البرامج والمنظومات الديمقراطيةالدراسات البحثية

الإعداد الأكاديمي للمورد البشري بالجامعة ومتطلبات التنمية:دراسة تحليلية الواقع والرهانات

اعداد : د. عائشة عباش أستاذة بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية – جامعة الجزائر 3

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تندرج هذه الدراسة في سياق فلسفة إدارية معاصرة يشكل المورد البشري محور اهتمامها استجابتا لعدة متغيرات داخلية وخارجية ، حيث يسود في الفكر الإداري المعاصر اقتناع عميق بأهمية القدرات الفكرية والطاقات الذهنية للمورد البشري وقد أطلق عليه مفهوم الرأسمال الفكري للدلالة على تلك الأهمية ،حيث ارتفعت قيمة المعرفة كعامل هام من عوامل الإنتاج ، وذلك بعدما كان الاعتقاد السائد لفترات طويلة بأن الأرض و العمل  ورأس المال هي “عوامل الإنتاج” ، أصبح اليوم الأصول العقلية هي أهم عامل من عوامل الإنتاج على الإطلاق.

إذ كثيرا ما تحمل السياسات التنموية طموحات كبيرة لكن غياب المورد البشري الكفؤ يجعل منها مجرد حلم ، نظرا لاصطدامها بطرق تقليدية غير قادرة على ترجمتها بنفس الطموح ، بحيث لا تحقق التوقعات المرجوة ، وبالتالي نعتقد بأنه لا يكف أن نصيغ سياسات تنموية بمقاييس معاصرة أو بالأحرى عالمية  دون أن نهيئ لها مورد بشري مؤهل لمسايرتها وكفيل بنقل وتنفيذ البرامج التنموية  على أرض الواقع بأكثر فعالية ورشادة .

فالتنمية الوطنية يفترض أن تواكبها في كل مراحلها مؤهلات علمية قادرة على استيعاب المشاريع التنموية ، فهذه الأخيرة لكي تنجح ينبغي أن ألا تتحرك في فلك منفصل أو مستقل عن السياسات والبرامج التعليمية.

واستعراضا لطبيعة تلك التحولات أو التفاعلات القائمة، نسعى لمعالجة الموضوع وفق مقاربة تحليلية لدور الجامعة في إنجاح سياسة التنمية الوطنية من خلال الإشكالية التالية: 

  • ما مدى مساهمة الجامعة في خلق رأس مال معرفي قادر على مواجهات التحديات الراهنة والمستقبلية  ؟
  • كيف يمكن توجيه البرامج والمناهج المعتمدة بالجامعة وفق متطلبات التنمية الوطنية بكل أبعادها وفي شتى مجالاتها؟.

وهو ما نسعى لمعالجته في العناصر التالية :

1- الجامعة والفكر الإداري المعاصر: مدخل لإعادة اختراع الجامعة

إن الجامعة هي منظمة كباقي المنظمات الأخرى تعمل في ظل بيئة شديدة التعقيد والتطور، وهو ما يستوجب عليها ضرورة استيعاب وتطبيق نظريات الفكر الإداري المعاصر، من خلال تبني الأطروحات الجديدة في التسيير كالإدارة بالمعرفة الإدارة الإليكترونية إدارة الجودة الشاملة… أو باختصار تأهيل الجامعة أو إعادةاختراعها ،وهو ما يسمح بتطوير خدمات الجامعة وتكوين ثقافة مؤسسية معاصرة.

فالتغيير يفترض أن يخاطب الجامعة على وجه الخصوص للتحول من نظام تقليدي إلى نظام عصري، وذلك تماشيا والدور الحيوي لها حيث لم تعد هذه الأخيرة  مجرد مكان لتلقي العلوم والمعارف فحسب، وإنماأصبحت فاعل أساسي  في السياسات العامة للدولة فهي منبع التكنوقراط ، كما تمثل مؤشرا من مؤشرات تقدم الأمم.

وبالتاليضرورة تهيئة الأرضية التي تنطلق منها الجامعة حيث لا يمكن أن ننتظر من هذه الأخيرة أن تكون موارد بشرية تحمل قيم الحداثة إذا كانت هي أصلا لا تتبناها من ذلك نذكر مثلا:

  • التركيز على مخرجات النظام الجامعي بدلا من التركيز على مدخلاته.
  • الانتقال من نسق البيروقراطي في العمل إلى نسق المشاركة من خلال إشراف الفواعل ذات

الصلة بالجامعة (الوزارة، المنظمة النقابية، ممثلي الطلبة، وممثلي القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والخبراء والمختصين…) .

– الاعتماد على آليات الإدارة الإليكترونية في الجامعة:

حيث هذه الأخيرة لم تعد بديلا وإنما خيارا أساسيا مادامت الحياة أصبحت إليكترونية على كل المستويات، فالتعليم الإليكتروني يتيح تقديم البرامج  وتكوين الطلبة باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات  بتكلفة أقل من التعليم التقليدي ، كما يتميز نمط التعليم فيها بالسرعة والمرونة…ويأتي ذلك في سياق اتجاه عالمي يشجع على التعليم الإليكتروني بشكل كبير ومتزايد ولذلك ظهرت الجامعة الافتراضية.  حيث أصبحت هي الحل المناسب والأوفر حظا لمواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية.

– تطبيق مفاهيم إدارة الجودة في الجامعة:

فقد أدت التطورات الحديثة في العلوم و المجلات الأكاديمية المختلفة إلى تزايد الاهتمام بالجودة الأكاديمية في الآونة الأخيرة ، حيث أصبحت  محور اهتمام القيادة السياسية والتنفيذية على جميع المستويات من أجل الوصول بالخرجين إلى مستوى المعايير المتعارف عليها عالميا ، حتى يكونوا قادرين على المنافسة المحلية والإقليمية والعالمية، خصوصا و أن مفهوم الجودة حاليا يتجاوز معناه التقليدي أي جودة المنتج أو الخدمة ليشمل جودة المؤسسة بهدف تحسين وتطوير العمليات والأداء والتقليل من التكاليف والتحكم في الوقت.

-تحديث التدريس في الجامعات وإعادة النظر في تكوين الجهاز التدريسي وتطويره وذلك عن طريق إجراء الدراسات اللازمة لتحديد نسبة عدد الطلاب للأستاذ في كل الكليات.

-إصلاح المناهج ويتم ذلك بعد إجراء دراسات واسعة ومعمقة عن البرامج التي تدرس في الجامعات العالمية والبحث في إمكانية نقل تلك المناهج الجديدة في الكليات بما يتلاءم والظروف الاجتماعية والاقتصادية ومدى قابلية تطبيقها.

-خلق المناخ العلمي الملائم من خلال توفير التجهيزات اللازمة لكافة الطلبة بنفس مقاييس الجامعات العالمية.

2- الجامعة و البحث العلمي : بحث في آليات إنتاج المعرفة

حتى لا تبقى  الجامعة مجرد هيئة تستهلك المعارف والاختراعات الواردة من دول أخرى عليها أن تخترع المعرفة وتوظفها،  وهو ما يميزها عن باقي الإدارات أو الهيئات الأخرى كونها منتجة للعلم والمعرفة ويجب تأطير ذلك في سياق أكاديمي وفق متطلبات سوق العمل مع ضرورة توفير البيئة الملائمة للإبداع والابتكار.

فالبحث العلمي والتكنولوجي هو العنصر الأساسي لنمو الدول ورقيها، وما شهدته بعض الدول من تقدم في هذا المجال في فترة زمنية قصيرة يرجع إلى إعطاء هذا الجانب الحيوي الكثير من الدعم بكل ما يحتاجه من قدرات مالية وفنية حتى يتمكن من النمو والتقدم.
كما تجدر الإشارة أن البحث العلمي والتكنولوجي ليس فقط شأن حكومي، بل إن الشركات الكبيرة والعملاقة تخصص مبالغ ضخمة من فوائدها المالية لهذا الجانب، حيث نجد الدول المتطورة تنفق بسخاء على البحث العلمي والتكنولوجي، سواء كان من جانب الحكومة أو من جانب الشركات الخاصة.

 فهذا المعيار هو الذي يمكن أن يقاس به نمو البحث والتطور لدى الدول والذي يشكل جانبا مهما في تقدمها ونموها الصناعي والتكنولوجي ، ولذلك فإن هذا التفاوت في التخصيص المالي للبحث العلمي هو الذي يجعل الدول الصناعية تتفوق والأخرى دول مستوردة لصناعتها  ، ومن ثم يجب توفير حرية للبحث العلمي، فالحرية ضرورية لما تحقق من إنجازات علمية ، سواء على مستوى الأستاذ من خلال توفير له مناخ ملائم للكتابة والحديث عن الحقيقة بدون قيود ، علاوة على توفير له الحماية من أي ضغوطات داخلية أو خارجية، أو على مستوى الجامعة في ممارسة دورها باستقلالية دون تدخل أو كبح من أية جهة كانت ، حيث لا تكون تحت وصاية أو توجيه أي قطاع أو جهة معينة.

-ضرورة استقطاب الكفاءات المهاجرة:

فالغرب بنى تطوره على الخبرات والعقول المهاجرة ، نظرا لتوفير لها كل متطلبات البحث والعمل أي وفر بيئة جاذبة، للباحثين، ولقد سعت بعض الدول إلى استقطاب مفكريها مثلما نلاحظ في تجربة دولة السنغافورة ، حيث تمكنت من جذب 600 عالم وباحث من أكثر من 50 دولة، بما فيها الولايات المتحدة، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وروسيا، ومصر، والسودان، وأستراليا، إضافة إلى العلماء المحليين الذين حرصت سنغافورة على إرسالهم إلى أرقى الجامعات ليعودوا إلى وطنهم لشغل وظائف في مراكز الأبحاث العلمية.

3– ثلاثية الجامعة والتنمية وسوق العمل :

إن دور التعليم في التنمية الاقتصادية قد حضي منذ القدم باهتمام المفكرين فقد أكد المفكر “أدام سميث” على أهمية التعليم في إكساب الأفراد المهارات والقدرات اللازمة للإنتاج واستثمار الموارد الطبيعية التي تتحّول إلى رأس مال يصبح سلعا وخدمات بواسطة الجهد البشري ، حيث كتب في مؤلفه ثروة الأمم  يقول : “…فاكتساب مثل هذه القدرات عن طريق رعاية صاحبها في أثناء تعليمه ودراسته وتدريبه يكلّف دائما نفقات حقيقية تعتبر رأس مال ثابت ، ومثلما تعتبر المواهب جزءا من ثروة الشخص، فإنها تشكل جزءا من ثروة المجتمع الذي ينتمي إليه، كما يرى مالتوسصاحب النظرية المعروفة في العلاقة بين الموارد الطبيعية والسكان، حيث يعتقد أن التعليم عامل من عوامل تحديد النسل ، كما يرى فيه طريقا لتنمية الحرص والتدبير و الادخار وكذا وسيلة فعالة للقضاء على الفقر، حيث يقول : ” لقد خصصنا أموالا طائلة للفقراء التي نستطيع القول أنها زادت من فقرهم، لكننا كنا مقصِّرين جدا فيما يخص تعليمهم والذي يعتبر الوسيلة الوحيدة بحوزتنا كي نحسّن من مستوى هؤلاء الفقراء و يصبحوا أناسا ومواطنين سعداء ذوي أهمية لمجتمعهم”.

أما المفكر “لفرد مارشال” فقد أوضح أن التعليم له أثر غير ظاهر (مباشر) في العادة ، لأنه لا يظهر بسرعة ، لكن يعترف ويؤكد أن للتعليم آثارًا في معظم الجوانب ، وكان مارشال من الأوائل الذين أبرزوا القيمة الاقتصادية للتعليم، حيث أكّد أن أكثر أنواع الاستثمارات الرأسمالية قيمة ما يستثمر في البشر.

وفي دراستنا هذه نرى أن ثلاثية الجامعة والتنمية وسوق العمل لا تحقق نتائجها إلا في تكاملها بحيث تمثل الجامعة مصدر إنتاج  الرأس مال المعرفي ، بينما تحمل التنمية المشاريع والمخططات والبرامج ، في حين يمثل سوق العمل حلقة الوسط بين الثنائيتين ، حيث يكون بمثابة مخبر لاستثمار الرأسمال المعرفي في مشاريع التنمية وفق خطة متكاملة ومتداخلة فيما بين المتغيرات الثلاثة.

حيث تعمل الجامعة على إثراء المعارف وتطوير التقنيات وتهيئة الكفاءات مستفيدتا من التراكم العلمي في مختلف المجالات العلمية والتقنية والإدارية ، فهي تمثل روح العصر وتعكس ما توصلت إليه البشرية من فكر عبر تاريخ طويل من الإبداع والتراكمات الحضارية ،  ومن ثم لكي نتجاوز مقولة الطالب –مشروع بطال –لابد من توطيد العلاقة بين الجامعة وعالم الشغل ، هذا الأخير بمثابة مكافأة يتوقع من يسعى إلى التعليم الحصول عليها. خصوصا في ظل تطور دور الجامعة  فهذه الأخيرة لم تعد تقتصر على المعرفة ، مثلما روج لها البعض أمثال ” نيومان ” مؤسس جامعة ” دبلن” حيث اعتبر أن للجامعة وظيفة واحدة هي المعرفة فقط تقدمها إلى نخبة ممتازة من الطلاب ، ولكن  الظروف السياسية والاجتماعية لم تبقي الجامعة مجرد نسق مغلق على نفسه فحسب ، وإنما أصبح لها أهداف وأبعاد تقنية واجتماعية واقتصادية تقدمها للمجتمع.

وقد أكد علماء المستقبليات أن القرن ال 21 سيكون العنصر الحاكم والفعّال فيه هو الإنسان المتعلم والقادر أن يستمر متعلما و متعدد المهارات، فالأمة التي لا تستثمر فيمواردها البشرية ستبقى في خطر.

فأساس الاستثمار في التعليم هو أن هذا القطاع يعتبر نقطة تقاطع القطاعات الأخرى، لأنّ فعاليته ستؤدي إلى زيادة فعاليات القطاعات الأخرى، حيث أكّدت عشرات الدراسات والبحوث على الوظيفة الاقتصادية للتعليم ودوره في  التنمية الشاملة والنمو الاقتصادي ، و أن حجم الاستثمار في  هذا القطاع الحيوي يؤثر بصفة مباشرة وغير مباشرة على فعالية الاستثمارات في القطاعات الأخرى، ومن هنا يجب اعتبار الاستثمارات التعليمية استثمارات إنتاجية وليست استهلاكية.

كما ينبغي هنا أن نؤكد على دور القطاع الخاص في دعم البحث العلمي ، إذ أغلب جامعات العالم نجد فيها المراكز البحثية تمويلها وتدعمها الشريكات الكبرى أو القطاع الخاص.

يبقى أن نشير في الأخير إلى ضرورة  وأهمية التكامل بين المتغيرات الثلاث الجامعة وسوق العمل ومخططات التنمية ، فهذه الأخيرة حتى تتحقق لا تتطلب أن تكون الدولة ثرية في الأساس أو عريقة ولا لها تاريخ طويل، أو حجم كبير في المساحة ولا حتى الموارد، … ولكن كل ما تتطلبه هو تنمية العقل البشري، والذي هو أفضل الاستثمارات على الإطلاق، مثلما فعلت الكثير من الدول كاليابان وكوريا وماليزيا وسنغافورة….

كما أن وظيفة الإعداد الأكاديمي حتى وأن كانت توكل بشكل مباشر ورسمي للجامعة لكن هذا لا يعني استبعاد باقي الأطراف من العملية ، بصفتهم ميدانا لممارسات مخرجات الجامعة ومن الأجدر مساهمتهم في تحديد مواصفات تلك المخرجات وفق متطلبات سوق العمل والتنمية.

* ورقة مقدمة في ملتقى” الجامعة والتنمية”المنظم من قبل النقابة الوطنية للأساتذة الجزائريين أيام27، 28، 29، 30 أوت 2016 جامعة تلمسان الجزائر-بتصرف-

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى