الدراسات البحثيةالنظم السياسي

تضخم التيارات الفئوية وآثرها على النظام السياسي والأمن الوطني الاستراتيجي

اعداد : أ . محمد بن سعيد الفطيسي – باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

 

فهم واستيعاب بعض القضايا الامنية والسياسية, التي كانت السبب ولازالت في العديد من العقبات والتحديات التي ترزح تحت وطاءتها اغلب الدول العربية اليوم , وعلى راسها التضخم السياسي والاقتصادي , والفساد السياسي , وكذلك الارهاب العابر للحدود الوطنية وغيرها من المشاكل السياسية والامنية يتصل في بعض جوانبه بطبيعة العلاقة بين الحاضر والماضي .والتأثير المباشر لهذا الاخير في بنية الدولة وطبيعة تكوين السلطة السياسية.فلا يمكن بحال من الاحوال من وجهة نظري التعرف على اسباب تلك العقبات والتحديات التي تعاني منها اليوم اغلب الدول العربية في الجوانب سالفة الذكر, ومن ثم علاجها العلاج المناسب والسليم دون استيعاب تلك التحولات العميقة التي خضعت لها تلك الدول منذ امد بعيد , ولا زالت تتعرض لها بنية ووظائف الدولة السياسية وبالتالي الامنية جراء تلك التحولات التاريخية .

فطبيعة تكوين السلطة السياسية من حيث القيادة السياسية والنظام السياسي , والعوامل الحضارية التي نشأت بناء عليها الدولة السياسية العربية من جهة , وكذلك طبيعة تكوين الانسان العربي سياسيا باعتباره عنصر من عناصر تكوين الدولةمن جهة اخرى , او من خلال جانب الجغرافيا السياسية او البشرية , او العوامل الايديولوجية كالثقافة السياسية وانظمة القيم وانماط السلوك , كلها عوامل مؤثرة . وبالتالي بلا شك مكونة لوقائع لا يمكن فهمها بشكل صحيح دون التوغل في دراسة تلك القضايا للحصول على فهم واستيعاب دقيق لتلك العقبات والتحديات السياسية والامنية سالفة الذكر , والتي هي في جزء كبير منها نتاج للماضي السياسي, رغم انها يمكن ان تتشكل بعد قيام الدولة  بفترات طويلة كنتاج لقضايا مشابهة او مختلفة , فليس بالضرورة ان تعود اصولها بشكل رئيسي الى نتاج الماضي السياسي , بل يمكن ان تتشكل وتبرز في أي وقت من الاوقات اذا توفرت لها البيئة المناسبة .

صحيح ان ذلك , أي , الشكل الذي قامت عليه الدولة وتأسست بناء عليه طبيعة السلطة السياسية في الماضي , وانعكاسات كل ذلك على الحاضر , لم يكن حائل دون استمرار تطور الدولة ومسيرة التنمية الانسانية والعمرانية  في العالم العربي , خصوصا في النموذج الخليجي منه , نظرا لوجود العديد من العوامل المساعدة , والتي يقع على راسها , أي , تلك العوامل . الريع النفطي , الذي يعد اليوم احد اهم مصادر دعم الاستقرار الاجتماعي والسياسي , وتوطيد الامن الوطني في جزء من اجزاء رقعة الشطرنج العربية , رغم عدم تناسب التطور الكيفي مع الامكانيات المادية من حيث الكم .والمخاطر السياسية والامنية الكبيرة التي بدأت بالبروز نتيجة تراجع اسعار النفط , خصوصا في جانب بعض القضايا الاقتصادية والتنموية كالباحثين عن العمل وتدني الخدمات الصحية والتعليم على سبيل المثال لا الحصر .

كما انه ومن جانب اخر يمكن التأكيد على ان القضايا المرتبطة بماضي تأسيس وقيام تلك الدول والتي ترتكز عليها هذه الدراسة لم تكن لتمنع استمرار حتمية سير المسيرة البشرية نحو الامام ( والامثلة التاريخية كثيرة حول ذلك , فقد كانت بلاد الاغريق تزدهر في وسط اعتى الحروب , وكان الدم يسيل غزيرا بينما جميع البلاد مزدحمة بالسكان , وكان يبدو كما قال مكيافيللي , ان جمهوريتنا في وسط التقتيل والنفي والحروب الاهلية تصبح بهذه القوة , فان فضيلة مواطنيها وطباعهم واستقلالهم كانت اكثر تأثيرا في توطيدها مما عملت جميع الفتن والانشقاقات لإضعافها )(1).

الا انه وللأسف الشديد كان لها ابلغ الاثر بالرغم من ذلك , أي لقضايا الماضي المتعلقة بشكل وطبيعة تأسيس الدولة والسلطة السياسية , في تراكمية ولادة واستفحال العديد من الامراض والاوبئة السياسية والاقتصادية الراهنة , والتي تطرقنا الى امثلة عنها في بداية هذا الطرح . وتعاني منها دولنا العربية , وبالفعل صعب عليها التخلص منها او من اثارها حتى يومنا هذا , ومن ابرز تلك القضايا المتعلقة بالماضي في جزء كبير منها , والتي كان لها دور كبير ومباشر في انتاج الاوبئة والامراض السياسية والامنية والاقتصادية سالفة الذكر . الولاءات والتحزبات والتكتلات الفئوية , كالتكتلات والتيارات السياسية والتيارات الدينية ( الطائفية السياسية ) والتيارات القبلية والتيارات الاقتصادية , او ما يطلق عليهم بالجماعات القطاعية , وجماعات الضغط , كما يطلق عليها عند بعض الباحثين بالطبقة المتحكمة لأنها تتحكم بالكثير من مفاصل الدولة وقراراتها وتوجهاتها . ويطلق عليها البعض الاخر بنخب السلطة .

وقد اتت الغالبية العظمى منها ( مع وجود استثناءات قليلة من الاعيان من طبقة مختلفة عن تلك التي عاصرت فترة ما قبل الاستقلال , او ايام ما قبل الثورة عندما كانت البلاد تحت النظام الرأسمالي القديم , وهي الطبقة التي اما اجبرت على مغادرة البلاد , واما حرمت من امتيازاتها بسبب تأميم ممتلكاتها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي , يعني ذلك ان الاعوان الجدد – الذين ظهروا في فترة السبعينيات هم من الولاءات والتيارات الجديدة – بخلاف افراد النخبة السابقة يعتمدون كليا في تجميع ثروتهم على الدولة وسياساتها ) (2) , لان النظام السياسي هو في الاساس يعود في جزء من اسباب قيامه وتكوينه وقوته الى مساعدتهم ودعمهم ووقوفهم معه في بداية ظهور الدولة الراهنة ونشوء السلطة السياسية .

مع التأكيد على ان هذا النوع من قضايا الماضي المتعلق بانعكاسات واثار تضخم الطبقاتالحاكمة او الفئات او التيارات المسيطرة او المتحكمة في جانب استقرار الدولة وامنها السياسي والوطني وغيرها من الجوانب الحياتية كالاقتصاد والتنمية ليست حكرا على الدول العربية , بل ان دولا عظمى كالولايات المتحدة الاميركية والعديد من الدول الاوربية عانت ولا زالت تعاني منه كثيرا انطلاقا من ماضيها السياسي , رغم انها تمكنت من احتواء الكثير من انعكاساتها واثارها بسبب اختلاف الانظمة السياسية وتطور السلطة السياسية فيها . فما يفرق بين هذه وتلك ليس المبدأ , بل هو طبيعة تلك القضايا نفسها لا اكثر ولا اقل , ففي دراسة بعنوان الشركة الحديثة والملك الخاص وصف ادولف بيرل وغاردينر ميتر النظام المتحد الذي تطور العشرينيات من القرن العشرين في الولايات المتحدة الاميركية  بانه ( المرادف العصري للنظام الاقطاعي الذي تبدو فيه الشركة وكأنها حلت مكان الدولة بوصفها النموذج المهيمن على النظام السياسي ) (3)

على ضوء ذلك , فان هذه الدراسة الذاتية الموجزة , ستحاول تقصي ابرز الأبعاد ذات العلاقة والصلة والتأثير والتأثر بها , أي , بقضية الولاءات والتيارات والطبقات المتحكمة سالفة الذكر, وانعكاسها على كل من الجانب السياسي والجانب الأمنيللدول , ومدى تأثير قوة نفوذ تلك التيارات والولاءات والقوى نتيجة تضخمها على الداخل والخارج الوطني  . وبالتالي على الأنظمة السياسية والحكومات سواء على المستوى الزمني القائم او المستقبلي القادم , وهل يمكن لتلك الدول إعادة ملف هذه التيارات الى وضعه الطبيعي , وكيف . ومتى ؟ وغيرها من الأسئلة والجوانب التي سيتم تناولها ومحاولة الإجابة عنها بقدر المستطاع.

عوامل التقدم والبناء هي نفسها عوامل التأخروالتراجع .لماذا ؟

قد يعتبر الحديث عن مدى المخاطر التي يمكن ان تنتج عن تضخمبعض التيارات والقوى الداخلية في أي دولةبمختلف أشكالها وأنواعها وتوجهاتها. خصوصا الأكثر انتشارا منها , ونقصد تلك التيارات والقوى السياسية والاقتصادية والدينية والقبليةعلى وجه الخصوص في كثير من الأوقات وفي العديد من الأماكن اقرب الى ملامسة تابوهات مقدسة او محرم التطرق والحديث حولها منوجهة نظر بعض الأعراف السياسية والاجتماعيةوحتى الامنية منها , لأنهاتلامسبعض الأوتار الحساسة التي لا يرغب بعض أصحابالمصالح السياسية والنفوذ الاقتصادي والقبليوكذلك الطائفي الاقتراب منها بعد كل هذه السنوات الطويلة من الدعة والاستقرار. والمساحة الواسعة التي نالتها من النفوذ بمختلف اشكاله .

وفي بعض الأوقات تتجنب الأنظمة السياسية والحكومات نفسها الحديث حول تضخمها واستفحال مخاطر ذلك على الامن القومي سواء في جانبه الداخلي او الخارجي, لان تلك الانظمة وفي مرحلة ما تكون غير مستعدة للدخول في قضايا مشابهة خوفا من فقدان دعم تلك التيارات والقوى الداخلية القوية لها , او ربما لخوفها من تأثير نفوذها المعاكس على استقرار النظام السياسي. وقد يكون ذلك لكثرة الضغوط التي توجه اليها في كثير من الأحايين من قبل تلك التيارات نفسها , والتي تتحكم في كثير من مرافق الدولة ومؤسساتها بطريقة او بأخرى . فتؤثر في النظرة السياسية والأمنية لمتخذ القرار , او لكونها هي نفسها من الشريحة المتخذة للقرار اصلا , فترفض او تبعد عن نفسها الأنظار التي يمكن ان تخوض في غمار حديث من المؤكد انه سيطول مصالحها السياسية ونفوذها الاقتصادي ووجودها ككيانات داخلية يرتكز وجودها على تواجدها كقوى نفعية او قطاعية وتيارات في مطابخ القرار والسلطة والنفوذ.

وفي أوقات أخرى تحمل لها بعض الأنظمة السياسية أفضال تاريخية بسبب مساهمتها في قيامها ودعمها في الفترات الاولى لبناء الدولة , او لمساندتها في تثبيت حكمها وقوتها السياسية , ما يجعل هذه الأخيرة تتجنب من باب الحياء والاستحياء السياسي ورد الجميل التاريخي ملامسة مصالح تلك التيارات والقوى الداخلية ولو كان كذلك على حساب الصالح الوطني العام في بعض الاوقات , حتى وان كان لابد من ملامسة ذلك أحيانا لظروف او متغيرات وطنية معينة , فانه يكون في أضيق الحدود وبعد اجتماعات ومشاورات معها أحيانا , او بدونها أحيان أخرى , ولكن يغلب على هذه الاجتماعات والمشاورات الأخيرة مراعاة مصالحها بشكل كبير  .

ويرتفع سقف الرفض والحساسية حيال تناول هذا النوع من الأطروحات من الناحيتين السياسية والاجتماعية خصوصا عندما يدور ويركز ذلك التقصي والبحث حول مخاطر ذلك التضخم وانعكاساته على مستقبلسيادة واستقلال الدولة المدنية الحديثة من جهة . وعلى أمنها واستقرارهاالقومي بشقيه الداخلي والخارجي من جهة أخرى , كون تلك القوى والتيارات قد تصل الى مرحلة من القوة والنفوذ والتوغل الي اصغر مسامة من مسامات الدولة ومطابخ القرار كما سبق واشرنا , ما يجعل من الكثير من القرارات والتوجهات والمرئيات الرسمية او الحكومية تنجرف بعيدا عن الصالح العام لتتحول الى مصالح تلك القوى السياسية والنفوذ الاقتصادي والطائفي والقبلي . والذي بكل تأكيد يعد من ابرز عوامل انهيار وتخلف وتراجع الدول المدنية التي تسعى للتطور والتقدم على أسس حديثة , سواء كانت تلك الأسس قانونية او مدنية او إنسانية , او غير ذلك . لذا فهي ومن هذا القبيل تعارض الخوض في مثل هذا النوع من القضايا التي تستشعر انها قد تعرض مصالحها ونفوذها ومصادر قوتها للخطر , او كونها ستسلط عليها اضواء معينة وتفتح عليها ابواب وجبهات تخشاها .

صحيح ان بعض تلك القوى والتيارات السياسية اوالاقتصادية او القبلية اوالطائفية او حتى بعض الأفراد الذين ينتمون إليها كان لها دور تاريخي رئيسي لا يمكن إنكاره او تجاهله وإغفاله في قيام بعض الدول , او ودعم العديد من الأنظمة الحاكمة والوقوف معها سياسيا وماليا على المستوى الداخلي او الخارجي, وذلك عبر رجال الأعمال والمال ورجالات السياسة والفكر والطوائف الدينية والقبائل , لذا تشكلت وقامت تلك الأنظمة السياسية من خلال شرعية ومشروعية قائمة على ( ثقافة سياسية من قيم الطاعة والولاء , استنادا الى قراءة في التراث الديني – وكذلك الى أدبيات تستند الى أعراف وتقاليد قبلية – ما من شانه دعم أسس الشرعية لهذه الأنظمة في ظل مكانة عليا احتلها العلماء والفقهاء وسطوة الشرطة الدينية – والمكانة القوية للقبيلة والمذهب وسطوة المال وكذلك النظرة الأبوية التقليدية للحاكم – وعلى رفاه اجتماعي من خلال الخدمات الاجتماعية التي تسيدها الدولة )(4)

وقد تناولت هذا الجانب سابقا بنوع من العمومية والاختصار في دراسة لي تحت عنوانمستقبل الأنظمة الخليجية في ظل المتغيرات الأمنية الداخلية : التحديات والحلول . حيث أكدت على ان تلك التحديات تعد جزء من حلقة الوصل والفصل ما بين شعوب هذه المنطقة ومستقبل الأنظمة الخليجية التي تحكمها من جهة , وتطور واستقرار الدولة المدنية الحديثة من جهة أخرى . وكان من ضمن ما طرح في جانب تلك العقبات والتحديات الداخلية في هذا السياق , التركيز على قضية الطائفية او التيارات الدينية على سبيل المثال لا الحصر , وأوضحت حينها إن المجتمعات التي لا تعرف ظاهرة التعدد سواء على المستوى العرقي أو الديني أو اللغوي أو الطائفي او المذهبي غالباً ما تكون أقرب إلى الاستقرار السياسي من تلك التي تعرف التعددية

ورغم ذلك .فان العيب ليس في التعددية بشكل مباشر وإنما في استراتيجيات النخب الحاكمة في التعامل مع هذه التعددية . وهو ما قصدناه من خلال فكرة سوء او ضعف ادارة النخب الحاكمة او السلطة السياسية في ادارة هذا النوع من الملفات وتركه للتضخم حتى يومنا هذا , وعدم وقدرتها على خلق موائمة ما بين عدم انكار الجميل لمن قدم وساهم في قيام الدولة سواء من رجال المال او الاعمال او رجال الدين والسياسية ومشايخ القبائل وغيرهم من جهة , وعدم افساح المجال لتسلط تلك الفئات وسيطرتها على مفاصل الدولة ومطابخ القرار من جهة اخرى من ذلك المدخل , او بمعنى اخر , افساح المجال لها الى الدرجة التي وصل تضخمها معه الى تحولها الى اقطاعيات ودويلات صغيرة في قلب الدولة الام كما سنلاحظ في السطور القادمة .

على ضوء ذلك , فانه يجب ان لا يتم تجاهل التعاطي السياسي والأمني مع تضخم تلك التيارات بكل هدوء وحذر وحكمة بعد كل تلك العقود الطويلة من سنوات الاستمتاع بالنفوذ والمصالح والثروات الوطنية , خصوصا وان تلك التيارات والقوى الداخلية كالتيارات – الاقتصادية / المؤسسات الاقتصادية الكبرى الخاصة ورجال الأعمال والثروات وأصحاب النفوذ الاقتصادي والمالي . والتيارات السياسية التي تتمثل في رجال الدولة من ذوي المناصب العليا والنفوذ السياسي . والتيارات الدينية / كالمرجعيات الدينية . والتيارات القبلية / القبائل وشيوخ العشائر والنافذين من الشخصيات القبلية والعشائرية – , قد وصلت الى الحد الذي جعل بعضها ولا نعمم بكل تأكيد يتمرد او ينقلبعلى الأنظمة الحاكمة نفسها .وهو واقع مشاهد في العديد من الدول العربية اليوم , وليس مجرد تكهنات وتخيلات او مخاوف سياسية او امنية , فالقوى ( التي تتنازع الهيمنة , او التي تتنازع الدولة بكل بساطة , فعندما يعلن البيان مستدعيا تاريخ مثل هذا النوع من الافكار , يجد ان الأفكار المهيمنة لعصر من العصور , لم تكن سوى أفكار الطبقة المهيمنة فيها)(5)والتي وصلت الى ذلك الحد من التضخم والنفوذ بسبب اهمال الدول لاحتواء هذا النوع من الملفات الخطيرة للغاية

لذا وجدنا من الأهمية إعادة طرق ابواب مثل هذا النوع من المواضيع التي تتناول مخاطر تضخم بعض تلك التيارات والقوى سالفة الذكر ولو بشكل مختصر رغم حساسيته من وجهة نظر بعض الأعراف السياسية والاجتماعيةكما سبق واشرنا , وذلك لما شاهدناه خلال العقود الماضية ولازلنا نشاهد اثاره الخطيرة والمدمرة على العديد من الدول العربية حتى يومنا هذا ,جراء تلك الانعكاسات التي تسببت بها تلك التيارات والقوى الوطنية في تلك الدول نتيجة تضخمها واستفحال دورها وضعف سيطرة الدولة عليها . تراوحت تلك الانعكاسات والاخطار بين استفحال الفساد وتحويل الدولة الى اقطاعيات وانتهاء بالصراعات والحروب الداخلية بينها.

كما نأمل ان يحقق هذا الطرح من جهة اخرى الوعي الرسمي , خصوصا الجانب الامني منه , حيال ظاهرة خطيرة للغاية .يمثل تضخمها تهديد خطير لمستقبل الاستقرار والأمن القومي سواء كان ذلك على المستوى الزمني القائم او المستقبلي القادم , وسواء كان ذلك التهديد على مستوى الأمن الخارجي او الأمن الداخلي من جهة أخرى .ما يدفع الى ضرورة العمل الرسمي المنهجي . خصوصا الأمني والسياسي منه . لإبقاء انعكاسات هذا التهديدالناتج عن تضخم بعض القوى والتيارات – السياسية / الاقتصادية / القبلية / الدينية – في حدوده الدنيا , خصوصا تأثير تضارب مصالح تلك التياراتوالقوى الداخلية وتطرف أفكارها النوعيةمع الوقت , وتنمر بعضها على سياسات الدول وتوجهاتها وقراراتها , وسعي البعض الآخر منها الى بناء تحالفات سياسية او اقتصادية او قبلية او دينية داخلية تهدف الى تشكيل قوى وتيارات للضغط والتأثير على القرارات الرسمية لخدمة مصالحها الفئوية , وغيرها الكثير من النتائج الخطيرة التي يمكن ان تنتج عن تضخم تلك القوى والتياراتفي الداخل الوطني .

والواقع السياسي المشاهد اليوم كما سبق واشرنا لهو الدليل على مدى وحجم المخاطر التي تنتظر استقرار كيان الدول وامن شعوبها ومستقبل تقدمها مدنيا وحضاريا نتيجة ذلك التضخم الحاصل في كيان بعض تلك التيارات , وعندما نتحدث عن ذلك الشكل من التضخم , فإننا نقصد وصول تلك التيارات الى المرحلة التي لا يستبعد فيها ابدا خروجها عن حيز طاعة الدولة والنظام السياسي والقانوني الى دائرة التمرد والاستفراد والاستقواء على السلطة السياسية بالرغم من الولاء الظاهر لتلك التيارات للنظام , والذي لا يظهر في كثير من الاوقات الا عندما يصل الى مرحلة خطيرة لا يمكن معها للدولة ان تحتويه الا بالقوة العسكرية او تقاسم السلطة السياسية . وحينها تقع الدولة في براثن تلك التيارات ورجالاتها .وليس افضل مثال على ذلك مما هو حاصل اليوم في بعض الدول التي خرجت فيها تلك الاحزاب السياسية والتيارات القبلية والدينية الى صفوف التمرد وشق عصا الطاعة والانقلاب على الانظمة السياسية الحاكمة والمولاة لبعض القوى الدولية , بل وفي بعض الاوقات اتخذت اشكالا اكثر خطورة على كيان الدولة لتأكيد مطالبها الفئوية , وذلك من خلال اتخاذ العنف والتغيير بالقوة وفرض الامر الواقع ولي الذراع , كوسيلة لإسماع صوتها واعلاء كلمتها وتوضيح وجهة نظرها , وبالتالي تحقيق مطالبها .

والمتتبع الدارس لتلك التيارات يجد أن تضخمها وقوتها تختلف من دولة الى دولة أخرى . نظرا لاختلاف أنظمة الحكم وطبيعة التوجهات او التقاليد والأعراف السياسية . ومدى القوة الأمنية فيها . والقوانين الوضعية التي تقوم عليها الدولة وتنظم سلوك الأفراد والجماعات فيها .وكذلك الى مواقع القوة والنفوذ التي تمكنت تلك التيارات من الولوج اليها والسيطرة عليها , ففي الدول التي لا يمنع فيها قيام الاحزاب السياسية على سبيل المثال كما هو الحال في الولايات المتحدة الاميريكية وأوربا وبعض الدول العربية , تشكل تلك الأحزاب ابرز قوى الضغط والتأثير المنظم في سياساتها وتوجهاتها العامةمع ملاحظة تقلص دور بقية التيارات والقوى غير الحزبية , بينما وفي دول أخرىتمنع قيام الأحزابالسياسية كما هو الحال في بعض دول مجلس التعاون الخليجي والبعض الآخر التي تسمح لبعضها وتمنع بعضها الآخر او في دول الحزب الواحد , فان قوى أخرى تتشكل كبديل طبيعي وتلقائي لجماعات الضغط المنظم نتيجة فراغ البيئة السياسية في الدولة , كالقبائل والقوى الاقتصادية والنفوذ السياسي والديني .

وبالتالي فان وجود تيارات وقوى ضغط داخلية في أي دولة او نظام سياسي ديموقراطي سواء تشكلت بشكل رسمي او طبيعي يعد حالة صحية لا خطورة منها في العادة , بل هي من قبيل التدافع الايجابي في الحياة السياسية والاجتماعية , ولخلق بيئة سياسية من تنوع الأفكار والآراء والتوجهات العامة , وبالتالي تنوع السياسات والخدمات بعيدا عن انجرافها الى تيار او جماعة او مصالح فردية او نوعية . إنماتكمن الخطورة وهو ما يدور حوله هذا الطرح كما سبق واشرنا حين تتضخم تلك التيارات الى الدرجة التي تصبح فيها ذات تأثير سلبي ورجعي على تقدم وتطور الدولة المدنية والقانونية من جهة . وتشكل تهديد خطير للاستقرار والامن الوطني لأسباب عديدة ومختلفة سنستعرضها لاحقا من جهة اخرى .

وتتوزع في العادة تلك الجماعات ما بين أحزابوفاعلين وتيارات مختلفة التوجهات والاهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافيةكما هو الحال في الدول القائمة على الاحزاب , ومؤسسات مجتمع مدني , والراي العام , وتيارات داخلية متنوعة في دول اخرى سواء كانت قوى دينية او قبلية او عرقية, وهذه الأخيرة تكون في العادة خصوصا في بدايات تشكيلها تيارات غير منظمة وعشوائية التوجيه والتوجهات , الا انها سرعان ما تنظم نفسها من خلال قيادات تقليدية كمشايخ القبائل ورجال السياسة والمال وشيوخ التيارات الدينية. ولا يعني ذلك بالطبع ان تأثيرها على السياسات العامة للدولة لا يتحقق سوى بتنظيمها القيادي او الجمعي , بل يمكن ان يتحقق ذلك في ظل عشوائية قبلية او دينية وعرقية , او ربما فردية , خصوصا عندما تكون تلك التجمعات ذات اعداد كبيرة وقوية , او ذات نفوذ اجتماعي او ديني او مالي , او لوجود بعض أفرادها في مطابخ القرار والنفوذ السياسي في الدولة .

الجماعات والتيارات الفئوية في الدول , بين التضخم وممارسة الضغط :-

تعرف جماعات الضغط بأنها ( جماعة من الاشخاص تربطهم علاقات اجتماعية خاصة ذات صفة دائمة او مؤقتة بحيث تفرض على اعضائها نمطاً معينا في السلوك الجماعي، وقد يجتمعوا على اساس وجود هدف مشترك او مصلحة مشتركة بينهم يدافعون عنها بالوسائل المتيسرة لديهم )(6) , ويعرف ن. هنتجماعة الضغط على أنها( أية منظمة تسعى إلى التأثير على سياسة الحكومة بينما ترفض تحمل مسؤولية الحكم )(7) , اما جان دانيل ( فيعرفها على انها كل الجماعات التي تضغط للتأثير على السياسات العامة على الصعيد السياسي )(8)

من وجهة نظري . وبناء على الواقع العملي المشاهد في مختلف الأنظمة السياسية في الشرق والغرب باختلاف توجهاتها السياسية , فان جماعات الضغط ليس بالضرورة ان تكون جماعات منظمة تنظيم منهجي ومؤسساتي, بل يمكن ان تكون كل جماعة ترتبط مع بعضها البعض بعلاقة خاصة او عامة سواء كان ذلك بصفة دائمة او مؤقته , ويكون لها تأثير في سياسات وتوجهات ومرئيات وقرارات الدولة , سواء كان ذلك التأثير يهدف لتحقيق مصالح عامة او مصالح فئوية او طبقية خاصةكذلك .

لذا اتفق مع من يوسع منالباحثين هذا المفهوم , أي , الجماعات الضاغطة في الدولة , ليشمل فاعلين اجتماعيين واقتصاديين متعددين ومختلفين على سبيل المثال ، كالشركات الوطنية او الدولية العابرة للحدود الوطنية , والجمعيات التطوعية والاهلية والتنظيمات الجماعاتية ، والحركات الاجتماعية والقبلية التي تنخرط فيها, وبالتالي جميع الفاعلين والمؤثرين في السياسات العامة للدولة , سواء كانوا احزاب او جمعيات او نقابات او تجمعات دينية او قبلية او عرقية , او تجمع لرجال المال والاعمال والاقتصاد والمهن , او النفوذ السياسي والاقتصادي والقبلي والديني , وما الى ذلك .

كما ليس من الضرورة ان تكون تلك الجماعات والتيارات الضاغطة والفاعلين المؤثرين في السياسات العامة للدولة في وضع مستقل عن الحكومة من الناحية البنائية والتكوينية , ( ففي الدول النامية على سبيل المثال– كما هو الحال في الدول العربية مثلا – نجد ان بعض جماعات الضغط بوجه عام ليس لها أي استقلال عن الحكومةفي اغلب الأحيان. حيث تكمن مهمتها الأساسية في حشد التأييد الشعبي للنظام وسياساته , وإذا كانت الجماعات مرتبطة بحزب معين فان وزنه السياسي وتأثيرها يتوقفان بدرجة كبيرة على ما للحزب من نفوذ) (9) .

كما ان طبيعة نظمها وتجربتها تبرز ضعف المجموعات المتحدة . أي , (جماعات الضغط في توضيح المصالح وافتقارها إلى الاستقلالية.. ففي أنظمة الحزب الواحد، أو الحكم العسكري، تبرز سيطرة الدولة على المجموعات القائمة، لتصبح أجهزة تابعة للحزب أو الدولة.. فالحزب الواحد ينظر لنفسه كونه الممثل الوحيد للمجتمع المدني، ويفترض في هذا المفهوم بالضرورة أن الاتحادات التي تسعى لتوضيح مصالح معينة، يجب عليها أن تقوم بذلك من خلال الإطار الحزبي. وما أن يصبح الاتحاد تحت وصاية الحزب حتى يتم إخضاعه للتوجهات السياسية ويمنع من التعبير عن وجهات نظر تخالف مذهب الحزب أو مصالحه )(10)

وتنقسم أهداف تلك الجماعات الى أهداف ومساعي مختلفة بحسب اختلاف تكوينها وتوجهاتها , فمنها ما هو مادييسعى للربح كالتيارات والولاءات والقوى الاقتصادية ورجال المال والأعمال على سبيل المثال , والتي ( تضغط على النظم السياسية والاقتصادية من اجل تحقيق مصالحها، أو تكون ذات طابع أيديولوجي – كالتيارات الدينية والقبلية – للدفاع عن قيم ومبادئ معينة تؤمن بها هي . أو هي مجموعة من الأفراد تجمعها مصالح مشتركة وتنشط فى سبيل تحقيق هذه المصالح عن طريق الاتصال بمسئولى الدولة ومؤسساتها ومحاولة اسماع صوتها مستخدمة كل ما تملك من وسائل متاحة. وممارسة الضغط من خلال أشخاص أو جماعات نوعية ،فهي جماعات موجودة في كل النظم الديمقراطية في جميع أرجاء العالم، ومن خلالها يسعى من يملكون ثروات ضخمة وتكون لهم مصالح كبيرة يريدون ضمانها إلى أن يكون لهم نفوذ أو تأثير كبير في قرارات الحكومة )(11)

على ضوء ذلك يمكن حصر ابرز التيارات والقوى الداخلية والجماعات القطاعية الفئوية , او جماعات الضغط او الطبقة المتحكمة واصحاب النفوذ من تلك الفئات , والتي تؤثر وستؤثر سلبا نتيجة تضخمها في مستقبل الانظمة السياسية والاستقرار والأمن الوطنيلدول المنطقة العربية خلال الفترات الزمنية القادمة , وسيتم تسليط الضوء عليها في هذه الدراسة بشكل موجز ومختصر من نواح مختلفة واتجاهات متعددة ودراسة مدى مخاطر تضخمها وانعكاس تنازع الولاءات لديها على الداخل الوطني , وهل يمكن لتلك الدول إعادة ملف هذه التيارات الى وضعه الطبيعي , وكيف . ومتى ؟ وغيرها من الأسئلة والجوانب التي سيتم تناولها ومحاولة الإجابة عنها بقدر المستطاع .هي التيارات والقوى الداخلية التالية :-

1- التيارات والقوى السياسية . والمتمثلة في : الشخصيات النافذة في الدولة والتي تنتمي الى مختلف السلطات , مع التأكيد على مختلف الأقطاب التي يمكن ان تنتمي الى تلك التيارات سواء كانت تلك الشخصيات ممن لازالوا على رأس عملهم او حتى المتقاعدين منهم , وسواء كانت تلك الشخصيات تنتمي الى القطاع المدني او الأمني او العسكري .

2- التيارات والقوى الاقتصادية . والمتمثلة في : الشخصيات الاقتصادية ورجال المال والأعمال , خصوصا تلك الشخصيات التي لها من النفوذ الاقتصادي والمالي . اقل ما يمكن ألقول عنه . ان الدولة نفسها قائمة في بناءها الاقتصادي وبنيتها التحية الاقتصادية على أموالهم واستثماراتهم .

3- التيارات والقوى الدينية( الطائفية او المذهبية السياسية ). والمتمثلة في : الطوائف والمذاهب الدينية في الدولة , وكذلك الشخصيات التي تنتمي الى تلك التيارات والقوى الدينية الداخلية كمشايخ العلم والمرجعيات الدينية على سبيل المثال.

4- التيارات والقوى القبلية :- المتمثلة في القبائل والعشائر التي تمثل البنية الديموغرافية للدولة من جهة , وكذلك القوة الاجتماعية والسياسية لها من جهة اخرى في بعض الدول , وسواء كانت تجمع قبلي يتمثل في مجموعة الافراد الذين ينتمون الى تلك القبيلة , او بسبب وجود شخصية قبلية نافذة وقوية في الدولة والنظام السياسي , وتمثل القبيلة بأكملها في بعض الاوقات .

اولا: – تضخم التيارات الاقتصادية 

لا يقصد بتضخم التيارات الاقتصادية هنا. ذلك المفهوم المتعلق بارتفاع مستوى الأسعار في الاقتصاد نتيجة لانخفاض قيمة النقود اولضعف القوة الشرائية للعملة او غيرها من التعاريف الخاصة بما يعرف بالتضخم الاقتصادي . انما يقصد بتضخم التيارات الاقتصادية هو : تضخم قوة ونفوذ وسلطة رجال المال والاعمال والاقتصاد في أي دولة الى الحد الذي يدفع البعض منهم الى التصرف بطريقة اقل ما يمكن ان يقال عنها بانها قد اصبحت تتعامل مع الدولة او السلطة السياسية او الحكومة معاملة الند او تجاريها. مستغلة الظروف التاريخية التي دفعت الانظمة السياسية في وقت من الاوقات الى الاستعانة بإمكانياتها المالية , وكذلك الى حاجة الدولة او الحكومة في بعض الظروف والازمات الاقتصادية الى اموالها وثرواتها التي كونتها اصلا من خلال المال العام والثروات الوطنية.

كما يستفحل نفوذ هذا التيار ويتضخم نظرا لتواجد افراده او من يواليهم ويساندهم في الغالب في عمق المؤسسات الاقتصادية والسياسية المتحكمة بمجريات العديد من القرارات ذات الصلة , خصوصا تلكالتي تؤثر في حياة المواطنين ومعيشتهم ومستوى دخلهم . ما يجعل من تصرفاتهم وسلوكياتهم تنعكس سلبا او ايجابا على النظام السياسي وثقة المجتمع والراي العام به ,نتيجة الارتباط بين المجالين الاقتصادي والسياسي في الحياة العامة .علاوة على ذلك فان جزء كبير من الضرر الذي تحدثه انعكاسات تضخم هذا التيار على النظام السياسي يتمثل في قدرته على تقليص الثقة العامة والتصورات الواسعة الانتشار حول سوء استخدام السلطة والامتيازات في ذلك النظام . كما انها وبمرور الوقت تسيء الى مشروعية واستجابة النظام السياسي الديموقراطي .

ويصف عرض شيفير وهو استاذ العلوم السياسية في جامعة هارفرد حول صعود تاماني هول – وهو تنظيم سياسي فى مدينة نيويورك. تأسس في عام 1786م وأُدرج في 12 مايو 1789م، باسم جمعية تاماني. وكان هو الآلة السياسية للحزب الديمقراطي والذى لعب دورًا كبيرًا في السيطرة السياسية على مدينة نيويورك وولاية نيويورك ومساعدة المهاجرين – وأبرزهم الايرلنديون- فى المشاركة فى الحياة السياسية الأمريكية فى الفترة من تسعينيات القرن الثامن عشر و إلى ستينيات القرن العشرون –في مرحلة اندمجت فيها شرائح النخب السياسية ونخب رجال الاعمال على قمة المنظمة بقوله :-  ( جمعت تاماني بين حكومة المدينة وثروة رجال الاعمال في مزيج هائل كان من القوة بحيث حد من المنافسة السياسية , وفي الحالات التي كان يطغى فيها السياسيون من رجال الاعمال حد ايضا من المنافسة الاقتصادية )(12)

والحقيقة ان تضخم هذا النوع من التيارات ليس حكرا على الدول العربية , بل يمكن التأكيد على ان مختلف الدول والانظمة والحكومات في مختلف العصور قد عانت ولازالت تعاني منه بطريقة ما . فالحكم في الولايات المتحدة الاميركية على سبيل المثال لا الحصر يخبر قصص كثيرة ومختلفة عن العلاقة بين الثروة والسلطة. وان لرجال المال والاعمال القوة والقدرة على توجيه الحكومة او السلطة السياسية باتجاه مصالحها الاقتصادية .ففي هذا السياق يقول ستيف فرايزر وغاري غرستل في كتاب الطبقة الحاكمة في امريكا ( بالرغم من ان رجال الاعمال الأمريكيين لم يكونوا راغبين بدخول عالم السياسة , الا ان هربرت سبنسر وهو مرشدهم في المسائل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , كان قد بدا بتعزيز قناعتهم القائمة على المصالح الشخصية والمتمثلة بانه لا يحق للولاية – توازي الحكومة او النظام السياسي – ولأي سبب التدخل في شؤون الاقتصاد , وقد تقدم الحكومة العون المالي لبناء سكة حديد ودعم الصناعة وغير ذلك . ولكن كان على الوسط السياسي الابتعاد عن الشؤون الاقتصادية بشكل دائم واكيد ) (14)

اما في الدول العربية فقد تضخم هذا التيار نتيجة ظروف تاريخية وسياسية عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر , حاجة بعض تلك الانظمة السياسية في بداية قيامها الى دعم ومساندة التجار واصحاب الثروات ورجال الاعمال لتحريك عجلة الاقتصاد والتنمية كما سبق واشرنا . ولا يعد هذا التوجه في حد ذاته خطرا على الدولة او النظام السياسي . انما تكمن المشكلة في المميزات والصلاحيات التي حصلت عليها تلك الفئة من الدول والانظمة الحاكمة ردا للجميل او للدعم الذي قدمته للنظام في مرحلة من المراحل. ما راكم الثروات والسلطة والنفوذ لديها بطريقة جعلت منها كيان اقتصادي قادر على لي ذراع واستغلال الحكومة والضغط والتحكم في العديد من القرارات السياسية والاقتصادية . في حين ظهرت فيه تلك الدولامام نفوذ وقوة ذلك التيار بطريقة توحي انها غير قادرة على احتواء انحراف وتسلط وتدخل تلك الفئة او التيار الاقتصادي الذي اصبح نافذا في كل مرفق ومؤسسة من مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية خصوصا .

كما انه وفي الدول التي تسمح بوجود الاحزاب السياسية كان لرجال المال والاقتصاد والنفوذ دور كبير في السيطرة عليها , أي على تلك الاحزاب السياسية , وبالتالي السيطرة على الحكومة بعد فوزها بالسلطة سواء التنفيذية او التشريعية , أي تولي الحكم من راء الستار , فليست بعض تلك الاحزاب الا قفاز يغطي اليد الضاربة والمهيمنة على كل شبر من مفاصل الدول, أي رجال المال والاقتصاد والثروات , وفي الحقيقة يعتبر زواج المال والثروة بالسياسة زواجا فرضته حاجة الطرفين العميقة، وصار واقعا معيشا متغلغلا في الحياة الوطنية للعديد من الدول , ويزداد حدة مع اقتراب مواعيد الانتخابات التشريعيةوالبلدية وكذلك الرئاسية في بعض الدول التي يتم انخاب الرؤساء فيها .كما انه وفي اوقات اخرى تكون العملية تبادلية كما سبق واشرنا من خلال امكانية ولادة تيار اقتصادي من عمق السياسة وولادة الاحزاب السياسية من عمق العوامل الاقتصادية .

وقد خلصت ورقة اكاديمية حديثة أعدها الخبير الاقتصادي اليمني الدكتور طه الفسيل، وعرضت في حلقة نقاشية حول الانتقال السياسي في اليمن وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية والانسانية نظمها المرصد الاقتصادي للدراسات منتصف ديسمبر من العام 2015 بصنعاء. وحددت الورقة الأسباب الأساسية التي أدت إلى هذا الفشل إجمالا، – فشل السياسات الاقتصادية والتنموية في اليمن خلال الفترة 2001- 2014م- في ثلاثة عوامل رئيسية . ابرزها ( إن السلطة السياسية اصبحت هي المصدر الأول والأهم للدخل والثروة ؛ الأمر الذي ادى إلى هيمنة القرار السياسي وتوجهاته ومصالحه على السياسات والقرارات والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية التنموية ؛ والتي يمكن إبراز اهم تجلياتها في سيطرة قلة من الأفراد وفي وقت واحد على كل من الجاه والثروة الوطنية وبالتالي على مقاليد الآمور السياسية والاقتصادية في اليمن، وما أدى إليه   ذلك من تركز للسلطة والثروة؛ والتحالف بين رجال الأعمال والسلطة الحاكمة، واختلال الجهاز الاداري والمؤسسي للدولة؛ وسيادة ثقافة الريع الاقتصادي وانتشار الفساد بكل مظاهره )

ثانيا : – تضخم التيارات السياسية ( هواة سل الحجارة ).

بداية وقبل الدخول الى تفاصيل ملف تضخم التيارات السياسية في الدولةسواء كانت احزاب او مجموعة من الافراد , ومخاطره على النظام السياسي من جهة , وعلى الامن والاستقرار الوطني من جهة اخرى . كان من الضرورة تحديد النطاق الشخصي والموضوعي لهذا النوع من التيارات ولو بشكل تقريبي  . حيث انها لا تظهر غالبا على شكل تيار مجتمعيمنظم او قوالب تعددية كما هو حال التيار الديني او القبلي في أي دولة الا في حالة الدول التي تسمح بوجود الأحزاب السياسية .بالتالي فان الدول التي لا يسمح نظامها السياسي او دستورها بتشكيل احزاب سياسية يتكون هذا التيار في الغالب من افراد مستقلين او تجمعات سياسية شخصية وغير منظمة تحت اطار الثقل السياسي لبعض الاشخاص المتقاعدين او الذين لا زالوا يحملون الصفة الوظيفية في مؤسسات ومرافق الدولة , سواء كانوا من الفئة السياسية بالسلطة التنفيذية للدولة , او كونهم من الفئات التي لها من النفوذ ما يجعلها مؤثرة او متحكمة بمسار بعض القرارات السياسية.

باختصار يمكن القول ان المقصود بالتيار السياسي في هذا السياق هم الاحزاب السياسية وقياداتها في الدول التي يسمح نظامها السياسي بوجود الاحزاب , وكذلك مجموعة الافراد ذوي النفوذ والسلطة في الدول التي لا يسمح نظامها السياسي بوجود احزاب سياسية.ويمكن ان يكون كلاهما في نفس الوقت في الدولة الواحدة . وهذه الفئة الثانية , أي الافراد , هي التي نركز عليها في هذا الطرح لكونها تعمل بعيدا عن اطار الدستور او منفردة وبشكل خفي بعيدا النظام السياسي .وتكون في العادة من النخب السياسية التي يتركز ولاءها للنظام السياسي في بداية الامر. وبصورة اكثر وضوح لمن يضمن لها النفعية واستمرار المصالح والمميزات داخل الجهاز الحكومي . ( وهو، للأسف، ولاء شكلي ومصلحي.إذ يلاحظ كيف تخلت تلك الفئات تدريجياً عن وظائفها التي تؤديها مع تغير الظروف. ويظهر التعبير عن التغير في مضامين الولاء والهوية، أثناء التحولات السياسية وأثناء عملية التجنيد السياسي، وأهم مظاهره الحصص في المناصب السياسية. وبالفعل، لم تفرز تلك التحولات بناء علاقة مرجعية راسخة مع الدولة، بمفهوميها الوطني والمدني، فأولئك الذين كانوا أبناء الحكومات ونخبها السياسية، ربما يتحولون إلى شلة سياسية مصلحية بعدما يتقاعدون، وبل يمارسون هواية سل الحجارة من أساسات الدولة )(15) وبالتالي المتسبب بانهيار الحكومة والنظام السياسي بالتدرج .

وتكمن مخاطر تضخم هذا النوع من التيارات سواء الاحزاب منها او الافراد من ذوي السلطة والنفوذ في وصولهم الى الحالة او المرحلة التي يستشعرون فيها ان نفوذهم وسلطتهم في الدولة قد تمكنهم من لعب دور السلطة السياسية او الدولة ان صح التعبير, وذلك خارج اطار النظام والسلطة السياسية . فتظهر على سلوكياتهم بعض مظاهر الفردية العنصرية او المتسلطة بين المجتمع , وعلى تصرفاتهم نوع من الغرور السياسي ولعب دور يتجاوز صفتهم الحزبية او الوظيفية او الاجتماعية . بل وربما يظهر بعض الافراد منهم نتيجة تكدس الثروات واستفحال النفوذ فيما نطلق عليه بصفة الغرور السياسي بين المجتمع بشكل يوحي انه ذو سلطة وقوة يمكنه من خلالها الظهور بمظهر يشبه صفة الحاكم او رئيس الدولة .فيؤسس دولته الخاصة سواء كانت قبلية او طائفية سياسية . كما يمكن لهذه الفئة سواء افراد او احزاب تنتمي الى النظام السياسي نفسه في ابعد الحدود واقلها خطورة تغليب بعض الولاءات الاخرى فوق الولاء السياسي للنظام او الدولة او الوطن في وقت من الاوقات.وهو ما يطلق عليه بتنازع الولاءات السياسية داخل النظام السياسي . وعندما نشير الى ان هذا النوع من التيارات هو الاخطر سياسيا وامنيا فذلك لكونه يمكن ان يتداخل مع مختلف الولاءات والتيارات الاخرى بشكل ارتجاعي خصوصا التيار الاقتصادي في معظم الدول العربية , والتيار القبلي في الدول ذات البعد القبلي .

وللأسف الشديد فان هذه الفئة لا تظهر خطورتها او سوء نيتها السياسية الا في اوقات متأخرة جدا , يكون فيه النظام السياسي القائم في حالة من التغييب او الضعف والوهن او الغفلة السياسية او الامنية , لكونها اصلا , أي تلك الفئة جزء او امتداد للسلطة السياسية القائمة نظرا لانتماءاها في العادة للسلطات الثلاث  في الدولة , او لكونهم مقربين من الاسر الحاكمة نفسها , ما يمكنها من الاختباء وراء جلباب السلطة السياسية والتخفي وراء عباءة الدولة والنظام حتى لحظة الصفر – لحظة الانقلاب السياسي على السلطة -. وهذا النوع من اشكال ومظاهر التضخم في التيارات المتعلقة بالسلطة والنفوذ السياسي ليس بجديد على الحياة السياسية , بل حفلت به مختلف الحضارات والكيانات السياسية عبر التاريخ الانساني القديم والحديث .

وهناك امثلة عديدة ومختلفة من نماذج الاحزاب والافراد الذين كانوا في يوم من الايام من افراد النظام السياسي , وانقلبوا عليه مع اول فرصة سنحت لهم بذلك لأسباب عديدة ومختلفة , يقع على راسها احساسهم بالأحقية في السلطة السياسية او لعدم تحقيقهم لبعض مصالحهم السياسية او الاقتصادية عندما كانوا ينتمون الى النظام  , او نتيجة ضغط ثقافة تسود اكثر الانظمة السياسية تتميّز بحالة من عدم الأمان السياسي لتلك النخب ، جرى الحفاظ عليها من قبل النظام لضمان أن يستبطن الجميع حقيقة أنه ليس ثمة موقع مضمون أو آمن . وبالتالي , فأنها أي تلك النخبتحاول التخلص من تلك الحالة السياسية او الامنية او النفسية التي تعيشها في ظل ذلك النظام بالانقلاب عليه , وربما لاستفحال وسيطرة غرورهم السياسي على افكارهم تلك.

وقد تسبب هذا النوع من النماذج بانهيار العديد من الانظمة السياسية عبر التاريخ , واشتعلت بسببه الكثير من الحروب والصراعات الداخلية نتيجة ذلك الغرور او الطموح السياسي الذي دفع العديد من تلك الاحزاب السياسية اوالافراد الى محاولات قلب الانظمة السياسية بهدف الاستيلاء على الحكم , او تمويل المعارضين للسلطة السياسية ,كما تعد اكثر الفئات التي سعت للاستعانة بالخارج للحصول على تأييد لها او لأهدافها السياسية الداخلية نظرا لعمق تواصلها السياسي بحكم عملها مع الانظمة السياسية .فمثلا يرجع بريجنسكي انهيار الامبراطورية الرومانية الى ثلاثة عوامل – كان من ضمنها – ( اشاعت فترة العنجهية الامبراطورية الطويلة نوعا من ثقافة عبادة الذات التي امتصت بالتدرج ارادة السمو لدى الزعامة السياسية ) . (16) حيث ان هذه الثقافة , أي , ثقافة العنجهية والغرور السياسي لا تقتصر على الحكام والرؤساء بحسب بريجنسكي فقط , بل تتجاوزهم الى تلك الفئات التي تندرج تحت فئات الزعماء السياسيين– الطبقة السياسية الثانية – , او الصف الثاني من النخب السياسية الذين يصل بهم الامر مع الوقت الى الشعور بالقوة والسلطة والجاه والنفوذ .ما يدفعهم الى التمرد على النظام وعض اليد التي اطعمتهم كما يقال .

ثالثا : – تضخم التيارات الدينية ( الطائفية والمذهبية ) .

يتداخل الدين والسياسية في مواقف مختلفة ومتعددة لدرجة اننا نستطيع القول ان اغلب الانظمة السياسية في العالم لا تخلوا ابدا من جانب او مظهر من المظاهر المتعلقة بالدين بطريقة ما , سواء كان ذلك من خلال قولبة السلطة السياسية في قالب ديني– دين الدولة – , او من خلال تمظهرها في بعض الجوانب بمظاهر التدين او القيم الدينية , او ربما كان ذلك من خلال طابع استفحال نفوذ رجال الدين او المشايخ التي تنتمي الى بعض التيارات الطائفية او المذهبية في عمق الدولة والنظام السياسي . فالمهم في الامر ان ( القيم التي يعلمها دين ما , قد تصبح القيم المحددة رسميا داخل النظام السياسي , وقد تحاول الجماعات الدينية استخدام سلطة الدولة للتعبير عن فرض تلك القيم الدينية , وقد يدفع ذلك الجماعات الدينية المختلفة الى صراع سياسي من اجل تحقيق السيادة لقيمهم , كما ان القيم التي ينشئها او يؤيدها النظام السياسي قد تتخللها اراء دينية , وقد تسعى المؤسسات الدينية داخل النظام السياسي الى تحقيق اهدافها ) (17) , لذا فان تناولنا لهذا النوع من التيارات ينطلق من الدور الكبير الذي لعبته ولا زالت تلعبه في حياة الامم والشعوب في مختلف ارجاء العالم من جهة , وللأدوار التي لا تقل اهمية وعمق في الحياة السياسية سواء في الشرق او الغرب حتى يومنا هذا من جهة اخرى .

على اننا في هذا الدراسة لا نتناول ذلك التقولب او المظهر الديني الطبيعي الذي تقوم فيه الجماعات او التيارات الدينية بممارسة حقها في العبادة والشعائر الدينيةفي حدود القانون وسلطة الدولة او النظام السياسي , بل نتناول مخاطر وانعكاسات تلك التيارات الطائفية او المذهبية التي تضخمتالى الدرجة التي اصبحت فيهاتشكل خطراعلى النظام السياسي والامن والاستقرارلأنها لم تكتفي بممارسة تلك الحقوق الطبيعية سواء الدينية منها او السياسية او الاجتماعية , بل تجاوزت ذلك الى الدرجة التي استشعرت فيها بانها تمثل سلطة متفردة ومنفردة بعيدا عن الدولة , وان لها من النفوذ والقوة ما يجعلها تمارس بعض الاعمال والتصرفات التي تعد من حقوق الدولة السياسية , ما يعد اعتداء على سلطات الدولة وسيادتها .

على ضوء ذلك يمكن التأكيد على ان اشد تلك التيارات الدينية خطورة , هيالتي تعمل بالداخل الوطني على التحول من مذهب او طائفة دينية او فقهية , الى توجه طائفي او ثقافة خاصة, او ما يطلق عليه ( طائفية سياسية ) , وكذلك التي تعمل في الداخل على استثمار قوتها واستغلال نفوذها الديني او الطائفي او سطوة بعض شخصياتها ومشايخها الذين لهم مكانة وطنية سواء من الناحية السياسية او الدينية في الدولة او بين جموع الجماهير بعيدا عن النظام السياسي لأهداف سياسية لا تتوافق واستقرار الدولة وامنها الوطني , سواء كان ذلك من خلال السعي لتكوين دولة طائفية او مذهبية في قلب الدولة السياسية .او من خلال الاطاحة بالدولة او السلطة السياسية القائمة لإقامة دولة – الدين السياسي كطالبان افغانستان مثالا – , او تحويل الدولة متعددة الطوائف والمذاهب الى قطاع طائفي او مذهبي  .

وبمعنى اخر , تصل الى الحد الذي تتضخم فيه طائفيا او مذهبيا فتقرر التحول من الطائفة او المذهب الفقهي او الديني البحت الى العمل السياسياو التدخل في السياسة الداخلية للدولة على اقل تقدير. وان كان ذلك بطريقة غير مباشرة في بداية امرها , من خلال السعي للتأثير في مكونات وتركيب الدولة السياسية , تمهيدا لدخول افرادها المؤهلين الى مراكز القرار السياسي باتجاه تحقيق مصالحها الطائفية او المذهبية الفئوية , او السعي لتغيير تركيب هياكل البناء الاجتماعي والديموغرافي فيها نحو هياكل يغلب عليها افراد من الطائفة او المذهب نفسه , في وقت تكون فيه الحكومة او النظام السياسي قد وصل الى درجة من الضعف السياسي او توازن المصالح السياسيةلا يمكنه معها رفض رغبات وطموحات تلك التيارات ذات البعد الطائفي او المذهبي السياسي .

وهو واقع مشاهد في العديد من الدول العربية اليوم .كلبنان والعراق على سبيل المثال لا الحصر , والتي تداخل فيها البعد الطائفي او المذهبي مع الحياة السياسية . الامر الذي اثر كثيرا في الحياة العامة لأفراد المجتمع من البسطاء , ففي العراق مثلا ( تكمن أزمة النظام السياسي العراقي في اختلاط المجال الديني، بكل ما يحمله ذلك المجال من فردانية وشخصية، مع المجال العام المتسم بالاختلاف السياسي الدائم .هذا الاختلاط دفع بالعراقيين إلى أن يكونوا سجيني خيارين لا ثالث لهما، إما الانتماء للطائفة بمنطق أنها البديل عن الدولة , وإما التخلي عنها لصالح الدولة فيحل التهميش والإقصاء. وبالرغم من تنصيص الدستور العراقي الجديد في العديد من فقراته على أن الدولة هي الراعي للمسائل الدينية والتنوع الطائفي والعرقي في العراق، إلا أن العمل السياسي في البلاد ينطبع بحضور قوي للزعامات الدينية التي تسيّر المشهد وتحكم التناقضات السياسية وتدير الصراعات من داخل مراكز مرجعياتها، الأمر الذي يجعل من العمل السياسي العراقي سجين الإيمان الديني قبل كل شيء، ثم الانتماء إلى المربع الطائفي الذي “يحمي” الفرد ويتكلم باسمه في الشأن العام)(18)

اما في لبنان فلم يكن الصراع السياسي الدائر نتاج يوم وليلة أو حدثاً مؤقتاً مرّت عليه الأيام، بل هو عميق عمق تاريخ هذا الشعب وانقساماته الطائفية والفكرية والثقافية ( ويمكن الجزم بأن التركيبة الطائفية في المجتمع اللبناني هي السبب الرئيسي في هذا الصراع، فهو مجتمع له عدة أوجه كلٌّ منها يبحث عن ذاته وكينونته من خلال التحالفات الخارجية واستجداء الخارج؛ فهناك لبنان العربي المسلم السني الذي لا يريد أن يخرج عن عباءة الأمة العربية الواحدة، وهناك لبنان المسيحيين الذي يريد أن تكون ملامحه أوروبية، وهناك أيضاً لبنان الشيعي الذي يرتبط بإيران . وتبقى لبنان بحراكها السياسي رهينة لتحركات الطوائف الدينية وملتزمة بما تمليه عليها الأطراف السياسية التي تتلقى الدعم الخارجي ولها علاقات مع أطراف دولية ذات طابع ديني أو طائفي) (19)

من ناحية اخرى فان ما يعتقد انه تصرف شخصي لبعض مشايخ وقيادات تلك التيارات الدينية الذين اصبح لهم من النفوذ السياسي والقوة المادية ما يجعلهم يتفردون ببعض التصرفات السلبية او المتعصبة او الطائفية والمذهبية , ما يجعلها تحسب اجتماعيا على النظام السياسي , سواء كان ذلك بسبب قربهم من النظام او السلطة السياسية الحاكمة , او بسبب وجودهم اصلا من ضمن افراد وكوادر مؤسسات ومرافق الدولة , وهو امر جعل من اغلب ( الزعماء والنخبة السياسية الطائفية من الطبقة العليا المرفهة اقتصاديا , وبسبب هذا الموقع الاقتصادي المهم كانوا اساسا قادرين على الحصول على المناصب القيادية بطرق مختلفة , كما ان عدم اهتمام زعماء الطوائف المرفهين بعامة الناس الفقراء اذين هم تحت زعامتهم , ادى الى عدم ثقة هؤلاء بزعمائهم المشاركين في توافق النخب , وقد ادى ذلك الى عدم الثقة بالنظام السياسي والى زعزعة الاستقرار في البلاد , وفي هذا السياق يقول مايكل هادسون الذي تنبه الى هذه الظاهرة المهمة ان الفقر المدقع الى جانب مظاهر الثروة الفاحشة والفساد الرسمي كان من خصوصيات الحياة الاقتصادية الاساسية للمجتمع اللبناني …. ويمكن القول بصورة مجملة : ان الانحرافات السياسية المذكورة انفا , كانت العامل الاساسي وراء انهيار النظام السياسي المبني على الديموقراطية التوافقية في لبنان , وتاليا الى عدم الاستقرار السياسي والحرب الاهلية واتساع موجة الراديكالية في السبعينيات والثمانينيات )(20)

وفي هذا السياق يقول د.برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس.( ان الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة ، وأنها تشكل سوقا موازية ، أي سوداء للسياسة ، أكثر مما تعكس إرادة تعميمقيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة. والفرضية الرئيسية في هذه النظرية هي أن الطائفية لا علاقة لها في الواقع بتعدد الطوائف أو الديانات ، إذ من الممكن تماما أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية أو الأثنية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية ، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثله. وبالتالي ليس هناك ما يمكن عمله لمقاومتها سوى الاشتغال على وعي المجتمع وثقافته لإقناعه بخطر التحيزات الدينية . فليس المطلوب أن يتحرر المجتمع المدني من عصبياته أو تضامناته الطبيعية المتعددة، الدينية أو المذهبية أو الأثنية التي تعكس واقع الحال، خاصة في مجتمعات تقليدية، أو خارجة حديثا من التقاليد، وإنما أن تتحرر النخبة السياسية من تماهياتها الجزئية لتتمكن من تجسيد مثال الوطنية وأن تحرر معها الدولة ومؤسساتها من احتمال ارتهانها للعصبيات الخاصة، حتى تتحول بفضل سياساتها الوطنية إلى دولة أمة، أي دولة مواطنيها. )(21)

عليه فان من الضرورة ان تعي الحكومات والانظمة السياسية مخاطر ملف تضخم بعض التيارات الدينية الى الحد الذي تتحول فيه الى طائفية او مذهبية سياسية تقارع فيه النظام السياسي وتتمرد فيه على السلطة الحاكمة في مرحلة من المراحل, او تسعى فيه الى تغيير هياكل البناء السياسي للدولة باتجاه طموحاتها ومصالحها السياسية المستقبلية, او من خلال مساعيها لتغيير ديموغرافيا السكان نحو اعلاء طائفة او مذهب على مذهب او طائفة اخرى لأهداف سياسية كذلك .اما من ناحية اخرى , فانه بلا شك والادلة كثيرة على ذلك في الواقع والمشهد السياسي العربي اليوم , اقصد , ما وصلت فيه الاوضاع السياسية والامنية في تلك الدول التي سيطرت فيها تلك التيارات ذات البعد الطائفي او المذهبي السياسي على مفاصل الدولة وتوغلت فيه الى مرافق ومؤسسات الدولة السياسية , من انحرافات وتعسف وتعصب في استخدام السلطة والنفوذ السياسي , بل ودخلت فيه تلك الدول الى صراعات طائفية ومذهبية تكبدت فيها الدول خسائر فادحة في الارواح والممتلكات والاستقرار السياسي والامني .

رابعا : – تضخم التيارات والقوى القبلية والعشائرية .

لا شك ان القبيلة او العشيرة تعد من أكثر النظم الاجتماعية قدماً فيالتاريخ البشري ، وتأتي تاليا بعد الاسرة او العائلة في السلسلة الاجتماعية , وقد لعبت دور كبير في بناء وقيام العديد من الدول والانظمة السياسية عبر التاريخ , كما رافقت العديد من( الأشكال التنظيمية الأخرى التي ظهرت فيمابعد، من خلال الروابط الدينية والاقتصادية والسياسية، وكانت لفترة طويلة من الزمنالأساس الذي تقام عليه معايير التفاعل الاجتماعي من تضافر وصراع وتنافر) (22) والمتتبع للأدوار التاريخية التي لعبتها القبائل والعشائر في العديد من الدول العربية يجد القوة والنفوذ والمكانة الكبيرة التي حظيت بها في عمق النظام والسلطة السياسية , بل وفي احيان كثيرة كانت تشكل هياكل البناء السياسي للدولة , فقد شكلت القبائل او التيارات القبلية والعشائرية ابرز لبنات بناء وتكوين العديد من الدول العربية كاليمن والاردن وموريتانيا والصومال والسودان , وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية على سبيل المثال لا الحصر , مع التأكيد على تباين الدور التاريخي والمكانة الاجتماعية والتأثير السياسي واسباب بسط نفوذ وقوة تلك القبائل من دولة الى اخرى .

ففي سلطنة عمان على سبيل المثال تعتبر القبيلة إحدى المكونات الاجتماعية والسياسية للمجتمع العماني ( وقد لعبت دوراً بارزاً في الأحداث التاريخية طوال التاريخ السياسي لعمان، وهي قطب مهم، ولاعباً رئيساً في التاريخ السياسي منذ هجرات القبائل العربية إلى عمان، وخلال العهد الأسلامي، ثم في العصر الحديث خاصة مع ظهور الدولة البوسعيدية ….. كما شكلت النزاعات الداخلية حول السلطة، والتدخلات الخارجية من القوى الإقليمية والدولية طبيعة التاريخ العماني منذ نهاية دولة اليعاربة وخلال القرن التاسع عشر، فكانت القبيلة أحد اللاعبين الرئسيين في هذه الأحداث سواء من حيث دورها في دعم سلاطين الدولة البوسعيدية، وإضافة إلى مواقفها من محاولات إحياء الإمامة خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر) (23)

اما في الدولة الاردنية , فقد تميزت الحياة ( منذ عهد الامارة بقيام ابناء القبائل الاردنية بنشاط سياسي مكثف اتخذ اشكالا مختلفة , وكان يهدف الى المشاركة في صنع القرار السياسي او التأثير على اصحاب هذا القرار , خصوصا في ما يتعلق بمقاومة الانتداب البريطاني والهيمنة الاجنبية والسعي نحو تحقيق الاستقرار والمطالبة بإرساء دعائم الدولة الدستورية التي تتوازن فيها السلطات الثلاث , بالإضافة الى السعي لإتاحة الفرصة امام الاحزاب والجمعيات السياسية للقيام بدورها في المساهمة في بناء الدولة الاردنية , كما شكلت القبائل قوة داعمة للنظام السياسي واثراء لمسيرته السياسية , ووقفت الى جانبه بقوة ضد كافة المحاولات التي كانت تهدف للمساس باستقراره وامنه , ومن هنا يتبين مدى اعتماد النظام السياسي في الاردن منذ بدايته على القبائل الاردنية في تأسيس الدولة الاردنية الحديثة ) (24)

كما ان المتتبع لمسار وجود وتكوين القبيلة في بعض الدول العربية يجد انها سابقة لوجود الدولة السياسية نفسها , بل ان بعض تلك الدول قامت على انقاضها او كنتيجة طبيعية لتحديث ادوارها ومساراتها الاجتماعية التاريخية , او بناء على تطوير الدور الحضاري لوجود تلك القبائل والعشائر من الناحية السياسية . وبمعنى اخر , ان العديد من الانظمة السياسية العربية قامت في بداية تكوينها ووجودها التاريخي على علاقة احتواء تبادلية للمصالح الهادفة الى توطيد اركان الدولة التقليدية او تكوين لبنات الدولة الكلاسيكية الاولى . دولة النسيج القبلي او العشائري , مقابل مميزات ومكانة مستقبلية لتلك القبائل والعشائر في هياكل البناء السياسي .

ومع الوقت , وصلت بعض تلك القبائل , او بالأدق وصل بعض افرادها بشكل طبيعي وحتمي الى مناصب عليا في الدولة , سواء كان ذلك نتيجة استحقاق تعليمي واكاديمي , او مكافآت سياسية نظرا للدور التاريخي الذي ساهمت به في مسار من مسارات الدولة , او نتيجة احتواء امني . او ضغط قبلي وعشائري على السلطة السياسية , وغيرها من الوسائل . وهكذا اتسع دور القبيلة في الدولة واستفحل نفوذها او سطوة بعض أفرادها ومشايخها . ما كان له دور رجعي وسلبي خطير من جانب اخر , نتج عنه تضخم قوة ونفوذ بعض تلك التيارات القبلية والعشائرية الى الدرجة التي اصبحت فيه مع الوقت تشكل خطرا على كيان الدولة نفسها وعلى امنها واستقراراها ومستقبلها السيادي , بعد ان كانت سبب من اسباب قوتها وعامل من عوامل بناءها وتقدمها , فقد نجح بعض من افراد تلك الفئة القبليةفي السيطرة على مصادر الثروة والقرار والنفوذ . كما نجح بعض افرادها في الوصول الى المكانة السياسية التي قد يكون استحقها بجدارة , الا ان ذلك جعله مع الوقت يستشعر ملكيته ووراثته لها دون غيره , ما جعله كذلك يسعى بكل الطرق والوسائل الى اضعاف دور الدولة في مقابل قوته ونفوذه , والتصدي لكل من يحاول الوصول الى منصبه ومكانته بمختلف الوسائل , سواء القانونية منها ,او غير القانونية .

فنجد ان بعض القبائل قد تحولت الى مركز من مراكز القوة والنفوذ السياسي في الدولة , وذلك من خلال امكانياتها المادية ومكانتها الاجتماعية التي جعلتها قادرة على التدخل في قضايا مختلفة في الداخل الوطني كالتوسط لبعض الافراد للتعيين في مؤسسات الدولة , والضغطعلى الحكومة في جوانب من جوانب القضاء المتعلقة بالحق العام , واستجداء الاسر الحاكمة للحصول على بعض المميزات كالهبات والاراضي على سبيل المثال لا الحصر , وغيرها العديد من الاشكال التي تمكنت من خلالها بعض تلك القبائل من اختراق الدولة والسلطة السياسية . بل الاخطر من ذلك ممارسة بعض افراد تلك القبائل الذين كون بعضهم من الثروات والنفوذ ما وصل معه الى الحد الذي اعتقد فيه انه اصبح فوق الدولة والقانون والنظام السياسي باسره نظرا لوجود تلك المساحة الممنوحة له او لقبيلته في الداخل الوطني لسبب او لآخر , فاصبح يمارس بعض اشكال الحكم المصغر ومظهر من مظاهر الرئاسة والسلطة السياسية . وهو امر للأسف الشديد تتبين عواقبه بعد وقت ليس بالقصير تكون فيه الدولة قد وصلت الى مرحلة من الضعف او انفلات القوة والسلطة , ما يمكن ان يؤهل تلك القبائل او بعض افرادها من  الانقلاب او التمرد او العمل الفئوي بعيدا عن الدولة , وهو واقع ملاحظ في العديد من الدول العربية .

لذا يقول ابن خلدون : “إن الأوطان كثيرة القبائل قلَ أن تستحكم فيها الدولة”. ويرى راي اخر ان ( الدولة تبدا حين تنتهي سلطة القبيلة، وتبدأ القبيلة حين تنتهي سلطة الدولة. فالوجود المزدوج للسلطتين: القبيلة والدولة، هو وجود للتنافي المتبادل بينهما، وهو تناف لا بد من ترجُّحه في كفة الدولة التي تتحقق بها الوحدة الوطنية والانتظام الاجتماعي المعبِّر عما فوق القبيلة، وإلا حدث النكوص إلى ما قبل مرحلة الدولة الوطنية وما قبل المدينة في التاريخ الإنساني، أعني إلى مرحلة القبيلة المقترنة سطوتها بالبداوة والترحال والغزو- بطريقة حديثة – . فالوجود المزدوج والمتنافي بين القبيلة والدولة هو حركة تأرجح وصراع وتذبذب ) (25)

وكنموذج واقعي مشاهد في العالم العربي اليوم , وهي امثلة لابد من التأكيد على عدم تعميم سلبيتها سواء في الاطار الخاص بالدولة نفسها , او الاطار العام لمختلف الدول العربية , ويمكن التطبيق عليه في هذا السياق يطالعنا برنامج الواقع العربي التابع لقناة الجزيرة بتاريخ 17/5/2015م بلقاء مع  كل من عبد الرسول النور القيادي السابق في حزب الأمة السوداني والخبير في شؤون الإدارة الأهلية و الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني خالد التيجاني , واللذين اتفقا على ان ( جسد الدولة السودانية يشهد حالة من التحلل المتواصل، في ظل ارتفاع لافت وخطير لمنسوب القبلية في أنحاء متفرقة من البلاد.- كما اكدا – على ان القبيلة في السودان أصبحت تشكل مركز القوة، وتولد لديها شعور بأنها مستقلة مع ما تمتلكه من أرض وإدارة وقوات مسلحة، الأمر الذي دفعها لممارسة صلاحيات الدولة ) (26)

كما ان الحالة العربية الصومالية كذلك هي نموذج اخر لمدى انعكاس مخاطر تضخم التيارات القبلية على كيان الدولة واستقرارها وامنها الوطني , حيث ( تلعب القبيلة دوراً اساسياً في الحياة الصومالية ، حتى لكأنها تبدو الدين الاول للصومالين. …. إذ أن المسيطرين على القبيلة غالباً ما يكونون هم سبب المواجهات المسلحة وعدم الاستقرار، وعندما يقومون باختيار ممثليهم في البرلمان والحكومة يكون الأمر خاضعاً لمعاييرهم، مما يؤدي الى هضم الكفاءات في القبيلة، وعندما تعبر عن عدم رضاها لهذا الهضم تصب جام غضبها وحنقها على الحكومة المركزية والرئيس غالباً وليس على زعماء قبيلتهم ) (27)

اما النموذج اليمني فهو مثال اخر للدور الخطير والتأثير الكبير الذي تلعبه القبائل في الحياة السياسية والاستقرار والامن الوطني للدولة اليمنية الحديثة سواء كان ذلك ايجابا او سلبا , حيث يعتبر كثير من الباحثين اليمنيين( أن النزاعات القبلية سبب رئيسي في تعثر وعدم نجاح المشاريع التنموية والخدمية والاستثمارية التي تنجزها الدولة في مناطق اليمن التي تعرف نزاعات مسلحة.ويذهب بعض الباحثين إلى أن دور القبائل تراجع بعد الوحدة عام 1990 وبعد حرب الوحدة في 1994، لكن آخرين استبعدوا ذلك، وأشاروا إلى أبرز مشاهد استمرار النفوذ السياسي للقبائل المتمثل في تشكيل حزب التجمع اليمني للإصلاح ….. كما كان للقبائل في اليمن دور واضح في السنوات الأخيرة في حل مشكلة اختطاف الأجانب، والضغط على الحكومة لتحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي لمناطقها، والدفاع عن أبنائها أمام السلطات. وترى بعض الأبحاث الأكاديمية أن استمرار تعويض القبائل -أو الشبكات القبلية والعشائرية- عجز الدولة عن توفير الأمن وتسوية النزاعات، يؤخر تطوير الدولة وتماسكها وتحديثها ) (28)

وبالرغم من تلك المخاطر والعقبات والتحديات التي خلقها التضخم القبلي والعشائري في بعض الدول العربية , ونتج عنه فلتان عقالها وعدم قدرة الدولة والنظام السياسي من السيطرة عليها , بل ووجدنا انه في اوقات اخرى خرجت بعض تلك القبائل على النظام السياسي نفسه , وتسببت بالكثير من المشاكل الامنية  والصراعات القبلية ,فانه يمكن القول والتأكيدعلىالصعوبة التي تصل  الى درجة الاستحالة في احايين كثيرة في بعض النظم السياسية التقليدية الغاء دور القبيلة خلال العقود القليلة القادمة , كون تلك الانظمة السياسية قائمة عليها او على بناءها الاجتماعي اصلا , كما ان ( التكوين السياسي للعرب بسبب بيئتهم الطبيعية والمجتمعية قام تاريخيا على اساس الرئاسة او الزعامة الائتلافية القائمة على ما يوازي الحلف القبلي الشبيه بالاتحاد الفيدرالي للجماعات القبلية ذاتية الاستقلال ) (29) , وشخصيا لست مع الغاء هذا الدور الهام والمفيد من الناحية الامنية والسياسية  في جانب منه , والذي هو بلا شك نموذج خاص بالتركيبة والنسيج الاجتماعي والبناء السياسي العربي .ولا يتعارض تكوينه مع الدولة في حال نجح النظام السياسي في احتواء اثاره السلبية او انعكاساته على الدولة  والسلطة السياسية.

حيث لا بد لنجاح ذلك , أي السيطرة على ملف تضخم التيارات القبلية – إذن- أن تكون العلاقة بين القبيلة والدولة، علاقة احتواء من جهة , وردع وضبط من جهة اخرى , وذلك أنه لا سبيل إلى إلغاء وجود القبيلة كما سبق واشرنا في بعض النظم السياسية ، بل قد نتساءل عن مدى الخسارة والفقدان الذي ينتج عن عدم الحسبان لقيمة القبيلة في التوازنات المدنية والمعنوية للوجود الاجتماعي داخل الدولة ؛ تلك التوازنات التي تمنع تغول الدولة أو تضعف الحاجة إليها. بالتالي يمكن التأكيد بانه قد يتم الاكتفاء مرحليا بتوفر سلطة سائسه ووازعة بالقهر – والاحتواء – , أي الضبط الرادع للجماعات المكونة لها , او الضبط المركزي المنظم المعتمد على قوة الردع المشروعة لأي خروج على نظام الدولة وكيانها السياسي والامني .

اذا يمكن التأكيد بناء على الامثلة والاحداث العديدة المشاهدة على ارض الواقع السياسي العربي , ولا نعمم هذا الخوف مبدئيا بالطبع , رغم ان الامر لا يستهان به ابدا , نظرا لعدم وجود أي ضمانات سياسية او امنية لدى الانظمة السياسية التي نجحت حتى اليوم في احتواء تضخم هذا التيار وانعكاساته على الامن والاستقرار الوطني , يمكنها التأكيد من خلالها ان هذا الملف لن  يصل الى درجة الصفر الذي تخرج فيه بعض تلك القبائل او بعض افرادها مستقبلا عن النظام وسلطة الدولة خصوصا عندما يصل النظام الى مرحلة الضعف او الشيخوخة , كما هو الحال في الدول الاخرى التي تعاني من انعكاسات هذا التضخم بالرغم من كل وسائل الاحتواء والدعم والرعاية المقدمة لها منذ عقود طويلة .

خاتمة الدراسة :-

ركزت الدراسة على جانب التأثيرات والانعكاسات الناتجة عن تضخم تلك التيارات سواء السياسية او الاقتصادية او القبلية او الدينية . لذا هي تقتصر على المرحلة التالية لها , أي مرحلة التضخم .عليه وجب الاشارة الى اهمية فصل بعض التيارات التي لا زالت محتفظة بكيانها الوطني والحيز القانوني والسياسي الفاصل ما بينها كتيار يمارس حقه الطبيعي والقانوني في الحياة الاجتماعية والسياسية من ضمن النسيج الوطني ” الجانب الايجابي لتلك التيارات ” , وتلك التيارات التي تحاول الخروج او خرجت بالفعل في سلوكياتها وتصرفاتها على سلطة الدولة والنظام السياسي , فأصبحت تستشعر نفسها قوة فوق قوة ونفوذ الدولة والسلطة السياسية .

كما يجب التأكيد على ان الامثلة الواردة في الدراسة لأشكال تضخم التيارات ليست سوى نماذج فقط , تم اختيارها لكونها اكثر وضوح ومشاهده على واقع المشهد السياسي العربي , ما يعني ان مثلها العديد من الاشكال قد تكون ظاهرة للعيان , وقد يكون بعضها الاخر في طور التكوين والبناء . يضاف الى ذلك ان هذه الدراسة لا تتعمق في تحليل تلك الامثلة الخاصة بتضخم التيارات , بقدر ما تطرح نماذج منها فقط للتأكيد على وجودها في عمق الدولوالسلطة السياسية , ولضرب الامثلة التي تؤكد الوقائع والحقائق الواردة فيها .

كما يجب الاشارة الى انهلا يقصد بهذه الدراسة دولة معينة بالرغم من انها موجهة من الناحية البحثية والاكاديمية الى صالح الدول العربية , وذلك بهدف توضيح المخاطر القائمة والمستقبلية القادمة لتضخم هذا النوع من التيارات التي بلا شك تؤثر في امنها الوطني واستقرار نظامها السياسي . واخيرا ما يجب الاشارة اليه والتأكيد عليه كذلك . هو ترابط مصالح مختلف تلك التيارات سالفة الذكر مع بعضها البعض في كثير من مراحل نشوء وقيام الدول حتى لحظة انهيارها . فتجد النخبة السياسية تمتزج مع النخب الاقتصادية على سبيل المثال بطريقة لا يمكن فصل التيارين عن بعضهما البعض , وكذلك تجد امتزاج واضح في بعض الاوقات ما بين التيار السياسي والتيار القبلي . والتيار القبلي والمذهبي في بعض الدول .على ضوء ذلك يمكن القول ان المخاوف السياسية والامنية التي يمكن ان تعكسها اثار تضخم تيار من تلك التيارات .قد تتحقق من خلال تيار اخر وليس بالضرورة من التيار المتضخم نفسه .

اخيرا يمكن التأكيد على انمن ابرز المخاطر التي لا شك انها ستنتج عن تضخم التيارات محل الدراسة على استقرار النظام السياسيوالامن الوطني الاستراتيجي للدول .هي المخاطر والانعكاسات التالية ” على سبيل المثال لا الحصر “:-

(1) تتسبب تلك التيارات باستشراءالعديد من مظاهر الفساد والتضخم السياسي والاقتصادي نتيجة سيطرتها على مؤسسات الدولة والثروات الوطنية .وبمعنى اخر , تعثر وعدم نجاح المشاريع التنموية والخدمية والاستثمارية التي تنجزها الدولة لان ذلك يتضارب مع مصالحها الفئوية .

(2) ولادة انظمة اقطاعية فئوية تبدو فيهاتلك التيارات وكأنها حلت مكان الدولة بوصفها احد اهم نماذج الهيمنة على النظام السياسي.

(3) ستسيطر النفعية والاقطاعية على مطابخ القرار والسلطة والنفوذ.

(4) تؤدي هيمنة تلك التيارات الى اضعاف بقية التيارات الوطنية المتوازنة والتي لازالت تعمل في دائرة الولاء العام , بل من المؤكد ان ذلك سيثير حفيظتها ومخاوفها تجاه مستقبل وجودها ومصالحها في الدولة

(5) مع الوقت ستخرج تلك التيارات عن حيز طاعة الدولة والنظام السياسي والقانوني الى دائرة التمرد والاستفراد ولا يستبعد ان تسعى الى محاولة قلب النظام او على اقل تقدير ازاحة كل العوائق البشرية التي تحول دون سيطرتها وتحكمها .

(6) لا يستبعد ان تصل تلك التيارات الى المرحلة التي تتسبب فيها بالعديد من الصراعات والحروب الداخلية نتيجة تضارب المصالح او من خلال جر الدولة الى الدخول مع مواطنيها في صدامات .

(7) لا يستبعد ان تتعامل العديد من الدول والشركات العابرة للحدود الوطنية مع تلك التيارات او بعض افرادها بصفتهم الشخصية لا الوظيفية في حال رغبتها القيام ببعض المشاريع الاستثمارية والاقتصادية . على اعتبار نفوذهم في مراكز ومؤسسات الدولة . ما يمكن ان يتسبب في اوقات الازمات السياسية والاقتصادية بحالة من التعامل الشخصي معهم بعيدا عن الدولة والحكومة . وكأنهم كانوا يمثلون لها صمام الامان في تلك الدولة التي يتعاملون معها او يقيمن فيها مشاريعهم الاقتصادية وتعاملاتهم السياسية والدبلوماسية .

(8)بناء تحالفات سياسية او اقتصادية او قبلية او دينية داخلية تهدف الى تشكيل قوى وتيارات للضغط والتأثير على الحكومة والنظام السياسي .

(9)الاستعانة والاستقواء بالخارج على السلطة السياسية بالرغم من الولاء الظاهر لتلك التيارات للنظام السياسي والذي لا يظهر في كثير من الاوقات الا عندما يصل الى مرحلة خطيرة لا يمكن معها للدولة ان تحتويه الا بالقوة العسكرية او تقاسم السلطة السياسية – للاستعانة بالخارج للحصول على تأييد لها او لأهدافها السياسية الداخلية نظرا لعمق تواصلها السياسي بحكم عملها مع الانظمة السياسية الدولية .

(10) في احيان كثيرة يمكن ان يصل بها الامر الى اتخاذ العنف والتغيير بالقوة وفرض الامر الواقع ولي الذراع ,وسيلة لإسماع صوتها واعلاء كلمتها وتوضيح وجهة نظرها , وبالتالي تحقيق مطالبها

(11) الدفاع عن بعض القيم والمبادئ الايديولوجية التي لا يستبعد ان تكون في بعض الاحيان مخالفة لتوجهات الدولة وقوانينها .

(12) يصل الامر ببعض افراد تلك التيارات ان ينظر الى نفسه من خلال نفوذه وقوته وثروته على انه قد وصل الى درجة اصبح فيها شخصية لا يجب المساس بها مهما فعل او اخطأ او تجاوز النظام القانوني . والى الحكومة وموظفيها .وكذلك الى النظام السياسي نظرة استعلائية اقل ما يمكن ان يقال عنها انه يعتبر فيها نفسه في درجة موازيةللحكومة والدولة نفسها .

(13) انجراف بعض ممثلي تلك التيارات العاملين في الحكومة الى القيام بتصرفات وسلوكيات تنعكس سلبا على النظام السياسي وبالتالي ثقة المجتمع والراي العام به ,وتسيء الى مشروعية واستجابة النظام السياسي الديموقراطي .

(14) تعمل تلك التيارات على الحد من اشكال المنافسة الطبيعية في مؤسسات الدولة ومرافقها , واضعاف القرارات والتوجهات والمرئيات ذات الطابع العام , خصوصا المنافسة الاقتصادية والسياسية منها . فيغلب الاحتكار على النظام الاقتصادي , ويحل التهميش والإقصاءفي مختلف الحياة الوطنية .

(15) استخدام لي الذراع وفرض العضلات واستغلال الحكومةوالضغط عليها في بعض المواقف السياسية والاقتصادية تحديدا , خصوصا في الاوقات التي يدخل فيها النظام السياسي والحكومة في ازمات سياسية او اقتصادية او امنية .

(16)سيطرة قلة من الأفراد في وقت واحد على كل من الجاه والثروة الوطنية , ما يقضي على الطبقات الوسطى ويضعف معه النظام الاجتماعي .

(17) يتحول ولاء افراد تلك التيارات مع الوقت الى ولاء شكلي ومصلحي , ما يغير في مضامين الولاء والهوية الوطنية .

(18) تحول موظفين تلك التيارات المتضخمة في الدولة إلى شلة سياسية مصلحية بعد التقاعد, لا يستبعد ان تمارس هواية سل الحجارة من أساسات الدولة .

(19) ظهور بعض افراد تلك التيارات ممن يصل بهم الامر الى النظر الى انفسهم نظرة استعلائية – ارتفاع سقف الغرور السياسي – بالقيام بتصرفات وسلوكيات تشبه سلوكيات وتصرفات الحاكم او رئيس الدولة من حيث المظهر والوجاهة الاجتماعية وحتى التعامل مع المواطنين . وهو بذلك يؤسس دولته الخاصة سواء كانت قبلية او طائفية سياسية او اقتصادية او سياسية داخل الدولة الام .

(20)تغليبالولاءات الاخرى فوق الولاء السياسي للنظام او الدولة او الوطن في اوقات الازمات السياسية والاقتصادية والامنية خصوصا , وتحديدا في حال ضعف نفوذ او قوة النظام الحاكم , او دخول هذا الاخير في صدام او اعتصامات . ما يجعل من زعماء ونخب تلك التيارات يقفون متفرجين على سقوط النظام , بهدف السيطرة عليه او استبداله . وهو ما يطلق عليه بتنازع الولاءات السياسية داخل النظام السياسي في اوقات الفوضى السياسية .

(21) انتشار ثقافة عبادة الذات التي امتصت بالتدرج ارادة السمو لدى الزعامة السياسية او الاقتصادية او القبلية او الطائفية السياسية .

(22)استثمار تلك التيارات قوتها ونفوذها الديني او الطائفي او سطوة بعض شخصياتها ومشايخها الذين لهم مكانة وطنية سواء من الناحية السياسية او الدينية في الدولة او بين جموع الجماهير بعيدا عن النظام السياسي لأهداف سياسية لا تتوافق واستقرار الدولة وامنها الوطني .

(23) تعمل تلك التحالفات في العادة على استجداء الخارج والالتزام بما تمليه عليها الأطراف السياسية الدولية خصوصا تلك التي تتلقى الدعم الخارجي ولها علاقات مع أطراف دولية .

مراجع الدراسة :

(1) جان جاك روسو, في العقد الاجتماعي , ترجمة : ذوقان قرقوط , دار القلم و بيروت , بدون ت/بدون ط

(2) روجر اوين , الحكام العرب – مراحل الصعود والسقوط – الطبعة العربية لشركة المطبوعات للتوزيع والنشر , بيروت / لبنان , ط1 / 2013م

(3) ستيف فرايزر , الطبقة الحاكمة في امريكا – تأثير الاثرياء والنافذين في دولة ديموقراطية – ترجمة : حسان البستاني , الدار العربية للعلوم , ط 1 / 2006م

(4)محمد بن صنيتان , مستقبل الأنظمة الخليجية والمتغيرات الإقليمية والدولية , ورقة قدمت الى مؤتمر الوحدة السياسية للخليج الذي انعقد في ميلانو بين 26-29 سبتمبر 2011

(5).جاك دريدا , أطياف ماركس , ترجمة :منذر عياشي , ط1/2000م , دار الحاسوب للطباعة / حلب

(6) د.صادق الاسود,علم الاجتماع السياسي , مكتبة الوطنية , بغداد 1986م

(7) د.كمال المنوفي، أصول النظم السياسية المقارنة, الربيعان للنشر/ الكويت 1987م

(8) د.كمال المنوفي ، مرجع سابق

(9) د. كمال المنوفي , السياسة العامة وأداء النظام السياسي في تحليل السياسات العامة قضايا منهجية ، تأليف مجموعة باحثين، القاهرة، النهضة المصرية ، 1988م / بدون ط

(10) خيري عبد القوي , دراسة السياسة العامة ، الكويت، ذات السلاسل ، ط 1 / 1988م

(11)د. مها عبداللطيف الحديثي و د . محمد عدنان الخفاجي , النظام السياسي والسياسات العامة – دراسة في دور المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسات العامة في الدول المتقدمة والنامية -, مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية / سلسلة الدراسات رقم 7 / 2006م .

(12) مايكل جونستون ,  متلازمات الفساد – الثروة والسلطة والديموقراطية – ترجمة : د. نايف الياسين , ط1/2008م

(14) ستيف فرايزر وغاري غرستل , الطبقة الحاكمة في امريكا – تأثير الاثرياء والنافذين في دولة ديموقراطية – ترجمة : حسن البستاني , الدار العربية للعلوم / بيروت , ط1 / 2006م

(15)د. باسم الطويسي , النخب وإعادة تعريف الولاء السياسي, www.alghad.com بتاريخ 1 / 3 / 2014م

(16)بريجنسكي رقعة الشطرنج الكبرى , الاولوية الاميريكية ومتطلباتها الجيوسياسية , ترجمة : امل الشرقي , دار الاهلية للنشر والتوزيع / عمان , ط1 / 1999م

(17) مايكل كوربت وجوليا ميتشل كوربت, الدين والسياسة في الولايات المتحدة , ترجمة : د. عصام فايز , د. ناهد وصفي ,مكتبة الشروق / القاهرة , ج1 , ط1/2001

(18) سيف الدين العامري , دولة مدنية عراقية.. طموح ينهار بسطوة رجال الدين على السياسة , صحيفة العرب اللندنية , www.alarabonline.org , بتاريخ 30 / 3 / 2016م , العدد : 10230

(19) مجلة البيان العدد 313 رمضان 1434هـ، يوليو – أغسطس 2013م.

(20)د. مسعود اسد اللهي , الاسلاميون في مجتمع تعددي , ترجمة : د. دلال عباس , الدار العربية للعلوم / بيروت , ط 1 / 2004م

(21)الطائفية في الدولة والمجتمع , موقع الجزيرة نت , www.aljazeera.net بتاريخ 17 / 8 / 2006

(22)الموسوعة العربية , www.arab-ency.com , مجلد 15 , التصنيف: الفلسفة و علم الاجتماع و العقائد

(23) ناصر بن سيف السعدي , القبيلة ودورها في الحياة السياسية في عمان (1219هـ/ 1804-1305هـ/1888م)ـ ملخص دراسة حصل بموجبها الكاتب على الماجستير من قسم التاريخ بجامعة السلطان قابوس في 2013م.نقلا عن مجلة الفلق الالكترونية , www.alfalq.com بتاريخ 16 / 7 / 2013م

(24) الدور السياسي للقبيلة في الأردن :2000-1989, الجامعة الأردنية : الرسائل الجامعية

(25)صلاح زياد , القبيلة والدولة , صحيفة مكة , makkahnewspaper.com بتاريخ 14 / 10 / 2015م

(26)السودان.. خطرالقبيلة الداهم, برنامج الواقع العربي , قناة الجزيرة , ww.aljazeera.ne بتاريخ 17 / 5 / 2015م

(27) القبيلة في الصومال.. يد للدين وساعد للسلاح , موقع العربية www.alarabiya.net بتاريخ  04 أبريل 2007م

(28) القبائل في اليمن , موقع الجزيرة نت الاخباري , www.aljazeera.net, بتاريخ 22 / 12 / 2014م

(29) عبدالسلام طويل , اشكالية الدولة في الفكر العربي المعاصر , دار مدارك للنشر , ط1 / 2012م

لمحة عن الباجث:  

  • رئيس تحرير مجلة السياسي – تتبع المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية منذ مطلع العام 2009 م وحتى الآن 0
  •  رئيس تحرير صحيفة الساعة الإخبارية السياسية السورية في الفترة من 2007 – 2008م.
  •  كاتب مقال أسبوعي بصحيفة الوطن بسلطنة عمان – صفحة آراء منذ العام 2005م
  • باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية.
  •  محاضر في إدارة المعرفة الاستشرافية والمستقبلية

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى