءات روسيا:

يدل سياق الحديث عن وجود مشكلة في تقييم حجج الإدارة الأمريكية حول أي شيء يتعلق بالقوة العسكرية. وسواء كان ذلك موقفاً أكثر صرامة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» ( “المأزق” الذي يشكله، وقوع آلاف الضحايا في صفوف الجيش الأمريكي، عشر سنوات من الحرب ضد التنظيم)، أو مناطق آمنة (نشر15,000  أو30,000  جندي، قيام مواجهة مع الطائرات الروسية)، أو تسليح المعارضة المناهضة للأسد (المزارعين، وأطباء الأسنان، والناس الذين لم يسبق لهم أن حاربوا)، فإن الرئيس الأمريكي وكبار مستشاريه يشوّهون أي فكرة محددة، ويستشهدون بـ “نتائج بحث البنتاغون” التي غالباً ما تكون مجهولة الهوية، أو تقييمات كبار الجنرالات، دون تقديم تفاصيل داعمة.

كما لا تسلط الإدارة الأمريكية أي ضوء على القيود السياسية (المفرطة أو غير الضرورية المحتملة) والحالات الطارئة التي كُلف الجيش بالنظر فيها في إجراء تقييماته.

وفي مثل هذه الحالة، الضارة للنقاش السياسي، فإن مسار العمل الوحيد هو أخذ الإدارة بكلامها وتحليل صحة بياناتها على الوجه الأحسن الذي يمكن للمرء الإضطلاع به.

وفيما يتعلق بالمنطقة الآمنة أو منطقة الحظر الجوي، فإن البداية الجيدة هي مع الرقم الجديد الذي “يصل إلى” 15,000 أو 30,000 جندي. والمشكلة الأولى، على افتراض أن كيري كان  محقاً حول أرقام وزارة الدفاع الأمريكية، هي: على أي أساس عمل البنتاغون على صياغتها؟

على سبيل المثال، إذا كانت عمليات القوات الأمريكية المكلفة يحماية مثل هذه المنطقة مقيّدة باتباع نفس قواعد الاشتباك المحدودة التي تخضع لها الحملة الحالية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، فعندئذ ستكون هناك حاجة إلى قوة برية أكبر بكثير لضمان حماية القوات.

ولكن حتى في هذه الحالة، هناك فرق كبير بين “ما يصل إلى” 15,000 جندي وما مجموعه 30,000  جندي، ذلك، أن التوصية الفعلية قد لا تقل عن 10,000  جندي في بعض الحالات الطارئة. ومن ثم ما هي تلك الحالات الطارئة؟

بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً لبعض التقارير هناك عناصر يزيد عددها عن 15,000 فرد من القوات المقاتلة تخضع لقيادة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهي منتشرة على مساحة تقدر بآلاف الأميال المربعة في سوريا والعراق.

ويواجه  التنظيم مئات الآلاف من مقاتلي الحكومة المركزية العراقية، وقوات البيشمركة التابعة لـ «حكومة إقليم كردستان»، وأكراد «حزب الاتحاد الديمقراطي» السوري، والعرب السنة من «القوى الديمقراطية السورية»، وقوات الحكومة المركزية برئاسة الأسد.

وبالتالي فمن الصعب أن نرى لماذا هناك حاجة إلى نشر قوة قوامها حوالي ثلث (30,000 جندي) عدد قوات البيشمركة البالغ 100,000  محارب – والتي تسيطر على رقعة من الأرض تمتد على مسافة 1,000 كيلومتر – ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في شمال العراق على امتداد 90 كيلومتراً بين الجيب الكردي في عفرين ونهر الفرات.

والموضوع الأكثر أهمية يتمثل بالسؤال التالي:

  • هل كان البنتاغون يتحدث عن القوات الأمريكية – وهو الانطباع الذي قدمه كيري من خلال سؤاله العابث إلى اللجنة – أم قوات من أي مصدر كان أم من جميع المصادر؟
  • في الواقع، لماذا يجب أن تكون هذه القوة أمريكية في الغالب؟

يقيناً، هناك حاجة لقوات أمريكية أو قوات برية أخرى مدربة بنفس القدر، تتمتع بالخبرة، ومجهزة، وتكون مستعدة لأي هجوم خطير ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في أماكن تمركز الجماعة مثل الموصل، أو الرقة، أو الفلوجة.

ولكن هناك فرق كبير بين الاستيلاء على أراضي يسيطر عليها التنظيم بقوة وبين الدفاع عن أراضي ما في منطقة معينة. وعلى وجه الخصوص، فمع الدعم الجوي الأمريكي، فإن القوات المحلية التي هي أقل قدرة إلى حد كبير من القوات الأمريكية قد سيطرت عموماً على أراضي في حربها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

لماذا لا يمكن للقوة البرية التي ستتمركز في أراضي المنطقة الآمنة – للحفاظ على معيار “ما يصل إلى”15,000 جندي – أن تشمل عدة آلاف من القوات الأمريكية، ووحدة متساوية أو ربما أكبر عدداً من القوات التركية – فالأتراك يطالبون قيام مثل هذه المنطقة منذ سنوات – فضلاً عن استنفار الجنود من القوات السنية المحلية التي تسلحها الولايات المتحدة، من بينهم السوريين الأكراد من «حزب الاتحاد الديمقراطي» الذين هم حلفاء «القوى الديمقراطية السورية»؟

وقد تساهم بعض القوات الأخرى من “حلف شمال الأطلسي” في هذه المهمة نظراً للتقبل المتزايد لتواجد مثل هذه المنطقة من قبل الزعماء الاوروبيين مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. وعلى نطاق أوسع حول هذا الموضوع، إن إصرار كيري بأنه ليست هناك أي دولة عرضت مشاركة قواتها هو تصريح لا قيمة له.

فكما رأينا مراراً وتكراراً في الحملة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وعدة منظمات أخرى يعود تاريخها إلى الحرب الكورية، لا تبدأ أي دولة بالعمل التطوعي إلا عندما تصعّد الولايات المتحدة [من نشاطها وتنخرط في العمليات].

وعلى افتراض أن باستطاعة الولايات المتحدة حشد مثل هذه القوة البرية، فيجب الرد على الحجة التي عرضها كيري حول التعامل مع الروس.

  •  إذا كان عمق هذه المنطقة التي تمتد على ما يزيد عن 90 كيلومتر هو 40 كيلومتراً أو أقل من الحدود التركية، فإن “الدعم النيراني” داخل المنطقة [العازلة] فضلاً عن منطقة الدفاع الجوي فوق أجوائها يمكن أن يُنفذ أولاً من قبل المدفعية البعيدة المدى ووحدات صواريخ أرض – جو الموجودة في تركيا، بدلاً من تحليق الطائرات فوق المجال الجوي السوري.
  • ولكن حتى لو كُلفت الطائرات الأمريكية بحراسة المنطقة أو بمهمات الدعم الجوي القريب، فما الذي يجعل الحكومة الأمريكية تعتقد بأنه سيتم اعتراض هذه الطائرات من قبل طائرات روسية أو وحدات صواريخ أرض – جو؟
  • إن الوحدات الأمريكية ووحدات قوات التحالف تقوم يومياً بقصف أهداف سورية على المدى الذي يتواجد فيه الروس دون وقوع حوادث. ومن المستبعد جداً أن يطلب بوتين من قواته أن تطلق النار على طائرة أمريكية لا تهاجم وحداته أو طائراته.

ومن المهم أن نتذكر هنا أن بوتين لم يرسل سوى ما يزيد قليلاً عن ثلاثين طائرة، فضلاً عن بعض بطاريات صواريخ أرض – جو، في منطقة واقعة تحت سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها، مع ما تملكه هذه الدول من طائرات يزيد عددها عن ألف طائرة.

وبالمثل، إن قيام بوتين بنشر قواته وطائراته تجعله قريباً من مناطق تواجد بطاريات صواريخ أرض – جو التابعة لمنظمة “حلف شمال الأطلسي” أو الولايات المتحدة، أو إسرائيل أو داخل نطاقها، من الشرق (الأردن)، والشمال (تركيا)، والجنوب (إسرائيل).

وفي الوقت نفسه، وإلى الغرب، فإن السفن الأمريكية ذات القدرة العالية من طراز “ايجيس” المجهزة بصواريخ مضادة للطائرات تتواجد باستمرار قبالة سواحل إسرائيل، في حين أن رادار المصفوفة الممرحلة/الطورية الأمريكي المتقدم في إسرائيل يعزز إلى حد كبير من قابلية الولايات المتحدة على استمكان الهدف والتحكم بإطلاق النار. ويعلم بوتين كل ذلك ولكن من الواضح – وبشكل صحيح – أنه لم يولي اهتماماً لإحتمال تشكيل ذلك تحدياً عسكرياً من قبل واشنطن.

والسؤال الذي يعقب ذلك هو لماذا تشعر واشنطن بالقلق، وهي التي تملك قدرات عسكرية محلية وعالمية، أكبر بكثير مما يملكه الروس؟  

– التصدي للشكوك الإقليمية:

ومجدداً، إذا توجد اعتبارات عسكرية مشروعة تُجادل ضد مثل هذا التقييم، فإن الإدارة الأمريكية مدينة بجواب للشعب الأمريكي – وللحلفاء الإقليميين الأكثر قلقاً من أي وقت مضى. وفي غياب تقييم كهذا، سوف تنمو الشكوك، التي ازدادت حدة بالفعل خصوصاً في المنطقة، بأن لدى الإدارة الأمريكية أساس منطقي آخر في الواقع.

وتركز بعض تلك الشكوك على خطة أمريكية محتملة تم تعزيزها من قبل «خطة العمل المشتركة الشاملة» المتعلقة بالاتفاق النووي الإيراني، تتمثل بـ “تغيير” مكانة طهران وجعلها قوة يفرضها الوضع الراهن وشريكة إقليمية غير رسمية محتملة.

وهناك شك آخر، مُغذّى بشكل خاص من تصريحات كيري، وهو أن الإدارة الأمريكية لا تزال تعتقد أن التدخل الروسي والإيراني في سوريا يشكل مأزق حقيقي. وفي شهادته أمام الكونغرس عاد كيري مراراً إلى الحجة بـ “أنهم لا يستطيعون الانتصار على المعارضة السورية”، الأمر الذي يشير إلى أن هذه هي “الخطة (ب)” الحقيقية التي أعلن عنها- ربما مع تسليم شحنات أسلحة أمريكية بكمية أكبر قليلاً.

وإذا عمل بوتين وأصدقائه الإيرانيين والسوريين على محاربة المتمردين كما تحارب الولايات المتحدة في العمليات التي تشنها لمكافحة التمرد، قد يكون كيري على حق. ولكن إذا حاربوا على غرار حرب روسيا في الشيشان ونظام الأسد في سوريا – أي القيام بقصف مكثف، واتباع أساليب الأرض المحروقة، والتطهير العرقي الشامل – فقد ينتصروا أيضاً.

  • “إنشاء مناطق آمنة في سوريا” فرصة موسكو والأسد لتدمير المعارضة وبقاء”القاعدة وداعش”:

أبلغ نائب وزير الخارجية الروسي أوليغ سيرومولوتوف وكالة “إنترفاكس” الروسية للأنباء وفي وقت سابق،بأن الكرملين سيعتبر أي محاولات من جانب قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة لإنشاء مناطق آمنة على الحدود التركية السورية من دون موافقة الأمم المتحدة والرئيس السوري بشار الأسد بمثابة “تدخل عسكري مباشر”.

في 13 شباط/ فبراير صرّح رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف في ميونيخ بأن روسيا لا تنوي إنهاء حملة القصف التي تشنها ضد الثوار السوريين. وفي مقابلة حصرية أجراها مع صحيفة “تايمز” أضاف، “أنهم جميعاً قطّاع طرق وإرهابيون”.

تقول الباحثة “آنا بورشفسكايا” وهي زميلة “آيرا وينر”في تحليل لها “مواجهة ردود روسيا ونظام الأسد على إنشاء مناطق آمنة”

وبحسب الباحثة لم يكن هذا البيان مفاجئاً. فخلال فترة دامت أكثر من عقد من الزمن، روّجت الحكومة الروسية للفكرة القائلة بأن الغرب ينسّق لتغيير النظام تحت ستار الأهداف الإنسانية.

وفي سوريا، سيفسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي محاولات لإنشاء مناطق آمنة أو ما يشابهها على أنها ذريعة لتغيير النظام تستهدف ما يسميها بحكومة الأسد الشرعية؛ وكان الأسد قد أعلن في الأسبوع الثالث من شباط/فبراير بأن قواته ستستعيد كافة الأراضي السورية “في نهاية المطاف”.

وبالتالي، إذا قرر الغرب إنشاء مناطق آمنة في سوريا، فمن شبه المؤكد أن تطلب موسكو اتخاذ قرار من قبل مجلس الأمن الدولي لضمان الفيتو الروسي، وربما الصيني، على أي إجراء، وتواجد ثغرات كافية في أي قرار للسماح لموسكو والأسد بمواصلة تدمير أي معارضة للنظام السوري إلى أن لا يتبقى سوى تنظيمي «الدولة الإسلامية» و «القاعدة».

ومن المرجح أن يبرر الكرملين أفعاله بالقول إنه لن يرتكب “الخطأ” نفسه الذي ارتكبه حين امتنع عن التصويت في آذار/ مارس 2011 على قرار مجلس الأمن رقم 1973.

وفي ذلك الوقت، حين كان الدكتاتور الليبي معمر القذافي يكثف أعمال العنف ضد المدنيين في بلاده على الرغم من الإجراءات السابقة [التي اتخذت ضد بلاده] مثل العقوبات والحظر المفروض على الأسلحة، سمحت الأمم المتحدة من خلال القرار 1973 [باتخاذ] “كافة التدابير اللازمة” تحت الفصل السابع لحماية المدنيين الليبيين، بما في ذلك فرض منطقة حظر جوي.

وقد قارن رئيس الوزراء الروسي آنذاك فلاديمير بوتين القرار بـ “الحروب الصليبية في العصور الوسطى”، واتهم في وقت لاحق حلف شمال الأطلسي (الناتو) بقتل القذافي. وفي نيسان/ إبريل 2011 تساءل في كوبنهاغن: “من الذي أعطى الغرب الحق بإجراء تغيير في النظام؟” وفي وقت لاحق كرر المسؤولون الروس هذا الرأي عدة مرات.

وفي الواقع، من شأن المناطق الآمنة أن تحد من الأزمة الإنسانية في المنطقة، وتمنع التدفقات الكبيرة للاجئين المزعزعة للاستقرار من اكتساح تركيا وأوروبا.

كما ستساعد في مكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» وتعزيز الموقف الغربي في سوريا، مما سيحقق توازن مع التحالف الروسي الإيراني، على النحو الذي أشار إليه السفيران نيكولاس بيرنز وجيمس جيفري في مقالهما “الدواعي الدبلوماسية لقيام الولايات المتحدة بإنشاء منطقة آمنة في سوريا” الذي نُشر في صحيفة “واشنطن بوست” في وقت سابق من هذا الشهر.

وبغية إنشاء مناطق آمنة وصالحة للحياة في سوريا، من المرجح أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استخدام مناطق حظر جوي تتحدى الدفاعات الجوية الروسية وتضمن رصد واشنطن وحلفائها لجميع المعابر المؤدية إلى المناطق.

كما ستحتاج واشنطن إلى حملات على الانترنت وأخرى إعلامية مكثفة تستهدف الإجراءات التي يقوم بها نظام الأسد والتي تأجج أزمة المهاجرين، وتواجه جهود التضليل الروسية الهادفة إلى التأثير على الرأي العام الدولي. وسيكمن المفتاح في هذه الجهود في الشرح للجماهير المحلية والدولية السبب الذي يجعل المناطق الآمنة ضرورية لوقف تدفق المهاجرين السوريين شمالاً ولضمان الأمن الأوروبي.

-خطوات روسية من شأنها أن تقوض المناطق الآمنة:

إذا ما أنشأ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مناطق آمنة من دون موافقة الأمم المتحدة، سيتجنب الكرملين على الأرجح المخاطرة بمواجهة عسكرية مباشرة.

فعلى الرغم من جميع تهديدات بوتين، إلا أنه لن يريد ضرب المزيد من الطائرات الروسية بعد إسقاط تركيا طائرة روسية انتهكت المجال الجوي التركي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015. فبوتين ليس بشخص غير عقلاني وهو حساس للغاية تجاه الرأي العام المحلي. إلى جانب ذلك، فإن التهديد بالتصعيد مع روسيا قائماً بغض النظر إذا أنشأت الولايات المتحدة مناطق آمنة أم لا، لا لسبب سوى وجود روسيا المتنامي في المنطقة.

وفي الواقع، يبدو من المرجح بشكل متزايد أن التردد الغربي على مدى السنوات القليلة الماضية، والذي تجلى بأبرز أشكاله نتيجة عدم وفاء الولايات المتحدة [بوعدها] بتوجيه الضربات ضد سوريا بعد أن تجاوز الأسد الخط الأحمر للأسلحة الكيميائية، قد شجع على زيادة عدوانية الحكومة الروسية كبداية.

وبدلاً من ذلك، من الأرجح أن تنخرط موسكو في عمليات وانتهاكات محدودة المخاطر والنطاق تعيد صورة تدخلها في أوكرانيا. ورسمياً، سيتنصل الكرملين من هذه التحركات التي يمكن أن تشمل ما يُسمى بقوافل المساعدات الإنسانية التي استخدمتها روسيا في أوكرانيا في مناسبات متعددة منذ ربيع عام 2014.

فقد عبَرت هذه القوافل إلى أوكرانيا من دون إذن الحكومة في كييف ومن دون تدخل “اللجنة الدولية للصليب الأحمر”، وعادة ما تم ذلك من خلال نقاط تفتيش لا تقع ضمن سيطرة كييف. وفي وقت لاحق ادّعت كييف بأن الشحنات كانت تحمل إمدادات للمنشقين المدعومين من روسيا واستُخدمت لنقل جثث القوات الروسية و”المتطوعين”، الذين نفى الكرملين رسمياً تواجدهم في أوكرانيا.

ومن جهتهما أدان حلف “الناتو” و”الاتحاد الأوروبي” “القوافل الإنسانية”، في حين أطلق الكرملين حملة تضليل تدّعي أن الغرب يعرقل الجهود الروسية الرامية إلى تخفيف معاناة المدنيين.

وفي سوريا، من المرجح أن تطلق موسكو حملة تضليل مماثلة حول المناطق الآمنة، وذلك لإرباك الجماهير المحلية والدولية وزرع الشكوك. وكما هو الحال في أوكرانيا، من المرجح أن تسعى موسكو إلى التماس السبل الكفيلة بجعل الغرب يبدو عدوانياً. فعلى سبيل المثال، إذا أخّر أعضاء التحالف الأمريكي قافلة مساعدات إنسانية، فسيقول الكرملين إن الغرب يعارض مساعدة المدنيين في حين أن روسيا هي الدولة الوحيدة التي تحاول مساعدتهم.

وسيواصل الكرملين نشر الرسائل القائلة بأن الغرب هو الذي أنشأ تنظيم «الدولة الإسلامية» وأن روسيا هي صوت المنطق الوحيد، فيما يحمي الغرب مصلحته الأنانية الضيقة. وفي هذا السياق، ولإعطاء مثال واحد حدث مؤخراً عن هذه الرسائل، وفقاً لما ذكرته صحيفة الأعمال اليومية “فزغلياد”، قال الخبير الروسي المعروف في شؤون الشرق الأوسط يفغيني ساتانوفسكي ما يلي حول المناطق الآمنة في تشرين الأول/ أكتوبر 2015: “بطبيعة الحال، سيكون من الضروري تغطية الإرهابيين الخاصين بـ [أمريكا]، ومن الضروري إيجاد منطقة عازلة يتم فيها إطلاق تنظيم «القاعدة» و «جبهة النصرة» ومقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» و «أحرار الشام»”.

وأضاف أن الأمريكيين، ومنذ الحرب في أفغانستان “يبتهجون بأنهم يساعدون المتطرفين الإسلاميين، ولا يمكن لأحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر ولا مقتل السفير الأمريكي في ليبيا ولا الهجوم الإرهابي في بوسطن أن يغيروا ذلك”.

هذا وقد تختبر روسيا الحدود التي يمكن التوصل إليها في ما يتعلق بالتحليق فوق المناطق الآمنة، تماماً كما فعلت في المجال الجوي للـ”ناتو”. فهذه الانتهاكات ستلهي الغرب، وإذا كان بوتين يعتقد أن بإمكانه انتهاك المجال الجوي من دون أي تداعيات، فإنه على الأرجح سيستمر بذلك. وأخيراً، من المرجح أن تستمر موسكو باستخدام معداتها للتشويش على الاتصالات في ساحة المعركة، مثل منظومة ” كراسوخا 4″ للحرب الإلكترونية، كما فعلت سابقاً في أوكرانيا وسوريا، وذلك وفقاً لتقارير صحفية.

-توصيات بشأن السياسة العامة:

تقول الباحثة “آنا بورشفسكايا” من أجل نجاح المناطق الآمنة، لا بد من دعمها بمناطق حظر جوي معززة عسكرياً. ولإظهار أن تدخل الغرب يقتصر على الإغاثة الإنسانية، ينبغي إقامة مناطق حظر جوي من قبل الدول الغربية في المناطق الآمنة وحولها.

كما يتوجب على الغرب أن يعلن عن خطوط حمراء واضحة لا يمكن لروسيا تخطيها، ودعم كلامه بإجراءات إذا ما حاول بوتين اختبارها. وعلى أرض الواقع، ينبغي على أعضاء التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة رصد جميع نقاط التفتيش المؤدية إلى المناطق الآمنة. ينبغي على صانعي القرار في الغرب أن يبحثوا أيضاً عن أي غموض في الاتفاقيات يمكن لروسيا أن تستغله في انتهاكات على نطاق ضيق.

ويتوجب على المنظمات الإنسانية كـ “الصليب الأحمر” أن تشرف على المساعدات الإنسانية بطريقة بحيث لا يمكن لروسيا تسليم أي معونة من دون انخراط المنظمة المعنية. أما جيوش الدول الغربية فيتوجب عليها تكريس موارد أكبر بكثير وعدد أكبر من الجنود لمواجهة الحرب الإلكترونية الروسية.

ومع ذلك، لا بد للغرب من تنفيذ مهمة أخرى تكمن في الاستعداد لحملة التضليل الروسية. وسيتجلى المفتاح لتحقيق هذه الجهود في شرح أن العمليات الروسية الحالية المدعومة من إيران في شمال سوريا هي السبب الرئيسي لأزمة المهاجرين إلى أوروبا حالياً. وينبغي التشديد على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأسد ومحاولاته شق طريقه للخروج من أكبر انتفاضة في البلاد عن طريق استمرار الحرب التي تحولت إلى أزمة امتدت سنوات طويلة.

إلى جانب ذلك، على الغرب مواصلة التأكيد على أن قصف نظام الأسد للمناطق المدنية ناتجاً عن نقص هائل في القوة البشرية، والذي من غير المرجح أن تتم معالجته في أي وقت قريب لتحقيق التزام الأسد باستعادة السيطرة على كافة الأراضي السورية في النهاية.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الغرب أن يستفيد من الرأي العام العالمي ضد دور روسيا التهكّمي في سوريا والذي يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال التشديد على أنه على الرغم من مخاوف روسيا، هناك هدف محدود جداً للمناطق الآمنة يتلاءم مع موقف موسكو على وجه التحديد، وأن الغرب ملتزم في النهاية بعملية جنيف الخاصة بسوريا، والتي وافقت عليها موسكو. ومن شأن هذا الموقف، إذا دُعم بالقوة العسكرية، أن يُبدي مرونة سياسية تتناقض مع تعنت موسكو.

إن وسائل الإعلام التي يرعاها الكرملين ممولة جيداً وتقدم دائماً موقفاً واضحاً وجريئاً، بل مشوهاً. وفي الوقت نفسه، يميل الغرب إلى الإكثار في الكلام، وغالباً ما يفشل في إبراز نجاحاته ولا يستثمر ما يكفي من الموارد في مواجهة الأفكار التي يروّج لها الكرملين. من دون استثمار مماثل، ومن دون وضوح أخلاقي واستراتيجي، فإن جهود الغرب للتعامل مع الأزمة السورية ستستمر في التعثر بحسب الباحثة “آنا بورشفسكايا”.

  • ما هي المخاوف والقيود التي توجهها تركيا إزاء إنشاء “شريط آمن” داخل سوريا :

أعلن نائب رئيس الوزراء التركي يالتشين أكدوغان في وقت أن أنقرة تريد إنشاء “شريط آمن” داخل سوريا يبلغ عرضه 10 كيلومترات، تسعى من خلاله إلى تحقيق عدة أهداف:

منع «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري، الذي تعارضه تركيا سياسياً، من زيادة تقدمه في الشمال السوري، والسماح بوصول الإغاثة الإنسانية، وإيواء تدفقات اللاجئين المستقبلية ضمن الأراضي السورية، الأمر الذي يساهم في تخفيف العبء الناتج عن مشكلة اللاجئين الهائلة في تركيا وأوروبا.

بالإضافة إلى تأمين نقطة انطلاق للثوار الذين تدعمهم أنقرة والذين رزحوا مؤخراً تحت وطأة الضربات الجوية الروسية وتقدم نظام الأسد وحلفائه ميدانياً.

وحتى الآن، أعربت ألمانيا عن دعمها لإنشاء منطقة حظر جوي في سوريا بالقرب من الحدود التركية، ولكن ما زال على أنقرة إقناع الولايات المتحدة وحلفائها الآخرين في منظمة “حلف شمال الأطلسي (“الناتو”) بذلك.

وإذا تمكنت تركيا من إزالة العراقيل الدولية المختلفة التي تواجهها،يقول “سونر چاغاپتاي” وهو زميل “باير فاميلي” ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن. “جيم يولبولان” هو مساعد باحث في زمالة “ايفون سيلفرمان” في المعهد.

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي المخاوف والقيود المحلية الأساسية التي توجهها تركيا إزاء إقامة مثل هذا “الشريط”؟

  • التفويض البرلماني:

تستوجب المنطقة الآمنة التركية حماية من قوات الجيش التركي فضلاً عن الدول الحليفة وربما الدول العربية التي تتبنى الموقف نفسه (على سبيل المثال، المملكة العربية السعودية وقطر). وبموجب المادة 92 من الدستور التركي، يجب أن يحظى أي نشر لـ «القوات المسلحة التركية» خارج حدود البلاد بموافقة البرلمان.

ويكفي أن توافق أغلبية بسيطة من أعضاء البرلمان (276 صوتاً) على الاقتراح لكي يتم تفويضه. وحالياً، يشغل «حزب العدالة والتنمية» الحاكم 317 مقعداً في البرلمان الذي يضم 550 عضواً، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى دعم أحزاب المعارضة للحصول على هذا التفويض.

بالإضافة إلى ذلك، سبق أن حصلت حكومة «حزب العدالة والتنمية» على تفويض لنشر جنود أتراك في سوريا والعراق. ووفقاً لهذا التفويض الذي تم تمريره في 3 أيلول/سبتمبر 2015 وسيبقى سارياً حتى تشرين الأول/أكتوبر 2016، “ما زالت سياسات النظام السوري القائمة على العنف ودعم التنظيمات الإرهابية وتأجيج الخلافات العرقية والمذهبية تشكل مخاطر وتهديدات للإنسانية والأمن والاستقرار الإقليمي للسنة الخامسة من الحرب الأهلية”.

ويشير التفويض أيضاً إلى أهمية “تنفيذ أنشطة وعمليات في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») والتنظيمات المماثلة”. فضلاً عن ذلك، يسلط هذا التفويض الضوء على التهديد الذي يمثله «حزب العمال الكردستاني» على النحو التالي:

“تستمر الوحدات الإرهابية المسلحة التابعة لـ «حزب العمال الكردستاني» باحتلال أراضٍ في شمال العراق. كما أن الزيادة في العناصر الإرهابية الأخرى والتهديد الذي تطرحه واضحاً أيضاً في العراق وسوريا”.

وينتهي التفويض بالإعلان التالي: “في ظل هذه الظروف، وبهدف اتخاذ الاحتياطات الضرورية لحماية الأمن القومي التركي من أي تهديدات إرهابية وأمنية في إطار القانون الدولي، والقضاء على أي هجمات حالية أو مستقبلية من قبل تنظيمات إرهابية في سوريا والعراق، والاستمرار في حماية أمننا القومي من أي مخاطر محتملة على غرار الهجرة الجماعية، وحماية مصالح تركيا بشكل فعال في ظل هذه التطورات، والمساهمة في تنفيذ السياسات بطريقة سريعة وديناميكية تحول دون وضع تركيا في موقف صعب وفقاً للتطورات الإقليمية، تم تفويض «القوات المسلحة التركية»، عندما تدعو الحاجة لذلك، للقيام بعمليات عابرة للحدود ونشر عناصرها العسكرية في دول أجنبية، بالإضافة إلى الترحيب بقوات مسلحة أجنبية في صفوفها إذا كانت تعمل للغاية ذاتها، على أن تتخذ الحكومة التركية القرارات المناسبة بشأن حدود هذه العمليات ونطاقها وتوقيتها وحجمها”.

لقد حصل «حزب العدالة والتنمية» للمرة الأولى على موافقة البرلمان لإرسال جنود إلى العراق عام 2007، بغية التصدي لتهديد «حزب العمال الكردستاني». وينص الدستور التركي على وجوب تجديد مثل هذه التفويضات سنوياً.

وفي عام 2012، أُضيفت سوريا إلى هذا التفويض. وخلال التصويت على التجديد في أيلول/سبتمبر الماضي، رفض حزب واحد فقط الاقتراح، وهو «حزب الشعوب الديمقراطي» (أو «حزب ديمقراطية الشعوب»] القومي الكردي، الذي يشغل 59 مقعداً. وقد صوت حزبا المعارضة الآخران لصالح الاقتراح، وهما «حزب الشعب الجمهوري» (134 مقعداً) و «حزب الحركة القومية» (أو «حزب العمل القومي») (40 مقعداً).

  • النقاش الداخلي:

يقود «حزب العدالة والتنمية» الحملة المطالبة بإنشاء “شريط آمن”. فرئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو يأمل في أن تضمن خطة حكومته “قدرة اللاجئين على البقاء في وطنهم والعيش في ربوعه”.

كما يعتقد داوود أوغلو أن هذه الخطة تحمي المدنيين في المنطقة من خلال منع بعض الجماعات التي “يمكن أن تشن هجمات إرهابية” من الدخول إليها.

وقد قدّم «حزب الشعوب الديمقراطي» المناصر للأكراد أشد الاعتراضات المحلية والبرلمانية على عمليات نشر الجنود عبر الحدود. فقد صوت ضد التفويض الأخير لأنه يعتقد أن «حزب العدالة والتنمية» سيستخدمه لنشر جنود ضد مواقع خاضعة لسيطرة «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري وجناحه العسكري المعروف بـ «وحدات حماية الشعب» في سوريا (وكلاهما متصل بـ «حزب العمال الكردستاني»)، وكذلك ضد أهداف تابعة لـ «حزب العمال الكردستاني» في العراق.

وخلال جلسة التصويت على التجديد التي عُقدت في أيلول/سبتمبر، قال العضو في «حزب الشعوب الديمقراطي» مدحت سانجار لزملائه المشرعين:

“إذا سمحتم بنشر الجنود ضد الأكراد السوريين، فلن تتمكنوا من إقناع الأكراد في البلاد بأننا جميعاً إخوة نستطيع العيش سويّة”.

واعتبر عضو آخر في الحزب، حسيب كابلان، أن المنطقة الآمنة سوف “تضعف مقاومة الأكراد في شمال سوريا”. وبالرغم من أن «حزب الشعوب الديمقراطي» يفتقر للثقل البرلماني الضروري للتأثير في جلسة التصويت المقبلة على التجديد المقرر لها في وقت لاحق من هذا العام، إلا أن بإمكانه أن يصعّب الأمور على «حزب العدالة والتنمية» من خلال تنظيم تظاهرات معارضة للتفويض في مدن ذات أغلبية كردية.

وفي غضون ذلك، صوّت حزب المعارضة الأساسي، «حزب الشعب الجمهوري» اليساري العلماني، مؤيداً للتفويض في  العام الماضي، بعد أن كان قد رفضه عام 2014. ويفيد مسؤولو الحزب أنهم صوتوا ضد التفويض عام 2014 كونه قد حدد مباشرةً [اتخاذ] إجراءات ضد نظام الأسد، فيما ركز التفويض عام 2015 على التهديدات التي يمثلها «حزب العمال الكردستاني» و تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق.

وبالإضافة إلى موافقته على نشر القوات العسكرية، يؤيد «حزب الشعب الجمهوري» أيضاً إنشاء منطقة آمنة، ولكن فقط في ظل ظروف معينة، أهمها “سماح النظام السوري بذلك” (وهو شرط يجعل الفكرة موضع نقاش) وتأييد قوى التحالف الدولي للخطوة.

وقد تكون الكتلة الأصغر في البرلمان، وهي «حزب الحركة القومية» التركي ذو الفكر القومي المتطرف، مناصر أقوى لعمليات الانتشار عبر الحدود وإنشاء “شريط آمن” من «حزب العدالة والتنمية» نفسه.

ووفقاً لرئيس الحزب دولت بهتشلي أن “خطة «حزب الاتحاد الديمقراطي» التي تقضي بإنشاء ممر كردي على طول الحدود تشكل هجوماً مباشراً على وحدة الأراضي التركية والوجود القومي التركي”، وبالتالي فإن أنقرة “بحاجة ماسة إلى بناء منطقة آمنة على طول حدود تركيا الجنوبية من أجل حماية أمنها القومي”. وغنياً عن القول إن الكتلة القومية ستدعم الحكومة بشكل مطلق حول القيام بعمليات في سوريا.

  • أنقرة بحاجة إلى انضمام واشنطن إلى الركب:

نفت الحكومة التركية مؤخراً ادعاءات بأنها تستعد للتوغل عسكرياً داخل سوريا بالتنسيق مع الممكلة العربية السعودية وقطر ودول عربية أخرى.

ويعي «حزب العدالة والتنمية» أن أي عملية نشر واسعة للجنود داخل سوريا ستتعرض للاستهداف الروسي المباشر. فموسكو لا تعارض سياسة أنقرة القائمة على دعم الثوار المناهضين للأسد فحسب، بل تريد أيضاً أن تثأر من تركيا على خلفية إسقاطها طائرة روسية خرقت أجواءها في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

ويقيناً، يتمتع «حزب العدالة والتنمية» بالدعم البرلماني الضروري لنشر القوات التركية، كما يمتلك الجيش التركي القدرة الاحترافية اللازمة للقيام بالأعمال الصعبة لإنشاء “شريط آمن” («القوات المسلحة التركية» هي ثاني أكبر قوة عسكرية في منظمة “حلف شمال الأطلسي).

إلا أن أنقرة تحتاج مع ذلك إلى الدعم المخابراتي والجوي من الولايات المتحدة ومنظمة “حلف شمال الأطلسي وإلى دعم واشنطن الدبلوماسي في الأمم المتحدة لتنفيذ هذه العملية بنجاح وردع الانتقام الروسي.

  • منطقتان آمنتان محتملتان شمال سوريا وإنهاء معركة حلب:

هناك منطقتين آمنتين محتملتين في شمال غرب سوريا تقعان خارج المناطق الكردية والمناطق الخاضعة لسيطرة الدولة. الأولى تقع في وسط محافظة إدلب التي يسيطر عليها الثوار، بينما تقع الثانية في المنطقة الشرقية من محافظة حلب ويسيطر عليها حالياً تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»).

إن وصف كل منطقة قد يساعد في توضيح قدرتيهما كمنطقتين آمنتين.بحسب الباحث “فابريس بالونش” وهو أستاذمشارك ومدير الأبحاث في “جامعة ليون 2″.

يقول الباحث , من الممكن أن تنتهي المعركة الكبيرة التي تدور في المناطق المحيطة بحلب بمحاولة مليونَي سوري الدخول إلى تركيا من شمال غرب سوريا .

ويعود ذلك لأن الاستراتيجية التي يتبعها الجيش السوري – وحلفاؤه ككل – لمكافحة التمرد تقوم على طرد المدنيين في الخطوة الأولى تسهيلاً لتطهير المنطقة من الثوار.

  • محافظة إدلب:

بعد سقوط الرقة، أصبحت إدلب ثاني عاصمة محافظة يخسرها النظام السوري، بعد أن سقطت في ربيع عام 2015 بيد تنظيم «جيش الفتح»، شأنها شأن المدينتين الكبرتين الأخرتين في المحافظة، جسر الشغور وأريحا، علماً بأن حكومة دمشق كانت قد خسرت سيطرتها على الريف في شتاء 2011-2012.

وإذا كان عدد سكان محافظة إدلب قبل اندلاع الحرب يصل إلى مليونَي نسمة، فهو لا يتعدّى اليوم 1.2 مليون شخص مع نزوح السكان إلى محافظات أخرى أو لجوئهم إلى تركيا.

وفي التقييم الأخير الذي أجراه “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” في آب/أغسطس 2014، قُدّر عدد الأشخاص المشردين [النازحين] داخلياً من محافظة إدلب بنحو 708,000 شخص.

وفي الوقت نفسه، ينتمي سكان المحافظة إلى مجموعة عرقية ودينية متجانسة إلى حد ما، تتكون من 95 في المائة من العرب السنّة. فأثناء المعارك التي دارت في الأرياف بين عامي 2011 و 2012 وفي مدينة إدلب خلال شهر آذار/مارس 2015، هرب المسيحيون حين استولى الثوار على تلك المناطق.

وما حدث بالتحديد هو أن السكان السابقين لقرية اليعقوبية الأرمنية انتقلوا بشكل جماعي إلى منطقة ناغورني قرة باغ الممتدة بين شرق أرمينيا وجنوب غرب أذربيجان. أما بلدتا الفوعة وكفريا فتحتضنان مجتمعات كبيرة من الشيعة ويحاصرهما الثوار منذ سقوط إدلب، بينما تتشتت عشر قرى درزية في جبل السماق. وعلى الرغم من أن مناصري مبدأ التقية لدى الشيعة كانوا قد أعلنوا عن دعمهم للثورة السورية في وقت مبكر، ليس من المستغرب أن يشككك تنظيم «جبهة النصرة» في كونهم منافقين. هذا ويعيش سكانٌ تركمان شمال جسر الشغور على مقربة من الحدود التركية.

قبل بدء الأزمة السورية، كان سبعون في المائة من سكان إدلب يعيشون في الأرياف، التي هي عبارة عن منطقة زراعية خصبة تنتج الحبوب والزيتون والخضروات الشتوية وتتبع نمط الري الفردي الذي يتيح لها زراعة محاصيل إضافية في فصل الصيف.

وقد شكلت الزراعة بالنسبة للذين بقوا في منطقتهم وسيلةً للصمود بوجه الاضطرابات. بيد، لم تشهد هذه المنطقة نشاطاً صناعياً يُذكر حتى قبل الحرب، وكانت إدلب معروفة كمدينة إدارية.

وفي حين كانت محافظة إدلب تعتمد إلى حد كبير على حلب للحصول على المنتجات المصنّعة خلال السنوات التي سبقت الحرب، إلا أن كل شيء أصبح يأتي حالياً من تركيا.

وحتى الإمدادات القادمة من تركيا محدودة للغاية بحيث أن قوافل المساعدات الإنسانية قادرة على الوصول إلى باب الهوى فقط. وتعود السيطرة السورية الصارمة على هذه الحدود إلى مطالبة سوريا المستمرة بـ”سنجق الإسكندرون” – أو محافظة هاتاي التركية حالياً. وفي الواقع، إن الحدود بين سوريا وتركيا مرسومة بالأسلاك الشائكة والمُشاع وحقول الألغام.

وفي حين يتعذر حالياً اجتياز حدود باب الهوى إلا في حالات إنسانية محددة للغاية، لم يكن ذلك واقع المنطقة قبل عام 2015 وموجة الهجرة الكبيرة إلى تركيا. فخلال سنوات الحرب الأولى كان بوسع السوريين التنقل ذهاباً وإياباً إلى تركيا أو اللجوء إليها عندما تصاعدت وتيرة القتال.

  • محافظة شرق حلب:

على غرار محافظة إدلب، سقط شرق محافظة حلب بسرعة من سيطرة الدولة وبقي نسبياً بمنأى عن القتال بين الجيش السوري والثوار. ولكن في شتاء 2013-2014، وقع اشتباك عنيف بين الثوار و تنظيم «الدولة الإسلامية» في المنطقة وفي كافة أنحاء شمال سوريا، وذلك حينما أبقى تنظيم «داعش» سيطرته على المنطقة حتى بعد أن تم دحره من مدينة حلب والجزء الغربي من المحافظة. ولا يزال التنظيم والثوار يتواجهون في ممر أعزاز ويشتبكون أحياناً (انظر المرصد السياسي 2532،.

ولكن عموماً، بقيت المنطقة هادئة نسبياً وبمنأى عن القصف، حيث يفرض تنظيم «الدولة الإسلامية» قوانينه عليها ولكن في الوقت نفسه يوفر الأمان النسبي للسكان.

أما اليوم فتشير التطورات إلى أن هذا الهدوء قد لا يطول. فقد شنّ الجيش السوري هجوماً من الناحية الجنوبية الغربية (السفيرة) لرفع الحصار الذي يفرضه تنظيم «داعش» على مطار الكويرس العسكري قبل أن يتوقف على بعد عشرة كيلومترات جنوب مدينة الباب. ومن ناحية الشرق، اجتاز الأكراد نهر الفرات في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2015 عبر الاستحواذ على “سد تشرين”.

هذا وتتمركز جماعة السوريين الأكراد المعروفة باسم «وحدات حماية الشعب» على بعد عشرة كيلومترات من مدينة منبج الواقعة بين أيدي تنظيم «الدولة الإسلامية» حيث توجد خطط لشن هجوم على المدينة في النهاية.

وإلى الشمال هناك لواء “السلطان مراد” التركماني الذي سبق أن استولى على عدة قرى على طول الحدود التركية، ويتمتع بحماية المدافع التركية. ويبدو أن هذه الميليشيا الموالية لتركيا تراقب جرابلس لتستهدفها في خطوتها التالية من أجل منع «وحدات حماية الشعب» من الاستيلاء عليها انطلاقاً من موقعها في كوباني.

هناك مطامع كبيرة للغاية [للسيطرة على] شرق محافظة حلب وقد تندلع فيها أعمال العنف بسرعة وعلى نطاق واسع. وبخلاف إدلب الواقعة بيد الثوار، من المرجح أن تسقط هذه المنطقة بيد القوات الموالية لروسيا أو تلك الموالية للغرب، وذلك لأنها تخضع لسيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية».

ومع ذلك، فكما هو الحال مع محافظة إدلب، يبقى السؤال الصعب الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن حماية المدنيين بعد طرد التنظيم.

وحالياً يبلغ عدد السكان في شرق محافظة حلب نحو 700 ألف نسمة، كما كان عليه في عام 2010. ويعزى هذا الاستقرار جزئياً إلى القتال المحدود في الوقت الذي يحل فيه الأشخاص المشردين داخلياً من مدينة حلب محل اللاجئين إلى تركيا. أما عدد النازحين داخلياً في شرق محافظة حلب فيناهز الـ 600 ألف شخص وفق التقديرات الصادرة عن “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” لعام 2014، لكن من المحتمل أن تكون المعارضة السورية قد ضخّمت هذا الرقم لتحصل على كمية أكبر من المساعدات الإنسانية.

وكما هو الحال في إدلب، تشكل الزراعة أهم نشاط اقتصادي في شرق حلب، وبذلك تتم تلبية احتياجات السكان الأساسية إلى حدٍّ كبير، بينما يتم جلب السلع المصنّعة والأدوية وغيرها من تركيا دون أي صعوبة. وقد حافظت حافظت هذه العملية لنقل البضائع على ثباتها بينما بقي النفط السوري يتدفق في الاتجاه المعاكس، حتى مع فرض القيود على سفر المدنيين إلى تركيا منذ الهجمات التي تعرضت لها باريس في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

بالإضافة إلى ذلك إنّ جميع سكان شرق حلب هم الآن من السنّة. فقد كان الوجود المسيحي فيها نادراً حتى قبل عام 2010، علماً بأن آخر العائلات المسيحية قد فرّت مع الموظفين الحكوميين العلويين في عام 2012.

مع ذلك، فِإن التنوع العرقي في تلك المنطقة أكبر من التنوع الديني، فالأقليات الكردية والتركمانية تتمتع بمكانة يصعب تقديرها، إذ إنّ العديد من القرى مختلطة كما أن التمثيل الذي تملكه هذه المجموعات العرقية غير معروف في المناطق الحضرية في منبج والباب وجرابلس. ولهذا الغموض الديمغرافي أهمية لا سيما في صفوف الأكراد الذين يزعمون أن تلك المنطقة هي كردية تاريخياً. وبالتالي يمكن أن تقع مواجهة كبيرة في أعقاب رحيل تنظيم «الدولة الإسلامية»، ما لم تُتخذ الاحتياطات اللازمة لملء الفراغ السياسي.

  • مناطق آمنة ومجتمع ريفي قادر على التكيف:

بقي كلٌّ من محافظة إدلب وشرق محافظة حلب بمنأى نسبياً عن القتال السوري. ولا تزال المجتمعات المحلية الريفية قوية وتستفيد عموماً من الخدمات الأساسية الفعالة وتوزيع المساعدات الإنسانية التي توفرها حكوماتها المحلية.

ومع أن هاتين المنطقتين تنعمان تقريباً بالاكتفاء الذاتي عندما يتعلق الأمر بالطعام، يبقى من الضروري الحفاظ على ممر مفتوح لها إلى تركيا خاصة فيما يتعلق بالخدمات العلاجية والصحية.

لذلك من شأن إقامة منطقة آمنة في أي من هاتين المنطقتين أن يشجّع اللاجئين والنازحين داخلياً على العودة إلى القرى والبلدات الصغيرة حتى في غياب الخدمات العامة الكاملة. وفي الواقع أن أبناء الريف الذين أقاموا سابقاً في تلك المناطق سيكونون معتادين على نمط العيش التقشفي أكثر من سكان المدن.

كما أن تأمين الظروف اللائقة لعودة اللاجئين إلى المدن الأكبر التي دُمرت فيها البنى التحية ينطوي على تعقيدات أكبر من القرى والمدن الصغيرة. وفي إطار اتفاقٍ لوقف إطلاق نار عام، يمكن للعلاقات التجارية أن تعود إلى مجاريها سريعاً بين المناطق الخاضعة لسيطرة النظام وتلك الخاضعة للثوار، الأمر الذي قد يسهّل التنمية الاقتصادية وييسّر عودة اللاجئين والنازحين داخلياً.

  • كيف يمكن منع تنظيم “القاعدة” من الاستيلاء على المنطقة الآمنة في سوريا:
أن أحد أبرز العوائق المتعلقة بخيار إدلب يتمثل بوجود تنظيمات جهادية متطرفة فيها، لا سيما جماعة «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة». وفي غرب حلب وإدلب الخاضعتين لسيطرة الثوار، ستواجه فصائل الثوار “المعتدلة” تحدّياً خطيراً في صدّ قوات «جبهة النصرة».

لكن من الناحية النظرية، يمكن أن تشكل محافظة إدلب والجزء الشرقي من محافظة حلب في سوريا منطقتان آمنتان تحظيان بحماية دولية، لأنهما مفتوحتين أمام تركيا ويمكنهما بسهولة تلقّي المعونة الإنسانية من وكالات الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة .بحسب الباحث “فابريس بالونش”  وهو أستاذ مشارك ومدير الأبحاث في “جامعة ليون 2″.

احتلال «جبهة النصرة» لمحافظة إدلب:

حدد “معهد دراسة الحرب” وجود أكثر من 60 جماعة ثوار في المنطقة الغربية من حلب، تضم ما بين 60 ألف و90 ألف مقاتل بشكل إجمالي. ولا تُعتبر «جبهة النصرة» أكبر هذه الفصائل، إذ أن مقاتليها الذين يبلغ عددهم 10 آلاف عنصر لا يمثلون سوى نصف مقاتلي جماعة «أحرار الشام» على سبيل المثال.

بيد، تتحالف حالياً «أحرار الشام» وعدة ميليشيات أخرى مع تنظيم «جبهة النصرة»؛ وفي حين قد يمثل المقاتلون التابعون لتنظيمات إسلامية علمانية و”معتدلة” حوالي ثلث قوات الثوار في المنطقة، إلا أنهم ينشطون بشكل أساسي ضمن وحدات صغيرة مجندة محلياً تضم بضع مئات من المقاتلين أو أقل من ذلك.

وتُعد “الفرقة 13” التابعة لائتلاف «فتح حلب» أهم الوحدات “المعتدلة”. وتزعم الفرقة، التي تدعمها الولايات المتحدة وتركيا، أنها تضم في صفوفها 2000 مقاتل وأنها تحارب الجيش السوري في حلب و «وحدات حماية الشعب» الكردية في ممر أعزاز.

ومنذ بداية التدخل الروسي في العام الماضي، وضعت عدة تنظيمات صغيرة غير تابعة لـ «جبهة النصرة» راياتها الإسلامية وغيرها من الشعارات جانباً، وانضمت إلى تحالفات ذات تسميات قومية على غرار «جيش النصر» و «الجبهة الشامية». ولم تقم بذلك للحصول على المعونة العسكرية الأمريكية فحسب، بل لمقاومة ضغوط الهيمنة التي تمارسها «جبهة النصرة» أيضاً.

خلال شتاء 2013-2014، أخرجت «جبهة النصرة» وجماعات ثوار أخرى متنوعة تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») من المنطقة الغربية من حلب، في حين كانت قوات تنظيم «الدولة الإسلامية» تخرجها بدورها من شرق حلب ووادي الفرات. وقد اعتُبرت هذه الحرب ضد تنظيم «داعش» بغير حق ثورة ثانية بالنسبة إلى عدة محللين، تكلموا عن فورة “القوات الديمقراطية” ضد الجهاديين.

وفي الواقع، كانت هذه الحرب مجرد نزاع داخلي بين الجهاديين المتخاصمين. فقد أرادت «جبهة النصرة» وحلفاؤها المحليون القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» قبل أن يعمد هذا الأخير إلى القضاء عليها بدوره.

وبعد التخلص من تنظيم «داعش» – منافسها الأساسي في شمال غرب سوريا – سعت هذه الجماعات إلى توحيد مختلف تنظيمات الثوار في المنطقة بالقوة. أما بالنسبة إلى التنظيمات التي رفضت ذلك، فقد طُردت (“الفرقة 13″، كمثال) أو تم القضاء عليها («جبهة الحمزة»، مثلاً).

وفيما أصبحت هيمنة «جبهة النصرة» حتمية، سيطرت الجماعة على «جيش الفتح»، وهو تحالف مدعوم من قبل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية. وفي ربيع عام 2015، هزّ تقدم «جيش الفتح» في إدلب وجسر الشغور وأريحا نظام الأسد. وكانت مساهمة الجهاديين أساسية في تحقيق هذه الانتصارات.

على سبيل المثال، لعب الانتحاريون المنتسبون لـ «جند الأقصى»، وهي جماعة زميلة لـ «جبهة النصرة» تابعة لتنظيم «القاعدة»، دوراً أساسياً في إتاحة النفاذ إلى مدينة إدلب – مركز محافظة إدلب.

منذ تنفيذ هذا الهجوم الناجح، تشاركت الجماعات الفرعية الست التابعة لـ «جيش الفتح» السيطرة على قرى المحافظة. وقد قُسمت إدلب إلى عدة قطاعات، ولكن يبدو أن «جبهة النصرة» وأتباعها المقربين فرضوا سيطرتهم الكاملة على المدينة.

وفي مقابلة مع قناة “الجزيرة” في حزيران/يونيو الماضي، أعلن قائد «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني بوضوح عن نيته إنشاء إمارة إسلامية في شمال غرب سوريا. وسعياً لتحقيق هذا الهدف، استخدمت الجماعة طرقاً عنيفة مشابهة لتلك التي يعتمدها تنظيم «الدولة الإسلامية»، والاختلاف الوحيد هو أنه لا يتم الإعلان عن عمليات الإعدام في إدلب بانفتاح مشابه لذلك الذي يحصل في الرقة، عاصمة تنظيم «داعش».

وتجدر الإشارة إلى أن معظم السكان غير السنة قد فروا من المنطقة، مع أن بعضهم قد أُرغم على تغيير دينه، على غرار دروز “جبل السماق” (وحتى تغيير الدين لم يمنع ارتكاب مجزرة بحق 20 درزياً في قرية “قلب لوزة” في حزيران/يونيو). ويعتقل مقاتلو «جبهة النصرة» بشكل منتظم ناشطين محليين في المجتمع المدني، ليختفي بعدها العديد منهم.

من منظور عسكري، تستطيع اليوم «جبهة النصرة» وأتباعها التدخل في أي مكان تقريباً من محافظة إدلب، من دون أن تلقى معارضة كبيرة من أي جماعات قد تكون مسيطرة رسمياً على قرية أو مدينة معينة. وفي معظم الخرائط التي تحاول إظهار توزع فصائل الثوار، نجد أن «جبهة النصرة» محصورة عموماً في منطقتين من المحافظة، وهما معقلي “حارم” و”جبل الزاوية”، إلا أن  الجماعة متواجدة بالفعل في جميع أنحاء شمال غرب سوريا.

  • «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» يكمل أحدهما الآخر:

تملك «جبهة النصرة» أيديولوجيا منسجمة ومشروعاً سياسياً واضحاً لسوريا. فعموماً يتبع سكان الأراضي الخاضعة لسيطرة «جبهة النصرة» الأحكام الصادرة عن محاكمها ويقدّرون نزاهة مقاتليها وشجاعتهم، الأمر الذي لا ينطبق على جماعات الثوار الأخرى (انظر أدناه للحصول على مزيد من المعلومات حول الهيمنة الإيديولوجية للجماعة).

وحتى الآن، تسامحت «جبهة النصرة» مع أعمال المنظمات غير الحكومية الأجنبية و”مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية” التابع للأمم المتحدة بالعمل على أراضيها، لأنها بحاجة إلى خدماتها الاجتماعية لفرض سلطتها السياسية. ويتم حالياً تمرير المساعدات الإنسانية عبر معبر “باب الهوى” الحدودي الخاضع لسيطرة «أحرار الشام» – جماعة حليفة لـ «جبهة النصرة» – فيما تسيطر قوات «جبهة النصرة» مباشرةً على الطرق المتفرعة من المعبر.

لا ينظر الغرب إلى «أحرار الشام» كتنظيم إرهابي على الرغم من أنه يعتنق الأيديولوجيا ذاتها تقريباً مثل «جبهة النصرة»، التي تم تصنيفها رسمياً كتنظيم إرهابي من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى.

أما نقاط الاختلاف الحقيقية الوحيدة مع «جبهة النصرة» فهي أن جماعة «أحرار الشام» تتمتع بإدارة أقل مركزية ولم تعبّر عن ولائها المباشر لزعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري. ويتوقع بعض المحللين حصول انشقاق بين الجماعتين في المستقبل القريب، معتبرين أنه على «أحرار الشام» الابتعاد عن تنظيم «القاعدة» إذا ما أرادت أن تصبح بديلاً مقبولاً لنظام الأسد.

غير أنه بنفس القدر الذي يتعذر فيه على «جبهة النصرة» الانفصال عن تنظيم «القاعدة»، يتعذر على «أحرار الشام» على الأرجح الانفصال عن «جبهة النصرة»، إذ أن قيامها بذلك قد يُفقدها شرعيتها المحلية ودعمها الخاص من قبل مؤيدي تنظيم «القاعدة» في الخليج العربي.

كما أنها ستخسر هويتها، فتصبح جماعة ثوار “عادية” أسوةً بالجماعات الأخرى. فضلاً عن ذلك، إن ضباط الجماعتين كانوا سابقاً جنوداً زملاء تابعين لأسامة بن لادن، بمن فيهم الجولاني وعادل راضي صقر الوهابي الحربي في «جبهة النصرة» ومحمد بهايا (المعروف بـ “أبو خالد السوري”) وهاشم الشيخ (المعروف بـ  “أبو جابر”) في «أحرار الشام».

باختصار، تكمّل الجماعتان بعضهما البعض على أكمل وجه، وبالتالي، من غير الواقعي الاعتقاد بأنهما ستصبحان خصمين متنافسين سياسياً في زمن الحرب.

  • أرض خصبة للسلفية:

تكمن قوة «جبهة النصرة» في التنوع الجغرافي لعمليات التجنيد التي تقوم بها، بخلاف الجماعات المعتدلة وعمليات التجنيد الخاصة بها ذات الطابع المحلي للغاية. وقد ساعدت هذه المقاربة «جبهة النصرة» إلى حد كبير على تجنب النزاعات القبلية التي غالباً ما تقوّض الثورة.

وتتمتع «جبهة النصرة» بنقطة حصينة أخرى هي سلطتها الأيديولوجية، التي تساعدها على الحفاظ على شرعيتها في عدة أجزاء من شمال غرب سوريا، بالرغم من العنف المتكرر الذي تمارسه بحق السكان المحليين. فالتيار السلفي للفكر الإسلامي الذي تعتنقه «جبهة النصرة» بدأ ينتشر في ريف إدلب وحلب منذ عدة عقود، من خلال كتائب من الأئمة الشباب المدرَبين في المملكة العربية السعودية.

وهذا التيار السلفي يناسب السكان الريفيين الذين يعيشون في حالات تخلف في شمال سوريا أكثر من أيديولوجية جماعة «الإخوان المسلمين»، التي هي أكثر تناسباً مع الطبقة الوسطى الحضرية.

وهناك بعض الاستثناءات. غالباً ما تُذكر مدينة “كفرنبل” كمثال على الديمقراطية والعلمانية المحليتين، ويتم تسليط الضوء عليها على نطاق واسع من قبل الصحفيين الذين يزورون [المناطق] الشمالية، في حين لطالما اعتُبرت منطقة “جبل الزاوية” التي تجسد “موسكو الصغيرة” معقلاً يسارياً. إلا أن هذه الاستثناءات غير مُدرجة على مستوى المحافظات، كما أن الفُسحة في “كفرنبل” تتقلص باستمرار.

وفي كانون الثاني/يناير، على سبيل المثال، كادت «جبهة النصرة» أن تغتال رائد فارس، الناشط المشهور في المجتمع المدني ومدير إذاعة “كفرنبل”. وقد أُرغم على الإقرار بذنبه علناً على خلفية بثه موسيقى عبر أثير إذاعته، فيما لم تعترض أي من جماعات الثوار المحلية على اعتقاله.

  • ما من منطقة آمنة من دون قوات برية خارجية:

ينبغي على الحكومات والمحللين الأجانب التنبه للوضع الفعلي في شمال غرب سوريا ووقف التكهنات بشأن مواجهة الثوار “المعتدلين” للجهاديين بالاعتماد على أنفسهم. فاليوم، لا يُعتبر الغرب لاعباً قوياً في تلك المنطقة، إذ لا يأخذه المقاتلون المحليون على محمل الجد ولا تتمتع الميليشيات المدعومة من الغرب بالقوة الكافية لتغيير ميزان القوى ضمن جماعات الثوار.

وإذا ما قررت الجهات الفاعلة الدولية إنشاء منطقة آمنة في شمال غرب سوريا، فلن يكن من المستطاع منع «جبهة النصرة» من زيادة تعزيز موقعها في المنطقة إلا من قبل قوة حفظ سلام خارجية كبيرة. وهذه القوة ليست واردة على أجندة الغرب في الوقت الحاضر، إلا أن ذلك قد يتغير.

وفي هذه الحالة، قد تكون تركيا أكثر احتمالاً للتعاون مع زملائها في منظمة “حلف شمال الأطلسي” (“الناتو”) لكبح عناصر تنظيم «القاعدة» من تعاونها مع روسيا. ويتمثل أمل آخر بأن يؤدي بروز جماعات على غرار «جند الأقصى» و«حركة تركستان الشرقية الإسلامية» إلى اندلاع حرب جديدة بين الجهاديين.

  • عملية إنشاء منطقة آمنة في سوريا تتجاهل الدروس المستخلصة من الماضي:

دراسة موجزة للباحث “اللفتنانت كولونيل جون بارنيت (سلاح الجو الأمريكي)”وهو زميل للشؤون الدفاعية في معهد واشنطن والباحث “مايكل آيزنشتات وهو زميل “كاهن” ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد  حول العمليات الأخيرة الخاصة بالمناطق الآمنة نظرة متعمّقة بشأن التحديات والفرص المرتبطة بالجهود الرامية إلى إنشاء هذه المناطق.

  • العراق 1991-1996:

بعد إخراج القوات العراقية من الكويت خلال “عملية عاصفة الصحراء” (كانون الثاني/ يناير – شباط/ فبراير 1991)، قام جيش الرئيس العراقي السابق صدام حسين بقمع الانتفاضات الكردية والشيعية التي اندلعت في أعقاب الحرب بشكل وحشي.

وفي شمال العراق، توجه مئات الآلاف من الأكراد إلى الجبال وحاولوا دخول تركيا وإيران بحثاً عن مأوى. وفي نيسان/ إبريل من ذلك العام، سمح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 [بحشد] جهود الإغاثة الإنسانية لهؤلاء النازحين الأكراد ودعا الدول الأعضاء إلى المساهمة في العملية.

ورداً على ذلك، نظمت الولايات المتحدة “عملية توفير الراحة” التي شملت نشر 20 ألف جندي من ثلاثة عشر بلداً بغية تأمين ملاذ آمن للأكراد في شمال العراق الذين وصل عددهم ما بين 500 إلى 700 ألف لاجئ، فضلاً عن أشكال مختلفة من المساعدة من ثلاثين دولة مانحة وحوالي خمسين منظمة دولية وغير حكومية.

وقد توجب على قوات التحالف بناء بنية تحتية لوجستية مؤقتة لدعم الجهود الإنسانية، وربط مناطق التجمع بمخيمات اللاجئين. وفي الوقت نفسه، أنشأت القوات البرية ملاذاً آمناً في الشمال خالياً من جيش صدام حسين، كما قامت طائرات التحالف بدوريات فوق منطقة حظر الطيران شمالاً من خط العرض 36.

وبحلول حزيران/ يونيو 1991، عاد جميع الأكراد النازحين تقريباً إلى ديارهم في شمال العراق، وهي المنطقة التي تحولت في النهاية إلى «حكومة إقليم كردستان» شبه المستقلة والقائمة اليوم. وفي المقابل، استمرت قوات التحالف المتبقية الصغيرة العدد في شمال العراق وتركيا بمراقبة الملاذ الآمن ودعم عمليات منطقة الحظر الجوي حتى نهاية عام 1996، عندما انتهت “عملية توفير الراحة” رسمياً.

وفي كانون الثاني/ يناير 1997، تم إطلاق آلية لإنفاد منطقة الحظر الجوي التي سُمّيت هذه المرة بـ “عملية المراقبة الشمالية”، وبقيت سارية المفعول إلى أن غزت قوات التحالف، بقيادة الولايات المتحدة، العراق وأطاحت بصدام حسين في عام 2003.

  • البوسنة 1992-1995:

في الوقت الذي دخلت فيه يوغوسلافيا السابقة باب الحرب الأهلية في أوائل التسعينيات، تم توسيع ولاية “قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة”، التي كانت  منخرطة آنذاك في عملية حفظ السلام في كرواتيا، لتشمل مهمة إنسانية في البوسنة.

وفي حزيران/ يونيو 1992، سمح قرار مجلس الأمن الدولي رقم 758 للقوة بتأمين مطار سراييفو وإقامة ممرات آمنة للقوافل لإيصال المواد الغذائية إلى المدينة المحاصرة. وقد تم بعد ذلك تمديد هذه الولاية لتشمل مرافقة قوافل المساعدات في إطار يتخطى العاصمة.

وفي نيسان/ إبريل 1993، عاد قرار مجلس الأمن رقم 819 ووسع ولاية “قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة” لتشمل حماية المدنيين الفارين من التطهير العرقي في سربرنيتشا، معلناً المدينة وضواحيها “منطقة آمنة”. وفي الشهر التالي، وسّع قرار مجلس الأمن رقم 824 نطاق هذه الحماية ليشمل خمس مدن أخرى.

وفي الوقت نفسه، كان مجلس الأمن الدولي قد منع الرحلات الجوية العسكرية من التحليق في المجال الجوي البوسني من خلال القرار رقم 781، الذي اعتُمد في أيلول/ سبتمبر 1992. بيد، تم انتهاك هذا القرار مراراً وتكراراً، لذا اعتمد المجلس القرار رقم 816 في آذار/ مارس 1993 الذي يجيز للدول “ضمان الامتثال” لحظر الطيران.

وفي نيسان/ إبريل، شن “حلف شمال الأطلسي” (الناتو) “عملية حظر الطيران” لفرض منطقة الحظر الجوي، وفي وقت لاحق لتقديم الدعم الجوي القريب لـ “قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة”.

وعلى الرغم من المسؤوليات المتزايدة لـ “قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة”، فشلت الأمم المتحدة والدول المشاركة في تزويد المنطقة بالدعم السياسي اللازم وبالقدرات العسكرية الضرورية للتعامل مع تدهور الوضع الأمني على الأرض.

إلا أن قوة النيران غير الكافية، والتوجيه السياسي غير الواضح، والسلسلة المتشابكة من القيادة، والقيود السياسية التي غالباً ما أجبرتها على اتخاذ موقف دفاعي سلبي، كلها عوامل أعاقت عمل هذه القوات.

وبالمثل، فإن عملية المهام الجوية المربكة والمرهقة ذات “القيادة المزدوجة”، والتي كانت تتطلب موافقة “حلف شمال الأطلسي” والأمم المتحدة قبل العمليات، أدت إلى تأخيرات طويلة في تقديم الدعم الجوي.

وفي النهاية، تمت مهاجمة جميع المناطق الآمنة الست، كما تم اجتياح منطقتين (سربرنيتشا وزيبا). وفي تموز/ يوليو 1995، وقفت قوة صغيرة من “قوة الحماية التابعة للأمم المتحدة” في سربرنيتشا مكتوفة الأيدي فيما تم فصل 8000 من الذكور المسلمين من مختلف الأعمار عن عامة السكان وقتلهم. ويُمكن القول إن تلك الإخفاقات السياسية المأساوية قد مهّدت الطريق لـ”عملية القوة المتعمدة” لـ”حلف شمال الأطلسي” (آب/ أغسطس – أيلول/ سبتمبر 1995) واتفاقية دايتون التي أنهت الحرب .

  • ليبيا 2011:

في عام 2011، حاول نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي القضاء على انتفاضة “الربيع العربي” في ليبيا، مما دفع بمجلس الأمن الدولي إلى اتخاذ قرارين: القرار 1970 الذي دعا القوات الحكومية إلى وقف الهجمات على المدنيين، والقرار 1973 الذي سمح للدول الأعضاء باتخاذ “كافة الإجراءات اللازمة” لحماية المدنيين المعرضين للخطر. وعلى الرغم من أن هذا القرار الأخير سمح بإقامة منطقة حظر جوي، إلا أنه استبعد “قوة الاحتلال الأجنبية”.

وفي وقت لاحق، إن عمليات الحظر الجوي التي فرضها حلف “الناتو” سمحت لقوات الثوار بإرساء الأمن في العديد من المناطق، نظراً إلى أن قوات القذافي على الأرض لم تعد قادرة على القيام بمغامرات كبرى أبعد من العاصمة ومن معاقلها في غرب ليبيا ووسطها. وفي حين لم يحدد القرارين كيف سيتم حماية المدنيين من الهجمات البرية، إلا أن هذه المسألة أصبحت نقطة خلاف عندما تحولت عمليات منطقة الحظر الجوي إلى عمليات جوية هجومية ساعدت الثوار في النهاية على هزيمة قوات القذافي .

لكن في هذه الحالة، لم يولّد النجاح العسكري نجاحاً سياسياً. فبعد هزيمة القذافي، أعادت قوات “حلف شمال الأطلسي” توزيع قواتها تاركة نظاماً ضعيفاً وغير مستقر انهار بيد أمراء الحرب وغرق في الفوضى الذي يميز وضع ليبيا الحالي.

  • التداعيات:

يقول“اللفتنانت كولونيل جون بارنيت  من نواحٍ عديدة، يختلف الوضع الحالي في سوريا تماماً عن الصراعات الماضية المذكورة أعلاه، بيد إن كل حالة من هذه الحالات تقدم دروساً هامة لأي جهود لإقامة منطقة آمنة في سوريا مستقبلاً. وعلى وجه الخصوص، يتطلب نجاح هذه العملية العوامل التالية :

·         تفويض قانوني وتوجيه عملي لا لبس فيهما. سواء جاء على شكل قرار من قبل مجلس الأمن الدولي أو آلية قانونية أخرى، يجب على النص الذي يأذن بالعملية أن يكون واضحاً بشكل لا لبس فيه. كما أن قواعد التدخل العسكري ستستند على هذه الولاية، ولا بد لها من أن تكون بسيطة ومباشرة، وتفهمها كافة القوى المشاركة. ومن شأن الإذن بولاية واضحة أن يخفف أيضاً من أي مخاوف قد تكون لدى روسيا وغيرها من أصحاب المصلحة حيال الهدف المقصود من المنطقة الآمنة . بالإضافة إلى ذلك، يجب ألا تفرض الولاية قيوداً غير ضرورية على استخدام القوات المنتشرة لتأمين المنطقة الآمنة.

·         الوضوح حول الطرق والوسائل والغايات. ينبغي تحديد وضع نهائي قابل للتحقيق ووضع خارطة طريقة قابلة للتنفيذ وذات مصداقية في خلال مرحلة التخطيط لأي عملية تتعلق بمنطقة آمنة. ويكمن الهدف النهائي في ضمان عودة النازحين واللاجئين أو إعادة توطينهم.

ولأسباب عملية وسياسية، قد تكون الدبلوماسية المحيطة بالمرحلة النهائية من العملية أكثر صعوبة من الدبلوماسية المتعلقة بإنشائها. إلى جانب ذلك، تتطلب العمليات الناجحة للمناطق الآمنة في بعض الأحيان التزامات ثابتة تستمر إلى ما بعد عملية العودة إلى الوطن/ إعادة التوطين.

ففي نهاية المطاف، تحولت العمليات الإنسانية في العراق والبوسنة وليبيا إلى بعثات مختلفة جداً ذات أهداف أكثر اتساعاً من ذلك بكثير. وقد قضت الولايات المتحدة عقداً من الزمن وأنفقت مليارات الدولارات لفرض ملاذها الآمن ومنطقتين للحظر الجوي في العراق. وفي النهاية أصبح تغيير النظام استراتيجية للخروج الأمريكي من العراق، ومن ليبيا أيضاً. أما في البوسنة، فقد تحولت العملية الإنسانية المتعثرة إلى عمليات هجومية ضد القوات الصربية.

·         فريق أرضي- جوي قوي ومتوازن. على الرغم من أن منطقة الحظر الجوي هي جزء لا يتجزأ من العديد من عمليات المنطقة الآمنة، إلا أنها ليست كافية بمفردها لضمان ملاذ آمن ضد القوات البرية المعادية التي تتمتع بعزيمة قوية، كما شهدنا في البوسنة والعراق. فما نجح في ليبيا من عمليات جوية لن ينجح في سوريا، حيث العدد الكبير والمعقد من الفصائل الثائرة والمتطرفة التي تعمل على الأرض، والتي تتراوح من تلك الصديقة إلى المعادية، وحيث تساعد القوى الخارجية مباشرة في العمليات العسكرية للنظام. وبغية تأمين مناطق آمنة وردع العدوان، لا بد لعناصر الدعم على الأرض من أن تكون كبيرة وقوية بما فيه الكفاية. وحتى في هذه الحال، يمكن لردع الجماعات الإرهابية وقوات العملاء أن يكون صعباً للغاية.

·         وحدة القيادة. إن وجود تسلسل قيادي واضح يُعتبر ضرورياً بغض النظر عن مدى تعقيد هيكل القوة. ولا بد من وجود جهة اتصال واحدة مباشرة بين العناصر البرية والجوية لضمان تقديم الدعم في الوقت المناسب، ونشر المعلومات الاستخباراتية الحيوية، ومنع الاقتتال الداخلي، وحماية القوات البرية والمدنيين على حد سواء.

·         بيئة سياسية مواتية. إن التوافق مع الدول المجاورة والشركاء الإقليميين أمراً حاسماً لضمان عدم تعطيل المفسدين للمهمة أو تخريبها. على سبيل المثال، أدت الهجمات التركية ضد «حزب العمال الكردستاني» في شمال العراق في بعض الأحيان إلى تعقيد “عملية توفير الراحة”. وبالمثل، عندما هاجمت القوات البرية العراقية في عهد صدام حسين الجيب الكردي في شمال العراق عام 1996، فإن قيود الدول المضيفة المفروضة على الطائرات الضاربة الأمريكية والبريطانية قد أعاقت جهود التحالف لتوفير الحماية. فإذا كان التوافق السياسي مستحيلاً بالنسبة إلى بعض الأطراف في سوريا، سيكون الردع حينذاك ضرورياً، مع جميع التحديات التي يمكن أن تترتب عن ذلك.

إن أي عملية لإنشاء منطقة آمنة في سوريا تتجاهل الدروس المستخلصة من الماضي وتغفل هذه العناصر الرئيسية، قد تخاطر باحتمال أكبر للفشل ومزيد من المعاناة للمدنيين، فضلاً عن إمكانية توسيع أهداف المهمة، مما قد يؤدي إلى انتشار الصراع إلى درجة أكبر.

المصادر:

  • وكالات
  • معهد واشنطن
  • المركز الديمقراطي العربي
  •  نيويورك تايمز
  • واشنطن بوست
  • ملخص لمجموعة تحليلات لمعهد واشنطن

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى