fbpx
مقالات

لا تدخل الحمَّام إلا ومدوِّنَتَك معك!

بقلم : د. جميل أبو العباس زكير بكري – مدرس الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية الآداب جامعة المنيا

  • المركز الديمقراطي العربي

 

قد يستغرب القاريء الكريم من عنوان مقالتي فيظن أنني أقصد المعنى الحقيقي لاصطحاب القلم والكراس الـ (notes) أو هاتفه المحمول إلى مكان الراحة أو الاستحمَّام، وإن فعل ذلك حقيقة فلا يلومنَّ إلا نفسه إن أُتلِف هاتفه بسبب بخار الماء أو صارت أوراقه شبيهة بالمناديل المبللة! إذ إنني أقصد المعنى المجازي الذي مُبتغاه ضرورة ألا تفارقنا أوراقنا التي ندوِّن فيها أفكارنا، تُرى وما علاقة ذلك بالحمَّام؟

حقًا، إن علاقة ذلك بالحمَّام تتمثَّل في أننا كثيرًا ما ندخل الحمَّام في اليوم والليلة وترد على خاطرنا أفكار جديدة وعظيمة لو عشنا عمرًا من الزمن ما كنَّا سنصل إليها، بالإضافة إلى ذلك تتداعى الأفكار تلو الأفكار في هذا المكان بطريقة انسيابية تكاد تجعل العقل يطيش من كثرة تزاحمها أو يضيق ذرعًا بتعددها، فيتألم حزنًا وكمدًا عليها بعد أن يخرج نظرًا لتبخرها مع بخار الحمَّام الذي ما أن يفتح الباب إلا وصارت كأن لم تكن!

فلسفة الحمَّام!

أجُنِنت أنت عزيزي كاتب هذه الكلمات! هل للحمَّام فلسفة؟ أتريدون أن تدخلوا الفلسفة في كل شيء حتى الحمَّام! أما يكفيكم أنكم تدخلون الدين في كل شيء؟ أضاق بكم الحال ولم تجدوا مشكلة تكتبون عنها حتى تتحدثوا عن فلسفة الحمَّام؟

انتظر قليلًا عزيزي القاريء الكريم حتى تستبين الأمر ولا تتعجل بالحكم على ما أقول مسبقاً فليست هذه من شيم الرجال وخاصة فئة المفكرين أو المثقفين مثلك! لا أقصد فلسفة الحمَّام ما طرأ على خاطرك لأول وهلة بأنني سأقول لك: ينبغي عند دخولك الحمَّام أن تُسمِّ الله تعالى وتستعيذ به من الخبث والخبائث وأنت على عتبة بابه، أو أدخل برجلك اليسرى واُخرج برجلك اليمنى، ولا تتحدث في الحمَّام ولا تُغنِّي ولا تذكر اسم الله أو نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو أن تقرأ شيئا من القرآن أو السنة المطهرة واحكم غلق الباب جيدًا خلفك حتى تستتر من عورتك أو غيرها من آداب دخول الخلاء؛ لأنك من الطبيعي بوصفك مسلمًا أن تتحلَّى بهذه الآداب إذا كنت محبًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المحب لمن يحب مطيع. ولا أظنك كهؤلاء الذين يتشدقون بقولهم: (الناس طلعت القمر وانتوا ليه بتقولوا ندخل الحمَّام برجلك اليمين إلا برجلنا الشمال! كفاية تخلف ورجعية لأن أمثالكم رجعونا ثلاث آلاف سنة لورا) ويكون جوابي عليهم: أما نحن فإن كنَّا رجعنا بكم القهقري فما أجمله من رجوع! طالما أنه في طاعة الله تعالى وامتثالًا لأمر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا على يقين أنه رجوع للتقدم -مع الوضع في الاعتبار أن يكون رجوعنا من أجل التطور والتقدم في مختلف الأصعدة: الدينية والعلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية وليس التمسك بالآداب فقط- وحضارتنا الإسلامية خير شاهد على ذلك! أمَّا أنت يا صديقي فلا أنت رجعت لدين نبيك واستننت بسنته معنا! ولا طلعت القمر معهم!

أفهمتم قصدي، فلنرجع إلى موضوعنا فلسفة الحمَّام؛ تلك الفلسفة المراد بها كيفية التعامل مع الأفكار التي ترد على أذهاننا ونحن في الحمَّام، وقد تساءلت لماذا تتداعى الأفكار وتتزاحم في عقلي لحظة الانسجام والاستجمام في الحمَّام؟

صدقًا بحثت عن هذا الموضوع في مواقع شبكة الإنترنت فلم أجد في ذلك شيئًا يفيدني بالقدر الكافي! وهذا ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع من منطلق تجربتي الشخصية.

لكن قبل أن أعرض لرأيي الشخصي يمكنني أن أقتبس قول الدكتورة “سحر المختار” في مقالها: لماذا يفكر الأشخاص بشكل أفضل في الحمام؟

فتقول: الماء مرتبط بمصطلح التدفق الذي يعبِّر عن فيضانه، وتدفقه لمنطقة تسمى مقدمة التفكير الإبداعي، فبعد يومٍ مليءٍ بالأحداث المتراكمة بجانب كمية المعلومات القاصفة بشكل يصعب التحكم بها مهيمنة على عقولنا، فبمجرد الاختلاء بالنفس في الحمام يدفع العقل إلى إعادة حسابات، وتصفية المعلومات بشكل أكثر دقة ووضوحاً، كما أشارت بعض الأبحاث إلى أن الاستحمام عادة يشير إلى يوم جديد، أو بداية جديدة، ومع اندفاع المياه إلى الوجه، وتدليك فروة الرأس بالشامبو، الذي يسهم في عملية الاسترخاء، بالتالي يساعد عقلك بالتجوّل بحرية إلى آفاق جديدة، فتدفّق المياه يساعد على الاستيقاظ، ويجعل عقلك أكثر يقظة، والحمام الساخن يفتح المسام، وربما عقلك أيضاً!

فالحمام كما ترى “سحر” هو المكان الوحيد الذي يحتضنك من دون المشاركة أو التدخل من أي أطراف أخرى، سارحاً بخيالك إلى أبعد الحدود، منقطعاً مع ذاتك بوقت قصير خاصة هواتفك المتلازمة معك أينما كنت باستثناء وقت الاستحمام، وقد أشار البعض إلى أنه يمكنك كتابة رءوس أقلام لأفكارك على مرآة الحمام المكسوّة بالبخار؛ حرصاً على عدم نسيانها، أو استخدام ورق ضد الماء.

«Why is it I always get my best ideas while shaving?»

هذا تساؤل للعالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين عن ملازمة إصابته، وجلب عقله على أفضل الأفكار حينما يقوم بالحلاقة في الحمام!

وتؤكد “سحر”: قد تنتابك أفكار وحلول لمشاكل لم تتوقع ورودها لعقلك إلا وأنت في الحمام، المكان الذي يجعل البعض يسافر بعقله إلى مواضيع وأحداث جديدة، وربما تكون حلولاً لا يتوقع قدومها أثناء جلوسه في المكتب، أو حتى الاسترخاء أمام التلفاز.

وتذهب إلى أن هناك دراسات عدة أجريت لهذه الأفكار، ولم يرد تفسير علمي مؤكد لها، إلا أن البعض يدّعي أن التفكير بالعقل الواعي يتوقف عمله في الحمام، فيسيطر العقل الباطن مما يرجّح بإعطائه القدرة الكاملة للشخص على التحليل والتوليد للأفكار خلافاً عن الهدوء والاختلاء بالنفس الذي يساعد الشخص على عمق التفكير، وقد بيّنت دراسة، قدمها قسم علم النفس في جامعة ميتشيغن الأميركية، أن غسل اليدين والاستحمام يساعدان على التحرر من المشاعر السلبية؛ كالشعور بالذنب، أو الحزن، أو الارتياب.

أرشميدس، العالم الذي اكتشف قانون طفو الأجسام في الماء، في ذات الأمر، جرى للشارع يصرخ «وجدتها وجدتها»، بعدما لاحظ قانونه الفيزيائي حينما كان يغتسل بأحد الحمامات العامة.

أما عن رؤيتي في هذا الأمر فأعتقد أن سبب بلوغ العقل إلى أعلى درجات التفكير في هذا المكان بالذات؛ لأن المرء منا يتهيأ نفسيًا وشعوريًا أنه داخل بيت الراحة أو بيت الهدوء والسكينة أو الاستجمام أو الخلوة مع النفس ولكن هذا في حالة أن تكون مع أبوين جميلين إن كنت أعزبًا أو مع زوجة صالحة عاقلة رزينة إن كنت متزوجًا وخاصة لو كان معك أطفال صغار يتحلَّون بالهدوء ولا يعرفون للازعاج أو الصخب طريقًا فلا يشتتون فكرك ولا يقطعون حبل أفكارك بطرْقِهم على الحمَّام: ياللا يا بابا إنت ليك ساعة في الحمَّام! وإن كان عندك مثل هؤلاء الأطفال فما أكثر الطُرُق التي تستطيع منها القضاء على هذه العادة السيئة فيهم رغم تنبيهك المتكرر: إياكم حد يخبَّط علي الباب وأنا في الحمَّام، ولكن لا حياة لمن تنادي إلا إذا أعطيتهم هاتفك المحمول الآخر أو هاتفك الوحيد كي تشغلهم به عنك واستعنت بالكراس والقلم في تدوين أفكارك.

ولكن ما أفضل أوقات الاستحمام التي تزداد فيها قوة التفكير وإبداع العقل؟

بحسب مجلة “Thinking and Reasoning” فإن الاستحمام صباحًا هو وقت ذروة الإبداع، حيث تضعف رقابة الدماغ، وهو ما يمنعك عن حجب بعض الأفكار الغريبة أو الجديدة، والتي تشكّل فرصة للتفكير الإبداعي.

لحظة من فضلك! كيف أدوِّن أفكاري وأنا داخل الحمَّام؟

قلت لك سابقًا التعبير مجازي بمعنى أن من الضروري تجهيز مدونتك قبل دخول الحمَّام في الحجرة المقابلة للحمَّام مباشرة حتى حين تخرج تستطيع أن تكتب كل ما جال بخاطرك في هذه الدقائق التي قضيتها في الحمَّام حتى لا تنفلت منك وحينها يصعب عليك استردادها أو تداعيها من جديد؛ لأنها ومضات خاطفة إن لم تتمكن من الإمساك بها انفرط زمامها وفرت هاربة!

لا تتكلم مع أحد  بعد الخروج من الحمَّام بعشر دقائق! تُرى لماذا؟

لأنك كما قلت لك ستذهب مسرعًا لكتابة كل الأفكار التي دارت في ذهنك، وإن تخلل حديث بينك وبين أحد فترة ما بين الخروج من الحمَّام والسعي لتدوين أفكارك لن تستطيع أن تتذكر منها إلا قليلاً ساعتها ستكون قد فوَّت الكثير على نفسك من الأفكار خاصة إن دخلت في نقاش حاد بعد خروجك من الحمَّام.

وأخيرًا، لا تجعل يا عزيزي تفكيرك في التفكير في الحمَّام يشغلك عن المهمة الأساسية التي دخلت من أجلها.

المراجع:

سحر المختار: لماذا يفكر الأشخاص بشكل أفضل في الحمام؟، مجلة سيدتي، جدة، بتاريخ: 30/9/2013م. https://www.sayidaty.net/node/86111/

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق