الأفريقية وحوض النيلالدراسات البحثية

قوة الساحل الخماسية ظهير للحملة الصليبية بالصحراء الكبري

اعداد: السفير بلال المصري 

ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر – مدير المركز الديمقراطي العربي

  • المركز الديمقراطي العربي

مُقدمة :

تمثل الصحراء الكبري نطاق صراع مُحتدم ومُمتد يستحق بذل بعض التضحيات وإطلاق مجموعة مُنسقة من الأكاذيب من قادة القوي الدولية الكبري بلا إستثناء خاصة الخمس دائمي العضوية بمجلس الأمن الدولي , وهذا الصراع له ما يبرره لدي هؤلاء وغيرهم فمنطقة الصحراء لمن لا يعرف بها كتلة إسلامية تنطلق منها المعارضة الوحيدة المُسلحة للوجود العسكري لهذه القوي الذي أحد أسبابه حراسة والإحاطة بما تذخر به الصحراء الكبري من موارد أهمها الطاقة الشمسية – كما سيلي بيانه لاحقاً – وهذه الجماعات الإسلامية المُسلحة أو  “الجهاديين ” وهو مصطلح رغم نقاؤه وطهارته لوثه الإعلام الغربي عمداً وأستنسخه إعلامنا العربي السفيه منهم كما هو , أما المبرر الآخر فهو أن هذه القوي الدولية تناصب الإسلام الجهادي والفقهي عموماً العداء المُستحكم وتبني علي هذا المفهوم العدواني بنياناً من المفاهيم المُطلقة منها مفهوم ” الإرهاب الإسلامي” رغم أنهم يعلمون يقيناً أن العلاقة السببية ليست بين الإرهاب والإسلام , وإنما بين الإسلام والطغيان والإستبداد والفقر الذي أحد أهم أسبابه تولي بعض المُتعطلين والمعوقين ذهنياً سدة الحكم في بلادنا الإسلامية نتيجة عمليات إنتخابية لا تتسق أبداً مع المعايير الدولية , وكما أن حصول شعوب الصحراء الكبري علي حقهم في الحياة والإستفادة بمواردهم الأولية في سماءهم وفي أراضيهم وتحتها أمر بات مُستحيلاً أو كأنه كذلك , بسبب عمليات النهب المنظم لهذه الموارد بعقود شراء غير عادلة بالمرة , لذلك كان من المنطقي أن يُولد إتجاه مُقاوم لهذا الظلم البين بالوسائل المتاحة , ففرنسا القوة الإستعمارية السابقة لهذه المنطقة أعطت لنفسها الحق في حمل السلاح مُجدداً في القرن الواحد والعشرين بموافقة سفهاء أذلاء لا كرامة لديهم يحكمون وهم محكُومون من ولاة أمورهم في عواصم القوي الدولية الكبري لمجرد أن هناك من يرفضهم رفضاً , ولهذا لم يكن غريباً أن ينطق بالحق المبعوث الإيطالي للشرق الأوسط Maurizio Massari خلال زيارته لبعض دول الخليج العربي عندما دشن في الإمارات العربية ضمن تصريح له بتاريخ 9 أبريل 2012 أدلي به لصحيفة The National ولأول مرة  مفهوماً جيوبولتيكي أوضح فيه وبجلاء الأهمية العظمي التي توليها الآن ومستقبلاً أوروبا للصحراء الكبري وهذا المُصطلح هو “البحر الأبيض المتوسط العظيم ” أو Greater Mediterranean Region , وهو مُصطلح لم يكرره مسئول أوروبي فيما بعد , لكنه علي أي الأحوال كاشف عن الإجابة علي سؤال رئيسي هو :

  • لماذا قوة الساحل الخماسية أو G5 Sahel ؟

وهو ما يمكن إيضاحه فيما يلي :

” لا يمكننا أن نتخيل حل الأزمة في منطقة الساحل من خلال العمل العسكري  فقط ” هكذا قال وزير أوروبا والشئون الخارجية الفرنسي Jean-Yves Le Drian في تصريح له نشره موقع GEOPOLISl AFRIQUE في الأول من يوليو 2017 , لكن الواقع يشير إلي عكس ذلك إلي حد بعيد , فالجهد الدبلوماسي الفرنسي علي مستوي مجلس الأمن الدولي وكذلك الثنائي كان مُركزاً علي إنشاء قوة الساحل الخماسية أو G5 Sahel المكونة من تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا وبوركينافاسو وهي التي أعلن عنها – من بين قادة آخرين – الرئيس الموريتاني في ديسمبر 2016 لمواجهة “الجهاديين” , وبالتالي ووفقاً للعرض التالي للموضوع فلن يكون بوسع المرء أن يتصور أن هناك حيزاً ما لعمل غير العسكري لحل ما يحاول الفرنسيين أن يحملوا البعض والآخرين حملاً علي الإعتقاد فيه وهو أن هناك أزمة أمنية كالتي يروجون لها بهذه المنطقة  , فهذه الأزمة الإفتراضية ناشئة عن رفض جماعة أو قل جماعات مُسلحة للوجود العسكري الفرنسي الحارس علي إبقاء المصالح الفرنسية مُصانة ومتنامية علي حساب الإقتصاديات الوطنية لشعوب المنطقة , والتي وللأسف يقوم بدور مساند لعمليات النهب الفرنسية تلك قادة هذه الدول الحاليين والمُنتخبين بواسطة عمليات ديموقراطية مُشوهة ومُبتسرة وغير بعيدة عن أيدي أجهزةالمخابرات الفرنسية ومنها المكتب الثاني Deuxième Bureau de l’État-major general  , ولذلك فالجهد الفرنسي المحموم لإنشاء هذه القوة بقدر ما هو مُعبر عن أهميته لتحقيق الجزء المخفي لإسترتيجية أو سياسة Françafrique  بقدر ما هو مُعبر كذلك عن الروح العسكرية الكامنة وراء سياسة فرنسا الأفريقية والتي تترجمها إتفاقيات وبروتوكولات الدفاع والتعاون العسكري المختلفة والمُوقعة بين فرنسا وما لا يقل عن 26 دولة أفريقية , وقد رأيت أنه من الضروري لنا في العالم العربي خاصة الذي بالجزء الواقع جغرافياً بشمال القارة الأفريقية أن يعي أن هناك حملة عسكرية ضارية تقودها فرنسا بالتنسيق المباشر مع القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM وبمشاركة دول أوروبية ينحدر قادتها فكرياً وثقافياً إلي قادة الحروب الصليبية بالشرق العربي الذين واجههم ملوكنا وأمراءنا بشراسة وردوهم علي أعقابهم , هذه الحملة تستهدف نفس الأهداف التي كانت للحروب الصليبية في العصور الوسطي : الثروات والموارد والدين , وهذه المرة تقع هذه الحملة وراء ظهر العالم العربي في إمتداده المُهمل جهلاً بالصحراء الكبري وهناك تواجه بدون معين من الجوار العربي شعوب هذه المنطقة المُنتمية لنفس الدين الذي يعتنقه العرب , هذه الحملة “الصليبية” الجديدة , فهذه الجماعات المُسلحة التي بالصحراء الكبري عليها أن ترضخ كما رضخ قادة دول الصحراء الكبري الأربع : تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا “لشرط الأسد” الوارد بعقود الشراء البخس التي تنهب من خلالها فرنسا موارد هذ ه الدول وهذه  الجماعات تنتمي لشعوب مُسلمة يتآمر قادتها مع أعداءها .

لا شك أن هناك حالياً حملتان صليبيتان بينهما الكثير من أوجه التشابه واحدة منهما بالشرق الأوسط والثانية موضوع هذه الدراسة بالصحراء الكبري , ومن بين مظاهر هاتين الحملتين تطابق وجهات النظر ما بين حكام الشرق الأوسط وقادة قوة الساحل الخماسية أو G5 Sahel فيما يتعلق بالصفة التشريحية لما يصفونه  “بالإرهاب” وهو ما يترتب عليه الكثير سياسياً وعسكرياً , وكما حاولت الولايات المتحدة إقامة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط لمحاربة الإرهاب بالشرق الأوسط وفقاً لما تردد في الإعلام (موقعMiddle East Eye في 2 مارس 2017) لكنها أخفقت في محاولتها , حاولت فرنسا لكنها حتي الآن تحرز نجاحاً ملحوظاً في تحالف خماسي بدول بالصحراء الكبري من خلال إقامة قوة الساحل الخماسية أو ما يُطلق عليه G5 Sahel , وهو تطور كما أشرت خطير لأنه لن يهدد شعوب منطقة الصحراء فحسب بل يهدد الجزء الأفريقي من العالم العربي , أفلا يعد إقتراب وتمركز ثلاث ترتيبات عسكرية مدعومة من فرنسا والقوي الكبري من حدود دول عربية واقعة في الشمال الأفريقي نذيراً بتهديد ؟ فنطاق الصحراء الكبري ليس كما أشاع خبراء الجغرافيا السياسية نطاق فصل بين العالم العربي ودول الصحراء الكبري الأربع (تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا ) بل هو نطاق وصل وتماس وليس حائط مانع مع العالم العربي كما روجت زمناً الجغرافيا السياسية الأوروبية التي أطلقت مُسمي Afrique Subsaharienne علي هذا النطاق , إلي أن إعترف الإتحاد الأوروبي في إستراتيجيته الأمنية والإقتصادية (الطاقوية علي نحو خاص) وإن بصفة غير مباشرة بحقيقة إتصال وتداخل شعوب وجغرافيا وإقتصاديات الصحراء الكبري مع العالم العربي وتأثير ذلك علي دوام مصالحها , بدليل دخول موريتانيا عضواً في قوة الساحل الخماسية وبدليل القلق والخشية المُفترض أن تشعر بها كل من الجزائر والمغرب نتيجة إقامة هذه القوة فجنوب الجزائر مثلاً والذي يعتبر بالنسبة لجسم الجغرافيا الجزائرية بمثابة البطن مُعرض لمخاطر إقتراب العسكريتين الفرنسية والأمريكية منها  .

أُعلن لأول مرة في ختام قمة ضمت رؤساء موريتانيا والنيجر وتشاد ومالي وبوركينافاسو بنواكشوط في 16 فبراير 2014 عن الحاجة لإقامة قوة لمواجهة “الإرهاب” , وكان هناك قدر كبير من التنسيق بين كل من النيجر وموريتانيا لتحقيق هذه القوة علي الأرض ,وأقرت هذه القوة بموجب إتفاقية وُقعت في 13 ديسمبر2014 تضمنت الإشارة إلي أن هدف القوة هو تقوية الإرتباط فيما بين التنمية الإقتصادية والأمن ومواجهة دول المجموعة الخمس ” لخطر” تهديد “الجهاديين” بالمنطقة وعلي رأسها القاعدة والمرابطين وBoko Haram و حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا  MUJWA , ثم وفي نوفمبر 2015 في  N’Djamena عاصمة تشاد تكررت الدعوة لإنشاء قوة لمواجهة  “الإرهاب” لكنها لم تتحقق مادياً , لكن وفي نوفمبر من عام 2017 وبدعم وتأييد فرنسا لهذه القوة , أعلن وزير الخارجية الفرنسي Jean-Yves Le Drian عن أن العسكرية الفرنسية ستتعاون مع مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا في مسعي منها لإقامة قوة الساحل الخماسية G5 Sahel التي من المُفترض أن قوامها 5,000 جندي مهمتها مواجهة التهديد المُتنامي للجماعات “الإرهابية” و“المُتشددة” , والتي تقرر لاحقاً أن يكون مقرها في بلدة Sévaré بمنطقة Mopti Region بوسط مالي بين منطقتي الشمال وبها معظم طوارق وعرب مالي وبين منطقة جنوب مالي التي تعيش بها معظم القبائل الأفريقية وكان أول تمركز لكتيبة من هذه القوة الخماسية في أول أكتوبر 2017 علي أن يكتمل إنتشار باقي الكتائب ميدانيا في مارس 2018, وتقود فرنسا مُستخدمة نفوذها الدبلوماسي والتبعية الإقتصادية والعسكرية لمستعمراتها السابقة لها بغربي أفريقيا لإقامة هذه القوة ليس لمجابهة ” الجهاديين “و” المُتطرفين ” بإعتبارهم إرهابيين كما تدعي هي وتوابعها , وإنما لمجابهة “معارضين” للنهب والهيمنة الفرنسية علي مقدرات وموارد دول منطقتي الساحل والصحراء  , وليس ذنبهم أنهم مسلمين , فلو أي من بني البشر حاولت دولة أخري نهب وإحتلال بلاده لأمتشق السلاح وهاجمها وهي تحاول ذلك , وهو ما فعلته المقاومة السرية الفرنسية بعد إحتلال النازي لفرنسا , ولم يجرؤ أحدهم وصم هذه المقاومة بالتطرف أو الإرهاب فهو حقها الأصيل , ربما من فعل ذلك من الفرنسيين حكومة أو نظام فيشي Régime de Vichy , والقاسم المُشترك بين رؤساء دول وحكومات الدول الخمس التي تتكون منها دول قوة الساحل الخماسية أو ما يمكن وصفه “بتحالف الساحل” أو Coalition Sahel وبين حكومةVichy     هو التبعية والخضوع , فما هو دخل فرنسا بالتعرض لمجموعات مُعارضة لنظم حكم قائمة فيما وراء البحار ؟ , ما لم يكن من صميم المصلحة والأمن القومي الفرنسي مهاجمتهم مباشرة , أو ما هو دخل فرنسا بدعم هذه النظم عسكرياً ودبلوماسياً لتسويغ كسر أي إرادة مُعارضة لها كما هو الحال مع “الإرهابيين ” بالصحراء الكبري حالياً ؟ لكن أيري البعض والآخرون منا أن القضية برمتها يجري تشويهها ومسخها إعلامياً وبحرفية فرنسية بالغة ثم نجد حيز عريض بالإعلام العربي السفيه الذي لا يقل تبعية عن القابضين علي السلطة يشوههم ويصورهم وكأنهم متطرفين بلا خجل من إستخدامهم لفظ ” الجهاد ” بإعوجاج منفر ؟  ومما يؤكد زيف السياسة الفرنسية أننا لم نر فرنسا مثلاً تهب لدعم المعارضة المصرية أو الإثيوبية أو الليبية , المسألة برمتها تبعية مهينة مُذلة ولا أكثر .

دور الدبلوماسية الفرنسية في تحقيق هدف إقامة قوة الساحل الخماسية :

تولت الدبلوماسية الفرنسية ملفاً تكتنفه صعوبات جمة وهو ملف إقامة قوة الساحل الخماسية G5 Sahel وأوجه الصعوبة الرئيسية لهذا الملف أن هذه القوة بالغة الأهمية في ضوء صعوبة توقع نتيجة عسكرية إيجابية أو حاسمة في محاربة ما يُوصف بالإرهاب أو “الجهاديين” إذا ما أنيطت مسئولية هذه المواجهة لجيوش النيجر ومالي علي نحو خاص نظراً لضعفها وللإتجاهات العدائية لفرنسا والكامنة داخل المؤسستين العسكريتين في هاتين الدولتين , وكمثال علي هذا الإتجاه حدث أن أفادني مسئول عسكري رفيع المستوي في النيجر في 14 أكتوبر 2010 بأن كثير من العسكريين في حالة من الضيق بسبب الوجود العسكري الفرنسي بالنيجر وذلك تعليقاً علي الضغوط التي تمارسها فرنسا علي النيجر للحصول علي قاعدة عسكرية بها , لكن فرنسا نجحت أخيراً بواسطة الرئيس Mohamadou Issoufou مُؤيداً من معظم أعضاء حزبه في تأسيس قاعدة عسكرية لها علي أراضي النيجر جنباً إلي جنب مع تواجد للعسكرية الأمريكية التي كثفت من وجودها في النيجر من خلال تعزيز الموارد البشرية العسكرية الأمريكية ومن بينهم مجموعة من قيادة العمليات الخاصة تعمل في إطارTrans-Sahara Counter Terrorism Partnership بالإضافة إلي قاعدتين للطائرات التي بلا طيار Drones واحدة في Niamey العاصمة وتُستخدم بصفة رئيسية طائرات من طرازPredator والأخري تكلف إنشاؤها 100 مليون دولار وتقع خارج مدينة Agadez بشمال النيجر (للولايات المتحدة حالياً 800 عسكري أمريكي يعملون في إطار AFRICOM) وكلاهما لجمع المعلومات عن الأجزاء الشمالية بصحراء مالي والنيجر معاً حيث يتحرك أبناء الطوارق الذين يُعتقد أنهم الداعم الرئيسي والحاضنة الطبيعية للتيار الجهادي في الصحراء الكبري الممتدة من موريتانيا وحتي واحة سيوة بالصحراء الغربية لمصر , أما ألمانيا فلها هي الأخري تواجد عسكري إذ أنشأت قاعدة لها في النيجر بررتها بأنها نقطة إرتباط مع القوة الألمانية المتمركزة بشمال مالي , وإلي حد ما فالتبرير غير مكتمل لأن هناك أسباب أخري تتعلق بالتواجد العسكري الألماني وهو مشروعات الطاقة المستقبلية بالصحراء الكبري وتحديداً مشروع DESERTEC هذا بالإضافة إلي طموحات ألمانيا الإقتصادية الأخري بهذه المنطقة , ولذلك فليس من الغريب أن نسمع عن أنباء نُشرت علي نطاق واسع منها موقع nigerdiaspora تناولت إندلاع مظاهرات بالنيجر يوم الأحد 25 فبراير 2018 بعاصمة النيجر Niamey والمدن الهامة بالبلاد مثل  Zinder و Maradi و Tillabéri و Tahoua, مُطالبة بإلغاء قانون المالية لعام 2018 الذي رآه الرأي العام بأنه مُضاد للمجتمع وكذا طالب المُتظاهرين برحيل القوات الأجنبية عن أراضي النيجر , وقد نظم وتفاعل مع هذه المظاهرات أحزاب المعارضة الرئيسية وثلاث نقابات من بين 11 نقابة بالنيجر , وأعتبر المتظاهرون القوات الأجنبية بمثابة قوات إحتلال , وقالت السيدة Mariama Bayard رئيسة جبهة المعارضة المُستقلة FOI “سنذهب معهم حتي النهاية ” , فيما قرر القضاء إطلاق سراح 7عسكريين قُبض عليهم في 4 فبراير 2018لإحتجاجهم علي قانون المالية لعام 2018 .

عُقدت في 13 ديسمبر 2017 قمة مُصغرة في Celle Saint-Cloud بالقرب من العاصمة الفرنسية ضم بجانب الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron رؤساء دول القوة الخماسية مالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد وموريتانيا (رفضت الجزائر الإنضمام لهذ ه الجهود) بهدف تسريع وضع القوة الخماسية موضع التنفيذ في ضوء إفتقاد التمويل اللازم والذي يُقدر حده الإدني آنئذ بنحو 250 مليون يورو , وقد أعلن الرئيس الفرنسي أمام هذه القمة عن تعهد السعودية بالمساهمة بنحو 100 مليون يورو وكذلك عن مساهمة  الإمارات بنحو 30 مليون يورو وهو ما يفي بالإحتياج وفقاً للرئيس الفرنسي علي إعتبار أن مساهمتي الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي ستسد الفجوة التمويلية المُتبقية , وقدرت الأوساط المعنية الفرنسية أن الإتحاد الأوروبي سيمكنه التعهد بمبلغ يتراوح ما بين 50 إلي 80 مليون يورو , ثم واصلت فرنسا جهودها من أجل أن تقف قوة الساحل الخماسية علي أقدامها فعقدت في 15 يناير 2018 إجتماعاً وزارياً في باريس ضم وزراء دفاع ورؤساء أركان دول قوة الساحل الخمس إستقبلهم وزيرة الدفاع الفرنسية (التي قامت بزيارة مالي في مستهل 2018) وحضر هذا الإجتماع ممثلي 8 دول مساهمة و3 منظمات هي الإتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي , ومما قالته وزيرة دفاع فرنسا فيه ” إن الهدف (من الإجتماع) هو الخروج بخارطة طريق وجدول زمني بالعمليات خاصة في المنطقة التي تلتقي عندها حدود النيجر ومالي وبوركينافاسو” , وأستمرت فرنسا في ب ذل جهودها الدبلوماسية من أجل عقد مؤتمر دولي عن الساحل لدعم تمويل إقامة القوة الخماسية و ذلك في بروكسل في 23 فبراير 2018 هو مؤتمر للمانحين  , وكان واضحاً من الهيئة التنظيمية لإجتماع باريس الذي ضم وزراء الدفاع ورؤساء الأركان و8 دول مساهمة أن مشكلة التمويل ماتزال تمثل العقبة الرئيسية التي تُؤرق فرنسا التي يبدو أنها تعمل علي وضع القوة موضع التنفيذ بأسرع ما يمكنها لتخفيف العبء العسكري من علي كاهلها في شمال مالي ولمآرب أخري ليس أقلها  التدويل العسكري لمنطقتي الساحل والصحراء ولجعل مفهوم تموضعها العسكري في شمال مالي وكأنه مساو في معناه فقط وليس في أغراضه لما سيكون عليه وضع القوة الخماسية للساحل أي ليبدو الوجود العسكري الفرنسي مع القوة الخماسية وكأنه “تعاون” وليس إختراقاً وتدخلاً عسكرياً أجنبيا , ومع ذلك ففرنس لا تشعر بالحرج من وصفها بأنها قوة إحتلال أو تدخل قسري في هذ ه المنطقة فساستها وإعلامها لديه أصباغ متنوعة لتلوين ولتسويغ بعض المعاني البعيدة عن الحقيقة والمنطق  .

عُقد ” المؤتمر الدولي رفيع المستوي بشأن الساحل ” في بروكسل في 23 فبراير 2018 وذلك قبل يوم من قمة رؤساء الدول والحكومات المعنية بالموقف في الساحل , من أجل التعبئة السياسية والدعم المالي لإنشاء قوة الساحل الخماسية G5 Sahel حيث إجتمع نحو 50 من رؤساء دول وحكومات وكبار المسئولين يمثلون الدول الخمس التي تتشكل منها هذه القوة ودول الإتحاد الأوروبي ومسئولين كبار عن الولايات المتحدة واليابان والمغرب ودول أخري وممثل عن كل من الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي , ونتج عن هذا المؤتمر دفعة مالية للأمام لعملية تدبير التمويل اللازم للقوة .

فقد أعلنت المفوضية الأوروبية في بيانها الصحفي بتاريخ 23 فبراير 2018 أن النتائج الرئيسية للمؤتمر رفيع المستوي هي أنها :

  • 1- عززت الدعم السياسي لمنطقة الساحل وأن دعماً هاماً أُعطي لعملية السلام بمالي وأن هؤلاء ممن يهددون هذه العملية يمكن أن يُواجهوا بعقوبات .
  • 2- زادت العون المالي للأمن حيث ضاعف الإتحاد الأوروبي من تمويله للقوة الخماسية للساحل لنحو 100 مليون يورو بهدف تحسين الأمن الإقليمي ومحاربة الإرهاب , وأن الإتحاد الأوروبي والدول الأعضاء به ساهموا معاً بنصف الدعم الدولي للقوة الخماسية , وهذا التمويل الجديد يفي تماماً بإحتياجات القوة ويقدم الوسائل بغية تحسين الظروف الأمنية بالمنطقة .
  • 3- لتنسيق أفضل لجهود التنمية , فمن خلال رصد مبلغ 6 بليون يورو لعون التنمية علي مدي الفترة من 2014 حتي 2020 يكون الإتحاد الأوروبي قد أصبح المانح الأكبر للدول الخمس المُكونة لقوة الساحل G5 Sahel وبذلك يلعب الإتحاد الأوروبي دوراً رائداً في ” التحالف من أجل الساحل ” الذي بدأ في يوليو 2017 , وهذا التحالف عبارة عن مبادرة تهدف إلي تنسيق وتسليم العون بسرعة وكفاءة أكثر للمناطق الأكثر هشاشة وهو تحالف مفتوح أمام كل الشركاء بالمجتمع الدولي .

عموماً يمكن القول أن مؤتمر بروكسل الدولي خلُص إلي نتيجتين الأولي مادية ملموسة وهي زيادة التمويل بحيث أصبح من الممكن القول بأن مشكلة التمويل قد حُلت نتيجة الجهود الدبلوماسية الفرنسية الحثيثة , فقد أعلنت مفوضة الإتحاد للشئون الخارجيةFederica Mogherini عن أنه تم تدبير مبلغ 414 مليون يورو أي 510 مليون دولار لإنشاء هذه القوة لتكون جاهزة في مارس 2018 وأن نصف هذا المبلغ سيقدمه الإتحاد الأوروبي وأعضاءه و60 مليون دولار من الولايات المتحدة بجانب مساهمات أخري من السعودية تعادل 100  مليون يورو وهي المساهمة الأكبر من بين كل المساهمات الأخري , كما ساهمت الإمارات العربية بمبلغ 30 مليون يورو , وفي هذا المؤتمر أعلن الإتحاد الأوروبي عن مضاعفة مساهمته للقوة من 50 مليون يورو تقررت في يوليو 2018 لتصبح مائة مليون يورو , أما الثانية فهي مُتعلقة بمشكلة التنمية في دول الساحل التي يمكن تصنيفها أنها واقعة بين نقطتين علي مؤشر الدول وهما نقطة الدولة الفاشلة ونقطة الدولة المُعرضة Vulnerable , والجديد في الإعلان عن وإبراز مسار التنمية للساحل في” المؤتمر الدولي رفيع المستوي بشأن الساحل” أنه خفف من التركيز الإعلامي الفرنسي علي مسار واحد وهو مسار دعم القوة الخماسية العسكرية بحيث أعلنت كل من فرنسا وألمانيا خلال المؤتمرعن أنهما سيقدمان مساهمات ثنائية مهمة في مجال العون من أجل التنمية , حيث ستقدم فرنسا 1,2 مليار يورو علي مدي خمس سنوات , أما ألمانيا فستقدم 1,7 مليار يورو علي مدي 5 سنوات أيضاً , أما الإتحاد الأوروبي فلديه ميزانية تنمية ماعونها مبلغ 8 مليار يورو يغطي الفترة من 2014 حتي عام 2020 , ولهذا السخاء أيضاً مبرر سوف يُشار إليه وأشرح لاحقاً : لماذا كان علي فرنسا وألمانيا الإعلان عن هذا العون الكريم ؟ الإجابة بإختصار أن ذلك  لعظم مصالحهما الإقتصادية والطاقوية علي نحو خاص بمنطقة الصحراء الكبري وفي إطار أوسع بمنطقة الساحل , وفي هذا الإطار أيضاً كان ” التحالف من أجل الساحل أو Alliance pour le Sahel قد وضع أيضاً 400مشروع (أشار موقع الوكالة الفرنسية للتنميةِAGENCE FRANSAISE DE DEVELOPPEMENT  في 23 فبراير 2018 إلي أن عدد هذه المشاريع 500) مُوزعة علي 6 محاور تنموية في مناطق مُعرضة بالساحل بتكلفة تُقدر بنحو 6 مليار يورو تغطي الفترة من 2018 حتي 2022 , لكن مسئوليين بالإتحاد برروا تباطؤ عملية إنفاق هذا المبلغ بقولهم  ” إن البيئة بالمنطقة غير مُستقرة وغير آمنة تماماً بشكل يسمح بالتنمية ” , كما أن مسئول أوروبي آخر شارك في المؤتمر قال ” إن هناك حاجة عاجلة لتحسين الحوكمة في دول هذه المنطقة ” , ومن ثم فالإعلان عن إتجاه الإتحاد الأوربي لتعزيز عونه في تمويل التنمية بمنطقة الساحل تأتي في إطار جهوده من خلال التعاون لتحقيق الإستقرار بالمنطقة , ومن أهم ما تمت الإشارة إليه في هذا المؤتمر تلك التي تضمنتها كلمة رئيس النيجر Mahamadou Issoufou حيث قال ” إن الحرب التي نديرها ضد الإرهاب في الساحل , نحن نديرها أيضاً بالنيابة عن العالم , وأنه لهذا السبب فإن الإتحاد الأوروبي (الذي له بعثتان أمنيتان واحدة بالنيجر والأخري بمالي) والمجتمع الدولي يجب أن يكون مُتضامناً مع الساحل ” , وهي عبارة نمطية يقولها أيضاً قادة الشرق الأوسط بنفس الجرأة بل إن سفير إيطاليا لدي الأمم المتحدة Sebastiano Cardi كرر ذلك النص الحواري Skript كذلك حرفياً في تصريح له لوكالة Associated Press في 9 يونيو 2017 , ثم قال الرئيس Issoufou في موضع آخر ” نتمني أن تُرصد المبالغ التي وُعدنا بها في اسرع وقت ممكن” , ثم قال ” إن الجهد التمويلي يجب أن يكون دائماً لأن مبلغ 480 يورو يمثل المبلغ الضروري للعام الأول , لكن هناك مبلغ 75 مليون يورو يجب أن تتبع هذا المبلغ الأول في كل عام تالي ونحن لا نعرف كم من الوقت ستستغرق المعركة ” , ومن جهتهما قال رئيس الحكومة الإسبانية Mariano Rajoy ووزير الخارجية البلجيكي “إن الإستقرار في منطقة الساحل يعد هاماً لأمن الإتحاد الأوروبي ” , وهذا ما يؤكد ما أشير إليه من أن الإتحاد الأوروبي قد ألحق ووضع الصحراء الكبري لأهميتها الإقتصادية القصوي في نطاق إستراتيجية الأمن الأوروبي وفقاً لمفهوم البحر المتوسط الكبير Greater Mediterranean Region , فيما أحالت صحيفة THE WALL STREET JOURNAL في 23 فبراير 2018علي Christopher Runyanâ نائب المساعد الإداري للوكالة الدولية للتنمية لأفريقيا التابعة للحكومة الأمريكية USAID قوله إن الولايات المُتحدة يمكنها أن تنظر في مساعدات للقوة الخماسية فيما بعد هذا العام , لكنها تريد أولاً أن تري إلي أي مدي تعمل هذه القوة بكفاءة ” , وهو ما يؤكد عدم ثقة الولايات المتحدة في كفاءة هذه القوة أو قدرتها علي تغيير الموقف الأمني والعسكري في الساحل بوجه عام , وكذلك يؤكد هذا القول عدم رغبة الولايات المتحدة في المساهمة في جهد تراه خارجاً عن نطاق ما هو مُخطط لقيادتها العسكرية في أفريقيا AFRICOM .

لكن وبالرغم من خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي أو ما يُسمي Brexit والعداء الكامن بينهما , إلا أن باريس توصلت من خلال إجتماع قمة بين الرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء البريطانية إلي إتفاق بشأن مساهمة عسكرية بريطانية مهمة لعملية العسكرية الفرنسية في شمال مالي , ففي سبيل دعم تمركزها العسكري في دول الصحراء الكبري تعمل الدبلوماسية الفرنسية كذلك غير عابئة بالنتائج السلبية بالظروف المناخية الصعبة بالساحل واثرها علي إقتصاديات دول الساحل كما أكد ذلك الصليب الأحمر في نشرته بتاريخ 14 نوفمبر 2017 والتي أشار فيها إلي أن المخاطر المناخية بدول الساحل ما تزال تعصف بمنطقة الساحل مما يؤدي إلى موجة كاملة من الفقر وتناقص الغذاء مما سيُتعرض 12 مليون نسمة ببعض دول الساحل لأزمة إنسانية حادة  .

قوة الساحل الخماسية ضرورية لمن ؟

لابد من الإشارة أولاً إلي موقع منطقة الصحراء الكبري في الفكر الإستعماري الفرنسي , فلهذه الخلفية علاقة سببية بالخريطة التي تسير علي هديها إستراتيجية الأمن القومي الفرنسي حتي الآن , ففي العهد الإستعماري تضمنت الحكومة الفرنسية منذ 11 يونيو 1957 وزارة للمناطق الصحراوية Ministère du Sahara عُهد إليها تنظيم وإدارة وإستغلال المناطق الصحراوية بالصحراء الكبري , وحددت مراسيم صدرت في 21 يونيو 1957وظائف وزير الصحراء , فخولته سلطات الحاكم العام للجزائر والمندوبين الساميين لأفريقيا الغربية الفرنسية وأفريقيا الإستوائية الفرنسية بالنسبة للمناطق التي كانت تابعة للمنظمة العامة للمناطق الصحراويةL’Organisation Commune des egions Sahariennes  , ويعاون الوزير الديوان العام للوزارة ومصلحة الشئون الإدارية والإجتماعية , وقد ثبت خلال العام الأول من حياة هذه الوزارة أنها جهاز ضروري لدفع وتنسيق المشروعات الصحراوية المُختلفة سواء في المجال الإجتماعي أو الإقتصادي أو السياسي , وكانت هذه الوزارة أحد مخرجات وزارة فرنسا لما وراء البحار ومن هاتين الوزارتين تكون الجهاز المركزي لأقاليم ما وراء البحار , ولم تكن المناطق الصحراوية مشمولة داخل نظام المقاطعات , فقانون 24 ديسمبر لعام 1904 الذي نص علي إدماج مقاطعات الجزائر في الإقليم الفرنسي لم يُدخل المناطق الصحراوية في عداد المقاطعات وإنما جعل منها مجموعة قائمة بذاتها باسم أقاليم الجنوب وهي ذات شخصية خاصة بها ولا تدخل في الجزائر كجزء مُتمم لها بالمعني الصحيح , وإن كانت تحت إدارة حاكم الجزائر العام , وفي عام 1957 ألحقت أقاليم الجنوب الجزائرية (الواحات) بإدارة المناطق الصحراوية التي شمل إختصاصها المناطق الصحراوية الأخري في شمال السودان والنيجر ومالي وتشاد وموريتانيا , وفي أول أبريل 1958 أُنشأت قيادة عسكرية للمناطق الصحراوية , وقد تحولت منظمة المناطق الصحراوية إلي وزارة الصحراوية كما سبق وأشرت , وطبقاً لقانون عام 1947 فقد تغير وضع الجزائر الإداري من ناحيتين , الأولي هي إدماج أقاليم الجنوب في الجزائر , والثانية إعتبار المجموعة الناشئة من مقاطعات الجزائر الأصلية ومقاطعات الجنوب وحدة إدارية ذات شخصية قانونية قائمة بذاتها , فبرزت بذلك شخصية الجزائر كوطن واحد بعد أن كانت مُقطعة الأوصال إلي مقاطعات مُنفصلة علي رأس كل مُقاطعة منها مدير , وإن كانت جميع المقاطعات تحت إمرة الحاكم العام .  * (دكتور محمد محمد حسين . الإتحاد الفرنسي “الجماعة الفرنسية – فرنسا فيما وراء البحار” . مطبعة العلوم 1960 . صفحات 274 و 319 و323)

بدأت فرنسا في إستغلال يورانيوم النيجر في خمسينات القرن الماضي وأضطردت أهمية هذا البلد بالتوسع الفرنسي في الإعتماد علي الطاقة النووية في توليد الكهرباء حتي أن فرنسا الآن بها نحو 58 مفاعل نووي , ولهذا فهناك مبرر للحفاظ علي تحقيق إستراتيجية أمن الطاقة إرتكازاً علي النيجر , وفي ضوء المخاطر التي مصدرها ” الجهاديين” الرافضين للوجود الفرنسي سواء أكان إقتصادياً أو عسكرياً والذين يعبرون عن رفضهم بالسلاح وليس بمجرد الصعود إلي منصات الأحزاب السياسية المُناهضة لفرنسا ,  فقد كان لزاماً علي فرنسا للذود عن مصالحها العليا ذات الصلة المباشرة بأمنها القومي وحيويتها الإستعمارية أن تلجأ لإستخدام القوة العسكرية , خاصة وأن الهجمات المسلحة ليست هي الخطر الوحيد الذي يواجه أمن الطاقة الفرنسية هناك , فمعظم الخبراء يعلمون أنه من المُحتمل بمقدم عام 2050 أن يحدث نقص حاد في اليورانيوم يضرب صناعة الطاقة  فوفقاً للدكتور Yogi Goswami بجامعة Florida ” فسوف تستمر إحتياطيات اليورانيوم المُؤكدة لمدة لا تقل عن 30 عاماً , وأن المراكز والصروح النووية الحالية تستهلك حوالي 67,000 ألف طن من اليورانيوم عالي النوعية كل عام , وأن الإرسابات الحالية من اليورانيوم علي كوكبنا تُقدر بما بين 4 إلي 5 مليون طن , مما يعني أن الموارد الحالية ستظل حتي 42 عاماً فقط , لكن إذا ما حدث تصعيد في مفاعلات الطاقة النووية , وهو ما يبدو أنه الحادث فعلاً , فهنا يمكن القول أنه من المُحتمل أن يأتي الوقت للقول بأن المدي الزمني ينفذ بصفة ملحوظة , ولذا ففي عام 2050 ستنفذ كل الإحتياطيات المُكتشفة والمُؤكدة” , وأضاف الدكتور  Yogiقوله ” أن الوقود النووي كان يُعتبر بغير حد طالما كانت الحكومة مُستمرة في التعاطي مع مفاعلات مُجهزة لإنتاج إشعاعات أكثر من المادة التي غُذي به المفاعل , لكن من بين 400 مفاعل مُستخدمة بالعالم , لا أعرف أن حكومة واحدة تستخدم هذا النوع من المفاعلات حالياً ” وقد أيد دكتور Lee Stefankos  أستاذ الهندسة الكهربائية ومدير مركز أبحاث الطاقة النظيفة بجامعة South Florida والذي يُجري أبحاث في مجالات تحويل الطاقة الشمسية الحرارية ما قاله دكتور Yogi وقال” أنه يشعر أن الطاقة النووية ليست من بين المنتجين الرئيسيين للطاقة , فمع تقلص إحتياطيات اليورانيوم أوقن بأن الطاقة الشمسية تمدنا بطاقة أكثر أمناً وأنها علي المدي البعيد بديل أكثر رخصاً ”  , وهنا تجب الإشارة إلي أن فرنسا وألمانيا علي سبيل التعيين يتحركان عملياً في منطقة الصحراء الكبري من أجل تحقيق أمن الطاقة , وتعلم فرنسا أن اليورانيوم مُعرض للنفاذ أو علي الأقل التناقص بحدة وبالتالي فقد لا يتحقق الإنتظام في تموين مفاعلاتها النووية بالكعكة الصفراء أو Yellow Cake علي المدي البعيد , ولذلك تصوب فرنسا وألمانيا والإتحاد الأوروبي من وراءهما  النظرعلي ما تذخر به الصحراء الكبري من طاقة شمسية علي مدار العام يمكن إستغلالها وهذا ما في سبيله لأن يحدث بالفعل , ويؤكد ذلك ما نشرته صحيفة The National في 14 يناير 2012 عندما أشارت إلي أن السلطة النووية الفرنسيةASN حذرت من أن فرنسا وممونها بالطاقة النووية EDF عليهما تدبير ما يقرب من 10 بليون يورو لتأمين الشبكة العنكبوتية من المفاعلات النووية الفرنسية المُكونة من 58 مفاعل علي إمتداد الأراضي الفرنسية , ففرنسا التي تعتمد علي الطاقة النووية بما نسبته 80% في توليد الكهرباء , عليها التماهي مع تصاعد معدلات الأمان الدولية للجيل التالي من مُولدات الطاقة بعد الحادثة الكارثية التي وقعت عام 2011 في مفاعل  FUKUSHIMA باليابان , وهو أمر يدعو للقلق إزاء  كثير من المفاعلات الفرنسية التي تجاوز 34 منها عمر الثلاثين عاماً في الخدمة مما يتطلب صيانات مُتزايدة التكلفة مُستقبلاً , وبالرغم من أن المفاعلات الفرنسية ليست بحاجة لإغلاقها فوراً , إلا أنها تتطلب إستثماراً ضخماً إن كان الهدف منه تحقيق معدل أمان في حال حدوث صدمة طبيعية علي غرار FUKUSHIMA, والإشارة الأهم وذات الصلة بالمستقبل شبه المُعتم لليورانيوم والطاقة النووية المُولدة للكهرباء ما أشارت إليه الصحيفة بشأن ألمانيا فقالت ” إن مبادرة مؤسسة DESERTEC الألمانية لتوليد الطاقة من آشعة شمس الصحراء الكبري , شهدت تسارعاً بعد كارثة FUKUSHIMA , فتوليد الكهرباء من آشعة شمس الصحراء الكبري سيسد ما نسبته 15% من مجمل إحتياجات أوروبا من الكهرباء علي مدي عام 2050 , وهي الطاقة التي ستُنقل عبر كوابل من الصحراء الكبري لأوروبا وسيستفيد الأفارقة بدول الصحراء الكبري منها كذلك , وأن التكلفة (التقديرية) للمشروع الألماني تبلغ 400 بليون يورو , وهذا المشروع موضوع علي جدول تنفيذي وكان مُقدراً إتمام مرحلته الأولي عام 2012 بتطوير وتنمية 500 MW من مزرعة شمسية بمدينةQuarzazate جنوب وسط المغرب   .

أن نطاق الصحراء الكبري أصبح مناطاً لإهتمام طاقوي من جانب دول بالإتحاد الأوروبي كألمانيا وفرنسا  علي نحو خاص , ذلك أن هذا النطاق يتلقي آشعة الشمس بقوة في معظم أيام السنة ويفكر الأوروبيين في بديل طاقوي آمن ودائم ومتجدد يمكن وضع خطط تنموية مستديمة بناء عليه من خلال توليد الطاقة الكهربائية من آشعة شمس الصحراء الكبري عبر كوابل خاصة ذات تقنية عالية تنقل هذه الطاقة من نقاط طاقوية بالصحراء الكبري عبر البحر المتوسط لأوروبا علي نحو ما ورد بمشروع ألماني رائده مؤسسة أو كونسورتيوم DESERTEC وقد أشارت هذه المؤسسة وقت أن أعلنت في يوليو 2010 عن مشروعها أن دول الصحراء ستستفيد من هذا المشروع الذي من المتوقع أن يُحدث تغييرات في ديموجرافيا وإقتصاديات الصحراء الكبري معا ولكن إلي أي حد ؟ الإجابة ليست واضحة خاصة وأن الصراع في الصحراء أخذ منحي عسكرياً مؤخراً بعد التواجد العسكري الفرنسي الأمريكي في شمال مالي  وهذا المنحي العسكري قد لا يؤكد نهج المشاركة بين الأوربيين ودول الصحراء فيما يتعلق بمسألة توليد الطاقة الكهربائية من شمس الصحراء الكبري حتي لو أشار أحدهم إلي أن هذا الإجراء العسكري إنما كان لتأمين المشروع المُرتقب ذلك أن هذا العمل العسكري يتم من قبل فرنسا في إطار إستراتيجية أمنية للإتحاد الأوروبي كما أن الولايات المتحدة الأمريكية إنخرطت فيه , ومما يؤكد ذلك من بين مؤشرات عديدة أن بعض المصادر البحثية السياسية الفرنسية مثلاً أطلقت علي الصحراء الكبري إصطلاح الأراضي الجديدة للصراعات LE SAHARA NOUVEAU TERRITOIRE DE CONFLITS , والمقصود بالصراعات في الغالب صراعات القوي الدولية الكبري , فكما أشرت هنا تعتبر الصحراء الكبري مستودع دائم للطاقة الشمسية ستتحول بالتقنية الألمانية إلي طاقة كهربائية وكذا السيليكون والذهب والبترول والفوسفات ألخ وهو مستودع قريب من أوروبا .   

 هناك مشروع آخر يتعامل مع المديين القصير والمتوسط لإستراتيجية أمن الطاقة الأوروبية وهو مشروع خط الأنابيب العابر للصحراء فسيمر خط أنابيب الغاز القادم من دلتا النيجر بنيجيريا المجاورة لتشاد مُخترقاُ إياها من جنوبها إلي شمالها حيث ولايات نيجيريا ذات الأغلبية المُسلمة ( بطول 1,050 كم ) ماراً بأراضي جار تشاد المباشر/ النيجر في صحراء العير AIR ( بطول 750 كم ) صاعداً للجزائر مُخترقاً ( بطول 2500 كم ) صحراءها المتسعة المفتوحة علي إمتداداتها في تشاد والنيجر بصحراء العيرAIR المفتوحة هي أيضاً علي صحراء شمال مالي المعروفة بالأزواد AZWAD حيث أنصار الدين وجماعة التوحيد والقتال MUJAO  Al-Qaeda Organization in the Islamic Maghreb وهي منطقة يعتبرها الأوروبيون والأمريكان وغيرهما ملاذاً للتيار الإسلامي ” الإرهابي ” أو بالمفهوم المُنقلب للجهاد ” “جهاديون ” , وبعد هذه الرحلة التي يبلغ طولها 2800 ميل ( حوالي 4,300 كم ) يصل الخط موانئ الجزائر ومنها يعبر المتوسط ليصل للمستهلك الأوروبي , وهذا الخط يتكلف  ما بين 13 إلي 20 بليون دولار, ولهذا فإن الإسهام الأوروبي في تنمية الص حراء الكبري (والساحل) لابد وأنه سيؤدي إلي إستقرار سياسي يوفر أفضل تأمين ممكن لخط انابيب الغاز العابرة للصحراء , هذا جزء مهم من المشاريع الطموحة والواقعية في نفس الوقت والتي تسعي فرنسا والإتحاد الأوروبي في إطار أعم إلي تحقيقها من أجل إستراتيجة صلبة ومنتظمة لأمن الطاقة , أو ليس ذلك بأمر يستحق من فرنسا التحرك بالقوة العسكرية في مستعمراتها السابقة حيث يحكم رجالها الأوفياء شعوب مقهورة تزداد فقراً وخشية من المستقبل كلما إزدادت فرنسا غني وأمناً ؟ , هذا هو مُبرر إستخدام وتكثيف القوة العسكرية في فضاء الصحراء الكبري للتخلص من وسحق القوة المسلحة للتيار الإسلامي الرافض للنهب والإستغلال الفرنسي والأوروبي لمقدرات شعوب الصحراء الكبري التي تحكمها فيروسات محلية زرعها الأوروبيين في جسد الأمة .

في الواقع فإن أوروبا تدرك تماماً أن البترول في سبيله للنضوب بالإضافة إلي أن أسعاره نتيجة عوامل مختلفة مُتذبذبة وتدرك كذلك أن إستهلاك مصادر الطاقة التقليدية أدي إلي تهديد قريب إثر تداعيات ظاهرة التغير المناخي لجو العالم , فقد أوردت جريدة LE MONDE (عددها بتاريخ السبت 10 يناير 2009 صفحة 5 ) أن باحثين أمريكيين وضعا تصوراً لخريطة لنصف العالم يُشير إلي أن إحتمالات واردة تشير إلي أن   مواسم الصيف بين عام 2080 إلي عام 2100 ستكون أشد حرارة من تلك التي سادت العالم بين عام 1900 وعام 2006وهو وضع أكدت مقدماته سكرتارية معاهدة الأمم المتحدة بشأن التغيرات المناخية  UNFCCC في 17 نوفمبر 2008 عندما أعلنت أن تزايد الإنبعاثات الغازية مازال متواصلاً وأن الإنبعاثات من الدول المُلتزمة ببروتوكول KYOTOيُعتقد أن نسبتها 2,3% بين عامي 2000 إلي 2006 وأنه منذ عام 2000 بدأت الإنبعاثات من قبل روسيا وأوروبا الشرقية في الزيادة , كما ان الدول الغربية واليابان لم ينجحوا في جعل إنبعاثاتهم مُستقرة بإستثناء فرنسا وألمانيا والمملكة المُتحدة والسويد أما فيما يتعلق بالصين والهند والبرازيل فهم جميعاً غير منضمين , وبالتالي فهم غير مُلتزمين ببروتوكول KYOTO لكن- وفقاً لسكرتارية المعاهدة –  فقد زادت إنبعاثاتهم منذ عام 1990 بل إن الإنبعاثات من الصين تجاوزت الآن تلك الصادرة عن الولايات المُتحدة (LE MONDE بتاريخ الأربعاء 19 نوفمبر 2008 صفحة 5) ويؤمن كثير من المعنيين بظاهرة التغير المناخي ومنهم وزير الخارجية البريطاني الأسبق DAVID MILIBAND الذي أشار في مقال له بأنه فيما يتعلق بالطاقة وبالتغير الحراري فإنه لابد من مكافحة هذه الظاهرة بل ويجب أن يظل ذلك أولوية لدي الإتحاد الأوروبي حتي بالرغم من الأزمة الإقتصادية , منوهاً بالإمدادات المحدودة من الغاز والبترول , ويظل ذلك من الآن فصاعداً السبب الرئيسي في التضخم العالمي(LE MONDE بتاريخ الجمعة 17 أكتوبر2008 صفحة 21) , ولهذا ولأٍسباب أخري كان الإتجاه الحاسم من قبل الدول الصناعية الكبري وخاصة بالإتحاد الأوروبي هو التوجه نحو مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة والتي تعتبر منطقة الصحراء الكبري أنسبها وأهمها بسبب قربها الجغرافي وسهولة إنجاز إتفاقيات بشأن إستغلالها مع الدول الأفريقية الفقيرة بها نظراً لأسباب متعددة من بينها الروابط التاريخية منذ العهد الإستعماري والعسر المالي المزمن الذي تعاني منه دول هذه المنطقة , يُضاف إلي ذلك أن سطوع الشمس بهذه المنطقة يظل علي مدار العام , ومن ثم فالمشروع الألماني الذي أعلنت عنه مؤسسة DESERTEC في 18 يونيو 2009 قابل للتنفيذ وذا جدوي إقتصادية لو تم في هذه المنطقة , وقد أشارت مؤسسة DESERTEC إلي أن هناك إتجاهاً من ألمانيا وأوروبا لإستخلاص الطاقة الكهربائية من شمس الصحراء الكبري وهي تحديداً وفقاً للخريطة التي تعمل عليها هذه المؤسسة تتضمن صحاري السعودية والشام ومصر والسودان ودول حزام الصحراء الكبري حتي موريتانيا , وأوضحت المؤسسة أن كونسورتيوم سيقوم علي تنفيذ هذا المشروع الذي يقوم علي فكرة حصد الطاقة الشمسية من صحاري شمال أفريقيا وتحويلها لأوروبا علي إعتبار أن ألمانيا تُعد رأئدة في مجال الطاقة الشمسية , وسيجتمع هذا الكونسورتيوم الذي يضم 20 شركة في ألمانيا في 13 يوليو 2009 لمناقشة المشروع , وأن مؤسسةMUNICH RE للتأمين تقود عملية دعم واسع للمشروع مع شركات أخري مثل SIEMENS وDEUTSH BANK وRWE و EON حيث أن تكلفة المشروع الذي سيكون واحداً من افضل مبادرات إنتاج الطاقة النظيفة في العالم تبلغ 555 بليون دولار وفي حال تنفيذه (وفقاً لمصادر صحفية سيُنفذ في مدي عام 2050) وأنه سيفي بنحو 15% من الإحتياجات الأوروبية من الكهرباء وكذلك فسيمد البلدان المُنتجة والتي ستنشأ فيها مصايد الشمس بجزء هام من إحتياجاتها من الطاقة وسيحول – وفقاً لبيان أصدرته مؤسسة DESERTEC – مياه البحر إلي مياه صالحة للشرب والري للسكان المحليين  , وقد أشار السيد TOSTEN JEWORREK عضو مجلس إدارة MUNICH RE إلي هذا بقوله ” أن الشركات الأوروبية المنضوية في هذا المشروع تعهدت بالعمل بصفة عادلة ومخلصة ومتساوية مع البلدان المُنتجة ” كما أشار الناطق باسم SIEMENS إلي أن ” المزارع الشمسية يمكن أن تولد مائة ميجاوات من الكهرباء بما يُعادل قوة مائة محطة قوي ” , ومن جهة أخري وعلي نحو مُناقض أشارت صحيفةHANDELSBLATT اليومية إلي  “أنه من المشكوك فيه إستفادة البلاد المُنتجة من هذه الطاقة بشكل كامل مع أوروبا ” وحذرت الصحيفة من “إستعمار بيئي ” , وفي هذا السياق مدحت صحيفة DIE WELT – SPIEGEL ONLINE اليومية المُحافظة المشروع وأشارت إلي أن القوي المُستخلصة من محطات شمسية بالصحراء ستكون أرخص من تلك القائمة حالياً فوق أسطح بعض منازل ألمانيا , فيما أشارت يومية ألمانية أخري تدعي HANDELSBLATT إلي أن للمشروع مبررات مقنعة , لكن آخرين – وهذا هو ما يؤكد ما نشير إليه – تساءلوا عن الحكمة من وراء إقامة محطات وتوطينها في جزء غير مستقر من العالم بل إن صحيفة ألمانية أخري إشتراكية النزعة وصفت ذلك بأنه كارثة … كارثة أن يُقام المشروع في أفريقيا , ومرة أخري نجد أن الطاقة لأهميتها إستدعت من الأمريكيين إنشاء قيادة عسكرية لأفريقيا AFRICOM لحماية موارد بترول خليج غينيا الذي من المتوقع أن تصل نسبة مساهمته في مجمل الواردات البترولية الأمريكية من البترول 24% وهي نسبة تقارب نسبة مساهمة بترول الخليج العربي في مجمل الواردات البترولية الأمريكية , وهنا نتساءل ماذا عساه الإتحاد الأوروبي أن يفعل ؟ خاصة وأنه وضع مسـألة الطـاقـة داخـل مفهــوم ” أمن الطاقة ” أي أن ذلك المفروض  أنه سيستدعي وضــع هذا الأمن في سياق عسكري يوما ما .

ما تقدم يميط اللثام عن سر الإصرار الفرنسي لإقامة قوة الساحل الخماسية , لكن ومع ذلك تظل هناك تساؤلات  تصدر عن كثيرين من بينهم كمثال موقع  GUINEENEWS.ORG في 29 سبتمبر 2017 الذي طرح هذا السؤال : ” لماذا تريد فرنسا إضافة قوة أخري في الوقت الذي يُلاحظ فيه تنسيق معيب بين عملية Barkhane العسكرية الفرنسية في مالي وبين قوة الأمم المتحدة كما أن هناك تضارب بين الأوامر الصادرة عن كلاهما فيما يتعلق بمواجهة ” الجهاديين” بمالي ؟ , للإجابة المباشرة عن ذلك نرجع قليلاً بالزمن للوراء ونلتقط الخيط من حدثين وقعا ونتجاهل حوادث أخري مختلفة أعقبت إستقلال دول الساحل والصحراء عن فرنسا في ستينات القرن الماضي حتي لا نغرق في تفاصيل , وما يمكن إلتقاطه من هذين الحدثين : (1)  الهجمات التي يشنها هؤلاء “الجهاديون”علي مواقع إستغلال اليورانيوم بشمال النيجر التي تعد ثالث أكبر مُنتج عالمي لليورانيوم وبها ثاني أكبر منجم بالعالم يدعي Imoraren وحوادث إختطاف خبراء تعدين اليورانيوم الفرنسيين من مواقع إنتاجه هناك و(2) الإنقلاب العسكري بمالي في 22 مارس 2012 وتداعياته المختلفة علي منطقة الصحراء والمواجهة بين هؤلاء “الجهاديون” من جانب وفرنسا ومعها النظم الحاكمة بدول الصحراء التي من بينها 4 دول صحراوية هي تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا إضافة لدولة واحدة تنتمي لما يُعرف بمنطقة الساحل وهي بوركينافاسو ولمشاركتها في القوة الخماسية مبرر خاص فيما أعتقد من جانب آخر , فالإنقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس Amadou Tomani Touri في 22 مارس 2012 لم يكن مُثيراً أو مُستفزاً لبأس فرنسا العسكري لأن الإنقلابيين في أفريقيا دائماً ما يتضمن أول بيان عسكري صادر عنهم التشديد علي إحترامهم للمواثيق والمعاهدات الدولية والثنائية , كما أن الإنقلابات العسكرية في أفريقيا غالباً ما تعتبرها فرنسا في إطار سياسة Françafrique أنظمة يمكن إستئناسها , فالعسكريون كقاعدة شبه عامة دائماً ما يكونون أصحاب بأس مع شعوبهم وقلما يكونون أشداء علي الأعاجم , فعادة ما يجري وضع الرسم الهندسي الإنشائي للإنقلابات في أفريقيا الفرانكفونية في أحد حجرات المكتب الثاني للمخابرات العسكرية الفرنسية Deuxième Bureau de l’État-major general , ولذلك من المتوقع ألا تعتبر فرنسا أي إنقلاب في الفضاء الفرانكفوني تصرفاً غير ديموقراطي يستحق العقاب الدولي الجاد إلا إذا كان إنقلاباً خارجاً عن النص الفرنسي الثابت في كتاب إستراتيجيةFrançafrique , صحيح أن فرنسا أدانت إنقلاب الكابتن Sanogo إلا أنها كانت إدانة رفيقة رقيقة تناسب طفل مُدلل محبوب من والديه معاً , وهي بالضبط نفس الإدانة الرفيقة التني أدانت بها فرنسا إعلان الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA (الطوارقية) الإنفصال عن مالي في 4 أبريل 2012 , بل إن بعض نواب البرلمان الأوروبي إلتقوا بهؤلاء الإنفصاليين الذين لم تجرد فرنسا ولا غيرها حملة عسكرية تعين إنقلابيو مالي علي الإطاحة بهم وهي المهمة التي قام بها أنصار الدين الذين حطموا أمل أعضاء وقيادةMNLA في الإنفصال وإنهاء وحدة الأراضي المالية , وهناك أيض اً إدانة قبل ذلك بعامين لإنقلاب النيجر الذي قاده عسكري برتبة متواضعة يدعي Salou أطاح في 19 فبراير 2010بالرئيس Mamadou Tandja الذي كان موقفه صلباً ومناوئاً للإستغلال الفرنسي المهين ليورانيوم النيجر لمجرد أنه تجرأ علي المطالبة بتحسين شروط التعاقد الفرنسي لعقود إستغلال يورانيوم النيجر ثالث أكبر منتج لليورانيوم بالعالم وكذلك مطالبته بالبدء في التدفقات الإستثمارية الفرنسية في منجم Imoraren بشمال النيجر وهو ثاني أكبر منجم بالعالم , ولم يكن الموقف الفرنسي  العدائي له بسبب مشروع التمديد لفترة رئاسية ثالثة والتي لا تتفق ونص دستور النيجر لعام 1999 ففرنسا والولايات المتحدة لديهم أوثق العلاقات مع رؤساء أفارقة فارقوا حياتهم بعد أن مكثوا علي رأس الحكم لمدة لا تقل عن 3 0 عام متواصلة مثل إدريس ديبي وبونجو ونجيسو ساسو وغيرهم , وهذه المواقف الفرنسية المُتناقض ة والمُعلنة تجعل المرء يتأكد من أن مصالح فرنسا ليست لها علاقة ما بالديموقراطية ولا بالتكامل الترابي لمستعمراتها السابقة في أفريقيا , فالعسكرية الفرنسية وكذلك عسكريات القوي الدولية الكبري وبعض القوي النازحة إلي العالم الثالث مُبرمجة علي إعتبار ” الجهاديين” أعداء فرنسا وأعداءهم أما الإنقلابيين العسكريين في العالمين الثالث والرابع وحركات الإنفصال مثل MNLA في مالي وFLEC  ( التي إتخذت من باريس مقراً لحكومتها بالمنفي) التي تطالب بفصل إقليم جيب كابيندا بأنجولا , فهم أدوات تعزيز إحكام قبضة فرنسا علي مصالحها بمستعمراتها السابقة , ومن هنا يمكن هضم فكرة أن الإنقلابيين والمستبدين الطغاة والإنفصاليين في نظر القوي الكبري آثمون لكن باب الغفران الإمبريالي لا يوصد في وجوههم أبداً إلا قليلاً .

كان لابد أن تسعي العسكرية الفرنسية إلي تخفيف العبء العسكري عن كاهلها , وكذلك تكلفته من علي كاهل الخزانة الفرنسية , كما أن المصالح الإقتصادية المُشار إليها آنفاً ومعها صورة فرنسا كقوة مُهيمنة بدول الساحل والصحراء تتهدد وتتآكل وبإضطراد إثر تكرار الهجمات علي المصالح الفرنسية في النيجر ومالي , فإثر تكرار هجمات المجموعات “الجهادية” بشمال النيجر علي مواقع مجموعة  Areva  المملوك معظمها للدولة الفرنسية والقائمة علي إستغلال اليورانيوم بشمال النيجر وتحديداً في Arlit , وإخفاق العسكرية الفرنسية في النيل من المهاجمين في كل هذه المواجهات التي حدثت , كان علي العسكرية الفرنسية البحث عن وكلاء ينهضون بالأعمال العسكرية الثانوية في المواجهة الدائرة والمباشرة بين العسكرية الفرنسية وبين الجماعات الإسلامية المُعارضة – التي تُوصف بطبيعة الحال بأنها “مُتشددة” – للوجود العسكري الفرنسي بالمنطقة وكذلك للوجود الأمريكي (والذي تأكد بالهجوم الذي إستهدف في 4 أكتوبر 2017 مجموعة من القوات الأمريكية الخاصة بكمين أسفر عن مقتل أربعة منهم قرب قرية Tongo-Tongo الواقعة علي بعد 80 كم من شمال غرب بلدة Ouallam جنوب غربي النيجر وتتبع منطقة Tillabéri) , فمن بين أهم وقائع المواجهة بين “الجماعات الجهادية ” بالنيجر وبين فرنسا حادث إختطاف 5 خبراء فرنسيين وأفريقيان يعملون جميعاً بمناجم اليورانيوم بشمال النيجر في سبتمبر 2010 من معسكرهم الذي تقوم شركة أمن فرنسية علي تأمينه بمساعدة شركة أمن يملكها أحد زعماء الطوارق وهم الأغلبية الكاسحة من سكان شمال النيجر , وبالرغم من تواجد 4 طائرات إستطلاع فرنسية من نوعAtlantique بمطار ديوري هاماني بنيامي عاصمة النيجر وصلوا من قاعدتهم بتشاد والسنغال عقب حادث الإختطاف , إلا أن السلطات العسكرية الفرنسية طلبت وفقاً لما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية AFP في رسالة لها من واشنطن في 21 سبتمبر 2010 بالإحالة علي مسئولين أمريكيين طلبا إغفال إسميهما قولهما ” أن فرنسا طلبت عوناً من الجيش الأمريكي لمحاولة تحديد موقع خمسة فرنسيين(أغفلت الوكالة الإشارة لمصير الأفريقيين المُختطفين) خُطفوا الأسبوع الماضي بالنيجر وهو ما أعترفت قاعدة المغرب الإسلامية بالمسئولية عنه ” , ومع ذلك أخفقت العسكريتان الفرنسية والأمريكية في الإمساك بالخاطفين بالرغم من تعقبهم فقد نجح الخاطفين في عبور حدود النيجر والإختفاء في مالي التي صرح رئيسهاAmadou Tomani Toure  (الذي أطاح به إنقلاب عسكري في 22 مارس 2012قبل نهاية ولايته الرئاسية بشهر ) في 20 سبتمبر 2010 تعقيباً منه علي هذه الواقعة بقوله أنه ” ليس للفرنسيين إلقاء اللوم علي دول المنطقة , فهذه الدول طالها عدم الإستقرار بسبب مواجهات فرنسا مع الإسلاميين ” ,  وفي مساء 7 / 8 يناير 2010 جري إختطاف مواطنين فرنسيين من مطعم وبار في حي Plateau بقلب العاصمة نيامي وهو موقع قريب جداً من وزارتي الدفاع والخارجية ورئاسة جمهورية النيجر فيما هم جلوس فيه , وخلال الإشتباك معهم بواسطة عناصر من جيش النيجر وقوة فرنسية قُتل المخطوفين أخيراً علي سبيل الخطأ بنيران عناصر البعثة العسكرية الفرنسية بالنيجر , وأستطاع الخاطفين أيضاً عبور حدود النيجر مع مالي الواقعة علي مسافة 150 كم من مكان الإختطاف , وقد سبق هذه العملية في 5 يناير 2010عملية تفجير أمام باب السفارة الفرنسية 2010 في بماكو عاصمة مالي , وقد هُوجم الرئيس المالي Amadou Tomani Toure لموقفه المُختلف عن الموقف الفرنسي إزاء هذه الهجمات وأسبابها , ولذلك  دأبت الصحافة الفرنسية علي مهاجمته وكذلك فعلت صحف عدة بدول الصحراء التي تتكون منها قوة الساحل الخماسية حالياً , وكان السبب الرئيسي للهجوم عليه إتهامه بالتراخي في مواجهة ما يصفونه ” بالإرهاب ” المُستوطن في شمال مالي وإمتداده بنقطة الإرتكاز في صحراء جنوب الجزائر , فما كان من فرنسا إلا أنشرعت في تنفيذ إستراتيجية إعادة الإنتشار العسكري الكثيف بالمنطقة بدءاً من مالي , فكان أن تمت في إطار هذه الإستراتيجية الإطاحة بالرئيس Amadou Tomani Toure بإنقلاب عسكري في 22 مارس 2012 قبل إنتهاء ولايته الرئاسية بنحو شهر أي قبل إجراء الإنتخابات الرئاسية في  بمالي في 29 أبريل 2012 , وبالطبع فإن توقيت هذا الإنقلاب يكشف عن طبيعة الدافع من وراءه فهو ببساطة إنتقام فرنسي من الرئيس Amadou Tomani Toure , وبناء علي هذا الإنقلاب بدأت سلسلة من التصرفات الفرنسية ذات الطبيعة العسكرية في الغالب لتطويع هذه المنطقة من الصحراء الكبري حتي تخضعها العسكرية الفرنسية لمعايير المصالح العُليا لفرنسا , فهذا الإنقلاب وهؤلاء العسكريون كانوا من ذوي الرتب الوسطي يقودهم الكابتن Amadou Sanogo الذي تلقي تدريباً عسكرياً بالولايات المتحدة والذين نفذوا هذا الإنقلاب كان تصرفهم غريباً إذ أنهم قاموا بالإنقلاب علي الرئيس Amadou Tomani Toure قبل نحو شهر من نهاية ولاية الرئيس المالي , ولذلك برروا إنقلابهم بأن ” نظام الرئيسAmadou Tomani Toure لم يدعم جيش مالي بالقدر الكافي في معركته مع متمردي الطوارق بشمال مالي “(جيش مالي الذي هرب وتخلي عن مواقعه أمام عناصر الحركة الوطنية لتحرير أزواد عند إعلانهم الإنفصال عن مالي وسحقهم تنظيم أنصار الدين الإسلامي محافظاً علي التكامل الترابي لمالي) وهؤلاء المُقاتلين من أنصار  الدين من الطوارق والعرب رددت مصادر مخابراتية غربية إنهم إكتسبوا قوة إضافية من إنضمام مُقاتلين خدموا عسكرياً نظام القذافي الذي بعد سقوطه تدفقت أنواع معينة من السلاح من ترسانته , وقد تزامن هذا الإنقلاب مع إضطراد الإهتمامات العسكرية الفرنسية والأمريكية بالصحراء الكبري (تتبعت أثناء عملي بالنيجر وتحديداً في أغسطس 2010 مهمة فني أمريكي يهودي كان يعمل في أرصاد مطار ديوري هاماني بالنيجر , كلفته الجهات الأمريكية المعنية بالبنتاجون برحلة عبر الصحراء الكبري بدأت من شمال النيجر مروراً بتشاد (فايا لارجو) إنتهاء بالصحراء المصرية الغربية وكان الهدف تركيب هوائيات فائقة التطور في رمال هذه الصحاري وأعتقد أن لهذه الهوائيات المطمور معظمها في رمال الصحراء ذات علاقة بمهمات الطائرات التي بدون طيارDrones  ونحن نيام) كما أن الإتحاد الأوروبي بدوره أعلن في 23 مارس 2012 أي بعد يوم واحد من إنقلاب مالي عن إرساله بعثة خبراء لمنطقة الساحل لتدريب قوات الأمن بدول الساحل “لمواجهة تنامي “التهديد الإسلامي” وأنها أي البعثة ستتموضع في منطقة بشمال نيجيريا (التي ربطت عسكريتها نفسها بإستراتيجية الغرب في مواجهة جماعة Boko Haram التي روجت أجهزة المخابرات الغربية وتماهت معها الأجهزة الأفريقية المُناظرة أن هناك ثمة علاقة عملية بينها وبين قاعدة المغرب الإسلامي) , كما أعلن الإتحاد أيضاً عن زيادة العون الغذائي للساحل وتخصيص 164,5 مليون يورو للأمن الغذائي لهذه المنطقة . وذلك كله في سياق مُخطط إستراتيجي تنافسي بين دول الإتحاد الأوروبي للحصول علي مقدرات الصحراء الكبري .

تدرك فرنسا أن المُسلحين  بالصحراء الكبري هم القوة الوحيدة ذات البأس التي يمكنها عرقلة خطط الإستغلال الفرنسي لمُقدرات الصحراء الكبري وأن هذه القوي المُسلحة سمها ما شئت إسلاميين جهاديين أو مُسلحين أو مُتمردين تستهدف فرنسا والأمريكيين بصفة رئيسية , ومما يؤكد ذلك أن طوارق شمالي النيجر ومالي كانوا منذ إستقلال النيجر ومالي ومعظم المُستعمرات الفرنسية بأفريقيا كانوا في حالة حرب ومواجهات مُسلحة مع حكوماتهم أي في النيجر ومالي حيث ينتشر أغلب الطوارق في صحراءهما , وتوقفت هذه المواجهات في تسعينات القرن الماضي بموجب إتفاقيات سلام تعاملت بجدية مع مطالب الطوارق في السلطة والثروة , وإثر ذلك بدأت تتشكل القوة الإسلامية المُسلحة التي تضافرت فيها قوي الطوارق وعرب النيجر ومالي (بدعم من القذافي الذي شكل للطوارق قوة بالصحراء وبنفس القدر الذي عززها عسكرياً بنفس القدر الذي إستطاع تليين مواقفها التفاوضية وصولاً لإتفاقات سلام مع حكومتي النيجر ومالي ) وأستهدفت المصالح الفرنسية , وفي تقديري أن ذلك تفسره حقيقة مفادها أن إتفاقيات السلام بين الطوارق وحكومتي النيجر ومالي كان محورها مطالب هؤلاء في السطة والثروة , أما السلطة فقد تحققت ولا أقل من ان أشير مثلاً إلي أن النيجر حريصة علي تنفيذ دقيق لمشاركة الطوارق في السلطة فرئيس وزراء النيجر منذ 2011 وحتي الآن هو  Brigi Rafini الذي اُختير بعد تولي الرئيس Mahamadou Issoufou السلطة بالنيجر و Rafini مناضل طوارقي سابق , لكن بالنسبة لموضوع الثروة لا يبدو أن تغييراً حقيقياً طرأ علي إستفادة الطوارق إلا بعض قادتهم وشيوخهم الذين تتوزع عليهم نسب من العائد علي إستغلال اليورانيوم , كما أن غالبية شعبي النيجر  ومالي بل والشعوب الأفريقية الأخري يعانوا من الفقر بسبب النهب الفرنسي المُنظم لثروات هذه البلاد من الموارد الأولية من خلال إختراقهم للجدار السياسي لهذه الدول , وكان الأسلوب الفرنسي في النهب مُنشئاً لشبكات الفساد العنكبوتية في دوائر السلطة والأعمال .

ترتيباً علي ما تقدم يمكن القول يقيناً أن القوة الخماسية للساحل أداة إضافية ضرورية ستستخدمها فرنسا في تحقيق مصالحها العليا التي ستساهم في إحكام تحقيق أمن فرنسا القومي ليس كقوة إقتصادية دولية فحسب بل كقوة ذات ماض ومستقبل إستعماري , وهذه القوة الخماسية تأمل فرنسا أن تكون حلقة في سلسلة حلقات تملأ الفراغ العسكري بمواقع مُحددة بالصحراء الكبري بدءاً من محيط بحيرة تشاد مروراً بمنطقتي Azawak شمال غربي النيجر (وهي رافد أحفوري لنهر النيجر مساحتها كمساحة ولاية Floridaالأمريكية) ومنطقة Azawad بشمال مالي , وذلك بواسطة وتحت إشراف وربما سيطرة العسكريين الفرنسيين , ولقد كانت العسكرية الفرنسية ساعية قبل ظهور فكرة إقامة قوة الساحل الخماسية إلي الظفر بقاعدة عسكرية ثابتة علي أراضي النيجر (هناك قاعدة جوية فرنسية خارج N’Djamena عاصمة تشاد) لمزيد من التحكم في والسيطرة علي الصحراء الكبري وكان لها ما أرادت رغم النفي الرسمي لحكومة النيجر , ففي هذا الإطار بدأت فرنسا تحركاً أعقب حوادث إختطاف خبراؤها التعدينيين في سبتمبر 2010من مواقع اليورانيوم في شمال النيجر بمدينةArlit  التعدينية , وطرح رئيس الأركان الخاصة بالرئاسة الفرنسية CEP في زيارته بصحبة عدد من العسكريين للنيجر في 10 أكتوبر 2010 مسألة إقامة قاعدة عسكرية ثابتة بالنيجر مقابل حزمة مساعدات مالية وغذائية فرنسية للنيجر التي تضربها أزمات غذائية نتيجة تعاقب دورات الجفاف عليها وأثرها السلبي علي المواسم الزراعية مما نتج عنه عجز غذائي مُزمن , وكان الوجود العسكري الفرنسي بالنيجر آنئذ مُؤقت إذ أرتبط بعملية الإستطلاع الجوي التي أجرتها طائرة من طراز Atlantique بلا نتيجة إيجابية بحثاً عن خاطفي الخبراء التعدينيين الفرنسيين من منطقة إستغلال اليورانيوم بمدينة  Arlitومحيطها بشمال النيجر , وكان عدد هؤلاء العسكريين الذي كان عليهم النهوض بهذه المهمة 80 من العناصر المُتخصصة في الإستطلاع الجوي ,وإزاء تكرر الأنباء عن سعي فرنسا لإقامة هذه القاعدة أصدرت حكومة النيجر في 26 سبتمبر 2011بياناً تضمن نفي إقامة قاعدة عسكرية أجنبية علي أراضي النيجر , وتضمن البيان كذلك إشارة إلي إساءة بعض الجهات الأجنبية تفسير ما ذكره رئيس النيجرMahamadou Issoufou في 19 سبتمبر 2012 أمام مؤتمر منظمة التجارة العالمية الذي عُقد في جينبف من أن قوات النيجر في حاجة لعون خارجي لتكوينها وتجهيزها لمواجهة خطر الإرهاب الذي يمكن أن ينتج عن الإطاحة بنظام القذافي بليبيا , وقد جاء هذا البيان عقب محاولة إغتيال ثانية للرئيس Issoufou في منتصف سبتمبر 2011 الذي تثور للآن تساؤلات عن المدي الذي يمكن أن يتوقف عنده في علاقاته شديدة المرونة مع فرنسا , ومع ذلك فقد إستمر السعي الفرنسي لإقامة هذه القاعدة وهو ما سمعته في يوليو 2012من أحد زملائي السفراء الأفارقة الذي لبلاده علاقات وثيقة بالنيجر , والذي أفادني بأن الرئيس Issoufou يتخذ موقفاً مُتشدداً من جماعة أنصار الدين مما يدفعه دفعاً لأن يعتلي موجة المطالبة بشن حملة عسكرية عليهم في شمال مالي , وهو بذلك مُهيأ بل إنه يعتبر رائد المطالبين بسحق الإسلاميين من شمالي النيجر ومالي , ويأتي ذلك ليخدم السياستين العسكريتين لفرنسا والولايات المتحدة لتكريس وضع عسكري لهما بالصحراء الكبري خاصة بعد الفراغ الليبي الناشئ عن سقوط القذافي والحرص الجزائري علي لعب دور في منطقتي الساحل والصحراء أعتبره في تقديري دور يُمارس من داخل حدود الجزائر لا من خارجها , وقد تزامن مع إشتداد رغبة رئيس النيجر في عسكرة مالي وبلاده بتواجد أجنبي إعلان الإتحاد الأوروبي هو الآخر  في 16 يوليو 2012 عن إيفاده لخمسين خبير أجنبي “دولي” للنيجر , مما يعني أن التواجد الأمني والعسكري سيكون أوروبي (فرنسي) / أمريكي , وأن ذلك يشير بداهة إلي أن التواجد العسكري الغربي في الصحراء الكبري لا يمكن أن يُري إلا علي أنه ” تدويلاً لمنطقة الصحراء الكبري من نواديبو غرباً علي ساحل موريتانيا علي الأطلنطي حتي واحة سيوة بالصحراء الغربية المصرية التي هي آخر إمتداد للصحراء الكبري , إن فرنسا سواء من خلال دبلوماسيتها أو عسكريتها أوهما معاً تستهدفان تحقيق أقصي تأمين ممكن للصناعة الفرنسية وتمكينها تنافسياً , وما إصرارهما علي إقامة القوة الخماسية للساحل أو Sahel 5  إلا أحد الوسائل لتحقيق هذا الهدف , وقد إستغلت فرنسا الوضع في مالي بدءاً من دعمها غير المباشر لإنقلاب 22 مارس 2012 لتضع وتنفذ سيناريو تراتبي لإعادة الإنتشار العسكري في مالي والنيجر .

الموقفان الفرنسي والأمريكي :

هناك تمركز عسكري قتالي فرنسي في ثلاث مواقع في آن واحد في شمال مالي وأفريقيا الوسطي وتشاد وهذا التزامن مفروض علي العسكرية الفرنسية لمواجهة إحتمالات من المعارضة الإسلامية المسلحة للوجود الفرنسي العسكري في تشاد التي تندلع حالياً فيها مظاهرات غاضبة للغلاء والصعوبات الإقتصادية وسياسة التقشف , ذلك أن أحد أهم أهداف التواجد العسكري الفرنسي في تشاد دعم الرئيس التشادي إدريس ديبي القائم بعمليات الترويج والإسناد لدور فرنسا العسكري بوسط وغربي أفريقيا , أما في أفريقيا الوسطي (بها ثاني أكبر قاعدة عسكرية فرنسية بأفريقيا بعد جيبوتي) فعقب الإطاحة بحكومة الرئيس François Bozizé في 24مارس 2013 بواسطة إئتلاف حركة Silika بقيادة Michel Djotodia والتي لم يقبل بها الفرنسيين والنخبة الموالية لفرنسا في أفريقيا الوسطي بسبب أن غالبيتها من مسلمي أفريقيا الوسطي , إتجهت فرنسا أو العسكرية الفرنسية إلي دعم  حركة anti-Balaka لدحر هذه الحكومة الإتئلافية التي شكلها مقاتلي حركة Seleka , ورغم أن الرئيس Djotodia إتخذ قراراً في سبتمبر 2013 بحل حركة Seleka إلا أن مقاتلي حركة anti-Balaka المدعومة من المكتب الثاني الفرنسي (المخابرات العسكرية ) , مارست عملية تطهير ديني سكت عنها العالم وإلي اليوم لمحو أي إحتمال لمشاركة المسلمين للمسيحيين في أفريقيا الوسطي في السلطة , لكن منظمة العفو الدولية وضعت تقريراً عام 2014 أشار بوضوح إلي المذابح التي إقترفتها حركة anti-Balaka التي أجبرت أعداداً من مُسلمي أفريقيا الوسطي للفرار خارج البلاد , وتدخلت فرنسا عسكرياً في Bangui عاصمة أفريقيا الوسطي وقدمت القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM دعماً لوجيستياً للقوة العسكرية الفرنسية هناك التي قامت في 9 ديسمبر 2013 بنزع أسلحة أكثر من سبعة آلاف من مقاتلي Seleka مما أشعل غضب مسلمي البلاد الذين تظاهروا بحدة في شوارعBangui منددين بالانحياز الفرنسي لصالح المسيحيين ومحتجين علي انتشار القوات الفرنسية , أما في حالة مالي فكما أشرت إتخذ الفرنسيين قرارات عسكرية لدعم موقفهم في مواجهة الإسلاميين المعارضين للوجود الفرنسي في الصحراء الكبري وشمال مالي تعييناً وبدأ التوجه العسكري الفرنسي صوب شمال مالي بعملية Operation Serval التي بدأت بشمال مالي تحت غطاء قرار لمجلس الأمن الدولي برقم  2085 بتاريخ 20 ديسمبر 2012 بدعوي محاربة المُقاتلين الإسلاميين في الساحل , وقد إنتهت هذه العملية في 15 يوليو 2014 لتعقبها عملية Operation Barkhane  التي بدأت في الأول من أغسطس 2014 , وتكلفت – وفقاً لبيانات صحيفة Le Point Afrique في 23 فبراير 2018 –  نحو أربعة آلاف مليار فرنك خُصصت لعملية Barkhaneالعسكرية بمالي لمحاربة ” الجهاديين ” بشمال مالي بصفة رئيسية ولها نقاط تمركز مُوزعة علي طول الحدود من تشاد شرقاً حتي حدود موريتانيا غرباً .

أعادت فرنسا بعد فترة سكون تحريك مشروع إنشاء قوة إقليمية مشتركة مدعومة من باريس في 6 فبراير 2017 من خلال قمة عقدت في باماكو ضمت الدول الخمس المُشاركة في قوة الساحل الخماسية  , والتي أوضح رئيس النيجر  Mahamadou Issoufou أن هذه القوة مطلوبة ” لمحاربة الإرهاب بكفاءة في دول قوة الساحل الخماسية , ولذلك قررنا تأسيسها , ونحن في سبيلنا لأن نستصدر قرار من الأمم المتحدة ومن مجلس الأمن لدعم إقامتها “, وفي كلمته التي ألقاها بهذه القمة قال الرئيس الفرنسيEmmanuel Macron ” في المستوى العسكري نقدم جهدا تتجاوز قيمته ثمانية ملايين يورو حتى نهاية العام ” للمشروع الذي أطلق عليه ” التحالف من أجل الساحل ” , بالإضافة إلي 70 عربة , علماً بأن تكلفة هذه القوة تبلغ 423 مليون يورو , لكنه أوضح أنه ” لضمان دعم مستدام سيكون عليكم وعلى جيوشكم أن تقتنع بأن مجموعة دول الساحل الخمس يمكن أن تكون فاعلة في نطاق احترام الاتفاقيات الإنسانية (..) يجب أن تكون هناك نتائج لإقناع شركائنا ” , كما دعاهم إلى تنفيذ “إصلاحات مؤسساتية وجهود فيما يتعلق بالحوكمة والتي تطالب بها شعوبكم ” , وفي 19 مايو 2017 وفي زيارته لمالي وفي شمالها وبمدينة Gao خاطب الرئيس الفرنسي جنود عملية Barkhane العسكرية , ثم بعد ذلك وفي 23 ديسمبر 2017 توجه إلي النيجر لزيارة القاعدة الجوية الفرنسية في NIAMEY والتي قوامها 700 من العسكريين الفرنسيين , وهناك أعاد التأكيد عليهم ولمن يسمعه أن فرنسا سوف لا تتخلي عن المنطقة للمُتطرفين وقال ما نصه ” إن الساحل منطقة ذات أولوية وتلعب دوراً في مستقبل القارة الأفريقية , لكنها أيضاً وعلي نحو مُساو وبدون شك هي أيضاً جزء من مستقبلنا نحن, فلا ينبغي لنا أن نترك الساحل في أيدي الإرهابيين “ ثم قال في موضع آخر  “يجب أن نظهر لهم أننا هنا وأننا كسبنا أرضاً مرة ثانية وأننا يجب أن نستعيد ثقتنا في شركاؤنا جيوش المنطقة بإمدادهم بدعمنا لإعادة التمركز بالمنطقة , ونحن بحاجة لتنسيق دفاعنا ونطور الجهود وجهودنا الدبلوماسية , فهذه هي إستراتيجيتنا التي نرسيها ” , وفي تقديري أن عبارة ” لا ينبغي لنا أن نترك الساحل في أيدي الإرهابيين ” تعتبر وحدها كافية للتعرف علي الخلفية والمبررات التي تشحذ علي أساسها العسكرية الفرنسية جماع إمكانياتها للتوجه صوب الصحراء الكبري لمحاربة القوة الوحيدة الممانعة لوجودها الإقتصادي والعسكري , فالرئيس الفرنسي يؤكد أنه لن يترك الساحل في أيدي من سماهم “بالإرهابيين “وهم فئة مُضطردة العدد من أصحاب هذه الصحراء , فيما لم يسأل أحد من رؤساء دول قوة الساحل الخماسية نفسه : من يكونEmmanuel Macron  حتي يعطي لنفسه حق ليس له في أن يترك أو لا يترك الساحل في أيدي من وصفهم بصفة أحادية بأنهم إرهابيين ؟ إنه الصلف وإنه إنعدام الخجل والحياء عند أمثال هؤلاء .

إن فرنسا في عهد الرئيس Macron تتبني – من أجل توسيع مدي مصالحها وربما مضاعفتها –  نهجاً ترابطيا , فقد قال الرئيس Macron في مقابلة معه أجرتها و نشرتها صحيفة Le Monde الفرنسية في 17 أبريل 2017 ما نصه ” أود إرساء شراكة طموحة بين فرنسا و أوروبا ودول البحر المتوسط وأفريقيا من شأنها تعزيز مصالحنا المُتبادلة في كل المجالات المناخ والتجارة والوظائف والإبتكار , ولكن أيضاً في الأمن والإستقرار ” , وفي الواقع فإن الإستراتيجية الفرنسية بغية تحقيق المصالح العُليا لا تقتصر فقط علي إستخدام الوسائل العسكرية و الخبرات والتراث الدبلوماسي والإستثمارات الفرنسية فهناك أيضاً – كما تفعل الولايات المتحدة –  وسيلة المعونات التي تدير بها فرنسا الإنحرافات الناشئة عن إختلاف زوايا الرؤيا بينها وبين بعض الأنظمة الأفريقية تعييناً , فقد كشفت الحكومة الفرنسية في 12 فبراير 2018 عن خطتها بشأن معونات التنمية التي تقررت بموجب إجتماع اللجنة الوزارية للتعاون الدولي والتنمية  والذي أعلنت الحكومة الفرنسية في أعقابه عن أن هذه المعونات ستصبح بنسب تصاعدية تبدأ بنسبة0,44%  عام 2018 إلي أن تصل إلي ما نسبته 0,55% من صافي الدخل القومي الفرنسي وذلك حتي عام 2022 .     

أشارت وكالة Associated Press في 9 يونيو 2017 إلي أن فرنسا طلبت عبر سفيرها لدي الأمم المتحدة Francois Delattr موافقة مجلس الأمن الدولي بالترخيص لقوة الساحل الخماسية التي قال إنها “أفضل وسيلة لمحاربة التطرف في المنطقة” , وبالفعل قامت البعثة الفرنسية في 9 يونيو بتعميم مشروع قرار بهذا المعني علي أعضاء مجلس الأمن علي أن يكون التصويت عليه بعد أسبوع , لكن مسئولاً أمريكياً طلب إغفال اسمه أشار وفقاً لوكالة  Associated Pressإلي أنه ” بينما تدعم إدارة الرئيسTrump إنشاء هذه القوة من الوجهة المبدئية بإعتبارها نموذجاً مُحتملاً للجهود الأفريقية لمحاربة الإرهاب , فإن الإدارة لا تعتقد أن قرار مجلس الأمن في هذا الشأن ضروري من الوجهة القانونية لتمركز هذه القوة , فقوة الساحل الخماسية يجب أن تعمل بدون موافقة من الأمم المتحدة شأنها شأن القوة التي تعمل في حوض بحيرة تشاد لمحاربة Boko Haram , إذ ليس هناك ثمة سبب مُقنع لإعطاءها ترخيصاً من الأمم المتحدة تحت الباب السابع من ميثاق الأمم المتحدة ” , وفي تقديري أنه حتي لو إفترضنا أن الأمم المتحدة أجازت هذه القوة تحت الباب السابع من ميثاقها , ففي هذه الحالة عليها أن تتولي أمر إقامتها والإنفاق عليها وهو أمر أصبح في منتهي الصعوبة فللأمم المتحدة حالياً حوالي 100,000 فرد ما بين مدنيين وعسكريين وشبه عسكريين من 124 دولة عضو بها  مُنخرطين في قوي حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة موزعين علي 16 عملية حفظ سلام تعمل تحت علمها , وهناك صعوبات مالية جمة تواجهها خاصة بعد أن وافقت في جلسة للجمعية العامة في 30 يونيو 2017علي تخفيض أكثر من نصف مليار دولار من ميزانية عمليات حفظ السلام , وذلك بسبب تعرض المنظمة الدولية لضغوط أمريكية لخفضها , وقد أجازت المنظمة الدولية تمويلاً بمبلغ 6.8 مليار دولار للفترة من يوليو 2017 إلى يونيو 2018، بالإضافة إلى 500 مليون دولار أخرى من المتوقع إضافتها إلى الميزانية في الأشهر اللاحقة , وبذلك يصل إجمالى الميزانية إلى 7.3 مليار دولار مقارنة بـ 7.9 مليار فى العام السابق , وكان مكتب الميزانية في إدارة الرئيس دونالد ترامب قد أصدر خططا لخفض مساهمة الولايات المتحدة فى عمليات حفظ السلام بما يقرب من مليار دولار في يونيو 2017 , إذن لم يبد الأمريكيون حماساً ملحوظاً في البداية لتقديم دعم مالي لقوة الساحل الخماسية التي لا تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة المباشرة لسبب قانوني ولا حتي تحت مظلة الإتحاد الأفريقي  , ومع ذلك ظلت فرنسا تضغط علي الولايات المتحدة بوسائل مختلفة بعضها يتعلق بملفات ثنائية بها نقط إختناق يمكن فك شفرتها لو أن الولايات المتحدة إستجابت فقدمت الدعم اللازم لهذه القوة , لكن يمكن القول إختصاراً أن مباحثات مُكثفة جرت    حاولت خلالها باريس إقناع واشنطن بتقديم دعم مالي مباشر لإنشاء القوة الخماسية عبر الأمم المتحدة , لكن الولايات المتحدة رفضت خلالها مبدأ تقديم مساهمتها عبر الأمم المتحدة أو مباشرة للإتحاد الأوروبي أو غيره وظل أمر المساهمة غير معروف بصفة مُحددة حتي نهاية أكتوبر   2017 , وعلي التوازي قام رئيس دورة مجلس الأمن الدولي وهو الفرنسي Jean-Yves Le Drian  بالدعوة لجلسة إستثنائية لمجلس الأمن تركزت علي مناقشة إنقاذ ما يُسمي بقوة الساحل الخماسية التي قدر البعض تكلفة إنشاءها ما بين 250 إلي 450   مليون يورو , وتأمل فرنسا في تلقي مساهمات من دول أوروبية (قال قصر الإليزيه إن فرنسا تعول خصوصا على ألمانيا وهولندا وبلجيكا ) ، ودول آسيوية (يُعتقد أنها الصين واليابان) بصفة أحادية , تُضاف إلي ما تعهد الإتحاد الأوروبي بالمساهمة به ويبلغ 60 مليون يورو مع المساهمة الفرنسية البالغة 8 مليون يورو , وبلغ الإصرار الفرنسي مبلغه في سبيل تحقيق رغبتها لإقامة قوة الساحل الخماسية التي بدا إنشاؤها وكأنه أمر مُتعلق بسمعة فرنسا نفسها , إذ وجهت الرئاسة الفرنسية في نهاية أكتوبر 2017 الدعوة لأعضاء مجلس الأمن الدولي الخمس عشر لزيارة عواصم دول القوة الخماسية للساحل وكانت هذه الزيارة في الفترة من 19 إلي 22 أكتوبر 2017 , وكان الهدف الرئيسي من هذه الدعوة حث أعضاء مجلس الأمن بما فيهم الولايات المتحدة علي تقديم الدعم الممكن لإرساء هذه القوة الخماسية من خلال ترتيب لقاءات لممثلي هذه الدول خاصة الدائمين منهم مع رؤساء دول القوة الخماسية للساحل والذين نسقت فرنسا معهم صياغة مضمون ما سيقولونه لهؤلاء وهو مضمون لا يُتوقع أن يخلو من تعظيم مخاطر “الجهاديين” علي إستقرار الأمن والسلام في الساحل وتهديد مصالح الدول الكبري بالمنطقة ودعم العلاقات الثنائية  ,  وهو ما تحقق ففي النهاية أعلن وزير الخارجية الأمريكي Rex Tillerson في 30 أكتوبر 2017 عن تقديم عون مالي يمكن أن يبلغ نحو 51 مليون يورو يُوجه بصفة ثنائية للدول أعضاء قوة الساحل الخماسية , وتعد  هذه المساهمة الأمريكية تنازل أمريكي كبير في ضوء القرار الأمريكي بخفض مساهمات الولايات المتحدة في ميزانية عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في يوليو 2017, وقد ترك الوزير Tillerson لمندوبة الولايات المتحدة لدي الأمم المتحدة Nikki Haley مسألة توضيحية تتعلق بهذه المُساهمة الأمريكية , إذ كان عليها بيان أن هذه المُساهمة لن تُوجه للأمم المتحدة لتمويل القوة الخماسية , وبرر Andrew Lebovich الباحث المُتخصص في شؤون الساحل بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ذلك الموقف الأمريكي بقوله أن ” إدارة الرئيس Trump قالت وبوضوح أن ثقتها في الأمم المتحدة محدودة جداً …. وأنها لشديدة الحذر من منح تفويض كبير جداً للقوة الخماسية , وهي تخشي من ألا تدفع الأمم المتحدة التكاليف في نهاية المطاف ومنها المساهمة الأمريكية ” وتابع بقوله ” إنها معركة لابد لنا من أن نظفر بها فهذه الأموال ستلعب دوراً رئيسياً لتحقيق ذلك ” , وهو تقريباً ما أشارت إليه السيدة Haley مندوبة الولايات المتحدة بالأمم المتحدة إذ أنها قالت ” نعتقد أن قوة الساحل الخماسية G5 يجب أولاً وقبل كل شيئ أن تكون ملكاً لدول المنطقة أنفسها , ونحن أيضاً لدينا تحفظات جدية ومعروفة للكافة بشأن إستخدام الموارد من قبل الأمم المتحدة لدعم أنشطة لا علاقة لها بالأمم المتحدة ” , لذلك في إعتقادي أن الموقف الامريكي بالطبع لم يكن مُوجهاً ضد القوة الخماسية في حد ذاتها لكنه موقف مُؤسس علي السلوك السياسي الأمريكي القائم علي ترك مسافة ما بين الموقفين الأمريكي والفرنسي ليتأكد الفرنسيين من أن الموقف الأمريكي ليس موقفاً مُتماهياً مع الموقف الفرنسي أو علي الأقل ليس مُتطابقاً بالضرورة معه , كما أن الولايات المتحدة وتحديدأً إدارة الرئيس Trump وضعت قاعدة مؤداها التخفيف من المساهمات الأمريكية في قوات حفظ السلام الأممية خاصة أن تعلقت مهام حفظ السلام تلك بأفريقيا , ذلك أن الولايات المتحدة تحتفظ بتقرير أمر المساهمة في عمليات حفظ السلام بأفريقيا لقيادتها العسكرية لأفريقيا AFRICOM بحيث تحقق هذه المساهمات – إن تقررت – وزناً إستثنائياً وإضافة للعلاقات الثنائية ما بين AFRICOM والدول الأفريقية , خاصة بعد الإهانة التي تلقتها الدول الأفريقية جميعاً من الرئيس الأمريكي Donald Trump والتي قال سفير غينيا الإستوائية Anatolio Ndong Mba  رئيس المجموعة الأفريقية بالأمم المتحدة بشأنها بعد الإجتماع المُغلق الذي طلبته السفيرة Nikki Haley مع المجموعة الأفريقية ” أنه لا يتوقع أن إعتذاراً عن هذه الإهانة سيصدر ” ثم أضاف ” ربما سيكون هناك إعتذار من الرئيس Trump للقادة الأفارقة في قمتهم بإثيوبيا في 28 يناير 2018″ , وعلي كل الأحوال ففي تقديري أن الولايات المتحدة قررت توجيه مساهمتها المالية بصفة ثنائية للدول الخمس التي تتكون منها القوة الخماسية للساحل مما يحقق للولايات المتحدة وضع اليد العُليا Upper Hand  , إذن ليس هناك ما يبرر إنقاص أهمية وفاعلية المساهمات المالية الأمريكية لتُستنفذ أو تتبخر وهي في أيدي إدارة عمليات حفظ السلام بالأمم المتحدة , كما أن الموقف الأمريكي بهذه الكيفية ربما إستهدف الحد من التأثير الدبلوماسي لفرنسا في أهم دوائر عمل الأمم المتحدة وأعني بها إدارة عمليات حفظ السلام التي أصبحت تستخدم – حسب الحالة – بواسطة القوي الدولية الكبري كواحدة من بين وسائل متنوعة تتوفر لدي الأمم المتحدة لتحقيق مآرب كل أو بعض أو أحد هذه القوي الدولية .

موقف الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي :

أكد الأمين العام للأمم المتحدة في تقرير رفعه في أكتوبر 2017إلى مجلس الأمن الدولي على زيادة الدعم الدولي للقوة المشتركة بين الدول الخمس في منطقة الساحل الأفريقي وهو ما يتسق مع رؤيته للوضع في مالي , فقد صرح في 29 أكتوبر2017 وأشار إلي”أن إستجابة مُتعددة الأبعاد Multidimensionnelle هي وحدها التي نستطيع بها وضع نهاية لإنعدام الأمن في مالي” , وبالتوازي مع ذلك أجرى مندوبي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي في 20 أكتوبر 2017 مباحثات في العاصمة الموريتانية نواكشوط مع مسؤولين ووزراء موريتانيين تناولت سبل إنشاء وتمويل قوة مكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي , لكن وفي إتجاه واقعي آخر أشار السيد Jean-Pierre Lacroix رئيس عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في إجتماع بمجلس الأمن الدولي في 29 يناير 2018 تناول فيه إهتمامات سياسية وعسكرية رئيسية بشأن مالي في إطار التحضير للإنتخابات بها في أبريل 2018 , وأشار إلي أن الموقف في مالي يعد سباقاً مع الوقت بسبب تصاعد عدم الأمن هناك ومقتل المئات من المواطنين بشمال ووسط مالي , في الوقت الذي تتعرض فيه قوة الأمم المتحدة لحفظ السلام لهجمات , كل هذا مع تردي الوضع الإنساني وفي مجال حقوق الإنسان ومواجهة ما يربو علي 4 ملايين نسمة أو ما نسبته 22% من شعب مالي لأزمة غذائية هذا العام وفقاً للسيدLacroix وأن هذه النسبة يمكن أن تزيد فيما بين 30% إلي 40% في مناطق شمال مالي .

تحدد موقف الإتحاد الأفريقي من منهجية تشكيل قوي حفظ السلام المختلفة والقوات الإقليمية المُنتشرة في ربوع القارة منذ مستهل تسعينات القرن الماضي , بمعني أوضح فإن الإتحاد الأفريقي قبل بمبدأ مساهمة المانحين الدوليين في إنشاء هذه القوي في المناقشات المُتعلقة بالموضوع  آنئذ , وهو المبدأ الذي عارضته بعض الدول الأفريقية من الوجهة المبدأية كالسودان الذي كرر إعتراضه في حالة أخري هي حالة آلية فض المنازعات الأفريقية إذ صرح مدير الإدارة السياسية بالخارجية السودانية في 21 نوفمبر 1993بأن بلاده تتحفظ علي عدم تمكن الجهاز المركزي الأفريقي المُزمع إنشاؤه من تدبير الإلتزام المالي اللازم والخشية من إتصال الآلية بجهات إقليمية ودولية للمساعدة في تمويله مما ينشأ عنه ثغرة واضحة للتدخلات الأجنبية مُشيراً إلي ان الإجتماع الوزاري الذي عُقد بأديس أبابا في الفترة من 17 نوفمبر إلي 25 نوفمبر 1993 بمقر المنظمة ناقش موضوع هذه الآلية  وأظهرت المناقشات أن هناك من الآراء ما يُعزز تحفظات السودان تجاه تمويل هذه الآلية ,  كذلك فقد كانت أنجولا من بين الدول التي أوضح أمين عام وزارة خارجيتها  في 10 يناير 2004 أن الجانب المالي هام عند النظر إلي مسألة إنشاء قوة عسكرية أفريقية , خاصة وأن ميزانية عمليات حفظ السلام الأفريقية لم يُصادق عليها بعد (في ذلك الوقت) وأن بأفريقيا كثير من الصراعات والأزمات لكنها أي أفريقيا لا تمتلك الموارد المالية لمواجهة ذلك وأنه لتشكيل هذه القوة فلا يجب علي أي دولة أن تمارس هيمنتها أو تعلو في ذلك علي أي دولة أخري , وأن علي كل منطقة بأفريقيا أن تتشاور دولها وتحلل الأمر ثم تتقدم بوجهة نظرها فيما يتعلق بالأمر كله , أما ليبيا فقد أوضح موقفها الزعيم الليبي القذافي الذي قال أمام الإجتماع الثامن لآلية فض النزاعات الأفريقية الذي عُقد بطرابلس في 16 يناير 2002 أن اللجوء لمجلس الأمن لحل المشكلات الأفريقية ومشاركة دول كبري في حل تلك المشكلات من شأنه في الغالب إضعاف مواقف الدول الأفريقية , وأن وجود قوات بريطانية في سيراليون مثلاً كان أمراً مُخجلاً للأفارقة , وطالب بضرورة حل المشاكل الأفريقية بالحوار ومن خلال جهود أفريقية , وكلام القذافي بالرغم من أنه يتصل بآلية فض المنازعات الأفريقية إلا أنه – في تقديري – ينصرف في معناه أيضاً إلي إنشاء الألوية الأفريقية الخمس بمساهمات تمويلية من الدول الكبري المانحة أيضاً  , وعلي كل حال ومنذ ذلك الحين وبعد إقرار مبدأ قبول هذه النوعية من المساهمات من خارج الإتحاد الأفريقي نفسه , تشكلت قوي مختلفة تشترك فيها الإرادة المالية / السياسية للقوي الغربية المانحة مع الإرادة الأفريقية غير المُستقلة عن المانحين الدوليين مُمثلة في الإتحاد الأفريقي , وضعاً في الإعتبار أن المجلس التنفيذي للإتحاد الأفريقي أصدر قراراً في إجتماعه بجنوب أفريقيا عام 2003 بشأن إنشاء القوة الأفريقية الجاهزة ولجنة الأركان العسكرية التابعين للإتحاد الأفريقي وتلي هذا القرار الإجتماع الأول لوزراء الدفاع والأمن الأفارقة  في أديس أبابا في يناير 2004 لدراسة الوثيقة الخاصة بالسياسة الأفريقية المُشتركة للدفاع والأمن , وذلك تنفيذاً للتوصية الصادرة عن قمة الإتحاد الأفريقي في مابوتو بموزمبيق في يوليو 2003, وقد أصدر هذا الإجتماع عدة قرارات عُرضت علي قمة سرت بليبيا في فبراير 2004 التي أوصت هي الأخري بإيلاء أولوية لتفعيل   “مجلس السلم والأمن ” التابع للإتحاد الأفريقي , وتكوين القوة الأفريقية الجاهزة وقوامها 15,000 عسكري  بواقع 3,000 عسكري لكل لواء من الألوية الخمس المُتفرعة عنها والمُوزعة جغرافياً علي أقاليم القارة الخمس وذلك بهدف زيادة قدرة الدول الأفريقية علي مواجهة الصراعات وحفظ السلام بسرعة وبكفاءة , وكان من المُتوقع بداية عمل هذه الألوية الخمس عام 2010 بحيث يتمركز كل لواء في إقليمه خلال شهر من صدور التعليمات من مجلس السلم والأمن الأفريقي بناء علي تفويض من الأمم المتحدة وفقاً لما تنص عليه المادة 53 بالفصل الثامن من ميثاق الأمم المُتحدة بشأن دور المُنظمات الإقليمية في حفظ السلم والأمن , لكن شيئاً من ذلك لم يحدث  , ومن بين إشارات عديدة بشأن تمويل القوي الكبري للتجمعات العسكرية ومنها القوة الخماسية للساحل بالطبع وغيرها ما أشار إليه  السفير الأنجولي Nelson Manuel Cosmhgstdv  الأمين المُساعد للتجمع الإقتصادي لدول وسط أفريقيا حيث قال ” أن ورشة العمل الفنية التي إستضافتها العاصمة الأنجولية Luanda في 10 مارس 2006 وتناولت  تكوين وتدريب وتقييم عناصر القوة الأفريقية الجاهزة وضمت ممثلين عسكريين للدول الأفريقية أعضاء اللواء الجاهز ASFA  بحضور ممثلين عن حلف NATO وممثلين عن كل من : قيادات أركان الدول أعضاء التجمع الإقتصادي لدول وسط أفريقيا CEEAC والرابطة الأفريقية لدعم السلام والأمم المتحدة وأربع دول من مجموعة الثماني هي الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا , صدر عنها عدة وثائق من بينها ما يتعلق بعقد إجتماعات تنسيقية مع الدول المانحة وأن مشاركة كل الكيانات الحاضرة في ورشة العمل ومنها حلف NATO وغيره أعانت علي التوصل إلي الوثائق الصادرة والمُتعلقة ببعثات حفظ السلام المستقبلية والتي يدخل في إختصاصها أيضاً التكامل الإنساني والأمن والإستقرار في أفريقيا , كما أن ورشة العمل تلك تناولت تحديد للجوانب المالية وغير المالية وإنفاذ المهام في عملية مُستمرة تفاعلية , وهذا كله يعني أمران رئيسيان هما (1) أن هناك حيزاً رئيسياً داخل خطط تكوين قوات حفظ السلام الأفريقية وتلك المعنية بمواجهة ما يُسمي بالإرهاب يفي بتحقيق أهداف القوي الكبري المانحة وربما تتجاوز مساحة هذا الحيز الوزن النسبي للمساهمات المالية التي تمنحها هذه القوي الدولية الكبري و(2) أن الحفاظ علي وتنمية مصالح القوي الكبري المانحة هو وليس إرادات الدول الأفريقية المُحدد الحاسم في الحصول علي تمويل بعض التنظيمات العسكرية لمواجهة ” الإرهاب ” والذي له أولوية سابقة في التمويل يسبق التنظيمات العسكرية التي مهامها مُنحصرة في فك الإشتباك في الصراعات الداخلية الأفريقية , ومن بين مؤشرات التمييز بين هذين النمطين إندفاع أو تباطؤ القوي الدولية الكبري في مجلس الأمن الدولي لإستخلاص قرار مُنشئ لقوة معنية بمكافحة الإرهاب أو لقوة معنية بفك إشتباك بين طرفي صراع داخلي  .

 في الإطار المُتقدم خاطب رئيس مفوضية الإتحاد الأفريقي Moussa Faki من خلال مؤتمر مُتلفز Visioconférence بمجلس الأمن الدولي في 31 أكتوبر 2017 بمناسبة الإجتماع الوزاري لمجلس الأمن والمُخصص لعرض تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن قوة الساحل الخماسية , وهو الأمر الذي يعكس أولويات أوضحها السيد موسي فقيه في مقابلة له مع مُوقع The African Report  في 15 يناير 2018 أشار فيها إلي أنه ” في الساحل لدينا حالة مالي ولقد وضعنا لها قوة الساحل الخماسية ” وأستطرد قائلاً ” من الواضح اليوم أن العمليات النمطية لحفظ السلام لم تعد مُجدية بحيث تستوعب التهديدات الجارية أو تواجه الإرهاب , وأنه لهذا السبب كان من الضروري علي أعضاء الأمم المتحدة ودول القوة الخماسية للساحل أن يضعوا هذه الحقيقة في إعتبارهم , إذ أن هناك ثمة تهديدات حقيقية ومن المُحتم إيجاد حلول لإستعادة السلام , فهذه الجماعات الإرهابية ومهربي السلاح والبشر من كل نوع مُجهزين عدداً وعدة , وأحياناً بأفضل مما عليه البلدان التي تعمل علي مواجهتهم ” ثم أردف قائلاً ” وإني حقيقة لا أفهم لماذا لا يكون مُمكناً تمويل عمليات قوة الساحل الخماسية لأنها مهمة معنية كليةً بمحاربة الإرهاب , وكلنا يعرف أنه تهديد حقيقي للسلام والأمن , إنه من الضروري بصفة مُطلقة موائمة مهام حفظ السلام وعملياته كي تواكب الحقائق علي الأرض , كما أنه من المهم أن نأخذ في إعتبارنا وجهات نظر الإتحاد الأفريقي والمبنية علي تقييم أفضل للموقف بالقارة ” , وفي تقديري أن السيد Moussa Faki يبالغ كغيره من مسئولي الإتحاد الأفريقي والدول التي تتكون منها القوة الخماسية في إمكانية حسم هذه القوة الناشئة لمعركتهم هم ضد من يسمونهم “إرهابيين” مع أنهم معارضين مجرد معارضين سُدت أمامهم أبواب المشاركة في أو تولي السلطة في بلدانهم بشتي الطرق وبدعم من القوي الكبري المانحة للتمويل المُوجه لإنشاء قوة الساحل الخماسية أو G5 Sahel , وهو أي السيد Moussa Faki يعتقد أن الكل سيأخذ بوجهة نظره بشأن هذه القوة التي تقوم علي أساس من إعتباره لها بأنها “غير نمطية” , إذ ما الجديد الذي ستأتي به هذه القوة ولم يُجرب بعد ؟ , فهي لن تتجاوز مهما فعلوا حد الإنتشار في المساحات المُتبقية ولم تتمدد فيها بعد القوة الفرنسية لعملية Opération Barkhane وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار بماليUNITED NATIONS MULTIDIMENSIONAL INTEGRATED STABILIZATION MISSION IN MALI والقوة المُشتركة مُتعددة الجنسيات Multi National Joint Task Force التي تقودها نيجيريا والمعنية بمواجهة جماعة Boko Haram في إقليم حوض بحيرة تشاد والذي يشمل أجزاء من أراضي نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون المحيطة ببحيرة تشاد , كما أن سيادته لم يقدم لنا دليلاً ملموساً علي أن قوة الساحل الخماسية لن تكون نمطية كسابقاتها خاصة وأن دعاوي ” الحرب علي الإرهاب ” الجزء المطمور منها قائم علي عدد من الأوهام العمدية والمًصطنعة سواء من دول كبري تمول مثل هذه القوات أو من قادة الدول الأفريقية دائمي الإعتذار بالحرب علي الإرهاب لتبرير وتسويغ عجزهم عن تحقيق التنمية الحقيقية الملموسة لأوطانهم وإعتمادهم علي التماهي مع والإستجابة إلي رغبة القوي الدولية بإستعادة إختراق آلاتهم العسكرية للأوطان الأفريقية سواء بإستزراع الفكر الذي تعتنقه العسكريات الغربية وهوإستعماري من جذوره في داخل العسكريات الأفريقية أو مباشرة بالمشاركة تحت دعاوي مختلفة في الحملات العسكرية التي تأخذ مسميات كقوة الساحل الخماسية , والتي يؤكد إنشاءها بطلان دعاوي الإتحاد الأفريقي عن الألوية الخمس الجاهزة التي خطط لها , ففي منطقة حوض بحيرة تشاد ومنطقة الصحراء الكبري تعمل قوة مُتعددة الجنسيات Multi National Joint Task Force  , وخلال مارس 2018 ستعمل قوة الساحل الخماسية G5 Sahel , والسؤال المنطقي أين دور ألوية الإتحاد الأفريقي الخمس  ؟ الإجابة يمكن إستنتاجها من تصريح أدلي به Chergui مفوض مجلس السلم والأمن للإتحاد الأفريقي AUPSC لوكالة الأنباء الصينية Xinhua في 29 يناير 2018 أشار فيه إلي أن مؤتمراً حول أزمة منطقة الساحل بنواكشوط علي وشك الإنعقاد قريباً , وسيعقبه مؤتمر آخر حول أزمة حوض بحيرة تشاد في وقت قريب بعد مؤتمر أزمة الساحل , وأنه إتصالاً بذلك فسوف يأتي لأديس أبابا السيد Jeffrey D. Feltman مساعد الأمين العام العام للأمم المُتحدة للشئون السياسية لمناقشة الوضع في هاتين المنطقتين والإعداد للمؤتمرين , هذه هي المساحة التي يعمل في حدودها الإتحاد الأفريقي .

أدوار دول القوة :

في الواقع هناك تداخل ما بين دوري النيجر ومالي إذ أن عمليات إختطاف الخبراء الفرنسيين العاملين في مناجم اليورانيوم في شمال النيجر المُشار إليها آنفاً كانت مالي تمثل فيها الوجهة النهائية للخاطفين في أغلب الأحوال , بالإضافة إلي أن شمال مالي لأسباب مختلفة أهمها أن صحراء الجزائر كانت بمثابة الحائط الذي تستند عليه الجماعات الإسلامية المعارضة المُسلحة وتتلقي الدعم من الموارد البشرية والتمويل مما وراءه  , ولذلك لا يجب أن نغفل أن إتساع مدي العمل من شمال النيجر لشمال مالي ثم الصحراء الجزائرية كان ومايزال مدي منهك ومن غير الممكن الحركة الحرة الفعالة فيه لأي قوة عسكرية محترفة , ومن هنا يمكن تصور تناقص القدرة الفرنسية علي تغطية هذه الجبهة المُتسعة الصعبة من الوجهتين المناخية والجغرافية , وبناء علي ذلك يمكن بيان تداخل دوري النيجر ومالي من واقع حدثين رئيسيين هما إختطاف الخبراء التعدينيين الفرنسيين من مناجم اليورانيوم في شمال النيجر من مدينة Arlit وهو ما سبقت الإشارة إليه , وإنقلاب مالي العسكري في 22 مارس 2012, هذا مع ملاحظة أن جبهة شمال مالي وشمال النيجر من وجهة نظر عسكرية فرنسية تعد جبهة واحدة ذات خطر مزدوج ومُتداخل , فالمصالح الفرنسية مُتمثلة في ضرورة إنتظام إستخراج اليورانيوم من مناجمه بشمال النيجر التي تُهاجم بصفة مُتكررة بواسطة مقاتلي المجموعات الإسلامية المعارضة التي تتخذ من شمال مالي ملاذاً تؤثر سلباً علي الأمن القومي الفرنسي ذلك أن تموين المفاعلات النووية الفرنسية وهي لا تقل عن 58 مفاعل مُنتشرة في ربوع فرنسا لا يمكن السماح بتعريض إنتاجها من الكهرباء لا للتناقص ولا لعدم الإنتظام , ومن ثم فلابد من تحقيق أقصي معدل إستقرار لعمليات إستخراج يورانيوم النيجر وإنتاج الكعكة الصفراء أو Yellow cake ثم نقلها براً بالنيجر حتي تصل الشحنات  لميناء Cotonou بجمهورية بنين ومنه تتجه لفرنسا علي متن قطعة بحرية عسكرية فرنسية , وفي ضوء ذلك كان من المُحتم عسكرياً إعتبار جبهتي شمالي مالي والنيجر جبهة واحدة ومن هنا ولأسباب أخري يمكن فهم إصرار فرنسا علي تكوين قوة الساحل الخماسية والتي تدرك مالي والنيجر أنهما نقطة إرتكازها أو Focal Point , وفي هذا الإطار عُقد في 8 مايو 2011 إجتماع بقصر المؤتمرات بنيامي عاصمة النيجر لوزراء دفاع ورؤساء أركان الدول أعضاء بلجنة حوض بحيرة تشاد CBLT وكان الموضوع الرئيسي هو ” الأمن في نطاق حوض بحيرة تشاد ” وبصفة أكثر تحديداً بحث المُشاركون إعادة تنشيط ما يُطلق عليه ” القوة المُشتركة مُتعددة الجنسيات للأمن ” وذلك تأميناً للنطاق الجغرافي لهذه البحيرة والدول المُتشاطئة عليها وهي تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطي (الأخيرة مُراقب)  , وقد أشار وزير دفاع النيجر في الإجتماع إلي ” أنه بينما كان الغرض من إقامة لجنة حوض بحيرة تشاد وما حولها هو الحفاظ علي البيئة , فإن هناك ثمة تحد آخر طرأ , ألا وهو أمن وسلام البحيرة ومُحيطها وهو نطاق يجمع 5 دول أعضاء في لجنة حوض البحيرة ” , ثم أشار إلي ” هذه المنطقة ظلت عبر السنين نطاقاً بلا قانون مما يسر كافة عمليات التهريب وتداول كافة أنواع السلاح , وبالتالي ساد الإرهاب والجريمة المُنظمة , كما أن حجم المشكلة إستدعي أن يجتمع رؤساء دول CBLT في N’Djamena عاصمة تشاد في 30 أبريل 2012 في إطار دور الإنعقاد الرابع عشر لقمة لجنة بحيرة تشاد لإتخاذ قرارات هامة من بينها تأمين النطاق الجغرافي المعروف لهذه المنطقة ” , وأضاف الوزير قوله ” إنها مسئولية دولنا لتأمين الهدوء لشعوبها , وذلك إنما يتطلب بالضرورة تواجد حصيف لكنه رادع لقوات الأمن والدفاع بتلك المنطقة , ويبقي القول بأن رئيس النيجر Mahamadou Issoufou قد أشار إلي أن كل الجهود المبذولة ستذهب هباء ما لم يسد السلام بمنطقة حوض بحيرة تشاد ” , ودعا وزير دفاع النيجر المُشاركين إلي التفكير في هذا الأمر أي إلي التفكير في تنشيط لقوة مُشتركة عملياتية مُتعددة الجنسيات لمواجهة مختلف التحديات إظهاراً للتآزر ووحدة العمل , وهذا يعني بوضوح أن دول لجنة حوض بحيرة تشاد ومنها دولتان داخلتان في تكوين القوة الخماسية للساحل إتجه تفكيرهما إلي تنشيط قوة لجنة بحيرة تشاد والمنصوص عليها في ميثاق إنشاء هذه اللجنة , وهو نطاق لا يبدو أن فرنسا توليه الأهمية التي توليها للنطاق الصحراوي الذي من المُرجح أن تعمل في فضاءه القوة الخماسية التي لم يُحدد بعد نطاق إنتشارها , أهو حول بحيرة تشاد ومحيطها لمواجهة تمدد جماعةBoko Haram أم علي نطاق شمالي النيجر ومالي الصحراوي ؟ لكن هذه الإضافة للواجبات والإلتزامات العسكرية لقوات النيجر ومالي التي يمثلها إنضمامهما للقوة الخماسية أكبر من قدراتهما المالية والتعبوية من الموارد البشرية , لكن – وعلي أي الأحوال – فهذه الإضافة للتعبئة العسكرية لقوات محدودة العدد والعدة كجيش النيجر ومالي هي في النهاية واجهة Front أو علي الأقل إسناد ثانوي للقوات الفرنسية في شمال مالي مُتمثلاً في عمليةOpération Barkhane  التي أعلن عن تنفيذها في الأول من أغسطس 2014وكذلك للتواجد العسكري الأمريكي في الصحراء الكبري , فللقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM موقعين تعمل بهما قواتها بالنيجر في إطار ما تصفه هذه القيادة بالتعاون الأمني وأحد هذين الموقعين في العاصمة Niamey والآخر في شمال النيجر بمدينة   Agadezوهو مُخصص للطائرات بدون طيار وهي التي زارها قائد Africom الجنرال Thomas D. Waldhauser في 2 نوفمبر 2016 (أقامت ألمانيا في أكتوبر 2016قاعدة عسكرية في نيامي كنقطة دعم للنقل الجوي من أجل قوة الأمم المتحدة متعددة الجنسيات للإستقرارالمتكامل في مالي MINUSMA) , وقد أشار الرئيس Obama أن عدد هذه القوات بالنيجر يبلغ حالياً 800 رجل بعد أن كان 645 رجل في يونيو 2016.

 إن هذا التواجد العسكري الفرنسي والأمريكي والذي يُعد كثيفاً جداً إذا ما قيس بالوضع الذي كانت عليه العلاقات العسكرية بين دول القوة الخماسية للساحل مثلاً وفرنسا قبل التدخل العسكري الفرنسي في مالي من خلال عملية Serval (التي قُتل من جنودها خلال فترة هذه العملية 22 جندي فرنسي وفقاً للبيانات الفرنسية) وكذا الولايات المتحدة قبل الإعلان عن إقامتها للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا في 6 فبراير 2007 .وفي علي ضوء ما تقدم فإن التوصيف الدقيق لمشاركة القوة مُتعددة الجنسيات لحوض بحيرة تشاد والقوة الخماسية للساحل فيما يُسمي بمحاربة الإرهاب  لا يتعدي حد الإسناد Backing للتواجد العسكري الفرنسي وإن كانت القوة الخماسية للساحل الأكثر قرباً لتحقيق هذا الإسناد , ومن جهة أخري فحتي وإن صدقنا أن محاربة الإرهاب هي المبرر الوحيد    لتشكيل هذه القوة أو تلك أو غيرهما خصماً من التمويل المحدود المُتاح لخطط التنمية ذات الأولويات المُتنافسة , فإن مجرد إصرار فرنسا ورعايتها الدؤوبة لإقامة قوة الساحل الخماسية علي نحو خاص يشير بداهة إلي أن القضية ليست محاربة الإرهاب الذي لا يمكن الإقتناع بسهولة بأنه مُوجه إلي دول القوة الخماسية بقدر ما هو مُوجه لمصالح فرنسا بدول هذه القوة , كما لا يمكن إفتراض أن مصالح فرنسا مُتطابقة مع مصالح دول هذه القوة بل لا يمكن حتي العثورعلي نقطة إلتقاء خارج دائرة التبعية , وربما وجدنا – وهذا الأرجح – نقاط تعارض كثيرة مُنتشرة علي إحداثيات تطور العلاقات الثنائية بين فرنسا وهذه الدول لكنها تذوب ويبطل أثرها كيمياء التبعية , ولهذا فتشكيل القوة الخماسية  تصرف  يُثبت لكل من ألقي السمع وهو شهيد مع أدلة ومواقف أخري أن الإرهاب هو ما تراه فرنسا إرهاباً وبالتالي فإنتشار قوة الساحل الخماسية أو غيرها سيُغطي المدي الذي تري فيه فرنسا إرهاباً , وبناء علي ذلك ومرة أخري ينبغي القول أن عسكريات دول الساحل والصحراء عسكريات تابعة للإستراتيجية العسكرية الفرنسية والسياسات المُنبثقة عنها .

كان إنقلاب مالي في تقديري كارثة جيوستراتيجية  لها تأثير ستصل موجاته لاحقاً علي الأمن القومي لدول العالم العربي بالجناح الأفريقي مع تمدد الأثر العملي Impact لعسكرة فرنسا والولايات المتحدة وبينهما الإتحاد الأوروبي للصحراء الكبري التي للدول العربية الأفريقية إمتداد في هذه الصحراء , وربما لم ينتبه –ومايزال – المسئولين العسكريين والأمنيين بدول عالمنا العربي في جناحه الأفريقي إلي مجمل الخطر التراكمي علي الأمد البعيد الناشئ عن عسكرة الصحراء الكبري التي بدأت تتكثف وتتبلور أكثر منذ إنقلاب مالي في 22 مارس 2012 فلقد أُطيح من خلاله برئيس مالي الذي كان حريصاً علي الحفاظ علي التوازنات الدقيقة والمُستقرة إلي حد بعيد بمالي , ولم يكن هذا الحرص محلاً لرضي الفرنسيين فبقاء الرؤساء بأفريقيا الفرانكفونية في مناصبهم رهن بتحريهم منتهي الدقة والسرعة في تحقيق مُنضبط للمصالح الفرنسية العُليا , ولهذا مثلاً تجدهم في منتهي المرونة لدرجة السيولة وهم يصدعون لأوامر باريس , ولعلك سيستبد بك بعض الغضب والكثير من الدهشة وأنت تسمع تصريحات لرئيس النيجر Mahamadou Issoufou ومنها تصريحه لصحيفة Le Journal du Dimanche في 18 يونيو 2012 الذي قال فيه رداً علي سؤال عما إذا كان يمكن إنقاذ مالي , فرد بما نصه ” … لا ليس فقط أنه يمكن أن يكون بالإستطاعة فعل ذلك , بل إننا يجب أن ننقذ مالي , فما يجري هناك لأمر خطيرويُعد تهديداً لنا جميعاً , فبالنسبة للنيجر ودول التجمع الإقتصادي لغرب أفريقيا CEDEAO تُعتبر المسألة مسألة أمن داخلي , لكن أوروبا وفرنسا علي نحو خاص هم أيضاً علي شفا الخطر , لأن مالي في سبيلها لأن تصير أفغانستان أخري في أفريقيا ” , وفي رده عما إذا كان التدخل العسكري ضروري في مالي قال ” نعم إنه أمر واضح بذاته فالجهاديون فتحوا شمال مالي ومالم نوقفهم , ففي النهاية ستصبح أفريقيا كلها مُهددة , فها نحن نري النساء في مدن مثل Gao و Kidal وTombouctou بشمال مالي في سبيلهن لأن يُعانين , فهن نساء هادئات مُجبرات علي إرتداء البرقع , وليس هناك مدارس للإطفال ولا مراكز صحية , لا شيئ … لا شيئ بالمرة , إن الجهاديين في سبيلهم لفرض نمط حياة يعود للقرون الوسطيMoyenageux علي الماليين إنها جد لديكتاتورية , إنه أمر غير مقبول , وعلي المجتمع الدولي أن يعرف ذلك , ولهذا ندعو الأفارقة وتجمع CEDEAO إلي إصدار قرار تقره الأمم المتحدة يجيز اللجوء للقوة في مالي ” , وفي تقديري أن الرئيس Issoufou  نسي أو تناسي أن النيجر ذاتها التي يحكمها هو ومعظم الرؤساء من قبله والتي عملت فيها في الفترة من 1989 حتي نهاية عام 1991 ثم سفيراً في الفترة من 2008 حتي 2013 لا تتوفر بها خاصة في شمالها حيث عرب وطوارق النيجر لا مدارس ولا مستشفيات ولا تنمية ولا شيئ , ونسي الإنقلابات العسكريات المُتتالية التي يخطط لها ويدعمها أصدقاءه الفرنسيين أفقرت بلاده وقضت علي خطط التنمية القليلة بها , ونسي أن هؤلاء الجهاديون هم في المبتدئ وفي النهاية إنما هم ثورة علي الإفقار الذي يتجذر بإستمرار طغيان النفوذ الفرنسي علي هذه النوعية من الرؤساء الذين يأتون بعمليات ديموقراطية مُدارة من القوي الخارجية , ولعله يستخدم ” المرأة في بلاده ” ليستدر بالكلام عنها عطف الإعلام الفرنسي الذي عليه أن يهتم “بالمرأة ” مقابل تجاهل الأثر المميت لتعدين اليورانيوم في شمال النيجر ويُصاب بسببه الرجال والنساء في شمال النيجر بالسرطان كما تؤكد ذلك مراراً منظمة Green Peace   ولا يسبب تعدينه المرض الخطير فحسب بل إضافة لذلك يسبب الفقر , فهو المرد النقدي الوحيد لهذا البلد وتستغله فرنسا طيلة منذ إستقلال النيجر في مستهل ستينات القرن الماضي بأبخس الأثمان مما أفقر النيجر وما يزال إفقارها مُستمراً , فهذه المرأة فُرض عليها الفقر وليس الحجاب جراء الإستغلال والنهب الفرنسي لمقدرات بلادها وبعون من قادة بلادها ليست الضحية الوحيدة لفرنسا , كما أنه ولعلم من لا يعلم فزي المرأة في النيجر ودول الصحراء الكبري زي تقليدي ليس  “للجهاديين” دخل فيه كما يحاول رئيس النيجر و الإعلام الغربي وتوابعه في أفريقيا والعالم العربي ترويجه , فنظرة إلي حضارة Tombouctouربما أخرست من يتطاول علي تقاليد هذه البلاد العريقة , لكن الرئيس Issoufou علي كل حال كان مُتحمساً بدرجة محمومة علي القيام بعمل عسكري في شمال مالي , فقد أشارت صحيفة La Source الصادرة في نيامي عاصمة النيجر في 28 يونيو 2012 ” أنه ومنذ أن إنطلق التمرد في شمال مالي (وهو لفظ غير دقيق إذ لم تكن الجماعات الإسلامية المُسلحة كأنصار الدين مُتمردة كما يُشيعون , بل بالعكس هي – كما أشرت – من دافع عن وحدة أراضي مالي فعندما أعلنت الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLAإنفصالها وإستقلالها عن مالي واجهتها وقاتلتها جماعة أنصار الدين في 26 و28 يونيو 2012 ” فوفقاً لما أورده موقع CAM NEWS 24 فإن” مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير أزوادMNLA  الإنفصالية بعد أن أعلنوا إنفصالهم عن مالي قاتلهم وطاردهم مقاتلي أنصار الدين حلفاءهم القدامي بعد قتال عنيف بمدينة Tomboictou , وهم في سبيلهم الآن لأن يُطردوا كذلك من مدينة Gao بشمال مالي , وقد أسفرت المعارك عن مصرع ما لا يقل عن 20 وجرح 14 في معارك الخميس 28 يونيو 2012, وقد أصبح مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير أزوادMNLA  غير مُسيطرين علي أي موقع قوي في شمال مالي” , يعني أن  أنصار الدين الذين وُصموا بأنهم ” إرهابيين” هم من أحبطوا الإنفصال وحافظوا علي الوحدة الترابية لمالي , لكنهم مازلوا يُوصمون بالإرهاب , فيما فر الجيش المالي من أراضي شمال مالي , ومن بين الملاحظات التي سجلتها وقتئذ أن لا حكومة مالي أوالنيجر أو تشاد أو بوركينافاسو وبهذه الدول كتل سكانية طوارقية , إتفقت علي أو هددت بمجابهة حركة تحرير أزواد MNLA عسكرياً أو حتي عاقبت عناصر هذه الحركة فيما بعد , كما تفعل الآن مع من يسمونهم بالإرهابيين أو الجهاديين , والسبب واضح لبعض المراقبين للإنتشار العسكري الغربي في الصحراء الكبري , ففي يناير 2012  والأصوات تتعالي تعالت مُنادية بالتمني لرؤية الموقف هناك في مالي وقد تمت تسويته عبر المفاوضات , ظل الرئيس Mahamadou Issoufou يطرق وبقوة مُكرراً قوله بأن ” اللجوء للقوة العسكرية وحدها هو الذي يمكن به تسوية الصراع في شمال مالي ” , وقد أشارت صحيفة Le Journal du Dimanche  في 18 يونيو 2012  إلي ” أن هذا الموقف من رئيس النيجر القائد الأعلي لقوات النيجر المُسلحة يُعتبر علي يسار المواقف الأخري , ولكن السؤال الأساسي – تقول الصحيفة – هو لماذا يدعو الرئيس إلي إستخدام القوة ضد الإنفصاليين في شمال مالي؟ ولماذا يستمر الرئيسMahamadou Issoufou في التمسك بمنهج إستخدام القوة لتسوية هذا الموقف , فيما الإنقلابيين في مالي والوزير الأول الإنتقالي في مالي والأمم المتحدة مُستمرون في الإعراب عن رفضهم لأي إستخدام للقوة ضد الإنفصاليين ؟ , إن هذا الموقف من الرئيس Issoufou يأتي مُؤكداً لتعقيد موقف النيجر إزاء هذه الأزمة , وأشارت الصحيفة ” إن اللبس والغموض الذي يعتري إدارة هذه الأزمة ناتج عن رئيس بوركينافاسو  Blaise Compaoré ( أحد أهم عملاء فرنسا في أفريقيا) وسيط التجمع الإقتصادي لدول غرب أفريقيا والذي طالب جماعة أنصار الدين بتغيير مطالبها والإنخراط في إطار مطالب الطوارق , فوفقاً لمصادر معينة فإن الإسلوب الإنذاري الذي دأب الرئيس Mahamadou Issoufou علي إستخدامه مع أنصار الدين وغيرها من المنظمات التيار الإسلامي لمنع إنتشار الصراع بمالي وإمتداده إلي النيجر , ثم التصريحات التي تبنت عبارة ” هيا بنا للحرب ” والتي ما فتئ يكررها الرئيس Issoufou ووزير خارجيته محمد بازوم لم تكن أقل أو أكثر من وسائل يحمي بها نظام الجمهورية السابعة للنيجر ظهره , إذ علينا أن نتذكر وليس ذلك بسر خاف علي أحد أن حكومة الجمهورية السابعة تلك تواجه بالفعل سلسلة من المشاكل من بينها الفساد وفتور همة الرجال والنساء الذين يديرون مصير البلاد ” , إضافة لموقف الرئيس Issoufou ردد وزير اخارجيته محمد بازوم (ذو الخلفية الشيوعية) نفس الدعوة , ففي 5 يونيو أشار  موقع S. Afrique إلي أن وزير خارجية النيجر جاء دوره ليذبح خريطة بلاده وهو يقول ” إن الخيار العسكري هو الحل الوحيد لمحاربة قاعدة المغرب الإسلامي ومعها كل من قبل أن يكون مع هذه المنظمة الإرهابية في تحقيق هدفها” , ولقد إتخذت من النيجر مثالاً في موقفها مما يُوصف ” بالجماعات الإرهابية” لأدلل علي أن ما يجمعها رئيسها برؤساء دول القوة الخماسية هو الإستعداد الغريزي لديهم جميعاً للتوافق مع الموقف الفرنسي المُفضل دائما لإستخدام آلته العسكرية لفرض حلول سياسية , مع ان قادة النيجر ومالي إستخدموا المسار التفاوضي عندما أعيتهم الحيل العسكري مدعومة من فرنسا لوضع نهاية لتمرد الطوارق المُسلح في تسعينات القرن الماضي , فلماذا يعتبرون أن الحل العسكري مع التيار الإسلامي في شمال مالي والنيجر وحتي بتشاد هو النهج الوحيد ؟ ربما لأن هذه هي رؤية فرنسا وهو الأرجح وربما لأن طبيعة مطالب التيار الإسلامي مُتعلقة بالهوية أكثر مما هي عليه مطالب الطوارق ( لا يمكن بسهولة فصل غالبية الطوارق عن التيار الإسلامي بالصحراء الكبري , وتعتبر الحركة الوطنية لتحرير أزواد MNLA الطوارقية العلمانية صنيعة فرنسية) , علماً بأن التيار الإسلامي هناك مزيج عرقي من العرب والطوارق والأفارقة بمالي والنيجر وتشاد وموريتانيا , وهذا الموقف من رئيس النيجر يفسر مبكراً وإلي حد بعيد حماسه غير المُعتاد لتشكيل قوة الساحل الخماسية , ومما يؤكد ذلك مبكراً أيضاً أن شبكة  France 24 أشارت في 13 يونيو 2012 إلي ” أن ضابطاً من قوات مالي المُسلحة وصل إلي Bamako عاصمة مالي أكد أن ثمة تدخل عسكري يُعد له بهمة , وان الضباط التابعين لقوات النيجر المُسلحة والذين يلتزمون الآن الحياد رسمياً يشرحون الأمر علي أنهم قد إستقبلوا هؤلاء الجنود (الذين فروا من مالي بعد مواجهات أنصار الدين للعناصر الإنفصالية لجبهة تحرير أزواد MNLA) , ومع ذلك يشير (هذا الضابط) إلي أن قواته التي تعرف جيداً المنطقة يمكنها أن تُشكل قوة إضافية في إطار تدخل عسكري دولي , إن أمكن تغطيته بولاية من الأمم المتحدة ” , وهذا إلي حد ما هو ما حصلت عليه القوة الخماسية للساحل G5 Sahel  (الدعم السياسي من مجلس الأمن الدولي) .   

سعت النيجر ومالي إلي إستيعاب خطر تمرد الطوارق ونجحت النيجر في ذلك إلي حد بعيد , فيما ما يزال تمردهم بشمال مالي مُرشحاً للظهور ثانية خاصة وأن طوارق منطقة AZWAD بشمال مالي والبالغ مساحتها 800,000 كم مربع (ضعف مساحة ولايةCalifornia الأمريكية) أعلنوا في 6 أبريل 2012 بواسطة حركة التحرير الوطني للأزواد MNLA عن قيام جمهورية أزواد وإنفصالهم عن جمهورية مالي , لكنهما أي النيجر ومالي لم تسعيا بالمرة إلي إستيعاب “تمرد” الإسلاميين رغم أن كلاهما سعي ونجح إلي حد كبير حتي الآن في إستيعاب خطر النزعة الإنفصالية لدي طوارق شمالي النيجر ومالي عبر التفاوض والتنازلات , علماً بأن معظم تمرد الإسلاميين بدول الصحراء وبصفة خاصة في النيجر ومالي قوامه من العرب والطوارق – كما أشرت – فهناك تداخل إثني بالجماعات الإسلامية المُعارضة ناتج عن تعايشهما التلقائي تحت مظلة الإسلام وهو نفسه أيضاً ما أذاب الخلافات القبلية تماماً بدول هذه المنطقة , ولهذا فللإسلام دور إيجابي مُذيب للعوامل السلبية في المشاعر القبلية إفتقدتها دول أفريقية أخري كرواندا وبوروندي مثلاً اللتان شهدتا الصراع القبلي بين Tutsi و Hutu عامي 1993 و1994, ولذلك فعدم تقدير هذا الدور البناء للإسلام لا يعلنه أو يُشيعه قادة دول الصحراء الكبري ودول أفريقيا ذات الأغلبية الكاسحة أو النسبية المُسلمة ولذلك فهذه علامة إستفهام دائمة , لكنها توضح بجلاء أن حكام هذه الدول ولو أنهم لا يملكون من القيم الإيجابية ما يكفيهم لإحترام ثوابت الدين وتقاليد مجتماتهم , إلا أنهم كذلك مجرد دمي قابلة في كل وقت للكسر .

ليس هناك من تطابق تام لكنه نسبي بين موقفي رئيس النيجرMohamadou Issoufou  ورئيس مالي الحالي  Ibrahim BoubacarKeïta بالنسبة للتيار الإسلامي المسلح في بلديهما وبالتالي للأزمة المالية ككل , فقد أشارت مجلة  Jeune Afrique الفرنسية إلي أن الرئيس الفرنسي طرح سؤالاً بشأن أياد أج غالي وزعيم أنصار الدين علي نظيره المالي Ibrahim BoubacarKeïta في قمة القوة الخماسية للساحل في Bamako , وإتصالاً بذلك أشارت نفس المجلة إلي ” أن المخابرات الفرنسية – وفقاً لهذه المجلة – شبه مُتيقنة من أن السلطات المالية  لها كلام مع أياد أج غالي زعيم الجهاديين بشمال مالي” ثم أضافت ” إذا ما كان الرئيس المالي Ibrahim Boubacar Keïta يُقدر أن أياد عنصر من عناصر الحل , ففي هذه الحالة ليس هناك من سبب يجعلنا نعرض جنودنا للقتل في هذه المنطقة من الساحل ” , لكن علي أية حال فموقف رئيس مالي لا يصل إلي حد أبعد من ذلك ليؤثر علي التنسيق المؤدي إلي تطابق نظرة مالي إلي ما يُسمي “بالإرهاب” وبالتالي الترتيبات التي تتخذها فرنسا علي قدم وساق لإقامة قوة الساحل الخماسية , فمن العاصمة Bamako يجري جزء من الإتصالات الفرنسية  المُكثفة والبينية مع النيجر ونواكشوط وندجامينا وواجادوجو , كما تجري إتصالات فرنسية / جزائرية مباشرة و مُستقلة عن هذه الإتصالات للتوصل إلي حل لمشكلة التمويل , وبصفة عامة فالجانب الأعظم من الإتصالات الهادفة لظهور القوة الخماسية في صورتها النهائية تجري في 3 عواصم أولها باريس ثم الجزائر فباماكو التي عُقد بها في 8 يناير 2018 إجتماع وزراء الخارجية والدفاع لدول القوة الخمس تناول بحث الوسائل لتحقيق هذا الهدف , وفي مستهل هذا الإجتماع أشار Najim Eladj Mohamed الأمين العام الدائم لمجموعة قوة الساحل الخماسية إلي أن  القوة الخماسية للساحل ستكتمل بنهاية مارس 2018  وأن هذه القوة تحظي بدعم المجتمع الدولي من خلال  قرار مجلس الأمن رقم 2017 الصادر في 23 أكتوبر 2017 .              

لم تعبأ السياسة الفرنسية والنظم الأفريقية الموالية لفرنسا خاصة دول القوة الخماسية للساحل بالظروف والقيود والمُحددات المحلية والإقتصادية والأثنية وكذلك الدينية المحيطة بالرئيس الماليAmadou Tomani Toure التي توجب عليه العمل في إطارها والتي تُلزم أي رئيس في مكانه أن يتحرك في بلاده بالحرية التي يكفلها له رئيس دولة مُستقلة فالمجتمع المالي مجتمع مسلم وله تقاليد وموروثات تجعل من إطلاق مُصطلحات مثل : “مُتشددين ” ومُتطرفين ” و”راديكاليين” غير واقعية بل وغير مُقنعة , لكن أما وأن فرنسا تريد ذلك حفاظاً علي وتنمية مصالحها هي فقط بالمنطقة ومنها إستغلال الموارد الطبيعية التي تذخر بها الصحراء الكبري بدون إزعاج , إذن فلابد من تحقيق كل مطالبها , وتطلب الأمر في مواجهة عدم إستقرار المصالح الفرنسية والغربية في مدي أوسع التخلص من القادة المُزعجين والذي يعترضون سبيل تحقيق المصالح الفرنسية (الغربية) بالقدر والوقت المناسبين فكان إنقلاب “اليورانيوم ” كما وصفته أنا في النيجر في 18 فبراير 2010 حين أطاح أحد العسكريين المغمورين من ذوي الرتب الصغيرة بالرئيس Amadou Tandja (بإسناد من شركة Black Water) ثم أُطيح بعد ذلك في 22 مارس 2012 بالرئيس المالي Amadou Tomani Toure  ولذلك كان من المثير للغثيان أن تجد رئيس وزراء مالي في حكومة ما بعد الإنقلاب يصرح خلال زيارته للنيجر وبعد لقاءه برئيسها لوكالة الأنباء الفرنسية في 12 يوليو 2012فيقول ” إنهم يرجون لو أن حواراً فُتح بمنتهي السرعة مع كل هؤلاء الذين بشمال مالي وعلي إستعداد لمحاربة الإرهاب في تلك المنطقة ” ثم قال في نفس هذه الزيارة وخلال لقاءه بالعقيد المالي Alaji Ag Gamou المُتواجد بعد فراره من المواجهات مع عناصر حركة MNLA وتواجده بمعسكر بالنيجر خُصص للعسكريين الماليين وعددهم 400 عسكري فروا من القتال مع أنصار الدين بشمال مالي : ” إن مالي تعتمد عليكم للنهوض بالتحدي لإعادة فتح الشمال (؟) ” لكن الأكثر غرابة أن يصرح نفس هذا الشخص أثناء جولة شملت داكاروالجزائر والمغرب وموريتانيا وفرنسا في وقت سابق فيقول علناً ” إنه بالنسبة لقاعدة المغرب الإسلامي وحلفاءها فإن فرنسا هي العدو الرئيسي” ثم يقول مُناقضاً ذلك  ” إن فرنسا ولإسباب واضحة لا يمكنها أن تكون خط المواجهة الأول ” , ويُذكر أن من بين من يعنيهم رئيس وزراء مالي الحركة الوطنية لتحرير أزواد وهي حركة إنفصالية يدعمها المكتب الثاني (المخابرات العسكرية الخارجية الفرنسية ) أوDeuxième Bureau de l’État-major general .

كان الدور الموريتاني دوراً مبكراً فيما يتصل بالدعوة إلي إقامة قوة الساحل الخماسية ففي ديسمبر 2014 إستضافت نواكشوط قمة مُصغرة ضمت رؤساء دول قوة الساحل الخماسية ونُوقشت فيها قضايا التنمية في المنطقة وكذلك إعادة تمركز قوي الأمن والدفاع الدولية لمحاربة “المجموعات الجهادية” في شمالي مالي ,   ونيجيريا وحث المجتمعون مجلس الأمن الدولي والإتحاد الأفريقي لإنشاء قوة عسكرية دولية للتدخل في ليبيا لحماية الشعب الليبي ومؤسساته , وقرر هؤلاء في قمتهم تلك التنسيق بشأن إستراتيجيتهم وتبادل المعلومات العسكرية المخابراتية لإنزال الهزيمة “بالجهاديين” والتغلب علي عدم الإستقرار المُتفشي والموقف الإنساني الصعب السائد في عموم إقليم الصحراء والساحل , لكن الأمر اللافت والذي قد يفسر أمور مختلفة تتعلق بمجمل موضوع إقامة قوة الساحل الخماسية هو أن الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز أعلن في ختام القمة المُصغرة أن قوة الساحل الخماسية سيكون مقرها في نواكشوط وأن برنامج تنمية (علي غرار خطة Marshall تكلفته 15 بليون دولار سيُنفذ لمساعدة دول القوة الخمس لمكافحة الفقر والجهل , وأن هذا البرنامج سيُنفذ بالتنسيق مع خطط التنمية الخاصة بالدول الخمس ( وهو ما لم يتحقق)   .

كان تراجع الموريتانيون عن حماسهم لإقامة قوة الساحل الخماسية لسببين رئيسيين هما (1) أن تشاد ظفرت بإستضافة مقري القوة المُشتركة مُتعددة الجنسيات MNJTF ونطاق عملها بحيرة تشاد ومحيطها وتنفذ حالياً عملية تحت مُسمي DEEP PUNCH IIضد جماعة Boko Haram , وكذلك مقر رئيسي قوة عملية Operation Barkhane الفرنسية في شمال مالي و(2) أن مشروع Marshall  الذي كان يطمح في تحقيقه الرئيس الموريتاني تم تجاهله تماماً في عملية الترويج لإنشاء قوة الساحل الخماسية , ولذلك كان لتراجع موريتانيا مبرر ثم أثر سلبي , ذلك أن صحراءها نطاق حيوي لإنجاح إحكام إغلاق سبل الحركة الحرة للتنظيمات الإسلامية المُسلحة المُعارضة للوجود العسكري الفرنسي إذ أن الصحراء الموريتانية والمالية والنيجرية تمثل معاً وعلي شكل هلال من الرمال أو   Barkhan(وقد يكون هذا هو السبب لتسمية العملية العسكرية كذلك لأن نطاق مهمتها الهلال الرملي الجامع لصحراوات دول ثلاث هي النيجر ومالي وموريتانيا) وهو النطاق الأهم في مواجهة هذه التنظيمات بل ومسرح واحد مُتصل للمواجهة , وكان في تراجع موريتانياعن موقفها ما يعني مباشرة ومن الوجهة العسكرية أن ضلعاً في المثلث الصحراوي كُسر , ولهذا عملت فرنسا علي إستعادة موريتانيا لتنضم للقوة , وبالفعل أعلنت موريتانيا في يونيو 2017 عن إنضمامها لقوة الساحل الخماسية بعد رفض ضمني كان وراءه توتر العلاقات الموريتانية الفرنسية , فقد توجه إليها في 19 أكتوبر 2017 مندوبو الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن لإجراء مباحثات مع الرئيس الموريتاني ووزيري الخارجية والدفاع الموريتانيين تناولت سبل إنشاء وتمويل قوة الساحل الخماسية لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي ومناقشة وتقييم المقترحات المتعلقة بدعم القوة المشتركة بالساحل والعراقيل التي تقف في وجه تمويل إنشاء ها . 

شارك الرئيس التشادي في الإجتماع الذي ضمه ورؤساء النيجر ومالي وموريتانيا وبوركينافاسو في مارس 2017 وأتفقوا فيه علي إقامة قوة عسكرية خماسية للساحل G5 Sahel تساهم فيها كل من تشاد والنيجر وبوركينافاسو ومالي وموريتانيا لمجابهة “الجهاديين”, ولتشاد دور محوري في تمركز إنتشار الجهد العسكري الفرنسي في منطقتي الساحل والصحراء , كما أن لدي تشاد نهم للمشاركة في قوات حفظ السلام الأممية والإقليمية علي حد سواء , فبجانب مشاركتها في القوة مُتعددة الجنسيات مع نيجيريا والنيجر وبنين والكاميرون ,  فقد أرسلت 2000 جندي تشادي لتعزيز الأمن علي أراضي النيجر وتحديداً في نقاط بمحافظة DIFFA والمُطل جزء منها علي بحيرة تشاد التي تعتبر منطقة توتر ومواجهات مع عناصر جماعة BOKO HARAM وذلك بناء علي إتفاق بين حكومتي تشاد والنيجر , وقد إنسحبت هذه القوة بشكل تدريجي من هناك في اكتوبر 2017 بعد هجوم لجماعة BOKO HARAM علي منطقة Bosso , وقد أشارت Reuters إلي أن حكومة تشاد لم تقدم سبباً لذلك الإنسحاب ,  الذي علق عليه الناطق باسم الحكومة التشادية ونشرته صحيفة LE FIGARO الفرنسية في 13 أكتوبر 2017 التي قالت ” لقد تمركزت هذه القوة في العمق كجزء من قوة الساحل الخماسية بين حدود ثلاث دول هي تشاد والنيجر وليبيا ” , إلا أن الوكالة ربطته بالقرار الذي إتخذته في 24 سبتمبر 2017 إدارة الرئيس Tramp بحظر دخول مواطني 6 دول منهم تشاد لأراضي الولايات المتحدة أي أن الإنسحاب التشادي جاء كرد فعل علي ذلك , وهو القرار الذي بررته الإدارة الأمريكية بأنه لتعزيز قدرات الفحص وعمليات الكشف لمحاولات دخول الإرهابيين ومُهددات الأمن العام الأخري للولايات المتحدة , كما أرسلت تشاد أيضاً عام 2016جنودها  لمنطقةAdrar des Ifoghas  الواقعة في إقليم أزواد بشمال مالي في بداية عملية Serval العسكرية الفرنسية التي تمركزت هناك بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2085 بتاريخ 20 ديسمبر 2012 ثم ألتحقت هذه القوة التشادية بقوة الأمم المتحدة متعددة الأبعاد بمالي Minusma (قتل منها 115 فرد خلال الأربع سنوات الماضية) ويمكن لهذه القوة الإنضمام لقوة الساحل الخماسية بمجرد إكتمال تمويلها لتكون القوة الرائدة Force belier وفقاً لبعض المراقبين ومن المتوقع أن تتمركز هذه القوة حينئذ علي بعد 2,000 كم شرقاً .

الدوران الجزائري والمغربي :

إستضافت المغرب في منتصف ديسمبر 2014 منتدي الجهود المُضادة للإرهاب العالمي GCTF (مبادرة بدأت عام 2011 للتعامل مع قضية الإرهاب دعماً لجهود الأمم المتحدة في هذا الشأن) والذي تضمن تشكيل مجموعات عمل لتدارس الموقف وبناء القدرات في منطقتي الساحل والقرن الأفريقي والعدالة الجنائية وقوانين مكافحة الإرهاب لردع “الجهاديين” ووسائل منعهم من السفر للخارج دعماً لمجموعات إرهابية أخري وموضوعات أخري ذات صلة , وتعد قضية الإرهاب من القضايا التي تشكل سبباً للقلق الأمني في المغرب خاصة مع نمو خطر قضية أخري ذات صلة وهي قضية الهجرة غير النظامية من المغرب لأوروبا , كما أن قضية الإرهاب في إطار أوسع تعد حيزاً إضافياً للميول التنافسية التي تكونت علي مدي الزمن الماضي بين الجزائر والمغرب بشكل أدي إلي تناقص حاد في التنسيق ما بينهما وهو التنافس المُؤدي غالباً إلي نتائج سلبية تُضاف إلي صراعهما السياسي / الدبلوماسي فيما سُمي بالصحراء الغربية .

تلعب الجزائر دوراً هاماً في المسألة المالية بل وفي دول القوة الخماسية لا يدانيه حالياً أي دور للدول العربية بشمال أفريقيا , فكما أشرت فبطن الجسد الجزائري وهو منطقة الصحراء الجزائرية تظل مُعرضة لأن هذه الصحراء الجزائرية ما هي إلا جزء له إمتداداته في الصحراء الكبري وسكانها الذين في أغلبهم من الطوارق , ولهذا سعت الجزائر حثيثاً لتهدئة الأوضاع بمالي فوقع الأطراف الرئيسيون بعد 8 أشهر من التفاوض   علي إتفاق الجزائر للسلام والمُصالحة في مالي في يونيو من عام 2015 وهو إتفاق صُنف بأنه إتفاق الحل الوسط عله يؤدي إلي تسوية سياسية ما , لكن وحتي الآن مازالت الجماعات المُسلحة مُسيطرة علي شمال مالي , ولما كان هذا الإتفاق يتعثر ولم يؤد بصفة نهائية إلي تسوية الأزمة المالية , لذلك تنسق فرنسا مع الجزائر من أجل التغلب علي عراقيل الحل , وفي 28 يونيو 2017 أجري الرئيس الفرنسي إتصالاً هاتفياً مع نظيره الجزائري ليضع أمامه بعض المقترحات بهذا الشأن وقالت الرئاسة الفرنسية في بيان لها أن ” الجزائر هي عراب إتفاق الجزائر بشأن المسألة المالية ولذلك فإنه من المنطقي أن يجري التشاور معها بشأن أي مبادرة تتعلق بدفع هذا الإتفاق للأمام ” , لكن بالرغم من التنسيق النسبي بين الجزائر وفرنسا في الأزمة المالية , إلا أن الوضع الأمني في مالي مازال آخذاً في التدهور , ومن الملفت للنظر أن فرنسا تريد أن تحقق نفس الهدف بوسيليتين متناقضتين فهي تتوسل بالتدخلات الدبلوماسية لدي الجزائريين وفي نفس الوقت تضع 4,000 عسكري فرنسي علي أرض أجنبية بإستدعاء من حكومة ضعيفة مُنكسرة في مالي , وتدعي أنها بذلك يمكنها تسوية الأزمة المالية التي تعتبر فرنسا عقدتها ففرنسا جزء من المشكلة فكيف لها أو للآخرين أن يتوقعوا حلاً ما من جهتها ؟, ولهذا ولإدراك الجزائر للدوافع المستورة لفرنسا سواء علي صعيد دورها الدبلوماسي بشأن الأزمة المالية وكذلك إندفاعها لإقامة قوة الساحل الخماسية بصفة أحادية أو بالتنسيق مع الجزائر , فإنها تؤدي دورها السياسي أي الجزائر وهي تتحري الحذر من منعطفات وفخاخ السياسة الفرنسية , ولذلك مثلاً نري أن للجزائر شبكة علاقات تتسع مع بعض قادة التنظيمات الجهادية في الصحراء الكبري وبالذات تلك التي تعمل في النطاق الجنوبي للصحراء الجزائرية ومن بين هؤلاء أياد أج غالي زعيم أنصار الدين والذي أسس في مارس 2017 جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وهو التظيم الذي أعلن مسئوليته عن الهجوم علي موقع  Kangaba السياحي بالقرب من Bamako عاصمة مالي في 18يونيو 2017, وبالرغم  من أن علاقة أياد أج غالي بالجزائريين تشوبها توترات وتقلبات إلا أن هناك علاقة علنية وهي ميزة لا تتوفر لفرنسا التي قد يكون مكتبها الثاني حقق إقترابا لكنه لن يُصنف علي أن له “علاقة” بهؤلاء القادة الذين تناصبهم فرنسا العداء بعداء .

يُلاحظ أن الجزائر مثلها أحد كبار مسئوليها (ليس وزير خارجيتها ) في المؤتمر الدولي رفيع المستوي الذي عُقد ببروكسل في 23 فبراير 2018 فيما حضر وزيري خارجية تونس والمغرب بالرغم من عدم وجود صلة مباشرة للبلدين بموضوع القوة الخماسية للساحل كالجزائر , ومما يُلاحظ في هذا الشأن أنه بالرغم من أن الدور الجزائري في شأن قضية الأمن بدول الصحراء الكبري خاصة النيجر ومالي دور حاكم ومؤثر لدرجة يمكن معه وصفه بالدور التوجيهي , إلا أن للجزائر موقف إستعصي علي الدبلوماسية الفرنسية علاجه لمصلحة الدور الفرنسي , فالأوساط الفرنسية منزعجة من عدم تعاطي الجزائر مع المشروع الفرنسي في منطقة الساحل ، وهذا واضح في مختلف القراءات التي تبدو في تغطية الإعلام الفرنسي للمشاركة الجزائرية في هذا مؤتمر بروكسل وبعد الاتصال الذي أجراه الرئيس Emmanuel Macron  مع الرئيس بوتفليقة قبل المؤتمر وتناول طلب فرنسي من الجزائر تقديم دعم فني لمشروع القوة المشتركة وذلك لجذب الجزائر جذباً لمسار صنعته فرنسا ، ولكن موقف الجزائر ظل متحفظاً بشأن هذه القوة التي لا تمتثل أو تُدار مباشرة بواسطة الإتحاد الإفريقي  .

الدور السعودي / الإماراتي ولماذا هو مُعلن ؟ :

في تطور مُذهل لكنه مُتسق تماماً مع اللون القاتم للسياسات الخارجية لدولة الإمارات وللسعودية كذلك حالياً , لكنه يعني أن السياسة الخارجية السعودية رسمت دائرة جديدة بعيدة عن محيطها التقليدي لتعمل فيه , أما الإمارات فقد سبقت السعودية في دخول هذه الدائرة إذ أن الإمارات العربية آلت علي نفسها إلا أن تحارب الجهاديين في كل مكان وفي كل زمان طالما إستمر باطن أرضها في إدرار مليارات الدولارات سهلة المنال والحالة هذه , ولهذا مولت العملية العسكرية الفرنسية المُسماة Serval , فقد طلب الرئيس الفرنسي Francois Hollande من الإمارتيين خلال زيارته لأبو ظبي دعمها لتدخل بلاده العسكري في شمال مالي بالسلاح أو بالعون المالي لتمويل عملية Serval الدموية هناك عام 2013 * ( صحيفة The National في 16 يناير 2013) وبالفعل ساهمت الإمارات في تمويل هذه العملية الدموية بمبلغ تردد أنه 7مليار دولار , وهو أمر يمكن تصوره أيضاً مع إستحضار موقع القاعدة العسكرية الفرنسية بأبو ظبي لحماية الإمارات من بأس إيران الذي لا شك آت إليها يوماً ليوقف شهوتها للتخريب خارج حدودها , ولقد أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير صحيفة Le Monde الفرنسية في حديث أدلي بها إليها في 14 ديسمبر 2017بأن بلاده تعهدت بالمساهمة في تمويل قوة الساحل الخماسية بمبلغ  118 مليون دولار قائلاً ” إن قتال الإرهابيين والمُتطرفين بلا أدني تسامح من أولوياتنا ” , فيما قدمت الإمارات مساهمة بمبلغ 30 مليون يورو , وقد جاء الإعلان السعودي والإماراتي عن مساهمتهما في إنشاء هذه القوة بعد محادثات أجراها الرئيس الفرنسي Emmanuel Macron خلال قمة باريس في 13 ديسمبر 2017التي ضمت رؤساء دول القوة الخماسية وبحضور وزيري خارجية السعودية والإمارات , وفسر المحللون المساهمة السعودية بأنها لنفي تهمة تمويل الإرهاب وتصدير الوهابية وفتح المدارس القرآنية (؟) وكذلك لدخول منطقة طالما إستثمرت فيها أموالاً طائلة , وهو في تقديري تحليل جانبه الصواب إذ أن تهمة تمويل الإرهاب كان يجري توجيهها للسعودية منذ زمن بعيد , لكن الأمر في تقديري تجانس مع خط سياسي سعودي بقدر جدته بقدر شذوذه عن مألوف السياسة السعودية فهو يعرض سمعتها المتآكلة بين شعوب منطقة الصحراء الكبري ذات الأغلبية المُسلمة الكاسحة  إلي مزيد من التآكل لكن من الواضح أن السعودية مع وضعها الداخلي المأزوم لأسباب شتي من بينها البحث عن توقيت مناسب لتولي ولي العهد محمد بن سلمان للملك وهو شخصية مُثار للكثير من الشك حول أهليتها وولاءها للقيم والتعاليم الإسلامية , أما الإمارات فهاجس البقاء كدولة يكمن بين جنبات مؤسسة السلطة فيها وهو ما يبرر تماهيها مع كل التوجيهات والرغبات الغربية وكلها تُترجم في تمويل الإمارات لرغبات الغرب خاصة فرنسا والولايات المتحدة حتي تأمن شر مستطير مصدره طهران وهو خط سياسي قديم بدا أوضح بعد وفاة الشيخ زايد بن نهيان ومع تطلعات إيران النووية ودورها في اليمن وسوريا الذي يعد هداماً أو لنقل بلا نتيجة مؤثرة في حالة الدورين السعودي والإماراتي .

لم ولن يتعدي الدورين السعودي والإمارتي في منطقة الصحراء الكبري ولا غيرها حد التمويل فالمال السعودي والإماراتي وجهته ووظيفته الحالية أصبحت في منتهي الوضوح فهي إستثمار في تنمية وحماية مصالح الغرب للأسف وهو ما يعبر جلياً عن الحجم الحقيقي لهذه الكيانات لا الدول التي ترضي علي نفسها هذا الهوان , ويمكن الإستدلال علي طبيعة مصير هذا التمويل من سابقة تمويل النظامين السعودي والإماراتي لسد النهضة الإثيوبي (حتي وإن كان تمويلاً من القطاع الخاص المُسيطر عليه ولنا في إعتقال الأمراء لإستلاب أموالهم قسراً عبرة) وتحريك والدفع بالثورات المُضادة بدول الربيع العربي , بمعني آخر , فإن هذا التمويل تمويل للأهداف الفرنسية (هناك قاعدة عسكرية فرنسية بالإمارات العربية لتأمين الإمارات من الخطر الإيراني الذي تقوم الإمارات بمواجهته من نقطة أبعد أي من قاعدتها بعصب بإرتريا وبربرة بأرض الصومال بعد أن طُردت من جيبوتي) كما أن السعودية رغم قربها البحري من موانئ اليمن بالبحر الأحمر فضلت توسيع جبهتها البحرية في مواجهة الحوثيين بإستعادة قاعدتها في جيبوتي الواقعة تحت النفوذين العسكريين الفرنسي والأمريكي وقد أدي الإنخراط السعودي والإماراتي في حرب اليمن الجارية  إلي فتح قناة للمقايضة العسكرية والسياسية بين فرنسا والنظامين السعودي والإمارتي , ففي 29 إبريل2015 أخرجت جيبوتي القوات الخليجية من أراضيها وسحبت جيبوتي موافقتها علي تمركز السعودية في قاعدة بجيبوتي تمت إتصالات ثنائية سابقة بشأنها , وفي مقابل إستعادة السعودية لتعاونها ولإتصالاتها العسكرية مع جيبوتي بوساطة فرنسا إستطاعت السعودية تسوية الأمور الخلافية مع جيبوتي في أكتوبرعام 2015 وبناء علي إتفاق جديد استعادت السعودية المطار في منطقة Camp Lemonnier وتضمن التمهيد لصفقة التسوية تلك إمداد السعودية لجيبوتي بزوارق ومروحيات وأسلحة وسيارات إسعاف إلي أن إُستؤنفت في مارس 2016، المباحثات السعودية / الجيبوتية للتوصل لتوقيع علي اتفاق أمني ثنائي شامل يتضمن إستعادة القاعدة العسكرية السعودية على المدى الطويل في جيبوتي , وبإختصار كانت مساهمتي الإمارات العربية والمملكة السعودية في تمويل القوة الخماسية للساحل متعددة الفوائد للرياض ولأبو ظبي وباريس معاً وبدرجات مختلفة الوزن فالرياض وأبو ظبي وفرنسا أرسوا معاً أول قاعدة تعاون عسكري في أفريقيا المُستفيد الأول منها فرنسا بلا شك , كما أن السعودية والإمارات عمقاً من تعاونهما السياسي والعسكري مع فرنسا , فبإستخدام الوزن الدبلوماسي الدائم لفرنسا بمجلس الأمن يمكن الحصول علي قرارات مواتية للمصالح السعودية / الإماراتية (بغض النظر عن كونها مشروعة أو غير مشروعة) من المجلس بعد بذل الدبلوماسية الفرنسية الرائدة لجهودها مع الأعضاء الأربع الدائمين الآخرين بمجلس الأمن , كما أن جزءاً مهما من مشتريات السلاح السعودي / الإماراتي منشأه ترسانة الصناعة العسكرية الفرنسية وهي قناة ولو أنها غامضة ولا تتسم بقدر مناسب من الشفافية المُحاسبية خاصة من جهة الطرفين السعودي/ الإماراتي إلا أنها مُبرر كاف يدفع وربما الأصح أن نقول يجبر الرياض وأبو ظبي للتمويل الطوعي أو الجبري لإنشاء قوة الساحل الخماسية , اما فيما يتعلق بسمعة المملكة السعودية في أوساط شعوب دول الصحراء الكبري المُسلمة التي تري دولة مُسلمة المفروض أنها كبري تضع أنفها في الرغام وترضي بتمويل قوة هدفها النهائي الحفاظ علي المصالح الفرنسية الإقتصادية بفضاء الصحراء الكبري , فهو أمر تراجعت أهميته أو الخشية منه بتولي قيادتين سعودية و إماراتية قادرتين بإستمرار وبفجاجة علي التخلي عن الثوابت الإسلامية والعربية في محيط عربي فقد آخر ورقة توت تغطي سوءاته في فترة شروق شمس الربيع العربي التي أفلت غيلة وغدراً  .

إذا كان هناك ثمة إهتمام ما طارئ للسعودية وللإمارات للتمركز العسكري وبناء أحلاف بمنطقة القرن الأفريقي علي حساب إهتماماتها الثابتة في منطقة الخليج العربي في مواجهة إيران التي يُفترض أن الرياض وأبو ظبي علي علاقة عدائية مُتبادلة معها , فذلك التباين الموقعي في الإهتمامات قد يمكن تبريره بالحرب الدائرة في اليمن والتي إنتقلت من خلالها الحالة العدائية بين طهران من جانب والرياض وأبو ظبي من جانب آخر للصراع من موقعها الأصلي بمياه الخليج العربي لتبتعد إلي هناك ….. أي إلي مياه البحر الأحمر خصماً من  المسرح الأصلي , لكن ما هو مبرر مصر وهي تهمل إهمالاً مروعاً جبهتها الغربية المُمتدة إلي عمق الصحراء الكبري وتصر عسكريتها علي إعتبار جبهتها أو إتجاهها الإستراتيجي الغربي مُختزلاً في حدودها مع ليبيا وبها حليفها اللواء والأسير السابق لدي الجيش التشادي خليفة حفتر ؟ …. فيما تهمل أو تُخفض من ثقلها بمواقع أخري لا تقل أهمية للأمن القومي لها في مداه الحقيقي الأكثر إتساعاً , فمنطقة الصحراء الغربية لمصر والخليج العربي للسعودية وللإمارات  تمثل مجالاً لا يقل هو الأهم والأخطر نسبياً لهذه الدول مما يوجب علي ثلاثتهم توزيع الجهد والمخاطر علي مختلف المواقع ذات الصلة بتأمين أراضيهم ومياههم والأهم  مجتمعاتهم , فمن الجدير بالإشارة أن العسكرية المصرية تحصر مفهومها عن إتجاهها العسكري والأمني الغربي في ليبيا ولا غير , مع أن الإتجاه الغربي عريض جداً فهو يمتد من سيدي براني بصحراء مصر الغربية حتي فيا لارجو وندجامينا ونيامي وبماكو وتمبكتو وجاو ونواكشوط و نواديبوا والمساحات البينية لهذه المدن , وتأكيداً علي ذلك ففي لقاء لي مع مصدر طوارقي بالنيجر عام 2011 أفادني بوجود فريق أمريكي من الخبراء العسكريين الأمريكيين في أو بالقرب من Agadez المدينة الأهم في شمال النيجر ومعظم سكانها من طوارق النيجر وقال لي أن الجهد الرئيسي للعسكريين الأمريكيين هناك يتركز في مجال سلاح الإشارة وأن رادار أمريكي فائق التقنية يتم تركيبه هناك وأن قدرته الإلتقاطية تمتد حتي الصحراء الغربية لمصر .

بإيجاز شديد فالتمويل السعودي / الإماراتي للقوة الخماسية للساحل عبارة عن مُقايضة للحصول علي الأمن لنظامين مُفرغين من عوامل القوة العسكرية الإحترافية الذاتية هما السعودية والإمارات مقابل مظلة أمنية فرنسية (وأمريكية بالطبع) تمتد من قواعدهما بمنطقة الساحل حتي شواطئ الخليج العربي المُواجهة للشواطئ الإيرانية حيث التهديد الأعظم والماثل علي مرمي بصر العسكريتين السعودية والإماراتية اللتان عجزتا رغم مواردهما المالية الضخمة عن حسم الصراع مع الحوثيين وظهيرهم الإيراني منذ بداية عملية عاصفة الحزم بقيادة السعودية ومشاركة عشر دول عربية وإسلامية في الفترة من 25 مارس حتي21 أبريل عام 2015 تلتها عملية إعادة الأمل بدءاً من 21 أبريل 2015 وحتي الآن اليمن بدون حزم وبغير أمل , فكل ما أسفر عنه الجهد العسكري السعودي هو تأكيد المفهوم الشائع عن العسكريات السعودية وملحقاتها بدول الخليج العربي أو بمجلس التعاون الخليجي وهو أنها عسكريات غير مُؤهلة لحروب عقائدية إذ أن هذه العسكريات شأنها شأن جيوش الشرق الأوسط جميعاً تم تفريغها من هويتها العقائدية بفعل فاعلين غير مجهولين فهي جيوش إستبدلت العدو المصيري العقائدي مُمثلاً في الكيان الصهيوني بأعداء داخليين من المعارضين العزل أو المُسلحين والذين أبت هذه النظم البائسة التعامل معهم بإعتبارهم مجموعات أو فئات معارضة سياسية عقائدية , فما كان من بعض هذه المجموعات إلا أن تحمل السلاح لتصير معارضة مُسلحة أو مجموعات ” إرهابية ” , ولقد ألقي الأمريكيين في روع قادة الشرق الأوسط أن هؤلاء يجب أن يكونوا هم وليس الكيان الصهيوني الموضوع الوحيد الذي يستغرق كامل العقيدة العسكرية لجيوش دول الشرق الأوسط , ولذلك وبسبب التغيير الجذري للعقيدة العسكرية لهذه الجيوش طواعية أو كرهاً , لا يعثر المرء عن ولو رافد واحد لعقيدة عسكرية مختلفة عن “عقيدة محاربة الإرهاب” , وبالتالي كان من اليسير تصور خوض حرب بلا نهاية في اليمن بالرغم من تفوق السعودية وحلفاءها تسليحياً بل ولوجيستياً علي الحوثيين , فهناك فرق شاسع بين عقيدة عسكرية أساسها وأعمدتها عقائدية بحتة وعقيدة أخري أساسها وأعمدتها أمنية , فالأولي تتعلق بالدفاع عن دين وشعب ووطن , أما الأخري فمُتعلقة بنظام سياسي ونُخبة مصلحية أو مُمثلة لمفهوم سياسي ما مؤقت  , هذا هو واقع جيوش الشرق الأوسط , فهي جيوش أنظمة مُتناقصة القوة , ويأتي التمويل السعودي/ الإمارتي لقوة الساحل الخماسية أيضاً ليؤكد علي تطابق مفهوم الإرهاب لديهما مع المفهوم الذي تعتنقه القوي الدولية  , ويؤكد كنتيجة علي أن المعركة التي ألقت العسكرية الفرنسية وإلي حد ما الأمريكية نفسيهما في أتونها في مواجهة الجماعات العقائدية بمنطقتي الصحراء والساحل تحتاج إلي أدوار مساعدة تملاً الفراغ التمويلي للقوة وهذا ما دعي السعودية والإمارات مُكرهتين للإعلان عن مساهمتهما في تمويل القوة الخماسية للساحل  .

كانت هذه هي المرة الأولي (ويبدو أنها لن تكون الأخيرة) للسعودية التي تنخرط فيها في نطاق بعيد تماماً عن مصالحها المباشرة التي لا تتجاوز الجزيرة العربية والخليج العربي والبحر الأحمر , إذ أن هذا هو النطاق الذي يؤثر بالضرر المُوجع والنفع المباشر للأمن القومي للمملكة , ولذلك فتخطي السعودية لهذا النطاق يأتي كأحد تجليات زيارة الرئيس الفرنسي المُفاجئة للرياض في 9 نوفمبر 2017 وقبلها زيارة الرئيس الأمريكي للرياض في 21 مايو 2017 والتي إقتنص فيها الرئيس الأمريكي مبلغ 380 مليار دولار حصيلة 34 تعاقد فعقب هاتين الزيارتين بدت السعودية وكأنها صاغرة وهي تنفق علي عمليات عسكرية وسفك دماء تمارسه القوي الكبري وهي تفعل ذلك خدمة لمصالح هذه القوي مباشرة ليس إلا فلا عائد من أي نوع للمملكة , ومما يؤكد ذلك أن الرئيس الفرنسي عرض الموقف الحرج في تدبير التمويل اللازم لإستخراج القوة الخماسية من المجهول الذي كان قد أوشك أن يخطفها بعيداً , لكنه نجح فأستخلص من ولي العهد السعودي السخي تعهداً بمساهمة سعودية بلغت 100 مليون يورو لتمويل هذه القوة وهي مساهمة لم يقدمها إلا أصحاب الشأن أنفسهم أعني الإتحاد الأوروبي نفسه , أما فرنسا فدفعت في إطار ثنائي مبلغ لا يزيد عن 8 مليون يورو , وهذا يعني إن أخذنا بمعيار حجم المساهمة أن منطقة الساحل أهميتها للسعودية بنفس أهميتها للإتحاد الأوروبي أما فرنسا فمساهمتها المتواضعة تعني أنها منطقة قد تكون عديمة أو متدنية الأهمية لمصالحها القريبة والبعيدة المدي , وهذا بالطبع غير واقعي فالسعودية دفعت مساهمة كهذه لأنها خاضعة بكل الرضي لإرادات القوي الدولية الكبري لأسباب متنوعة تشكل مجتمعة باقة من أشواك متنوعة كالخطر الإيراني وحماية القوي الدولية للسعودية (وللإمارات) منه وتداعيات الملف اليمني وخيبة الأمل السعودية فيه , تلك الخيبة التي أظهرت المستوي الواقعي للعسكرية السعودية كما أظهرت أحداث حرجة أخري في دول رئيسية بالشرق الأوسط ذبول عسكريات تتشدق بقدراتها التسليحية فيما تُري قواتها موُزعة في شوارع عواصمها وهذه وتلك كارثة علي أي وطني عربي أن يتنبه لخطورتها إن كان الخطر ما يزال شعوراً ضرورياً , لكن علينا الإشارة إلي أن ضآلة حجم مساهمة فرنسا في تمويل القوة الخماسية مرجعه تكاليف عمليتها  العسكرية   Barkhaneفي مالي وقبلها عملية  Servalالتي سبق أن مولتها الإمارات ” العربية ” المتحدة بنحو 7 مليار دولار مقابل إستمرار الحماية الفرنسية من قاعدة السلام الفرنسية بأبو ظبي وهو ما جعل المساهمة الإماراتية أقل مما هو متوقع 30 مليون يورو فقط  , غاية ما يمكن قوله هو أن الأموال السعودية والإماراتية وهي تحقق الأمن الأوروبي تنزعه من أهلنا في الصحراء الكبري  , لذلك يمكن وصف الأموال التي ساهمت بها السعودية والإمارات في إقامة قوة الساحل الخماسية بالأموال السوداء بلون وطبيعة الزفت وهو سلوك شاذ إن إستمر فسيمهد طريق زوال هذه الممالك الرملية التي أعانت الأجنبي علي بني الإسلام والعروبة وقتلهم الأجنبي الباغي غيلة وغدراً بها , وإلي أن يُنفخ في الصور علينا أن ننتظر إجابة عاقلة واحدة عن السبب الذي من أجله تدفع دولتان موضوعتان علي خريطة العالمين العربي والإسلامي أموالاً لمحاربة ” جهاديين ” لم يُستشر أحد منا في ثبوت كونهم إرهابيين من عدمه , اللهم إلا تخرصات فرنسا ومنطق الولايات المتحدة وحلفاؤها الأطلنطيين الذين يعتبرون من يدافع عن أرضه وثرواته الوطنية إرهابياً , المُؤسف أن بعضاً منا يتبع هؤلاء الغاوون , وهناك من يري أن السعودية ساهمت بمائة مليون يورو في قوة الساحل الخماسية كرسم أو ضريبة أو جزية سمها ما شئت لنفي شبهة تمويل الجماعات ” الإرهابية ” , لكن أيكفي هذا ؟ وهل يروي هذا المبلغ ظمأ المبتزين ؟ .

مشكلة تمويل القوة دالة علي صاحب المصلحة من إقامتها :

تضم القوة 5000 عسكري من موريتانيا ( التي تسبب توتر علاقاتها بفرنسا حتي منتصف 2017 في رفضها ضمنيا المشاركة في هذه القوة لكنها أعلنت بجهود دبلوماسية وجهود أخري من قبل فرنسا   عن الإنضمام لهذه القوة في منتصف يونيو 2017) والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وتشاد , ويُواجه إنشاء هذه القوة مشاكل أهمها يتعلق بالتمويل حيث لم تحصل لحد وقت قريب سوى على 55 مليون يورو مقدمة من الاتحاد الأوروبي ، بينما تتحفظ بريطانيا والولايات المتحدة على المساهمة في تمويلها , لكن الولايات المتحدة غيرت موقفها فأعلنت عن مساهمتها بنحو 60 مليون دولار وضاعف الإتحاد الأوروبي من مساهمته إلي أن تحقق تدبير 414 مليون يورو في مؤتمر بروكسل الدولي في 23 فبراير 2018 وهو ما يعني حل معضلة التمويل , فالقوة الخماسية كانت بحاجة إلي ما يزيد عن  400 مليون يورو لتمارس مهامها مُكتملة , وإلي 250 مليو يورو للإعلان عن بدءها كمرحلة أولي , أما فرنسا التي تتعطش لرؤية هذه القوة عاملة لم تساهم سوي بثمانية ملايين يورو دولار وهو مبلغ متواضع قياساً علي ما ستجنيه العسكرية الفرنسية من فائدة تخفيفية للعبء الذي ترزح تحت وطأته عملية Opération  Barkhane المُكونة من 4,000 عسكري فرنسي متواجدين بشمال مالي التي أنشأت في الأول من أغسطس 2014 هذا بالطبع عبء مُضاف لعبء المجموعات العسكرية القائمة علي تنفيذ مضمون الإتفاقات العسكرية مع حوالي 20 بلد أفريقي والوجود التمثيلي العسكري المُوزع علي عدد من الدول الأفريقية الفرانكفونية في أغلبها , وحتي الآن تقرر أن تساهم كل دولة من دول القوة بنحو 10 مليون يورو , أما مساهمة الإتحاد الأوروبي فكانت حتي يوليو 2018 مبلغها50 مليون يورو زادت إلي 100 مليون يورو فيما ستساهم الولايات المتحدة بعد معارضة بنحو 60 مليون تقدمها الولايات المتحدة بصفة ثنائية لدول القوة الخماسية , كما أن السعودية أعلنت عن مساهمتها بنحو 100 مليون يورو والإمارات أعلنت عن مساهمتها بنحو 30 مليون يورو , ومع ذلك لم تزل مشكلة التمويل قائمة لكن عند حيز محدود فقد تبقي نحو ما بين 30 إلي 40 مليون يورو وكذلك تسديد 75 مليون يورو سنوياً للقوة , وأصبح القلق الفرنسي من أزمة التمويل عند حده الأدني , لكن أزمة التمويل حتي رغم حلها إلا أنها أثبتت أن القوة الخماسية مثلت لفرنسا إحتياجاً ماساً كما أنها كادت أن تعرض الفخر الفرنسي إلي التناقص .

لم يكن لأي من الدول الخمس أعضاء القوة دور يُعتد به في حل مشكلة التمويل , اللهم إلا عقد رؤساءها   لقمة ضمتهم في NIAMEY عاصمة النيجر في 7 فبراير 2018 للترويج وتنشيط مطالبتهم بإستكمال تمويل هذه القوة بروكسل للمانحين الدوليين لإقامة قوة الساحل , وذلك قبل عقد المؤتمر الدولي للمانحين لإقامة القوة الخماسية في بروكسل في 23 فبراير 2018 , فلقد إقتصرت هذه الدول علي أداء دور المُتفرج المهتم بشدة , فيما تولت فرنسا القيام بالجهد الحقيقي والذي عبر كما لم تعبر وسيلة أخري عن المسئولية الفرنسية الكاملة عن هذه القوة , ففرنسا هي من نظم المؤتمرات والإجتماعات في عواصم دول قوة الساحل أو دول G5 Sahel وهي من دفع في الإتحاد الأوروبي بإتجاه عقد المؤتمر الدولي للمانحين للقوة, وكان ذلك جلياً علي صعيدي أداء المُؤسستين الدبلوماسية والعسكرية الفرنسية , وكانت القمم والإجتماعات والندوات    الخماسية أو السداسية وغيرها والمُتعلقة بالدفع في إتجاه إقامة القوة الخماسية للساحل متواصلة ومتنوعة لجعل الموضوع يبدو وكأنه “قضية” ويظل كذلك “ساخناً”ومن هذه الإجتماعات إجتماع وزراء دفاع الدول الخمس في Bamako في 15 سبتمبر 2017 لبحث العمليات التي ستقوم بها القوة لمحاربة “الجهاديين” وكذلك مسألة تمويل هذه القوة التي من المُفترض أن تنتشر أولي كتائبها في غضون بضع أسابيع من هذا الإجتماع , وقد أدلي وزير الدفاع الوطني والمحاربين القدامي لبوركينافاسو Jean-Claude Bouda بتصريح لموقع إذاعة فرنسا الدولية RFI في 16 سبتمبر 2017 أشار فيه إلي ما نصه ” لدينا اليوم 108 مليون يورو , لكنكم تعرفون أن الميزانية الكلية وُضعت لتكون 423 مليون يورو , هناك إذن نقص يبلغ 300 مليون يورو , وسيجتمع رؤساءنا في نيويورك , وستكون هناك دعوة قوية جداً لنا من أجل الحصول علي موارد إضافية لإستكمال تمويل هذه القوة ” , وأضاف قوله ” يجب البدء ففي أكتوبر 2017 ستصل الكتائب الأولي لتبدأ عملياتها ” , وكما أشرت فقد كررت فرنسا مناشدتها للولايات المتحدة لتعينها علي إستكمال التمويل اللازم خاصة وأن العلاقات العسكرية الأمريكية / الفرنسية بدأت فترة إزدهار بعد عملية Oddyssey Dawn أوعملية Opération Harmattan لدي الفرنسيين في ليبيا والتي بدأت في 19 مارس 2011 وإنتهت بإسقاط نظام القذافي , ومهدت طريقاً كان مليئاً بسوء التفاهم والتقدير بينهما مما أعاق التنسيق بين العسكريتين الفر نسية والأمريكية في أفريقيا طويلاً , لكن عملية ليبيا دشنت مرحلة جديدة , لذلك إستطاعت فرنسا ولكن بصعوبة إقناع الولايات المتحدة بالمساهمة في تمويل هذه القوة بعد لأي , وهناك أسباب مختلفة قد تفسر هذه الصعوبة من أهمها أن سياسة الرئيس الأمريكي D.Trump التي إتجهت نحو التخفيف من مساهمات الولايات المتحدة في عمليات حفظ السلام الأممية , كما أن الإنفاق الدفاعي للولايات المتحدة مُرتبط بإلتزامات ثابتة ومُكلفة في مقدمتها الإلتزامات الإنفاقية تجاه ست قيادات عسكرية أمريكية مُوزعة جغرافياً علي العالم من بينها القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا AFRICOM بالإضافة إلي ثلاث قيادات عسكرية وظيفية أخري ولهذا ولأسباب أخري سياسية رأت الولايات المتحدة المساهمة في حدود أقل مما طمعت فرنسا وبصفة ثنائية لدول القوة الخمس مباشرة  .

أمكن بفضل حنكة الدبلوماسية الفرنسية وتراثها الفريد في هندسة التحركات وممارسة الضغوط عن طريق مصفوفة أو مزيج من الحوافز والزواجر الناشئة عن كونها قوة دولية كبري , أمكن تخطي أزمة تدبير التمويل اللازم لتشغيل القوة الخماسية للساحل G 5 Sahel بنجاحها في عقد المؤتمر الدولي رفيع المستوي للساحل في بروكسل في 23 فبراير 2018 وإستخلاصها لتعهدات رسمية بتمويل القوة الخماسية بلغت 509 مليون دولار أو ما يُعادل 414 مليون يورو (كان من المتوقع أن تبلغ 450 مليون يورو ويعني ذلك أن هناك محدوداً في المبلغ المُستهدف بل إن الفرنسيين في البداية كانوا يستهدفون جمع تعهدات بمبلغ 300 مليون يورو) من الإتحاد الأوروبي تضاف إلي مساهمة الولايات المتحدة والتي لم تنجح فرنسا في زيادتها فوق مبلغ 60 مليون دولار المُعلن عنه في وقت سابق ومساهمات متواضعة من فرنسا وألمانيا ودول القوة الخماسية إلي المساهمة السخية من السعودية والتي تعادل مساهمة الإتحاد الأوروبي نفسه الذي إتخذ مجلسه قراراً في 10 يوليو 2012بشأن إقامة بعثة أمنية للإتحاد الأوروبي CSDP في النيجر لبناء قدرات النيجر الأمنية لمحاربة الإرهاب والجريمة المُنظمة أو ما يُعرف بإختصارEUCAP Sahel Niger (وهو عنوان شديد المرونة بالطبع وراءه موضوعات مختلفة) في إطار إستراتيجيته المُتعلقة بأمن الساحل والتي كانت موضع ترحيب الإتحاد في 21 مارس 2011, علي أنه يُلاحظ أن القرار الرسمي بإنشاء قوة الإتحاد تلك نص البند 8 من قرار إنشاءها علي أن هذه القوة تتمتع بالمزايا والحصانات والإعفاءات والضمانات الضرورية لإتمام مهمتها بيسر وكل ذلك بموجب إتفاق مع حكومة النيجر وبما يتوافق مع المادة 218 من معاهدة تسيير الإتحاد الأوروبي Treaty on Functioning of the European Union , بمعني أن هذه القوة للإتحاد الأوروبي تتمتع بما نصت عليه إتفاقية فيينا للحصانات الدبلوماسية بل وأكثر , كأنها مكتب عسكري مقيم للإتحاد الأوروبي بالنيجر …. فماذا تراه يكون ذلك الوضع إلا أنه دالة علي إستعمار جديد علي هيئة Consortium عسكري أوروبي يأتي في سياق حملة صليبية لم يناد بها البابا هذه المرة بل لوردات السلاح والدم الذين لم يحملوا صليب المسيح هذه المرة بل صليبهم هم صليب مصنوع من نفس معدن اليورو والدولار , وجُمع فيها من الدول الأوروبية من له مطامع في ثروات الصحراء الكبري مُخضبة بدماء هؤلاء الإرهابيين الذين كل ذنبهم حماية مقدرات بلادهم وكرامتها  ؟ .

لم تنته قصة تمويل قوة الساحل الخماسية بعد رغم تدبير ما نسبته 90% من وعاءها التمويلي , فبعد المؤتمر الدولي رفيع المستوي عن الساحل بحضور 60 وفد من 14 دولة مانحة لهذه القوة هناك مسار آخر ستتجه إليه الجهود الفرنسية ودول القوة الخمس وهو مسار تدبير المبلغ المُتبقي وقد يكون حوالي 40 مليون يورو بالإضافة إلي التكلفة السنوية للقوة وتبلغ 75 مليون .

مشكلة الإزدحام المروري لقوي وترتيبات عسكرية أخري بمنطقتي الساحل والصحراء :

هناك بالفعل إنتشار عسكري مُتنوع في المنطقة المُمتدة من بحيرة تشاد ومحيطها يليه نطاق الصحراء الكبري في شمالي مالي والنيجر والصحراء الجزائرية والموريتانية , وهو نطاق عريض جداً تنتشر فيه القوة المُشتركة مُتعددة الجنسيات أو  Multi National Joint Task Force(MNJTF) برئاسة اللواء Lucky Irabo ويقع مركزها الرئيسي في N’Djamena عاصمة تشاد وتضم هذه القوة عناصر عسكرية من تشاد ونيجيريا والكاميرون وبنين والنيجر وهدفها الرئيسي هو إنهاء خطر جماعةBoko Haram في منطقة حوض بحيرة تشاد , وهذه القوة طورت من حجمها ومن طبيعتها العسكرية فقد بدأت قصراً علي نيجيريا وحدها ثم ضمت عام 1998 عناصر من النيجر وتشاد وكانت آنئذ تتعامل مع أمن الحدود المُشتركة وفي أبريل 2012 تقرر إضافة مهام عمليات مكافحة الإرهاب لهذه القوة , وفي منطقة صحراء شمالي مالي نجد بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي MINUSMA المُتمركزة بشمال مالي أيضاً بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي رقم 2100 الصادر في 25 أبريل 2013 والتي يبلغ قوامها 15,000 فرد منهم عسكريين من بوركينافاسو والسنغال و500 من ألمانيا والصين , وهذه القوة سقط منها صرعي بمعدل يعد الأعلي من بين قوي الأمم المتحدة لحفظ السلام المُوزعة علي العالم , وإزاء ذلك فقد جدد وزير خارجية مالي Tieman Coulibaly في 29 يناير 2018مناشدة بلاده لتعزيز القدرات العملياتية لبعثة  MINUSMA  التي كانت تسلمت مهام بعثة الدعم الدولي لمالي بقيادة القيادة الأفريقية في الأول من يوليو 2013, ونجد أيضاً في شمال مالي قوة عمليةBarkhane الفرنسية المُتمركزة في Gao بشمال مالي وقوامها 4,000 عسكري فرنسي وتتخذ هذه القوة من N’Djamena عاصمة تشاد مقراً دائماً لها وهي التي حلت محل عمليتي Operation Serval في مالي وعملية Opération Épervierفي تشاد , ولما كان من الضروري تبرير إنشاء قوة الساحل الخماسية , لذلك رؤي الترويج لهذا المُبرر وهو أن قوة الساحل الخماسية أو  G5 Sahelستسد الثغرات في الترتيبات العسكرية الوطنية والمتعددة الجنسيات في منطقة الساحل , كما أن وزير الخارجية الفرنسي Jean-Yves Le Drian أشار إلي هدف آخر في تصريحه الذي أدلي به قبل يوم من زيارته لأبيدجان في 14 مارس 2017 حيث قال “إننا نساعد قوة بلدان الساحل الخماسية  لمحاربة هذه الأشكال الجديدة من الإرهاب والتي لم تعتد هذه الدول التعامل معها ” , وهذه القوة جاري إقامتها لكن هناك أقوال مُتضاربة عن بدء عملها ميدانيا فمن قائل أنها ستكون جاهزة مع نهاية عام 2017 , وقائل بأنها ستكون كذلك في مدي منتصف عام 2018 وأن أفرادها سينتشرون في البداية على حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر (منطقةLiptako-Gourm  لتنضمّ في وقت لاحق إلى قوة Barkhane الفرنسية التي تطارد الجهاديين في دول الساحل ، والتي يُقال أنها تُنسق مع بعثة الأمم المتحدة في مالي MINUSMA وكان قائد القوة المشتركة للساحل G5 Sahel رئيس أركان الجيش المالي سابقا الجنرال ديدييه داكو أكد أن “مركز قيادة هذه القوة سيكون في Sévaré التابعة لمنطقة Mopti بوسط مالي (هناك نقطة إرتكاز عسكرية أمريكية بها وتشكل مع مدينتي Tombouctou و Gao مثلث الشمال بمالي) , وفي ضوء أوجه النقص المتوقعة فسوف تدعم قوة الامم المتحدة MINUSMA القوة الخماسية بما تحتاجه من دعم لوجيستي بل وعملياتي أيضاً ,

في تقديري أن كثافة تمركز كل هذه الحملات والتنظيمات العسكرية والأمنية بشمال مالي يُعتبر بحق منظراً رومانياً بإمتياز ويدعوا أصحاب النظر وربما من يتشدقون بوصف أنفسهم بأنهم مُتحضرون للدهشة والإستغراب , إذ أنك تجد العسكريات الأمريكية ولها قاعدة في مدينة Mopti بوسط مالي والفرنسية في شمال مالي وبينهما الأممية والقوة الخماسية للساحل ومركزها في Sévaré بوسط مالي وكلها تعمل في مالي بكثافة مما أحال شمالها إلي ” حفلة عسكرية ” أو معسكراً متعدد الجنسيات , 

 تعلم فرنسا بالطبع خاصة مؤسستها العسكرية أن منطقة الصحراء مليئة بالقوي العسكرية وكلها معنية بمجابهة “الجهاديين” , ومع ذلك إتجهت بإصرار إلي إقامة قوة الساحل الخماسية , فهل مرجع ذلك إلي إعتقاد لديها بأن القوي الأخري أقل كفاءة أم أنها مُستقلة عن العسكرية الفرنسية , أما أنها رغبة في المزيد من عسكرة المنطقة أم جعل هذه المنطقة منطقة خطر عام ومُشترك لقوي أخري بداخل حلف شمال الأطلنطي وإمتداد لمنطقة جنوب المتوسط ومن ثم إدخالها في مفهوم ” الأمن الأوروبي  ؟ , فهذا بالضبط ما سبق وأعلن عنه لأول مرة Maurizio Massari المبعوث الإيطالي للشرق الأوسط عندما ربط منطقة الصحراء الكبري بمنطقة جنوب البحر المتوسط ودمجهما في مفهوم جيوبوليتيكي واحد هو ” البحر الأبيض المتوسط الكبير” أو” Greater Mediterranean Region ” وذلك في تصريح صحفي أدلي به في 9 أبريل 2012 أثناء زيارته للإمارات العربية المتحدة  , وأعتقد أن المُبرر من وراء إطلاقه هذا المفهوم الجديد هو إستراتيجية أمن الطاقة الأوربية حيث هناك الكثير من مشاريع الطاقة الكبري مُخطط إتمامها بهذه المنطقة منها مشروع توليد الكهراء من الطاقة الشمسية والذي بادرت به مؤسسة DESERTEC الألمانية والتي ستنقل الكهرباء المُولدة من الصحراء الكبري عبر كوابل لأوروبا مما سيغطي نحو 25% من إحتياجات الطاقة الكهربائية للإتحاد الأوروبي حال إتمامه ومن هنا كان لابد من  المرونة المفاهيمية بالقدر الذي أنتج هذا المُصطلح الجيوبوليكي  .

كما أنه من المعلوم أن موريتانيا أعلنت في وقت سابق علي ذلك عن أنها غير معنية بالترتيبات التي تتخذها النيجر وبوركينافاسو ومالي بشأن إقامة قوة ثلاثية معنية ببسط الأمن في منطقة Liptako-Gourm التي أعلن في 24 يناير 2017 عن إتخاذ قرار ثلاثي لإقامتها والتي لا يبدو أن إسهامها الأمني بعد نشوء قوة الساحل الخماسية سيكون ذا معني , فموريتانيا بجانب أنها بعيدة تماماً عن منطقة Liptako-Gourm فهي أيضاً مُثقلة بأعباء أمنية داخل وفي محيط حدود الدولة الموريتانية المُباشر , وإن كانت الخارجية الفرنسية قد أعلنت في 6 يوليو 2016 عن دعم مشروع التعاون العابر للحدود بالساحل Appui à la coopération transfrontalière au Sahel من منفذين ماليين هما وزارتي الخارجية والدفاع الفرنسيتين , لكن وبعد ذلك إتفق رؤساء تشاد والنيجر ومالي والنيجر وبوركينافاسو في ختام إجتماعهم معاً في مارس 2017 علي إقامة قوة عسكرية خماسية للساحل G5 Sahel تساهم فيها كل من تشاد والنيجر وبوركينافاسو ومالي وموريتانيا لمجابهة “الجهاديين” , لكن هل ستكون القوة الخماسية للساحل G5 Sahel  آخر ترتيب عسكري / أمني تتفق عنه الذهنية العسكرية الفرنسية ؟ والأهم هل ستخضع القوة الخماسية للساحل للمفهوم العسكري الفرنسي الذي تعمل علي أساسه عملية Operation Barkhane   أم لمفهوم حفظ السلام وإعادة الإستقرار الذي تعمل علي أساسه بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار بماليUNITED NATIONS MULTIDIMENSIONAL INTEGRATED STABILIZATION MISSION IN MALI ؟ الأرجح تماماً أنها ستعمل وفقاً للمنهجية Methodology العسكرية لعملية Barkhane  , والفرق كبير بل مروع فالعملية الفرنسية عملية سفك دماء .

شمالي مالي والنيجر بؤرة تجمع صليبي للقوي العسكرية الأوروبية :

من بين معاني كلمة Crusade التي أشار إليها قاموسthe American Heritage Dictionary .Edition 1982 هذا المعني ” A vigorous concerted movement for a cause or against an abuse” أو حركة قوية مُتضافرة من أجل قضية أو إساءة ,  بمعني أن إصطلاح ” حملة صليبية” يتضمن إلي جانب المعني الديني وتحديداً المعني الذي ينصرف علي الحرب ما بين الإسلام والمسيحية , فهو يتضمن أيضاً الحرب من أجل أي قضية أخري ومن بين أقوي الدوافع التي تخالج قادة القوي الدولية ومنها فرنسا في هذه الحملة قضية ” المصالح العُليا لفرنسا ” وهي عبارة عن مصفوفة متنوعة من المصالح أهمها الطاقة (اليورانيوم)  بالإضافة إلي المصالح الإقتصادية الأخري , ولهذا ففي تقديري أن الحملة الصليبية بالصحراء الكبري تحمل في طياتها الدافعين الديني والإقتصادي معاً .

فرنسا كالعهد بها , فكما شاركت في الحملات الصليبية علي الشرق العربي فإنها أيضاً قادت بنفسها حملتان صليبيتان الأولي توجهت إلي مصر بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا وهي في سلسلة الحملات تعد السابعة وكان قوامها ما بين 15,000 إلي 25,000 فارس وأستغرقت الفترة من 1248 حتي 1254 إبان عهد السلطان الأيوبي الصالح نجم الدين أيوب , أما الحملة الثانية لفرنسا فكانت ضد سلطان تونس وكان ترتيب هذه الحملة التاسعة في سلسلة الحملات الصليبية وكانت عام 1270 وفشلت كما فشلت الحملة علي مصر , * (LEXICON UNIVERSAL  ENCYCLOPEDIA .Lexicon Publication Inc New york . 1985 . 5 Cit . Cz. ) ولا ينبغي أن ننسي حملة نابليون بونابرت علي مصر في الفترة من 1798 حتي 1801 فهي أيضاً رغم أنها كانت في إطار إستعماري تنافسي بين فرنسا وبريطانيا إلا أنها حملت في طياتها مضموناً مسيحياً صليبياً أيضاً  وفشلت كذلك , هذه هي خلفية يمكن في ضوءها رؤية الحملة العسكرية الفرنسية علي الساحل في شمالي مالي والنيجر حالياً , فالحملة الفرنسية الحالية  بالصحراء الكبري لا تختلف في هدفها النهائي عن كل هذه الحملات علي مصر والشرق العربي بعد أن يجردها المرء من أباطيل المصطلحات الضالة مثل “الإرهاب” و ” التطرف” و “الرديكاليين ” و ” الأصوليين” , فالهدف واحد وهو إستلاب ونهب ثروات ومقدرات منطقتي الساحل والصحراء , فالحملات الصليبية التي كانت مُوجهة ضد الشرق العربي إستهدفت – كما هو معروف – الإستيلاء علي القدس الشريف لدواعي مسيحية متطرفة وكذلك إستلاب ثروات الشرق , وفي هذه المرة وفي منطقة الصحراء الكبري نجد تجمعاً عسكرياً غربياً مُشابهاً إن لم يكن مُتطابقاً مع الحملات الصليبية علي الشرق العربي , نقطة تجمعه الصحراء الكبري وتحديداً شمالي مالي والنيجر المُتاخمين لحائط التماس مع العالم العربي في جناحه الأفريقي , وفي الواقع تدرك أوروربا أن هؤلاء الذين يصفونهم مع الآخرين بأنهم إرهابيين إنما يذودون عن مقدرات أمتهم وثرواتها من حملات النهب الآتية إليهم من أوروبا من كل حدب وصوب بقيادة فرنسا , كما أنهم أي الأوروبيين يخشون من المؤثرات الإسلامية سواء أكان مصدرها فقهي أم سياسي أم مزيج منهما آتية من العالم العربي بإتجاه شمال الصحراء الكبري , وهو ما يمكن إستنتاجه بصفة مباشرة من عبارة ألقتها مفوضة السياسة الخارجية للإتحاد الأوروبي Federica Mogherini أمام مؤتمر الساحل في بروكسل في 23  فبراير 2018 عندما قالت ” إن أوروبا فهمت أن التهديد الإرهابي لا يرتبط بالمنطقة ” (تعني منطقة الساحل)  مُضيفة قولها أنها تعتقد بأنه من المناسب   “فرض وسائل أوروبية لعمل الأشياء علي كاهل الشركاء(دول قوة الساحل الخمس) الذين لديهم فكرة أفضل عن هذا العمل” , ومرة أخري هذا هو السبب الماورائي للمفهوم الجيوبولتيكي الجديد الذي أطلقه Maurizio Massari المبعوث الإيطالي للشرق الأوسط وربط به منطقة الصحراء الكبري بمنطقة جنوب البحر المتوسط ودمجهما معاً , هذا المفهوم هو ” البحر الأبيض المتوسط الكبير”أو” Greater Mediterranean Region , ومُصطلح ” حملة صليبية ” الذي إستخدمه هنا في حالة ما يُسمي “بأزمة الساحل ” أستخدمه للتعبير عن حملة عسكرية تشارك فيها عسكرياً أو تساهم فيها مالياً دول مسيحية (قادة دول القوة الخمس أدوات ليس إلا) , فالمرء لا يجد إلا جنوداً من دول أوروبية وقراراً تم إستصداره في مجلس الأمن بموافقة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي دول مسيحية لإرسال قوة الأمم المتحدة متعددة الأبعاد للإستقرار في مالي Minusma التي تعمل بالتنسيق مع قوة عملية Barkhane الفرنسية بشمال مالي لإستئصال “الخطر الجهادي” أو ” الإرهابي ” , هي نفسها أيضاً التي إستصدرت قرار مجلس الأمن رقم 2359 بتاريخ 21 يونيو 2017 مُتضمناً الموافقة على نشر قوات دول الساحل الخمس بوركينا فاسو و موريتانيا و مالي والنيجر و تشاد لمدة عام واحد وهذا القرار هو الخطوة الأولى لدعم قرار مجموعة الدول الخمس المعنية بمنطقة الساحل بشأن إنشاء قوة مشتركة لمحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للدول بالتنسيق مع القوات الوطنية وغيرها , وفي إطار حشد القوي العسكرية الغربية لدعم الحملة (الصليبية) الفرنسية أُعلن في في 11 يناير 2018 عن أن هناك مباحثات بريطانية / فرنسية تتجه إلي تحقيق إنضمام بريطانيا إلي عملية Barkhane العسكرية التي تقودها فرنسا ضد “الميليشيا الإسلامية” في شمال مالي , وأن بريطانيا قد تسهم عسكرياً بطائرات هليوكوبتر Chinook أو طائرات إستطلاع بلا طيار Watchkeeper surveillance لأول مرة خارج بريطانيا وقوات مُقاتلة وأحالت صحيفة THE TIMES  في 11 يناير علي مصدر في Whitehall بلندن قوله ” إن الجهد يتجه إلي مكافحة ” الإرهاب ” ومواجهة الجريمة المُنظمة والمساعدة علي إعادة إرساء سلطة الدولة “ , أما إيطاليا فقد أشارت وكالة Reuters في 13 ديسمبر 2017 بالإحالة علي Paolo Gentiloni رئيس المجلس الإيطالي بمناسبة مشاركته في مؤتمر قمة باريس عن الساحل قوله ” أن إيطاليا قد تقوم بسحب قواتها التي بالعراق لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية لتنتقل إلي منطقة الساحل في إطار الجهود المبذولة لتكوين القوة الخماسية للساحل ” , وأضاف في مؤتمر صحفي ” أعتقد أنه يتعين علي كل دولة  إعطاء دفعة للإتحاد الأوروبي لجعل مبادرته فعالة في هذا الشأن في منطقة الساحل , فالإلتزام الايطالى بالمنطقة  سوف يرتبط بمختلف الحملات العسكرية الدولية التي كان لها الكثير من النجاح فى الاسابيع الاخيرة  في العراق وسوريا , حيث مُنيت الدولة الإسلامية بسلسلة من الهزائم , وهذه  النجاحات أدت إلي تحقيق الاستقرار , ولكننا مُنخرطون بنحو 1000 عسكري في العراق ، ومن الممكن ألا تكون هناك حاجة لجزء من هذه القوة هناك في المستقبل القريب ” ,  مُوضحاً  أن بلاده “ستشارك بجدية بعد موافقة البرلمان علي تشكيل القوة الإيطالية وإرسالها للمساهمة في تحقيق الاستقرار ومكافحة الارهاب بالساحل , وسنبدأ عمليات ثنائية مع النيجر التي تلعب دورا رئيسيا في السيطرة على تدفقات الهجرة ” , وقد أكد وزير الدفاع الإيطالي Roberta Pinotti  في تصريح أدلي به لوكالات الأنباء في 22 ديسمبر 2017  أيضاً مسألة إرسال بلاده لبعثة حفظ سلام للنيجر بإعتبارها عمود من أعمدة تحقيق الأمن بمنطقة الساحل , ولإيطاليا إهتمام إستراتيجي بليبيا التي تبعد عن سواحل صقلية بنحو300 ميل , ولذلك فإيطاليا تنظر إلي ليبيا بوضعها الحالي علي أنها ثغرة تنفذ منها أخطار الهجرة غير الشرعية التي قد تحتوي علي عناصر من ” الإرهابيين” , ومن هنا كان التصريح الذي أدلي به وزير الخارجية الإيطالي  Angelino Alfano ونشره موقع The Siasat Daily في 6 فبراير 2018 وقال فيه ” أن إيطاليا سوف ترسل قوات للنيجر في حالة ما إذا طلبت حكومتها ذلك وأن أي بعثة عسكرية (إيطالية) سوف يكون عليها إحترام سيادة هذا البلد “ , وكانت إذاعة فرنسا الدولية RFI قد أشارت في 2 6 يناير 2018 نقلاً عن مصدر إيطالي قوله أن حكومة النيجر لم تُخطر بموافقة البرلمان الإيطالي الصادرة في 17 يناير والمُتضمنة إرسال 470 فرد يشكلون قوام بعثة عسكرية إيطالية في النيجر , وأشارت الإذاعة إلي أن الحكومة الإيطالية تعتبر النيجر شريكاً إستراتيجياً , ولذلك فتحت في يناير 12018 سفارة لها في العاصمة  Niamey هي الأولي لإيطاليا بمنطقة الساحل التي ترد منها موجات الهجرة غير الشرعية لإيطاليا  .

قررت أسبانيا في ديسمبر 2017 زيادة أفرادها العسكريين بقوة الإتحاد الأوروبي القائمة علي تدريب الجيش المالي إلي 290 فرد بعد أن كانوا 140 فرد , إذ أن وزير خارجية أسبانيا Alfonso Dastis وفقاً لتصريح له في 8 فبراير 2018 أشار إلي ” أنه من الواضح أن الموقف الأمني في النيجر ومالي لم يتحسن كثيراً ” مُضيفاً قوله ” أن هذا سبب يدعو إلي القلق , لكننا لا نعتقد أنه من الضروري أن نربط ما بين الإرهاب والهجرة (غير الشرعية) ” , وهو كلام مختلف عن ما يقوله الإيطاليون , كما أعلنت جمهورية التشيك في 21 فبراير 2018 قبل  المؤتمر الدولي للساحل الذي عُقد ببروكسل في 23 فبراير 2018 عن مساهمتها بمبلغ مليون يورو , وبررت حكومة Prague مساهمتها تلك بأنها للحماية من أزمة اللاجئين غير الشرعيين وأنه من ميزانية وزارة الدفاع التشيكية وأنه سيصب في متناول الآلية المالية للإتحاد الأوروبي ومرفق السلام الأفريقي لدعم قوة الساحل الخماسية , وفي سياق هذه الحملة التي من الصعب تجنب وصفها بالصليبية في شمالي مالي والنيجر نجد  Jüri Ratas رئيس وزراء جمهوريةEstonia الواقعة هناك بعيداً في شمال أوروبا علي بحر البلطيق (التي تتمركز بها مجموعة القتال التابعة لحلف شمال الأطلنطي NATO وبعثة الشرطة الجوية البلطيقية) يصرح في مؤتمر صحفي خلال مؤتمر المانحين لقوة الساحل الخماسية في 23 فبراير 2018 ليقول “من المهم للإتحاد الأوروبي بما فيه Estonia المساهمة في تنمية وإستقرار أفريقيا جنوب الصحراء الكبري لكي نخفض من المخاطر الأمنية علي أوروبا ولكي نحد من الهجرة غير الشرعية ” وأضاف ” إن Estonia ساهمت في تحقيق السلام في أفريقيا وتود أن تفعل ذلك أيضاً في المستقبل ” , ولقد قدمت Estonia مساهمة بحوالي 4,7 مليون يورو لتنمية أفريقيا عبر صندوق الطوارئ الإئتماني Emergency Trust Fund .

لكن الأمر المؤكد والأهم بالنسبة لفرنسا هو السعي بنجاح في تجميع القوي الأوروبية لتتمركز عسكرياً في منطقة الساحل وتحديداً بالصحراء الكبري , لذلك السبب إلتقي Jüri Luik وزير دفاع Estonia بنظيرته الفرنسية Florence Parly في 22 فبراير 2018 بمدينة Lille الفرنسية , في إطار توثيق العلاقات العسكرية , وتناولت مباحثتهما من بين أمور أخري مساهمة Estonia العسكرية المُحتملة بوحدة مُشاة بحجم فصيلة في عملية  Barkhane العسكرية الفرنسية المُتمركزة في شمال مالي , ومن المعروف أنه وفي إطار العلاقات العسكرية الوثيقة بين  Estonia وفرنسا شاركت الأولي في الجهد العسكري الفرنسي في جمهورية أفريقيا الوسطي وكانت مشاركتها عبارة عن 50 عسكري شكلوا قوة دفاع قيل أنها لدعم القوات المحلية بهدف تهدئة الصراع بين الفصائل المُتحاربة (في الواقع لمساعدة فرنسا في إستئصال تحالف Séléka  ومعظمه من مسلمي أفريقيا الوسطي ودعم ميليشيا  Anti-balaka المكونة من مسيحيي أفريقيا الوسطي والتي دعمتها القوات الفرنسية من خلال عملية Sangaris الفرسية لحفظ السلام هناك ) , وقد أُعلن في 8 أغسطس 2014 عن عودة القوة الإستونية بنهاية أغسطس 2014 .

صحيح أنه ليس لروسيا إنخراط وتموضع لقوة عسكرية روسية في الساحل , لكننا نري في وصف Andrei Kemarsky مدير الإدارة الأفريقية بالخارجية الروسية  نوعية الإنخراط الروسي من خلال تصريحه الذي نشره موقع وكالة TASS الروسية في 9 فبراير 2018 إذ قال ” …. وبصرف النظر عن ذلك فإن البلاد الأفريقية تري تنمية التعاون (مع روسيا) في النطاق العسكري والفني كأداة لتأمين سيادتها وإستقلالها ومواجهة ضغوط الغرب وإمدادها بالأمن بما في ذلك المعركة القائمة ضد التحديات الإرهابية ” وأضاف ” إن تهديد الإرهاب في بعض المناطق الأفريقية يتركز وبما يشمل كنتيجة لذلك التدخل العسكري الغربي في ليبيا والتي تنبثق منها الأفكار الراديكالية والتطرف الذي ينتشر اليوم وقبل كل شيئ في منطقتي الصحراء والساحل ” , وفي الواقع فالدور الروسي في ليبيا يترجم إلي حد كبير التوجه الروسي في منطقتي الساحل والصحراء إذ أنني علمت من شخصية طوارقية رفيعة المستوي في حكومة النيجر عام  منتصف عام 2012 في حديث عن الوضع الليبي أن روسيا تمد قبيلة التوبو Toubou التي يعيش المنحدرين منها في جنوبي ليبيا بالسلاح والعتاد وينتشر أبناء هذه القبيلة أيضاً في شمال ووسط الغرب التشادي وشرقي النيجر وأقصي شمال غربي السودان , أي أن روسيا تساهم بشكل ما في إذكاء الصراعات في منطقتي السالحل والصحراء بتنشيط صناعة السلاح الروسي وهو تقريبا نفس نطاق دورها بالشرق الأوسط الذي ينبني علي إنعاش صناعة السلاح الروسي والإقتصار علي التدخل العسكري المباشر علي المسرح السوري في شرق المتوسط  .

من جهة أخري أشار موقع Vaticannews في 19 فبراير 2018 إلي أن مجلس إدارة ” مؤسسة John Paul II من أجل الساحل ” عقد إجتماعه السنوي في Dakar عاصمة السنغال بمشاركة أساقفة من دول الساحل للموافقة علي تخصيص تمويل قدره 2,3 مليون دولار لعدد 127 مشروع تنموي محلي بتسع دول أفريقية .

مستقبل القوة :

قوة الساحل الخماسية أو G5 Sahel صحيح أنها – كما يردد الإعلام الفرنسي – فكرة إنبثقت عن قادة الدول الخمس في إجتماعات عقدوها في ندجامينا ونواكشوط عامي 2015 و2016 علي التوالي , لكنها تظل فكرة مُجردة لو لم تستخدم فرنسا نفوذها العسكري والسياسي داخل الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة بدرجة أقل للتعبئة والحشد السياسي من أجل تدبير تمويل هذه القوة كي تعمل ميدانياً وتخرج من الحيز الذهني المُجرد لتستقر ميدانياً في مسرح القتال بالصحراء الكبري , وبالتالي فإستمرار هذه القوة كإقامتها تماماً كان وسيظل رهناً بالإرادة الفرنسية , ولهذا فهناك ثمة إختلاف نوعي ما بين قوة الساحل الخماسية والقوة مُتعددة الجنسيات التي تقودها نيجيرياMulti National Joint Task Force   أو MNJTF التي تعمل لمواجهة جماعةBoko Haram في محيط بحيرة تشاد والتي تتبع منظمة حوض بحيرة تشاد وربما يؤكد هذا الفرق ما قاله  Vincent Foucher وهو من كبار مُستشاري مجموعة الأزمات الدولية في تصريح نشره موقع إذاعة صوت أمريكا VOA في 14 فبراير2018 مُعلقاً علي مستوي أداء القوة مُتعددة الجنسيات MNJTF بأنه يجسد مفهوم فكرة الحلول الأفريقية للمشاكل الأفريقية أو” African solutions to African problems“, لكن لابد من عدم إغفال أن هناك بعض المساعدات التي تمنحها قوي دولية غربية لدعم القوة مُتعددة الجنسيات  MNJTF.

علي أي الأحوال فإنه من المُرجح أن تستمر قوة الساحل الخماسية G5 Sahel تعمل كإسناد لعلمية Barkhane العسكرية الفرنسية (وليس لقوة الأمم المتحدة في مالي Minusma) في شمال مالي طالما دامت حاجة فرنسا لتحقيق أهدافها الإقتصادية في منطقة الصحراء الكبري وهي مرتبطة في معظمها بإستراتيجية الطاقة الأوروبية وهذا ما يفسر مضاعفة الإتحاد الأوروبي مساهمته في إقامة القوة الخماسية من 50 مليون يورو إلي 116 مليون يورو ,  ونحن هنا نتكلم عن الإستمرار , أما عن الكفاءة أو تحقيق نتائج حاسمة فهذا أمر قابل لكثير من الشك والغموض لكن الإعلام الفرنسي سيتكفل بملأ الفراغات المتعلقة بالكفاءة عند تغطيته المُستقبلية لمهمة القوة الخماسية للساحل أو G5 Sahel , فالعسكرية الأمريكية لديها شك فيما يتعلق بكفاءة هذه القوة لأسباب متنوعة بعضها غير فني بل سياسي بحت كما سبق وأشرت , وربما بعض هذه الأسباب مرجعه التنافسية التي تمثل أحد شرائح العلاقات الأمريكية / الفرنسية في أفريقيا , فالولايات المتحدة وبعد ان أعلنت في 6 فبراير 2007 عن إقامتها للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقياAFRICOM  وأقرت قانون الفرصة والنمو لأفريقيا AGOA الذي أصبح نافذاً في 18 مايو 2000وبتعزيز مهام الوكالة الدولية الأمريكية للتنمية USAID أصبح لديها أصول أو Assets لابد من إستخدامها بتوسع ويمكن من خلالها التحرك بكفاءة نسبية في أفريقيا لتلتهم مناطق النفوذ الفرنسية , بالرغم من تنسيقها العسكري الحالي مع فرنسا وهو التنسيق الذي بدأ في حملة إسقاط نظام القذافي في ليبيا , لكن هناك ثمة ملاحظة تجب الإشارة إليها لتؤكد ما تقدم أو علي الأقل لتحدد الموقف الأمريكي الحالي من قوة الساحل الخماسية وهو موقف قد يؤثر بدرجة ما علي مستقبلها , إذ أن هناك ثمة إختلاف بين الموقف الأمريكي من قوة التحالف الخماسي للساحل وقوته العسكرية المُسماة G5 Sahel وبين الموقف الأمريكي من مشروع إنشاء تحالف عربي في الشرق الأوسط , فالولايات المتحدة هي من بادر بالترويج لإقامة هذا التحالف العربي المُفترض , فقد نشرت صحيفة THE WALL STREET JOURNAL في 15 فبراير2017 بالإحالة علي مسئوليين شرق أوسطيين قولهم أن إدارة الرئيس الأمريكي Trumpتُجري محادثات مع حلفاء عرب لتشكيل حلف عسكري يجمعهم يمكن أن يتقاسم المعلومات الإستخباراتية مع إسرائيل من أجل المساعدة في مواجهة إيران عدوهم المُشترك , وإتصالاً بذلك نشر موقع صحيفة الأهرام القاهرية في 6 مارس 2017 أن رئيس هيئة أركان الجيش المصري إلتقي الجنرال Petr Pavel رئيس اللجنة العسكرية بمنظمة حلف شمال الأطلنطي NATO بحضور عدد من قادة الجيش المصري , وأشار الموقع أنه وفقاً لبيان صادر عن الجانب المصري فإن الجانبين ناقشا مسائل إقليمية من بينها الموقف في ليبيا كما ناقشا التطورات الأخيرة ذات الصلة بالحرب علي الإرهاب والتنسيق والتعاون بينهما في هذا المجال , ومن جانبه أثني الجنرال الأمريكي علي الجهود المصرية في مواجهة الراديكالية والإرهاب وشدد علي دعم حلف الأطلنطي الكامل لهذه الجهود لتحقيق الأمن والإستقرار في الشرق الأوسط , من جهة أخري نشر موقع Middle East Eye في 2 مارس 2017 كما نشرت وكالة Anadolu التركية في13 مارس 2017 أن هناك حديث عن أن الرئيس الأمريكي Donald Trump يبحث عن تكوين تحالف بين دول عربية وإسرائيل لمواجهة جماعة داعش الإرهابية وإيران وأن هذا التحالف سيشمل دول مثل مصر والأردن والتي بينها وبين إسرائيل معاهدتي سلام , والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المُتحدة واللتان لا تربطهما علاقات دبلوماسية بإسرائيل , وأحالت الوكالة علي الإعلام الأجنبي إشارته إلي أن هذا التحالف الذي علي نمط منظمة حلف شمال الأطلنطي NATO سيُركز علي تقاسم مُنتظم للمعلومات الإستخباراتية والسماح للشركات العسكرية الإسرائيلية بالعمل في العالم العربي, إذن هناك إختلاف منهجي في السياسة الأمريكية في منطقتي الساحل والشرق الأوسط , وربما أغري الولايات المتحدة إنتصار قوي الثورة المُضادة في دول الربيع العربي , لكن ما أدي إلي خفوت الحديث عن هذا التحالف – ولن أقول فاشلة إذ أن الفكرة تحيا في ضمائر ميتة للآن – هو أن النظم “العربية ” القائمة علاقاتها البينية ملأي بالشروخ والإنسداد في قنوات علاقاتها السياسية والعسكرية ويكفي الإستدلال علي عدم إستخدام النظم العربية لميثاق الأمن الجماعي العربي لأن هذه الأنظمة مصابة بالسل السياسي المُزمن , لذلك فالبيئة السياسية والعسكرية والأمنية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط جاهزة لإبتلاع مفهوم تحالف شرق أوسطي يستوعب إسرائيل جنباً إلي جنب مع دول عربية , ولذلك فبالرغم من أن المشروع المُفترض لإقامة تحالف عربي بالشرق الأوسط لم ولن تواجه إقامته أزمة تمويلية إلا أن هذا التحالف مازال مُتعثراً فيما إستطاعت فرنسا التقدم بالقوة الخماسية للساحل وأرستها ميدانياً بعدد تسوية الأزمة التمويلية التي واجهتها , كذلك فبإفتراض صحة ما روُج عن إقامة التحالف العربي للشرق الأوسط بمبادرة أمريكية , فإن رغبة الولايات المتحدة في ربطه بمنظمة حلف شمال الأطلنطي – ولو علي المستوي التظيمي الداخلي لهذا  التحالف – يُظهر مدي التباين بين أهمية الشرق الأوسط لدي العسكريتين الفرنسية والأمريكية فمنطقة الشرق الأأوسط بعد أن ورثتها الدبلوماسية بكل ما فيها من بريطانيا العظمي كأحد نتائج الدور الأمريكي في الحرب العالمية الثانية مازالت فائقة الأهمية الإستراتيجية للذهنية الإستراتيجية الأمريكية (لأسباب تتعلق بالتيار الصهيومسيحي الأمريكي) وستظل حكراً علي الولايات المتحدة , فيما لا ترقي منطقة الساحل إلي هذا الحد , لكن هذا لا يعني أنها غير مهمة لكنه سلم الأولويات الإستراتيجية الأمريكية , إذ أن للولايات المتحدة إهتمام أمني / مخابراتي لا شك في وجوده إزاء الساحل والصحراء الكبري وهناك قواسم مُشتركة  بين مشروع التحالف العربي للشرق الأوسط وتحالف دول الساحل الخمس المدعوم والمُرتبط بفرنسا منها أن كلاهما هدفه الأولي محاربة ” الجهاديين” و “الإرهابيين ” و “المتطرفين” وهذه المُصطلحات تمثل كلمة السر التي تضمن للقوي الكبري الإحتفاظ بإرتكازاتها المختلفة بكلا المنطقتين , كما أن كلاهما مُرتبط بحبل سري بقوة عظمي آمرة ومُوجهة .

من الوجهة التنظيمية فقد تحدد مقر القوة الرئيسي للقوة الخماسية للساحل ليكون في بلدة Sévaré بوسط مالي وفرعين في النتيجر وموريتانيا (فيما مقر عملية Barkhane الفرنسية في مدينة Gao بشمال مالي) , علي أن تكتمل القوة وتكون جاهزة للعمل في مدي منتصف عام 2018, والتقدير أن تكون هذه النقاط الثلاث عاملة خلال بضعة شهور, وقد حدد الرئيس الفرنسي Macron هدف علي القوة تحقيقه في الأجل القصير وهو تحقيق إنتصارات في الربع الأول من عام 2018 , لكن هذه القوة مازالت بعد غير قادرة علي العمل ميدانياً بشكل يُعادل التطلعات الفرنسية , لأسباب مالية أولا , فالقوة كما صرح ean-Yves Le Drian وزير الخارجية الفرنسي لصحيفة Le Monde الفرنسية , ” عبارة عن كتيبة من كل بلد من البلدان الخمس عدتها ضعيفة المستوي , ويجب مساعدتها لتكون قادرة ” وأضاف قوله ” إن هذه القوة مُوجهة في المقام الأول لتأمين الحدود وخاصة في المناطق التي تتحرك فيها الجماعات الإرهابية وأن عملية Barkhane تولي أولوية لقوة الساحل الخماسية وترافقها في بداية عملها ” , لكن وزير الخارجية الفرنسي إعترف بأن العمل العسكري وحده لن يحل الأزمة التي بالساحل , والسؤال مُجدداً – في ضوء إدراك وزير خارجية فرنسا لإستحالة الحل العسكري – لماذا إذن تصر فرنسا في حرب لا مُتماثلة Asymétrique بين طرفيها علي إضافة قوة الساحل الخماسية (5.000 رجل) إلي الوجودين العسكريين الأممي (12,000  رجل) والفرنسي (4,000 رجل) بالمنطقة ؟ , خاصة ونحن نجد تجارب مواجهة بغير نهاية حاسمة بين من يُوصفوا بأنهم ” إرهابيين ” في أماكن مختلفة بعالمنا والقوات الحكومية خذ مثلاً جماعة Boko Haram في محيط بحيرة تشاد و أنصار بيت المقدس في شبه جزيرة سيناء , والسؤال بشكل آخر هل الحلول العسكرية تم إعتمادها بعد طرق أبواب التفاوض  مع هؤلاء ؟ أم أن الحل العسكري ضروري للآلة العسكرية كي لا تصدأ ؟ .

التعثر في تدبير التمويل الكافي والموضوع سلفاً وفقاً للمقاييس العسكرية الفرنسية وتم التغلب عليه في مؤتمر بروكسل , أدي إلي الإنهماك في البحث عن ممولين إضافيين لسد الفجوة التمويلية , وهو ما أدي ربما    إلي تدني الإهتمام بتحديد ولاية القوة الخماسية وما يتصل بذلك من نواحي تنظيمية وفنية ذات صلة , ولذلك ستكون ولاية Mandat القوة الخماسية للساحل مُعقدة إلي حد ما في ضوء وجود قوة الأمم المتحدة متعددة الأبعاد للإستقرار في مالي Minusma وقوة عملية  Barkhaneالفرنسية والعلاقة بين كل هذه القوي العسكرية الأجنبية والقوات المسلحة لكل من النيجر وتشاد ومالي ونواكشوط وبوركينافاسو وطبعاً يُضاف إلي ذلك البعد السكاني أي علاقة هذه القوة بالسكان في المناطق التي ستتمركز بها كتائبها , وهذه مسألة أدت إلي التأثير سلباً علي بعض مهام لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وكانت هناك مظاهر مختلفة لهذا التأثير السلبي وربما المُشين .

ستحدد الظروف الميدانية في فضاء الصحراء الكبري إن كانت هذه القوة التي أُريد لها أن تكون خماسية سيكون مآلها الإندثار أو التوسع بحيث تنضم إليها قوات من دول أخري من منطقتي الساحل والصحراء , خاصة وأن مسلحي الصحراء ومنهم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء أطلق زعيمه عدنان أبو وليد الصحراوي تهديداً لا لبس فيه للقوة الخماسية إذ أكد فيه أن كل مجاهدي الساحل علي قلب رجل واحد للنضال ضد قوة الساحل الخماسية .

 أن هذه القوة التي أُطلق عليها القوة الخماسية للساحل G5 Sahel تغطي منطقة شاسعة لكنها محدودة بحائطين أولهما حائط الجزائر التي لم تنضم لهذه القوة مع إنه من المنطقي عملياتياً علي الأقل أن تنضم الجزائر إليها نظراً لكون الصحراء الجزائرية  تُعد إمتداداً جغرافياً طبيعياً لمسرح العمليات , كما أنها أي صحراء جنوب الجزائر قد تعد من ناحية الفكر الجهادي نافذة لهذا الفكر الذي له الكثير من الموالين له , ثانيهما حائط نيجيريا فنيجيريا أيضاً يوجد في شمالها بمدينة Maiduguri عاصمة ولاية Bornoأنصار Boko Haram التي تأسست بها عام 2002 , ولم تنضم نيجيريا هي الأخري لأسباب مختلفة لقوة الساحل الخماسية أيضاً أهمها أنها بالفعل منهمكة في قتال عناصر جماعة  Boko Haram  من خلال القوة متعددة الجنسيات Multi National Joint Task Force التابعة للجنة بحيرة تشاد البالغ قوامها 10,000 رجل ومقر قيادتها في N’Djamena ولها 4 قواعد بدول حوض بحيرة تشاد , وهذا يعني أن قوتين عسكريتين من أكبر وأكثر القوي العسكرية حرفية بأفريقيا غير راغبتين في الإنضمام لقوة الساحل الخماسية , ومن هنا يمكن توقع وجود مسافة سياسية فاصلة بين نيجيريا والجزائر من جانب والقوة الخماسية التي يعلم المتابعون أنها تمثل المصلحة الفرنسية من جانب آخر , كما أنه مما يُلاحظ أن فرنسا إستحسنت إطلاق مُسمي”الساحل”  علي هذه القوة الخماسية مع أن أربع دول منها دول تنتمي لمنطقة الصحراء الكبري فيما أُلحقت بوركينافاسو في إعتقادي لسبب يتعلق بالإمداد العسكري الفرنسي منها, ففي 2 أكتوبر 2012 أشار موقعTHIESVISION  نقلاً عن مصدر عسكري موثوق فيه قوله أنه رصد في معسكر Kamboisne القريب من Ouagadougou عاصمة بوركينافاسو وصول قوافل من الأسلحة الثقيلة المنقولة علي متن طائرات حربية مُؤخراً مصدرها الجيش الفرنسي , وأوضح هذا المصدر أنه ربما كانت هذه الأسلحة قد وصلت منAbidjan عاصمة ساحل العاج بإعتبار أن تمركز القوات الفرنسية هناك يتسم بأفضلية إستراتيجية حيث تعتبر Abidjan مركز إقليمي لتلقي العتاد الفرنسي , كما أشار المصدر إلي أن الأمر يقتضي إنتظار الضوء الأخضر من الأمم المتحدة وأن هذه الأخيرة تُعد للأمر – وفقاً لمصدر دبلوماسي فرنسي – وأن فرنسا تأمل في تدخل جوي بأسرع ما يكون من بوركينافاسو يستهدف الإسلاميين الذين ” يستعمرون ” ( أكرر القول يستعمرون) شمال مالي , كما أحال المصدر الدبلوماسي الفرنسي علي موقع KOACI.COMإشارته في 26 سبتمبر 2012 إلي أن طائرتي هليوكوبتر حطتا في بوركينافاسو وأفرغتا حمولتيهما من قطع الغيار ومعهما فرقة من جنود من النيجر وبوركينافاسو ومالي , ثم أشار هذا الموقع إلي أنه ووفقاً للمعلومات التي أمكن الحصول عليها من اللجنة الوطنية للإصلاح والديموقراطية وإستعادة الدولة في Bamako مالي CNRDRE (Comité national pour le redressement de la démocratie et la restauration d l’État) فإن التدخل العسكري والدولي سيكون تحت قيادة فرنسا التي تحاول إقناع الجزائر وموريتانيا لإتخاذ اللازم نحو منع تسرب إسلاميين إليهما وتصفيتهم في حال محاولتهم اللجوء لأراضيهما , وأنه يمكن التنسيق في هذا الأمر مع الجيش المالي (الذي دحره فصيل الحركة الوطنية لتحرير أزواد الضعيف والذي سحقه أنصار الدين في 28 يونيو 2012) , وأن الجيش المالي سيكون مُكلفاً بعدما يتدخل علي الأراضي المالية وبعون من التجمع الإقتصادي لغرب أفريقيا CEDEAO بتأمين المواقع التي ستُؤخذ ويتم إستعادتها من الإسلامين . إذن بوركينافاسو أُلحقتها فرنسا بقوة الساحل الخماسية لأنها نقطة الإمداد النهائية للعتاد والأفراد العسكريين الفرنسيين , وبالتالي فبوركينافاسو أُلحقت بقوة الساحل الخماسية لأنها أصبحت في نظر” الجهاديين” نظراً إلي تورطها في معركة المفروض أنها لا تعنيها هدفاً , ومما يفسر ذلك جزئياً “العملية الإرهابية” التي طالت فندق Splendid في Ouagadougou في 15 يناير 2016 وأدت إلي مصرع 30 وجرح ما لا يقل عن 56 فردأ والتي أعلنت قاعدة المغرب الإسلامي المسئولية عنها , ففي هذا الفندق كان يقيم عسكريون فرنسيون , وكعادة الإعلام الفرنسي وتابعه الأفريقي تم التعتيم علي جزئية لماذا تم إستهداف هذا الفندق بالذات من بين فنادق Ouagadougou , إذ ليس لدي الإرهابيين لا الوقت ولا المال الكافيين حتي يضيعوهما في عملية لا تستهدف عدوهم الذي يستهدف فقط قتلهم بل سحلهم , وعدوهم هذا آت لصحاري أفريقيا للحصول بأي ثمن بخس علي مصالحه ليس إلا .

نجحت فرنسا في عملية الترويج لإنشاء هذه القوة وأستصدرت قراراً من مجلس الأمن لدعمها ثم شنت حملة دبلوماسية علي عدة محاور للتغلب علي أزمة تمويل القوة الخماسية ونجحت في مؤتمر بروكسل الدولي في حل أزمة التمويل التي إستعصت علي الحل لمدة عام تقريباً فجمعت المبلغ اللازم لتأسيس القوة ويبلغ حوالي 500 مليون دولار , لكن قوة الساحل الخماسية تلك مازالت تفتقد إلي الدعم المؤسسي من الإتحاد الأفريقي بمعني أن دول الإتحاد الأفريقي ليست مُجمعة علي هذه القوة الخماسية التي من الوا ضح لكل من ألقي السمع وهو شهيد أنه لولا القدرات الدبلوماسية الفرنسية والعلاقات البينية لفرنسا مع أعضاء منظمة حلف شمال الأطلنطي NATO وخاصة مع الولايات المتحدة والتي دشنت مرحلة جديدة قائمة علي التنسيق والتفاهم المُتبادل بعد حملة ليبيا التي إنتهت بإسقاط نظام القذافي في أكتوبر 2011 وإستكمال تمزيق ليبيا بالتعامل المزدوج مع نظام الثورة المُضادة بقيادة حفتر وحكومة طرابلس , لولا ذلك ما كانت هناك قوة خماسية للساحل , فالساسة الفرنسيون يمكنهم لو أستدعت المصلحة العُليا لفرنسا ذلك أن يتوسلوا بالكذب ومن بين الأمثلة الدالة علي ذلك وتتعلق بموضوعنا التصريح الذي نقلته وكالة Reuters من باريس في 30 يونيو 2012 والذي أدلي به وزير الخارجية الفرنسية Laurent Fabius وأشار فيه إلي أنه يستبعد إرسال فرنسل لقوات في إطار تدخل عسكري محتمل يُوجه لطرد الإسلاميين المُسيطرين علي شمال مالي , مُضيفاً قوله  “حتي اللحظة فإنه يجب أولاً إيجاد حل سياسي …. وأن هناك عمل يجب القيام به لإيجاد الأمن يمكن أن تساعد فيه القوات المالية ويمكن أن تفعل ذلك القوات الأفريقية …. ولا هجوماً فورياً مُنتظراً …. نحن هنا نلعب دور Facilitateur  لأننا قوة سلام (؟) , وأنه مامن تفكير في إرسال قوة فرنسية بدلاً من الأفريقية , لكن علينا أن نلعب دوراً سياسياً فنحن مُيسرين , لأن الأمر يتطلب بطبيعة الحال موافقة من الأمم المتحدة” , وفيما يُناقض التحركات والتصريحات الرسمية الفرنسية نشر موقع Thiessvision – كما أشرت – في 2 أكتوبر 2012 نقلاً عن مصدر عسكري موثوق فيه قوله أنه رصد في معسكر Kamboisne القريب من واجادوجو عاصمة بوركينافاسو المجاورة للنيجر ومالي , وصول قوافل من الأسلحة الثقيلة منقولة جواً مصدرها الجيش الفرنسي , وأوضح المصدر أن هذه الأسلحة وصلت أولاً لأبيدجان عاصمة ساحل العاج بإعتبار تمركز القوات الفرنسية هناك , وأكد هذا المصدر أن فرنسا بإنتظار الضوء الأخضر من الأمم المتحدة لبدء تدخل جوي فرنسي إنطلاقاً من بوركينافاسو يستهدف الإسلاميين الذين “يستعمرون ” شمال مالي (؟؟؟؟)  , وفي وقت سابق وتحديداً في 4 أبريل 2012 أشار موقع Stars and Stripes الأمريكي عن مراسله John Nandiver من شتوتجارت خبراً أحاله علي Nicole Dalrymple الناطق الرسمي للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا حيث مقرها هناك , الذي قال” أنه وبالرغم من أن القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا علقت تعاونها العسكري مع مالي عقب الإنقلاب العسكري بها في 22 مارس 2012, إلا أن القليل من الأفراد الامريكيين مستمرون في التمركز في مالي بوضع الإستعداد , بينما المفاوضات جارية لإعادة الحكم المدني ؟ , (وهو موقف للولايات المتحدة يختلف عن موقفها من إنقلابات عسكرية بدول أخري بها ) .

إن إنخراط العسكرية الأمريكية في القارة الأفريقية عموماً وفي دول الصحراء الكبري علي نحو خاص سيكون بينه وبين الإستراتيجية العسكرية الفرنسية بهذه المنطقة ما يمكن وصفه ” بالمنطقة العازلة ” بسبب التباين الواضح بين المنهجيتين Methodolgyالعسكريتين للولايات المتحدة ولفرنسا ,  لكن هذا الموقف لن يعني أن مساحات التعاون الثنائي غير كافية , هناك تعاون سيكون وسيستمر لكن مع توخي العسكرية الأمريكية لكامل الحذر من تعدي الخط الأمريكي الموضوع والذي يتمثل في : (1) دعوة عسكريات منطقتي الساحل والصحراء للإنخراط في برامج التدريب التي تعدها القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا , و(2) والتعاون في إطار الشراكة المُضادة للإرهاب عبر الصحراء Trans-Sahara Counter Terrorism Partnership التي تُعني بتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية وتنشيط المشاركة متعددة الأطراف في مجال المعلومات وتطويرالتوافقية بين الدول المُشاركة في هذه المبادرة , فالعسكرية الأمريكية بل وبعض المعنيين من الأكاديميين الأمريكيين يعلمون مدي الصعوبة والخسارة المُحتملة إن تعدت العسكرية الأمريكية هذا الخط , فعلي سبيل المثال صرحت الأستاذة Laura Seay بكلية Colby College والخبيرة بالشئون الأفريقية لموقع Task & Purpose في 23 يناير 2018 بأنه ” في الدول والحكومات الهشة  يمكن للناس أن يقيموا مُعسكراً ويفعلوا ما شاء لهم أن يفعلوه , إذ لا شيئ سيتغير في ليبيا أو الصومال أو في مناطق من منطقة الساحل كمالي والنيجر فهناك عمليات تشنها جماعات إرهابية ليست مُرتبطة حتي بالإرهاب الدولي , تلك التي تعودنا أن نذهب إليها لنستهدفها في أماكن مثل شرقي الكونجو , فنحن لا نفعل مثل هذه الأشياء فلا شهية لنا لذلك ” , كما أن الضربة التي تلقتها العسكرية في 4 أكتوبر 2014 بالنيجر وأسفرت عن مقتل 4 عسكريين أمريكيين من القوات الخاصة التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا , تركت بصمة إليمة علي الوعي العسكري الأمريكي العام وألزمت البنتاجون بتوخي مزيد من الحذر خاصة وأن للعسكرية الأمريكية ما لا يقل عن 6 الآف عسكري مُنتشرين في 53 بلد , وقد نشر تصريح أدلت به دكتورة Lauren Ploch لموقع Task & Purpose أيضاً أشارت فيه إلي أن القيادة العسكرية لأفريقيا AFRICOM تعلمت دروساً في العقد الماضي منها ما يتمثل في زيادة مهام ” إسداء النصح والمساعدة ” والتي تعني التدريب والتجهيز …” .

قد يقول قائل أن القوة الخماسية حازت دعماً مالياً وسياسياً كثيفاً , لكن يتبقي الدعم الذي مصدره النخبة والرأي العام الأفريقي خاصة في مالي والنيجر , وكمثال علي ما أقول أن البروفيسور Pape Demba Sy أمين عام الإتحاد من أجل الديموقراطية والفيدرالية (l’Udf MBOOLOOMI) بالسنغال قال أمام مؤتمر عام للحزب بداكار في 27 فبراير 2018ونشر ما قاله موقع Dakaractu  وكان جزء منه عن التمويل الأجنبي لقوة الساحل الخماسية   2018 التي وصفها بكونها ” إنها لإهانة … فأفريقيا لديها موارد تمكنها من مواجهة جميع التحديات المُقبلة ” , كما أن هناك من الخبراء الأوروبيين الذين لا يرون أن قوة الساحل الخماسية ولا حتي الترتيبات العسكرية الفرنسية والمحلية والأممية بكافية جميعاً لمواجهة الإرهاب , ومن هؤلاء   Eduard Solerالمُحلل في Barcelona Center for International Affairs  فهو يقول ” إن عسكرة المنطقة لا يمكن أن تكون الإجابة الوحيدة , فهي أي العسكرة أمر جوهري , لكنه ليس كافياً ”  .

مقارنة بالكثافة العسكرية لبعض العسكريات العربية بالقرن الافريقي , ففي تقديري أن أمن الدول العربية الواقعة في شمال أفريقيا وجزء من أراضيها مُتصل بالصحراء الكبري خاصة مصر والجزائر وليبيا حتي إشعار آخر مُعرض للإنكشاف  بسبب عسكرة الصحراء الكبري علي النحو المُبين آنفاً , ومن ثم فلا يجب علي هذه الدول أن تزيد من درجة تعرضها وإنكشافها بتصديق أو التماهي مع ما تسوقه فرنسا والولايات المتحدة عن مبررات إنتشار عسكريتهما بمنطقة الصحراء الكبري التي تمثل  نطاقاً للأمن الإستراتيجي للدول العربية بشمال أفريقيا التي تتصل جغرافياً مع دول القوة الخماسية للساحل G5 Sahel عبر الصحراء الكبري , وهذه حقيقة لا يمكن التعامي عنها حتي مع إهمال بعض المؤسسات العسكرية العربية بالشمال الأفريقي لها , إذ أن جزءاً هاماً وخطيراً لأمنها القومي يأتي من الصحراء الكبري , فبالإضافة إلي رمال الصحراء التي تجمع ما بين دول القوة الخماسية G5 Sahel والدول العربية بشمال أفريقيا بلا إستثناء هناك أيضاً تداخل عرقي   فالطوارق في دول القوة الخماسية يصلون ديموجرافيا حتي واحة سيوة بالصحراء الغربية لمصر , وهذه الصحراء كان يجب أن تشكل للدول العربية بالشمال الأفريقي ومعها السودان (دارفور) ودول الصحراء الكبري الأربع وهي تشاد والنيجر ومالي وموريتانيا رافداً هاماً للتعاون الأمني والسياسي والإقتصادي , فمن الوجهة العملية يعتبر أمن هذه المنطقة بإمتدادها من نواديبو بموريتانيا غرباً حتي واحة سيوة بمصر شرقاً , نطاقاً جغرافياً جامعاً كان يستحق إهتماماً يفوق الإهتمام الفرنسي الإستعماري الذي يجرد حملة لا يمكن تجنب نعتها ” بالصليبية ” إلا لو كانت لدينا رغبة في الإستغناء عن العقل , فهل أمن فرنسا من أمن هذه المنطقة مالم تكن هناك أطماع إقتصادية لفرنسا والإتحاد الأوروبي ؟ والسؤال الذي يليه منطقياً هو : هل ستقف هذه الحملة “الصليبية” علي هذا الجزء فقط من الصحراء الكبري (مالي والنيجر) , أم أنها قد تمتد في أسوأ التقديرات حتي تصل إلي سيوة في مصر ودارفور في غربي السودان  ؟ , إن تركيا إستيقظ لديها الوعي الإستراتيجي وأنتبهت إلي أهمية القارة الأفريقية فقد أعلنت الرئاسة التركية في 24 فبراير 2018 عن زيارة رسمية يقوم بها الرئيس التركي رجب طيب أردوجان للجزائر وموريتانيا والسنغال ومالي تبدأ في 26 فبراير 2018 , وقبلها في ديسمبر 2017 قام الرئس أردوجان بزيارة للسودان وتشاد وتونس في إطار تحرك تركي نشط في أفريقيا ركز علي الجانب الإقتصادي بما فيه فرص الإستثمار بنفس القدر الذي ركز علي الجوانب السياسية والثقافية , فمنذ عام 2014 زار الرئيس التركي 24 دولة أفريقية وُقعت خلالها عدد من الإتفاقيات , فمالنا في مصر والسودان (كانت ليبيا القذافي ذائبة في هذه المنطقة وملأت حيزها المُستحق تماماً أما تونس فمبتعدة بأثر الفكر البورقيبي المُتطلع للغرب , أما الجزائر فهي رقم كبير بمنطقة الصحراء لكنه بحاجة ولو لرقم واحد عربي حتي يعادل الدور الفرنسي) مازلنا حتي الآن نستبعد وصول خطر هذه الحملة الصليبية من جبهتينا المُطلتين علي إمتداد الصحراء الكبري في سيوة ودارفور ؟ .

نـــتــيـــجـــة :

يبدو المشروع الفرنسي لإقامة قوة الساحل الخماسية G5 Sahel وكأنه تصرف فرنسي لجعل جريمة عسكرة منطقتي الساحل والصحراء علي الشيوع , بمعني أنه توريط للقوي المحلية وهي تحديداً دول القوة الخماسية في المساهمة في عسكرة الإقليم جنباً إلي جنب مع قوة الأمم المتحدة MINUSMA والقوة العسكرية الفرنسية مُختزلة في عملية Operation Barkhane , وفي تقديري أنه كان من المُفترض أن تحظي منطقة الصحراء الكبري في ضوء ما تقدم بالقدر الجدير بها من الإهتمام العسكري والأمني فهي باب خطر محتمل طالما إستمرت العسكريات الغربية في عسكرة هذا الصحراء التي لنا فيها أكثر مما لفرنسا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي , اللذين يبررون حملتهم الصليبية علي هذه الصحراء بمحاربة الإرهاب وهو مفهوم مازال وسيظل خلافياً في عالم تأسست السياسات الدولية فيه علي إزدواجية المعايير , فهل سيأتي يوم يعتبر عرب أفريقيا علي الأقل معركة شعوب دول الصحراء الكبري معركتهم أم سيتركون هؤلاء كما تركوا العراق وليبيا واليمن وسوريا تركوهم لحملات الصليبيين الجدد ؟ وربما نجد فيما قاله الشاعر إبن رواحة الصحابي البدري والقائد العسكري والشاعر  إستنهاض لكرامة فقدها البعض فقد قال :

  • ولـو أن قـوماً قاتلوا الموت قبلنا ……  بشيئ لقاتـلـنا المـنية عن بــشر
  • ولو رامــت جـــــمـوعكم بـــلادي …. إذا كـــرت , رحــانــا تــــستــديــــر
  • ولو سألت أو إستنصرت بعضهم ….. في جـل أمرك ما آووا ولا نـصـروا

  • خاص – المركز الديمقراطي العربي – السفير بلال المصري – ســفيـر مصر السابق لدي أنجولا وساوتومي والنيجر
    القاهرة : تحريراً في 28 فبراير 2018
أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم