البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثية

دور النخبة السياسية والمثقف السياسي في التحول الديمقراطي “العراق أنموذجا”

اعداد الباحثة : هبة علي حسين / ماجستير علوم سياسية / جامعة بغداد

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة

  أن نجاح الديمقراطية مرتبط أساسا بتوفر العديد من العوامل السياسية ، والاقتصادية ، والثقافية . لذا فأن وجود النخب في النظم الديمقراطية أمرا واجبا ، حيث أن مفاهيم الديمقراطية لاتتجذر عند جميع الناس بل عند قلة منهم ، وهؤلاء يجب عليهم حماية هذه المفاهيم ، وإقناع الآخرين بها . ما أن عملية التحول الديمقراطي تحتاج الى نخبة فكرية ديمقراطية لها حضورها القوي والفاعل على الساحة الشعبية وفي الدولة ، لذلك يقع على مثقفي العراق دور هام في توصيل فكرة الحوار وثقافتها وأبعادها ونتائجها وأدواتها لأعلى المستويات من قيادات العملية السياسية في العراق لأبسط إنسان ، كما على مثقفي العراق أن يبحثوا عن طريق المساهمة الفعالة في حياة المواطن . لذلك سوف نتناول في هذه الدراسة مبحثين المبحث الأول تناول دور النخبة السياسية والمثقف السياسي في بناء الديمقراطية  ، أما المبحث الثاني تناول النخبة السياسية والتحول الديمقراطي في العراق .

المبحث الأول :- دور النخبة السياسية والمثقف السياسي في بناء الديمقراطية 0

يُعد تعميق الوعي السياسي لدى أفراد المجتمع أحد عوامل الاستقرار الاجتماعي والسياسي الذي سينعكس حتماً على التطور العمراني والسياسي، فالاستقرار السياسي يعتمد على الثقافة السياسية، اذ أن التجانس الثقافي والتوافق بين ثقافة النخبة والجماهير يساعدان على الاستقرار، أما التجزئة الثقافية بين عقلية النخبة وعقلية الجماهير ، فتمثل مصدر تهديد لاستقرار النظام السياسي.([1])

قبل الحديث عن دور المثقف السياسي في عملية التحول الديمقراطي ونشر الوعي السياسي في العراق لابد من تحديد مفهوم المثقف السياسي.

أولا :- النخبة السياسية:

وردت تعاريف كثيرة للنخبة، لكنها استخدمت أول مرة في القرن السابع عشر من لدن اصحاب المحلات لوصف البضائع ذات الصفات المتميزة لديهم، وبحلول نهاية القرن اصبح هناك استخدام أوسع للمصطلح، وبالتدريج وفي القرن التاسع عشر تم توسيع المصطلح، واستخدامه من المحللين السياسيين، والاجتماعيين للإشارة الى الفئة الحاكمة او الفئة المهيمنة وبعد ذلك أخذ المصطلح يشير الى الأشخاص الذين يقفون على قمة الهياكل الاجتماعية الأساسية لمجتمع ما.هناك من عرف النخبة ((بكونها الأقلية داخل اي تجمع اجتماعي مثل المجتمع، والدولة، والحزب السياسي))، أو هي ((أية جماعة تمارس نفوذ متفوق داخل المجتمع)).([2])

كما إن كلمة النخبة واحدة من المصطلحات الأكثر عمومية التي استخدمتها الدراسات السوسيولوجية الوصفية، حيث تشير الى أي مجموعة او فئة مالكة للقوة، والنفوذ، والمؤهلات، والامتيازات.)) وينتمي  لهذه الفئة السياسيون او القساوسة ، والاذكياء والمجرمون ، والناجحون ، ويمكن اتباع اسلوب افضل من هذا بتضييق نطاق هذا المفهوم والنظر الى النخب باعتبارها تتميز عن الانواع الأخرى من الفئات الاجتماعية بامتلاكها نوعاً ما من أنواع القوة.([3])

والنخبة هي ((مجموعة من الأفراد الذين يقودون المجتمع)) وهي بهذا المعنى مفهوم قديم ارتبط تاريخياً بالحاجة الى تنظيم ممارسة السلطة وعملية صنع القرار. فنجد على سبيل المثال ان كلاً من افلاطون وارسطو قد تعرضا لفكرة النخبة، فتحدث افلاطون عن حكم الفلاسفة بوصفه أصلح انواع الحكم، في حين ركز ارسطو على مزايا حكم الطبقة الوسطى لاعتدالها. ومن بعد تنوعت اسهامات الفلاسفة والمفكرين بشأن تحديد مصادر قوة النخبة، فذكر ((سان سيمون)) إن كل عنصر يفرز النخبة المناسبة له سواء كانت عسكرية، او دينية، او اقتصادية، وأكد ((اوغست كونت)) على صلاحية النخبة الارستقراطية العلمية، وعلى هذا قام بالتمييز بين ما أسماه بالسلطة الدينية والسلطة الزمنية.([4])

تتألف النخبة السياسية من ((أولئك الذين يملكون مقاليد القوة في أي جهاز سياسي، وهؤلاء يشملون القيادة، والتشكيلات الاجتماعية التي أتى منها هؤلاء القادة، والتي من خلالها يتم تقدير، وحساب كل شيء خلال فترة زمنية معينة)).

وتُعرف بأنها ((جماعة صغيرة داخلة في نطاق الطبقة السياسية في المجتمع خلال فترة زمنية معينة، فهي تشمل كبار الموظفين والإدارات العليا، والقادة العسكريين، وفي بعض الأحيان الأسر ذات النفوذ السياسي كالأسرة الارستقراطية او الملكية، هذا فضلاً عن اصحاب المشروعات الاقتصادية الكبرى)).([5])

ينطلق ((باريتو)) في تفسيره للنخبة من فكرة التمايز، أي عدم المساواة في قدرات الأفراد، حيث يجعل من تلك الفكرة مبدءاً ثابتاً لتوصيف حالة انقسام المجتمع، التي ينظر إليها كمسألة حتمية لا مناص منها، ويذهب الى أنه يمكن التمييز بين فئة من الناس، واخرى فيما يتعلق بإمكاناتها، ونشاطاتها بجملة من المؤشرات المتعلقة بالقدرات الجسمانية والعقلية، مثل المهارات، والذكاء، وغيرها بما يسمح المجال أمام جماعة ما تمثل اقلية لاحتلال مكانة اجتماعية عالية.([6])

كما يشير مصطلح النخبة في معناه العام الى جماعة من الأفراد يشغلون مراكز النفوذ، والسيطرة في مجتمع معين، وتمثل النخبة أكثر الطبقات هيبة، واثراً، ويشير المصطلح الى الفئة العليا في أحد ميادين التنافس، حيث ان النخبة تضم البارزين والمتفوقين بالقياس الى غيرهم، ما يجعلهم قادة في ميدان معين، بذلك يمكن ان تشير الى نخبة سياسية، ونخبة في العمل، ونخبة في الفن، ونخبة علمية، ونخبة اقتصادية الى غير ذلك من الميادين.([7])

ثانيا : ) المثقف السياسي:-

المثقف في اللغة ((ثَقْف وثَقِفَ وثَقف)) وتثقيف كلمة من أصل الفعل الثلاثي (ثقف) بمعنى حاذق، فاهم، ضابط لما يحويه، ذو فطنة، وذكاء. المعنى الأدق للمثقف وهو ما تحقق فيه معنيان: التفوق الفكري الذي يؤهله للمعنى الثاني وهو التقويم، والتهذيب، ولعل هذا المعنى أدق في وصف هذه الفئة، لأن الجهد التهذيبي عنصر أساسي في شخصية المثقف، ولفظة مثقف معربة عن الفاظ غربية، وخلاصة ما تدل عليه هذه الكلمة ان تعني اصحاب الجهد الفكري في مقابل اصحاب الجهد اليدوي.([8])

بينما عرف ((أحمد مجدي حجازي)) المثقف بأنه ((ذلك الشخص الذي أوتي حظاً من المعرفة العامة تشكل، وتطور خلال خبرة الممارسة اليومية أو من خلال خبرة الصراع مع الحياة المعيشية، هذا القدر المعرفي الذي يتيح له توصيف قضايا مجتمعة يدفعه نحو ايجابية توظيف هذه المعرفة في تحليل المجتمع ونقده وما يقابله من قضايا مساهماً في وضع بدائل النظام القائم او وضع حلول عملية تنبوية لمجتمعه)).([9])

ويذهب ((هشام شرابي)) في تعريفه للمثقف بأنه ((المستوعب للثقافة، وانه يتميز بصفتين هما الوعي الاجتماعي الذي يمكن الفرد من رؤية المجتمع، وقضاياه من زاوية شاملة، وتحليل القضايا على مستوى نظري متماسك، والدور الاجتماعي الذي يمكن ان يؤديه وعيه الاجتماعي، فضلاً عن القدرات الخاصة التي سيضيفها عليه اختصاصه المهني او كتاباته الفكرية)). ويوظف ((عزيز السيد جاسم)) الوعي أيضا في تعريفه للمثقف بالقول هو ((محبذ الوعي الى المسافات البعيدة خارج حدود القناعات السهلة والموافقات الكسولة، وإزاء احداث لا يمكن الا ان يكون مشاركاً فيها او ضدها بشكل او بآخر)).([10])

المثقف هو الإنسان الذي يمثل القيم العليا لثقافة مجتمعه ويمثل دوره في متابعة الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع، وايجاد المعالجات الضرورية لتلك الظواهر، وفقاً لمعيار، ومحددات المجتمع، والمثقف اليوم امام مسؤولية تاريخية في سبيل النهوض بالواقع الفكري والسياسي لمجتمعه بحيث تكون قراءته للأحداث وتفسيرها من زاوية فكرة بعيدة عن ردود الأفعال، والعواطف الآنية وإعتماد العقلانية، والتفكير العلمي اساساً منهجياً، فضلاً عن جعل الديمقراطية، وقبول الآخر الاختيار الاستراتيجي لتنظيم التعايش في المجتمع.([11])

في الفكر الغربي وردت تعريفات عده للمثقف فيرى ((ماكس فيبر)) أن المثقف هو: ((الشخص الذي تمكنه صفاته الخاصة من النفاذ الى منجزات لها قيمة ثقافية كبرى)). ويرى ((بارسونز)) إن المثقف هو ((الشخص المتخصص في أمور الثقافة ويضع اعتباراتها فوق الاعتبارات اليومية المعتادة)) ، بينما يرى ((لوس فوبير)) ان المثقف هو ((المتعلم والمهني من الطبقة الوسطى الذي يختلف عمن يعمل في الصناعة والتجارة من الطبقة العليا والطبقة الدنيا)). بينما يرى ((إدوارد شيلز)) إن المثقف السياسي هو: ((الشخص المتعلم الذي لديه طموح سياسي إما مباشرة بالسعي لكي يكون حاكماً لمجتمعه، او طموحات غير مباشرة للسعي الى صياغة ضمير مجتمعه والتأثير على السلطة السياسية في صياغة القرارات الكبرى)).([12])

ويرى ((روبرت ميشل)) أن للمثقفين القدرة على صياغة أحكام على المواقف المختلفة من خلال مفهومه للمثقف الذي يقول فيه المثقفون هم: ((اولئك الأشخاص الذين يمتلكون المعرفة الموضوعية ومع تأملاتهم الذاتية يصوغون أحكامهم عن الواقع، دون ان يستمدوا هذه المعرفة الموضوعية من خبراتهم الحسية)). إما ((جوليان بند)) فيعرف المثقفين بـ: ((أنهم الذين لا يهدف نشاطهم اساساً الى أغراض عملية، فهم ينشدون السعادة في ممارسة فن ما أو علم ما)). فيبعد ((جوليان بند )) الإغراض العملية عن نشاطات المثقف الفكرية والفنية.([13])

وحدد ((ليبست)) المثقفين بوصفهم ((من يبدع ويوزع ويمارس الثقافة، أي العالم الرمزي الخاص بالانسانية والذي يتضمن الفن، والعلم، والدين)). أما ((كوزر)) بدوره فقد حدد المثقفين بوصفهم ((الافراد الذين يعنون بالقيم المركزية في المجتمع أو أنهم من يولي اهتمامه للعالم الرمزي الذي تؤسسه الثقافة)).([14])

وعرف قاموس العلوم السياسية، المثقف بأنه ((شخص التأمل والتفكير او شخص القدرات الفكرية العالية الذي كرس نفسه للدراسة والتأمل، وبصورة خاصة القضايا العميقة، انه الشخص الذي يسترشد بالعقل والفكر بدلاً من العواطف، وينغمس في الاعمال الفكرية والإبداعية وبصورة خاصة في حقول العلم او الأدب او الفن بدلاً من العمل اليدوي)).([15])

يعرف المثقفون بأنهم: ((مجموعة من الأشخاص الذين تمكنهم قدراتهم ومواهبهم الخاصة من النفاذ الى منجزات ذات قيمة ثقافية)).

ويعرف المثقفون ايضاً (( بأنهم اولئك الاشخاص الذين يمتلكون المعرفة وعلى أساس هذه المعرفة الموضوعية، وتأملاتهم الذاتية يصوغون أحكامهم عن الواقع، دون ان يستمدوا هذه الأحكام مباشرة او بالضرورة من خبراتهم الحسية)). كما يعرف المثقفون بأنهم ((ذلك القطاع من بين قطاعات المتعلمين الذين لهم طموحات سياسية، اما مباشرة بالسعي الى صياغة ضمير مجتمعهم والتأثير في السلطة السياسية في اتخاذ القرارات الكبرى)).([16])

ويشمل المثقف جميع الذين يشتغلون بالثقافة إبداعاً، وتوزيعاً، وتنشيطاً، الثقافة بوصفها عالماً من الرموز تشمل الفن، والعلم، والدين، والذين يمكن التمييز بينهم بين نواة تتكون من المبدعين والمنتجين من علماء وفنانين وفلاسفة وكتاب وبعض الصحفيين، يحيط بها اولئك الذين يقومون بنشر ما ينتجه هؤلاء المبدعون مثل الممارسين لمختلف الفنون ومعظم المعلمين والاساتذة والصحفيين يليهم ويحيط بهم جماعة تعمل على تطبيق الثقافة من خلال المهة التي يمارسونها مثل الاطباء والمحامين)).([17])

إما تحليل ((غرامشي)) الاجتماعي للمثقف كإنسان ينجز مجموعة معينة من الوظائف في المجتمع، هو أقرب بكثير الى الواقع، وبخاصة في اواخر القرن العشرين عندما ثبتت رؤية غرامشي بظهور مثل هذا العدد الكبير من المهن الجديدة من المذيعين، ومحترفي العمل الاكاديمي، والمحللين في مجال الكومبيوتر، والمحامين المختصين بشؤون الرياضة، ووسائل الاعلام، والمستشارين الاداريين وخبراء السياسة، ومستشاري الحكومة، وغيرها فكل من يعمل اليوم في أي حقل مرتبط بانتاج المعرفة او نشرها هو مثقف.([18])

ويميز ((غرامشي)) بين صنفين من المثقفين، هما المثقف التقليدي، أي المثقف الذي تكون ثقافته متوارثة عبر الأجيال، مثل الأطباء، والمهندسين والفنانين، وغيرهم أي انهم يمتلكون أيديولوجية متوارثة من جيل الى آخر. والمثقف العضوي وبحسب ((غرامشي)) هو (( ذلك المثقف الذي يمتلك قدرة فعالة في مواجهة أزمات معينة ووضع الحلول لها من خلال دراسة الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والمثقف العضوي هو الذي يؤثر في توجيهات المجتمع بشكل ايجابي، اي بشكل موضوعي يقع الفائدة، وليس الضرر على أفراد مجتمعه اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.([19])

ويرى غرامشي ان المثقف العضوي هو الذي ينتمي الى شريحة او شرائح المثقفين الذين يزودون طبقة اجتماعية معينة بتجانسها وبوعي وظيفتها الخاصة لا في المضمار الاقتصادي فحسب وانما في المضمار السياسي والاجتماعي ايضاً، وعليه فإن المثقفين العضويين هم الذين يتولون مهام([20]):

  • اولاً: تنظيم الوظيفة الاقتصادية للطبقة التي يرتبطون بها.
  • ثانياً: تبرير الهيمنة التي تمارسها الطبقة السائدة في المجتمع المدني عبر مختلف الهيئات الثقافية.
  • ثالثاً: تنظيم الإكراه الذي تمارسه الطبقة السائدة على سائر الطبقات بواسطة الدولة، حيث يأتي منهم الوزراء وكبار موظفي الدولة.
  • رابعاً: تزويد الطبقة التي يرتبطون بها عضوياً بالوعي بمصالحها وتصورها المتجانس والمستقبل للعالم.

كل انسان مثقف الى حدٍ ما، بمعنى انه يشارك في رؤيا شاملة، ويشير ((غرامشي )) الى هذا المعنى الواسع للمثقف عندما يكتب حول تغيير العلاقة بين الجهد العقلي وذلك العضلي في سبيل خلق توازن جديد ونوع جديد من المثقف المنهمك فعلاً في الحياة العملية، جامعاً تقنية الاختصاصي بالعلم وبالإنسانية ويصبح بذلك قائداً اختصاصياً وسياسياً.([21])

اما المثقف التقليدي عند ((غرامشي )) هو: ((المثقف المرتبط بجماعة يمكن ان تبدو بوصفها جماعة تقليدية قائمة بذاتها ويتم تصنيفه باعتباره مرتبطاً بطبقة زائلة او في طريقها الى الزوال)) وحيث ان كل مجموعة اجتماعية – سياسية تظهر في لحظة تاريخية معينة تكون في الأصل نتاجاً لاحد التطورات الحاصلة في البنية الاقتصادية الاجتماعية السابقة، فإن هذه المجموعة تجد في التاريخ وبالشكل الذي دارت فيه عجلته لغاية هذا اليوم أضعافاً من المثقفين وجدوا قبلها أي قبل المجموعة الاجتماعية الأساسية وظهروا باعتبارهم ممثلي الاستمرارية التاريخية التي لم تقطعها التغييرات الأكثر تعقيداً او الأكثر جذرية التي طرأت على الأشكال السياسية والاجتماعية.([22])

وتبعاً لذلك فان المثقف عند ((غرامشي )) يتحدد انطلاقاً من أدائه لوظيفة اجتماعية فهو (عضوي) في علاقته المباشرة بالفئات الاجتماعية التي تسيطر على الاقتصاد، وذلك من خلال ادائه لوظيفة اجتماعية سواء في الحقل الاقتصادي أم على المستويين الاجتماعي، والسياسي، ومن ناحية اخرى يوجد المثقف (التقليدي) وعلاقته بالفئة المسيطرة غير المباشرة، فعضويته تنتمي الى طبقة أخرى رحلت تاريخياً.

بمعنى أخر فالمثقف العضوي هو مثقف مؤسسي، والتقليدي على علاقة غير مباشرة بالمؤسسات ويشكل المثقفون جزءاً من نظام الدولة بسبب وضعهم داخل الأجهزة الايديولوجية للدولة، كما انهم يرتبطون بالمجتمع المدني من خلال دورهم كمعبرين اجتماعيين للجماعات الاجتماعية المختلفة لذلك يمكن عد المثقفين موظفين لدى الدولة، وايضاً معبرين ايديولوجيين للمجتمع المدني.([23])

ويُعد كل من يعمل اليوم في أي مجال يتصل بانتاج المعرفة، او نشرها مثقفاً بالمعنى الذي حدده غرامشي. وقد ذكر عالم الاجتماع الأمريكي ((الفين جولدنز)) : ((إن المثقفين اصبحوا يشكلون الطبقة الجديدة، وان المديرين المثقفين قد حلوا الى درجة كبيرة محل الطبقات القديمة التي كانت تتمتع بالأموال، وبالممتلكات كما ان المثقفين في غضون صعودهم لم يعودوا اشخاصاً يخاطبون الجمهور العريض بل أصبحوا افراداً ينتمون الى ما يسميه ثقافة الخطاب النقدي اي اصبح لهم لغتهم الخاصة او المتخصصة)).([24])

ويربط ((أدوارد شيلز)) بين تعريف المثقفين وبين طموحاته السياسية فيقول ((ان المثقف هو الشخص المتعلم الذي لديه طموح سياسي أما مباشرة بالسعي لكي يكون حاكماً لمجتمعه او طموحاته غير مباشرة للسعي الى صياغة ضمير مجتمعه، والتأثير على السلطة السياسية في صياغة القرارات الكبرى)).([25])

ليس ثمة حواجز فاصلة بين وظائف المثقف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وبين دوره كمحقق تجانس، وفي الأغلب، يحقق المثقف قدراً أعظم من التجانس في وعي الطبقة التي يرتبط بها عضوياً، عن طريق الوظائف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يمارسها، وعليه ان الطبقة الفرعية او التابعة التي لا يستطيع، بحكم المكانة التي تشغلها في نمط محدد للانتاج، أن تطمح الى قيادة المجتمع لن تنتج في غالب الأحيان سواء مثقفين على المستوى الاقتصادي الحرفي، وسيكون وعيها للعالم بالتالي ملفقاً من عناصر شديدة التباين وفي القطب المقابل سيكون للطبقة السائدة مثقفون متخصصون لجميع الوظائف وستفوز ومن ثم يتصور للعالم يتمتع بقدر كبير من التجانس.([26])

كما أن وظيفة المثقف في أي مجتمع في المقام الأول وظيفة اجتماعية نقدية، فهو انسان صناعته الفكر والحوار الهادف وزرع الأمل ومحاربة اليأس وتعميق الوعي لدى أبناء المجتمع. ولذلك يأمل المثقف باستقلاله في التفكير وحريته في التعبير ان يستثير في مجتمعه الرغبة في التغيير والنزوع الى التحول الاجتماعي، فهو الذي يستطيع ان يصارح الجماهير وان ينبهها الى ما قدر تتعرض له من اخطار ويجعلها مهيأة لفهم القرارات التي تتطلب التضحية والبذل والعطاء. وفي مرحلة النضال للتخلص من الاستعمار والحصول على الاستقلال يؤدي المثقفون دوراً اساسياً بل يتحول البعض منهم الى سياسيين لقيادة هذا النضال، ولم يقتصر دور المثقفين في هذه المرحلة على إثارة المشاعر والتعبير عن الرغبة في التجديد ولكن خرجت من بين صفوفهم معظم الزعامات السياسية الحزبية والتعليمية والصحفية والاجتماعية والاقتصادية كنواة للمجتمع الجديد.([27])

ويؤدي المثقفون دوراً خاصاً في تنظيم الهيمنة الاجتماعية وسيطرة الدولة، انهم ليسوا اكثر من موظفين لدى الجماعة المسيطرة، وخبراء في إضفاء الشرعية على الكتلة الحاكمة وهذا ما استدعى غرامشي الى لحق صفة العضوية بالمثقف ليضطلع المثقف بعد ذلك بمسؤولية انتاج وإعادة انتاج المعرفة وفقاً لتصورات الطبقة التي يرتبط بها ويصبح عندها المثقف العضوي المعبر الايديولوجي عن الجماعة والطبقة الاجتماعية المرتبطة بها.([28])

ويؤثر نظام الحكم القائم على طبيعة المثقفين، فهم يذعنون ويخفضون رؤوسهم اذا  كان الحكم صارماً، ولكنهم يملأون الدنيا ضجة وصخباً اذا كان متراخي القبضة يقبل الأخذ والرد، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فأنهم يعيشون مجد بدلهم. ولذلك تراهم يتسامحون الى حد ما في سوء الحال الاقتصادي وفساد النظام، ولكنهم لا يتسامحون ابداً اذا كان هنالك ما يشير الى جرح كرامتهم الوطنية وليس يعني هذا ان هم أكثر وطنية من غيرهم على إظهار ذلك بما يصورونه من وسائل التعبير والقدرة على التأثير في أذهان الناس.([29])

وترجع صعوبة الوصول الى تعريف محدد للمثقف ومتفق عليه هو ان المثقفين لا يشكلون طبقة مستقلة قائمة بذاتها، بل يتغلغلون في الطبقات المكونة للمجتمع، ويتحركون بحرية على سلم المجتمع صعوداً او هبوطاً، وعلى الرغم من تعدد تعريفات المثقف يمكن إرجاع هذا التعدد الى معيارين استند إليها الباحثون في تعريف المثقف، وهما معيار الثقافة، ومعيار الوظيفة او الدور.([30])

المطلوب من النخب المثقفة ليس القيام بحركة سياسية واتخاذ مواقف سياسية معارضة للأنظمة القائمة، بل أن تتحمل مسؤولياتها في وضع الأنظمة أمام مسؤولياتها لتحقيق ما التزمت وتعهدت قانوناً بتحقيقه بحكم الاتفاقات الدولية، وأن تحشد النخب السياسية في سبيل جميع إمكاناتها المهنية والعسكرية، وفي إطار التأثير المتزايد لهذه النخبة في إحداث التغيير فإنها تقوم بوظيفة حفظ التوازن داخل المجتمع عن طريق اندماجها وتجددها الذي يكون التغيير محورها الأساس، وهي بتغيرها تقوم بقيادة عملية التغيير والتطور داخل المجتمع.([31])

على العراقيين بنخبهم من الساسة والمثقفين إدراك حقيقة ما يمكن ان تؤول اليه الاوضاع في المنطقة بعيداً عن الانفعالية التي تستند الى العواطف لا الى الواقع، وكما تتردد مطالب توحيد السياسيين لصفوفهم وترك صراعاتهم جانباً لحماية وحدة البلاد ومستقبلها فإن الشيء ذاته تطالب به النخب المثقفة وصناع الرأي والمعنيين بضرورة التبصر العميق في النتائج  وترك الانفعال والتخلي عن مراعاة مثاليات عاطلة عن العمل حين يتعلق الأمر بحاضر البلاد ومستقبلها وواجب النهوض بمسؤولية التحليل والتشخيص السليم ليفهم الجميع ما ينتظرهم.([32])

فقد برزت في العراق نخبة من المثقفين الذين تميزوا بالنزعة العصرية، والأخيرة تعتمد في الواقع، مجموعة نزعات فكرية محددة تصب في مضمونها بالنهاية في التأسيس للديمقراطية الليبرالية، بكلمة أوضح، ان النزعة العصرية بخصائصها الفكرية هي التي جعلت من هذه الفئة العصرية المثقفة فئة مؤهلة لتبني الديمقراطية الليبرالية والحماس لها.([33])

المبحث الثاني:- النخبة السياسية والتحول الديمقراطي في العراق

لقد بات وجود النخب في النظم الديمقراطية امراً واجباً كما يذهب الى ذلك البعض، حيث ان مفاهيم الديمقراطية لا تتجذر عند جميع الناس بل عند قلة منهم، وهؤلاء يجب عليهم حماية هذه المفاهيم، والدفاع عنها، وإقناع الآخرين بها. وحتى تكون النخبة صاحبة تأثير وقدرة على إحداث التغيير نحو الأفضل يجب ان لا تكون مستوردة، وإنما تكون نتاج مجتمعي، وتكون أفكارها منطبقة من واقع المجتمع، وليس مبنية على ثقافات الآخرين، وتجاربهم، كما ان وجود نخبة حاكمة تدير مؤسسات الدولة بكفاءة يُعد من أهم اولوليات خطة تحسين الدولة ضمن مفهوم الإدارة الرشيدة او الحكم الرشيد(*).(1)

ونجاح الديمقراطية مرتبط اساساً بتوافر العوامل الأخرى السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية وهذا معناه ان الدولة الديمقراطية تعني دولة النخبة الوطنية ذات الثقافة العالية المخلصة لأداء مهامها خدمة للشعب، والوطن أي دولة العقل النير لأن العقل، وعلى مر التاريخ كان مصدر القوة، ومبعث النفوذ، ومنطلق التقدم.([35])

استناداً الى ذلك، فان العراق، ومنذ العام 2003 يمرُ بمرحلة تحول ديمقراطي، وشهد حراكاً سياسياً متصاعداً، أدت به النخب دوراً، وكذلك المثقف، وتبعاً لذلك يمكن تقسيم فئات المثقفين في العراق بعد التحول الديمقراطي في عام 2003 الى ثلاث فئات، الفئة الاولى ركزت على العملية الانتخابية والدستور وغيرها من الموضوعات التي لا تخرج عن اطار السلطة، أما الفئة الثانية فيظهر دورها بصورة أوضح عند الحديث عن علاقة المثقف بالسلطة، اما الفئة الثالثة فيتمثل مثقفها بأنه غير راضٍ عن الاوضاع التي يعيش فيها، فيتسم نتاجه بنقد أنماط الحياة، ومثقفو  هذه الفئة تمثل اصوات شابة تطرق موضوعات ينقصها التسلح بوسائل ثقافية تجسدها أفكارها بصورة صحيحة.([36])

كما شهد العراق بعد 9/4/2003 ظهور أول نمط من النخبة الحاكمة بعد التغيير عن طريق تشكيل مجلس الحكم، والذي أريد له تمثيل شرائح المجتمع العراقي، لإعطاء الشرعية لهذا المجلس، وما سيصدر عنه لاحقاً وعملياً فإن النخب بعد 2003 سواء من كانت في الحكم، أو خارج الحكم اتسمت جميعها بالرفض المطلق، او القبول المطلق للعملية السياسية في العراق.([37])

عملية التحول نحو الديمقراطية تحتاج الى نخب فكرية ديمقراطية لها حضورها القوي والفاعل على الساحة الشعبية وفي الدولة، نخب تحول الفكر الديمقراطي على شكل قبول ورفض في إطار سجال ومحاججة فكرية بين السلطة والمعارضة او على شكل معالجة سواء بالاضافة او  الإلقاء عبر نشاط وحضور فكري تحت اطار عمل سياسي تراكمي بحيث تتجلى الديمقراطية كنظام حكم وكوسيلة لفض النزاعات، وكطريقة لتبادل الرأي وكأسلوب للتفاهم على الحل الوسط والمقتربات بالحوار والعلانية والشفافية والتدريجية والشرعية و((صحافة ))حرة.([38])

كما ان عملية التغيير يجب ان تسير على وفق منهج منتظم وتحت اشراف حكيم ونزيه، وهذا يحتاج الى نخب واعية تدرك ضرورة التحول والتغيير وتؤمن به وتخطط له اي ان تكون النخب مستوعبة لسنن ومقترحات التحول الديمقراطي، وذات خبرة واطلاع على تجارب الشعوب.([39])

ومن المعروف ان التزام النخب السياسية بهدف تحقيق الديمقراطية وتبني أجندة من اجل تحقيق هذا الهدف يعد من العناصر الحاسمة لانجاز التحول الديمقراطي وضمان استمرارية المؤسسات الديمقراطية.([40])

لقد تمثل دور المثقف العراقي في مرحلة التحول الديمقراطي ضمن الفئة الثانية لماهية المثقف في السعي الحثيث في ابتداع الوسائل في الحصول على السلطة. وحققت الاحزاب بتنظيماتها القومية والمذهبية طموحات المثقفين في اتخاذها وسيلة للحصول على مناصب سلطوية ولاسيما ان هذه الاحزاب بحاجة الى وجوه ثقافية تعزز من قدرتها على خوض معارك اعلامية وجدلية حول قضايا متعددة تخلقها ظروف آنية في احيان كثيرة.([41])

ويقع على مثقفي العراق دور هام في توصيل فكرة الحوار وثقافتها وأبعادها ونتائجها وادواتها لأعلى المستويات من قيادات العملية السياسية في العراق لأبسط انسان، كما على مثقفي العراق ان يبحثوا عن طرق المساهمة الفعالة في حياة الوطن.([42])

وهنا نجد ان دور النخب السياسية العراقية، ايجابي في اعتمادهم الحوار لأن السبيل الوحيد لحل الصراع السياسي هو الوصول لطريق وتفاهم لإدارة الخلاف من خلال صيغة تفاهم او تراض عام ومن الضروري ان تمر النخب السياسية في عملها هذا مستقبلاً وخاصة في إشاعة قيم التسامح والمرونة والمصالحة والشرعية وذلك لن يكون طبعا الا من خلال اعتماد الديمقراطية ثم ان سيادة النخب التساومية المرتكزة على التعددية والرضا المتبادل واعتماد الانتخابات وتقديم الخيارات المتبادلة لحل الخلافات بالطرق الشرعية سيعمل على تجنيب العراق الكثير من المشكلات.([43])

فالمثقف ليس بعيداً عن السياسة، فهو يؤثر من خلال توعية الرأي العام أو تقديم النصح والمشورة للنخبة الحاكمة في أمور الاقتصاد والسياسة والعلوم والثقافة، كما يقوم بوظائف عديدة ذات صلة بالعمل السياسي، مثل العلاقات العامة العلمية، ووضع السياسات المناسبة للانتخابات، والحجج التي تبرر القرار السياسي فضلاً عن الحلول العلمية للمشكلات، والاستشارة السياسية المتكاملة، ويعد المثقف منتج وعي للجماهير فلديه سلطة معنوية واسعة لأن كل من يتميز بمقدرته على التغيير يمتلك سلطة ونظراً الى ان المثقف قادر ابداعياً على تغيير تصورات الجماهير لواقعها، فانه يغير الواقع الاجتماعي نفسه حين يغير تصور الافراد لواقعهم فهو اذاً سلطة، وبمعنى آخر تشكل المعرفة قوة، والقوة سلطة والمثقف يمتلك المعرفة لذا يمتلك السلطة.([44])

والمثقف ما هو الا صاحب الادراك والوعي العالي، فقد هضم الثقافات بأنواعها، ولاسيما الثقافة السياسية منها، التي تعد حجر الزاوية الرئيس لإدراك آليات الحكم وانشطة السلطة والى اي ايديولوجية تستند، ومن ثم فإن المثقف يكون بصيراً بالعملية السياسية التي تجري في موطنه وهو يعرف الثغرات، فيستطيع ان يحدد العلاجات والحلول لأن الذي يدرك العلة لاسيما في كيان الدولة ومؤسساتها سيكون قادراً على وضع العلاجات المتاحة لذلك.([45])

كما ان دراسة  اشكالية العلاقة بين المثقف والسلطة امر مهم جداً يجب وعيه، ويجب تحرير المثقف من هذه السلطة عبر تقويته من جهة، وخلق نظم اجتماعية واقتصادية تعطيه التوازن في الواقع البشري من جهة أخرى، وبهذه الطريقة سينطلق المثقف في حركته البنائية والنقدية معاً وسيتحرر الفكر من اخطر القيود التي يعاني منها، ولا يعني ذلك انه يجب ان يكون المثقف معارضاً للسلطة، انما المقصود ان يتمكن هذا المثقف من الإدلاء بالنقد البناء لواقعه او المساهمة في تكوين بناء جديد لهذا الواقع لا التقوقع داخل عقدة النقد نفسها، او السعي لتكوين طبقة اجتماعية لها سلطة تسمى بطبقة المعرفة والعلم.([46])

والمثقفون طبقات فمنهم من يستطيع ان يدرك ويفهم ويشارك في الأمور الفكرية او الفنية او الأدبية، ولكن ليس بالضرورة ان يكون مبدعاً في هذه الحقول وهناك المبدع وهناك المثقف العادي والجميع يتدرجون ضمن مفهوم الثقافة او التخصص يجب ان يكون مرفقاً باطلاع عام على قضايا الفكر، او غيره في مجالات الثقافة ومتابعاً لقضايا العصر وكيفية مجابهتها.([47])

وللمثقف دور كبير يجب ان يؤديه في تحرير المواطن مما علق فيه من سلبيات، وهذا الدور يتجلى بالدرجة الاولى بإنزال الثقافة من الأدراج العالية، ويضعها في متناول اليد والتداول وهذا المثقف مؤهل كذلك لإنزال المعارف من عليائها، ونقلها من إطارها النظري الى سياقها العملي وتعميم فائدتها، لتطوير المجتمع وحمايته من الهيمنة الداخلية ومن تعرضه للاحتواء الخارجي، وبلورة اتجاهاته وإخراج النقاش الوطني من الغرف المغلقة الى الفضاء الرحب واعطاء هذا النقاش العلني دوره ومضمونه في تشكيل الرأي العام وبلورة الرأي الآخر.([48])

ويرتبط عمل النخبة بالمجال المعرفي الذي تتحرك داخله ومن خلال تعدد المجالات المعرفية للنخب تستطيع ان تفرض سلم القيم المنشودة داخل المجتمع في علاقاتها ورؤاها ومنطلقاتها وهذه المبادئ او القيم المنشودة تأخذ منحى مناهج العمل المتعلقة بتنظيم شؤون المجتمع التي قد تصطدم بالقناعات المحلية والفرعية للمجتمع، فترض وتقاوم بدافع حضاري او تقليدي بينما نجد النخب في مجال وعيها تصر على مواقفها وتعمد الى تبريرها فتصبح مهام النخب شيئاً وهموم المجتمع شيئاً آخر، اي قد يتم الابتعاد عن مهمة النخب المتمثلة بتوعية المجتمع ونشر قيم الثقافة السياسية الايجابية ليتم المساهمة في عملية البناء والتغيير ومواجهة الثقافة السابقة.([49])

كما ان الرأي العام الجماهيري لا يتفاعل ولا يجد اثارة دون جهود النخبة المثقفة وبالنظر الى الواقع العراقي وما يشهده من تحولات على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لابد من الاستعداد المعرفي لذلك بالنسبة للعامة من الناس وتعويد وتدريب الفرد العراقي على مفاهيم الديمقراطية وحقوق الانسان وقبول الآخر والمجتمع المدني، وهنا يكمن دور المثقف حيث يجب ان يعمل على صياغة تلك التحولات والتغييرات وفقاً للمصلحة العامة لأمته وان يسعى لإعلام المواطن البسيط بحقوقه السياسية والاقتصادية وتعويده على المطالبة بحقوقه المشروعة بالوسائل العصرية.([50])

وتحتاج عملية البناء الديمقراطي في العراق الى ترسيخ مقوماتها من خلال بناء الوعي داخل المجتمع والدولة باعتبارها قوة دافعة تبرز تأصيلها في الفكر والسلوك والمرجعية الحضارية والثقافية بصورة عامة، اي بمعنى ان البناء الديمقراطي يحتاج الى تأسيس داخل الوعي الفردي والجمعي والى تأسيس داخل المنظومة الثقافية السائدة وأساليب وطرق التنشئة ومؤسسات التعليم والإعلام والتثقيف، حتى يمكن ان تتحول الى قناعة راسخة ومن ثم تترجم الى سلوك سياسي مستمر وعلى النخبة المثقفة توجيه دفة الحكم باتجاه تأسيس قيم وتقاليد لممارسات فعلية نحو التحول الديمقراطي وتنمية ذلك البناء من خلال المؤسسات الثقافية والتعليمية وتنشيط دور مؤسسات المجتمع المدني.([51])

وعلى المثقف في سياق العولمة ان يكون فاعلاً ايجابياً ومبدعاً في إنضاج الوعي بأهمية الهوية الثقافية المتمايزة والمتجددة كأساس مركزي للتفاعل مع العولمة. تتطلب المهام المستقبلية وعياً بالذات الثقافية وبالآخر الثقافي، وهذا الوعي يتوقف على وعي الذات المثقفة بنفسها على مستوى الامكانيات والانجازات وعلى مستوى النقائص والإخفاقات في الماضي القريب والحاضر. ويعد الوعي بالذات ضرورياً لإستشراف إبعاد مهام الدور المستقبلي المرغوب فيه المثقف العربي، الذي يتحقق بالضرورة في التفاعلات الجدلية التي تثري كل من المستويين وتجعله ممكناً.([52])

كما تساهم النخبة المثقفة في بلورة، واشاعة ثقافة الحوار وترسيخ قيم التسامح والتصالح فيما بينها من حيث الاختصاصات العلمية المتقاربة او الاختصاصات المتنوعة سواء العلمية منها او المهنية للوصول الى المقترحات ومبادرات على شكل حوار مفتوح تسوده حرية تعبير الرأي والرأي الآخر، بعيداً عن المصالح الذاتية والنقابية والخروج برأي موحد يتبناه الجميع ويتوافق مع تطلعات أبناء شعبهم وامتهم.([53])

وينطبق دور النخب في التنمية السياسية على مفهوم الاندماج في هيئة اجتماعية تعين لها النشاطات والوظائف التي ينبغي اداؤها ويتحدد دور النخبة من خلال درجة اندماجها في المجتمع الذي تكون فيه، ويمثل الاندماج والتكامل المجتمعي الجزء الأكبر من الدور التنموي للنخبة بشكل عام، والسياسي منها بشكل خاص إذ تقوم النخبة بأداء وظيفة تحقيق التكامل والاندماج بين الآراء السياسية والاتجاهات لمعظم القوى داخل المجتمع، بمختلف أنماطها وتأثيرها، بهدف تحقيق استقرار المجتمع وثبات استمرارية انماط العلاقات البينية بين مؤسساته المختلفة، ويتوقف نجاح النخبة في اداء هذا الجزء من الدور على مستوى اندماجها بذاتها مع مؤسسات وبنى المجتمع الأخرى.([54])

الخاتمة:

في نهاية هذه البحث عن دور النخبة السياسية والمثقف السياسي في التحول الديمقراطي في العراق ، نجد أن عملية التحول الديمقراطي تحتاج الى وجود نخب سياسية مثقفة تتحمل مسؤولية تحديد مبادئ الديمقراطية وترسيخها لدى الأفراد . فالنخب الثقافية هي قد لا تعمل من أجل الوصول الى الحكم في عملها وإنما تعمل على تنمية وخلق ثقافة سياسية ذات أطر فكرية لنمط السلطة والحكم وهي تعمل من خلال منظومة تعاونية مع النخب الاجتماعية الأخرى لتسيير المجتمع وفق هذا النسق الثقافي ، أذ يتوجب على النخب السياسية والثقافية من أجل البناء الديمقراطي العمل على الدفاع عن الدولة من خلال أثارة مقومات الهوية المشتركة لمواجهة أحداث الخلل في الكيان العام للدولة والمجتمع ، وكذلك الدفاع عن هوية المجتمع وحيوية من خلال تحقيق تفاعل إيجابي  وبناء ومؤثر مع معطيات التحول الديمقراطي .

المراجع:

([1])  رشا رعد حميد، النظم السياسية والسياسات العامة، رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، 2014، ص156.

([2])  دينا هاتف مكي، النخبة ودورها السياسي في الوطن العربي منذ الاستقلال – دراسة حالة العراق ومصر، اطروحة دكتوراه (غير منشورة)، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2005، ص8.

([3])  جون سكوت، علم الاجتماع: المفاهيم الأساسية، ترجمة: محمد عثمان، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2009، ص362.

([4])  نقلاً عن: علي الدين هلال ونيفين مسعد، النظم السياسية العربية : قضايا الاستمرار والتغيير ، ط5 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2010، ص161.

([5])  توم بوتومور، الصفوة والمجتمع، ترجمة: محمد الجوهري وآخرون، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1988، ص ص31-32.

([6])  مولود زايد الطبيب، علم الاجتماع السياسي ، دار الكتب الوطنية ، بنغازي ، ليبيا ، 2007، ص193.

([7])  مولود زايد الطبيب، مصدر سبق ذكره، ، ص189.

([8])  عبد الرحمن الزنيدي، المثقف العربي بين العصرانية والاسلامية، رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية العلوم الاجتماعية، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، 2012، ص8.

([9]) نقلا عن : دينا هاتف مكي، النخبة ودورها السياسي في الوطن العربي منذ الاستقلال : دراسة حالة العراق ومصر ، أطروحة دكتوراة ( غير منشورة ) ، كلية العلوم السياسية ، جامعة بغداد ، 2005 ، ص78.

([10])  نقلاً عن: رهبة أسودي حسين، المثقف والسلطة في العراق (1921- 1958)، دار الشؤون الثقافية العامة ، 2003، ص22.

([11])  زيرفان سليمان البرواري، الوعي السياسي وتطبيقاتة ( الحالة الكردستانية نموذجا ) ، مطبعة خاني  ، دهوك ، 2006، ص37.

([12])  نقلاً عن: مصطفى مرتضى علي محمود، المثقف والسلطة، دار قباء للنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص25.

([13])  نقلاً عن: رهبة أسودي حسين، المثقف والسلطة في العراق ( 1921 _ 1958 ) ، مصدر سبق ذكرة، ص22.

([14])  نقلاً عن: جيرار ليكرك، سوسيولوجيا المثقفين، ترجمة: جورج كنورة، دار الكتاب الجديدة المتحدة، بيروت، 2008، ص18.

([15])  افراح فلاح شيرا، دور المثقفين في التحولات الاجتماعية، رسالة ماجستير (غير منشورة) ، كلية القانون السياسية، جامعة بغداد، 1979، ص66.

([16])  جعفر نجم نصر، النخبة المؤدلجة: المثقف الاكاديمي العراقي والسلطة السياسية (1968- 2003)، مجلة العميد، العدد (7)، بغداد، الجامعة المستنصرية، ايلول/ سبتمبر 2013، ص199.

([17])  دينا هاتف مكي، مصدر سبق ذكره، ص79.

([18])  نقلاً عن: أدوارد سعيد، صور المثقف، ترجمة: غسان غصن، ط3 ، دار النهار، بيروت، 1997، ص26.

([19])  بشير أسوادي عبد علي، الفكر السياسي عند غرامشي ، رسالة ماجستير ( غير منشورة ) ، كلية العلوم السياسية ، جامعة بغداد ، 2014، ص119.

([20])  نقلاً عن: عبد الرضا حسين الطعان وعامر حسن فياض وعلي عباس مراد، إشكالية السلطة في تأملات العقل الضريبي عبر العصور، ط1، دار الكتب والوثائق، بغداد، 2012، ص ص471- 472.

([21])  انطونيو غرامشي، الأمير الحديث: قضايا علم السياسة في الماركسية، ترجمة: زاهي شرفان وقيس الشامي، دار الطليعة، بيروت، 1970، ص171.

([22])  عبد الرضا حسين الطعان وعامر حسن فياض وعلي عباس مراد، أشكالية السلطة في تأملات العقل الضريبي عبر العصور ، دار الكتب والوثائق ، بغداد ، 2012 ، ص472.

([23])  نقلاً عن: نادية رمسمس فرح، غرامشي وقضايا المجتمع المدني، دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، 1991، ص324.

([24])  نقلاً عن: أدوارد سعيد، المثقف والسلطة، ترجمة: محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص40- ص41.

([25])  نقلاً عن: مصطفى مرتضى علي محمود، مصدر سبق ذكره، ص25.

([26])  جان مارك بيوتي، فكر غرامشي السياسي، ترجمة: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، 1975، ص ص23- 24.

([27])  محمود محمد كسبر، التاريخ بين السياسة والاجتماع (رؤية سوسيولوجية)، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1987، ص238.

([28])  رضوان زيادة، المثقف ضد السلطة: حوارات المجتمع المدني في سورية، مركز القاهرة للدراسات حقوق الانسان، القاهرة، 2005، ص100.

([29])  Raymond Aron, theoplum of the intfplleectuals,  the Norton, labarary, newyork, 1962,p.179.

([30])  محمد رياض وتار، شخصية المثقف في الرواية العربية السورية، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1999، ص13.

([31])  رشا رعد حميد، مصدر سبق ذكره، ص143.

([32])  ابراهيم حسيب الغالبي، أزمات العراق السياسية: مقالات في الشأن العراقي 2010- 2013، مركز العراق للدراسات، بغداد، 2013، ص235.

([33])  عامر حسن فياض، 0((الاصول الفكرية للديمقراطية الليبرالية في العراق الحديث))، في ابتسام الكتبي وآخرون، الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2004، ص151.

*  الحكم الرشيد:- (هو ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية والادارية لتسيير شؤون بلد ما على كافة المستويات، ويشمل الحكم الآليات والعمليات والمؤسسات التي يقوم من خلالها المواطنون والجماعات بالتعبير عن مصالحهم، وممارسة حقوقهم القانونية، والوفاء بالتزاماتهم، وتسوية خلافاتهم، ويتسم الحكم الرشيد بأنهُ يقوم على المشاركة، وان يتسم بالشفافية، وان ينطوي على المساءلة، كما انه يتسم بالفاعلية، والانصاف، ويعزز سيادة القانون).

ينظر الى برنامج الامم المتحدة الإنمائي، ادارة الحكم لخدمة التنمية المستدامة، كانون الثاني/ يناير 1997، ص8، على الرابط :

www.wafinfo.ps/pdf/G-0007.pdf.

(1)  زيادة جهاد حمد البياتي، مفهوم الديمقراطية والمجتمع المدني في فكر الاحزاب السياسية العراقية المعاصرة، رسالة ماجستير (غير منشورة)، العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2005، ص189.

([36])  رهبة أسودي حسين، المثقف والتحول الديمقراطي في العراق، في (اشكالات التحول الديمقراطي في العراق)، بحوث الندوة العلمية السنوية التي نظمتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية، العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2009، ص162.

([37])  صباح ياسين، النخب العراقية في مواجهة الاستحقاق من بناء الدولة الوطنية استعادة الدور التاريخي، مجلة المستقبل العربي، العدد (395)، كانون الثاني/ يناير 2012، ص143.

([38])  فراس البياتي، التحول الديمقراطي في العراق بعد 9/3/ 2003 ، العارف للطباعات ، بيروت ، 2013، ص155.

([39])  عزمي بشارة، ( مدخل الى معالجة الديمقراطية وأنماط التدين ) ، في بهان غليون واخرون ، حول الخيار الديمقراطي ( دراسة نقدية ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1990، ص110.

([40])  حسنين توفيق ابراهيم وعبد الجبار أحمد عبد الله، التحولات الديمقراطية في العراق: القيود والفرص، مركز الخليج للابحاث، 2005، ص33.

([41])  رهبة أسودي حسين، المثقف والتحول الديمقراطي في العراق في ( أشكالات التحول الديمقراطي في العراق )، بحوث الندوة العلمية السنوية التي نظمتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية ، العلوم السياسية ، جامعة بغداد ، 2009 ، ص163.

([42])  فاروق مجيد سلمان، العراق بين ثقافة التعصب وثقافة الحوار، الملتقى الفكري الاول للنخب العراقية، بغداد، تشرين الاول، 2009، ص7.

([43])  عبد الجبار أحمد عبد الله، الانتخابات والتحول الديمقراطي في العراق، في (اشكالية التحول الديمقراطي في العراق)، بحوث الندوة العلمية السنوية التي نظمتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية، جامعة بغداد، 2009، ص ص59- 60.

([44])  أسعاف أحمد، المثقف العربي: إشكالية الدور الفاعل، مجلة جامعة دمشق،  العدد (3+ 4)، 2004، ص ص360- 362.

([45])  جعفر نجم نصر، النخبة المؤدلجة : المثقفلاالأكاديمي العراقي والسلط السياسية ( 1968_2003 ) ، مجلة العميد ، العدد(7) ، بغداد ، الجامعة المستنصرية ، أيلول ، 2013 ، ص199.

([46])  حيدر حب الله، المثقف والسياسة: بين الانتماء السياسي والحياد العلمي، ص7؛على الرابط :

www.habbd/ah.com/include/content/files/maqatat/28-13725906.

([47])  خير الدين حسيب، دور المثقفين العرب في الاصلاح الديمقراطي، مجلة المستقبل العربي، العددان (343)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ايلول/ سبتمبر، 2007، ص7.

([48])  أسد عبيد، الاعلام والديمقراطية: دمشق- القاهرة- موسكو، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2008، ص53.

([49])  عمر جمعة عمران، النخبة وبناء الدولة الديمقراطية، في بحوث الندوة العلمية التي نظمتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2009، ص114.

([50])  زيرفان سليمان البراوري، مصدر سبق ذكره، ص39.

([51])  عمر جمعة عمران، النخبة وبناء الدولة الديمقراطية، في بحوث الندوة العلمية التي نظمتها الجمعية العراقية للعلوم السياسية ، كلية العلوم السياسية ،جامعة بغداد ، 2009، ص ص119- 120.

([52])  مخداني نسيمة، المثقف والجامعة في ظل العولمة، مجلة حوليات جامعة الجزائر، العدد (25)، جزء (2 ) ، تموز / يوليو 2014، ص151.

([53])  طالب عبد الحسين فرحان الشمري، دور الاعلام في اشاعة ثقافة الحوار وترسيخ قيم التسامح والتصالح، في (مشكلات الاعلام في العراق)، بحوث المؤتمر العلمي السنوي الثاني، جامعة بغداد، كلية الاعلام، نيسان 2008، ص213.

([54])  مراد بن سعيد وصالح زياني، النخب والسلطة والايديولوجيا في الجزائر: بين بناء الدولة والتغيير السياسي، مجلة المستقبل العربي، العدد (430)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، كانون الاول/ ديسمبر 2014، ص83.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى