fbpx
مقالات

كورونا يقود التغيير

بقلم : درويش خليفة – كاتب ومحلل سياسي – المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

إذا ما اعتبرنا سقوط جدار برلين، أواخر عام 1989 آخر صفحات الحرب الباردة، وإذا ما قلنا استفتاء انفصال اسكتلندا 2014 أدى إلى انكسار في الإمبراطورية البريطانية، وإذا ما اعترفنا أن مؤتمر سان فرانسيسكو بداية تشكيل النظام العالمي الحالي (الأمم المتحدة) ما بعد الحرب العالمية الثانية، فأن فيروس كوفيد-19 “كورونا” بداية لتشكيل نظام عالمي جديد. أو العودة لحربٍ تجارية باردة تسخن بين الحين والآخر بين أمريكا والصين.

أبان الحرب الباردة الأمريكية الروسية كان للأفعال الإجرامية مبرراتها السياسية تحت بند حماية (الأمن القومي) مع الإقرار أنها مؤسفة، أو أنها أتت في لحظات انفعالية.

فهل من مبرر لنشر فيروس يضرب العالم في القرن الواحد والعشرين لولا المنافسة على سيادة العالم؟ والعودة للإجرام السياسي تحت ذرائع عدة؟

فالمسرح العالمي لا يحتمل أكثر من بطل على خشبته، وفق المنظور الحالي وما تجسده الأفعال السياسية والاقتصادية التي يقوم بها قادة الدول الصناعية الكبرى، إذ أن زعامة العالم لم تعد في كتب التاريخ فحسب إنما غاية تتوارثها قادة الدول الكبرى منذ عهد الامبراطوريات حتى وصول كورونا كل زاوية من زوايا الكوكب.

وما أراه من منظور المراقب والمتابع لمآلات الأزمة الأخيرة (كورونا)، إعادة هيكلة القوى العالمية ومنظماتها على أن تأخذ شكلا مستقرا لحين تجاوز الخلافات والاختلافات والوصول لبلورة القالب النهائي.

وفي هذه الفترة سنشهد نشاطا مضاعفا لدعاة القومية الرافضين العولمة والثورة الرقمية. علما نشاطاتهم حتى تصل مناصريهم لتحقيق مبتغاها تحتاج للعولمة ووسائلها المتطورة.

وبكل صراحة ووضوح أستطيع القول: أن التخبط الذي نشهده من قبل أوروبا وأمريكا في التعامل مع الجائحة العالمية، هو جزء من التخبط الذي شهدناه في التعامل مع الملفات الساخنة؛ الملف النووي الإيراني وتجربة الصواريخ الكورية الشمالية والصراع السوري المسلح والتنظيمات الإرهابية وقوانين الهجرة.

وفي الإطار ذاته، قد نشهد انفصال لأقاليم بدعم قوى كبرى قبل أن يتبلور النظام الذي سيقود العالم وبالذات إذا ما شهدنا تفوق صيني على حساب القوى الليبرالية. رغم أني لا أرى الصين مؤهلة لقيادة العالم بسبب انحسارها في السابق ضمن أسوار مغلقة، مقتصرا دورها على الصناعات العابرة للحدود وتجاهلها للقوة الناعمة التي تستطيع من خلالها كسب عقول الساسة والنخب خارج حدودها.

وبعد أن أوشكنا على الانتهاء من إرهاب التنظيمات العابرة للحدود، نحن على أعتاب إرهاب جديد ولكنه ليس عابرا للحدود والقارات فحسب بل عابر الحنجرة الإنسان ليصيب الرئتين بمقتل كما يشخصها أطباء الأوبة ومتخصصي الفيروسات، ليكشف عورة الأنظمة السياسية واستهتارها بالأمن الصحي كأحد أعمدة الأمن الدولي.

لا أستطيع أن أتعامل مع كوفيد19 كفيروس بريء بل سلاحً ذكي في إطار حروب الجيل الخامس.

كما أن بعض مشخصي فيروس كورونا-كوفيد 19 يرونه نسخة مطورة عن الإنفلونزا الموسمية التي يقدر عدد ضحاياها ما بين الـ 250 ألف شخص ونصف مليون سنويا حسب تقارير الأمم المتحدة، ولكنها لا تأخذ الزخم الإعلامي الذي حظيت به كورونا بنسختها الأخيرة.

النظام الاقتصادي وتداعياته

عقب الحرب العالمية الثانية وتسيد أمريكا العالم كان لابد من أن تمنح حلفائها “اليابان-أوروبا” قطعة من كيكة القطبية الغير متناسبة وكان لابد من تربع دولة واحدة على عرش النظام العالمي.

ولأن تشكل أزمة حادة وقوية يؤدي حتما للتغيير، هذا ما يجعل فيروس كورونا ذو دوافع سياسية اقتصادية بالدرجة الأولى، تهدف لخلق نظام اقتصادي عالمي أو تطوير النظام الحالي بما يتناسب والتناسق الدولي.

ولأن تعاقب التاريخ يأتي على شكل حقب متتالية “سلسلة” فلابد من امتلاك القوة لفرضها على الآخرين وهذا ما أدركته أمريكا وعملت على تجسيده في سباقها المحموم مع السوفييت لفرض نموذج اقتصادي على القارة العجوز حينئذ عبر “مشروع مارشال” لتقديم الدعم الاقتصادي وإعادة بناء البلدان الاوربية المنكوبة جراء الحرب العالمية الثانية، وقطع الطريق على المساعدات السوفيتية من الوصول لقلب أوروبا، حيث كان يصب طموح موسكو في توسيع دائرة الشيوعية، بعد إحراز الحزبان الشيوعي في فرنسا وإيطاليا شعبية كبيرة بين أوساط شعبي البلدين.

وإذا ما أرادت أمريكا مجددا التربع على عرش النظام العالمي الاقتصادي، فهي بحاجة لأن يكون في محورها ألمانيا، اليابان، دول الخليج النفطية.

وفي المقابل المحور الذي تتزعمه الصين غير قادر على إقناع العالم على أن يكون في رأس القائمة بسبب غياب القيم العصرية والقوة الناعمة الداعمة للفئات المهمشة حول العالم، بل على العكس توجد رغبة صينية في تغذية الحكومات المركزية القاسية (إيران- كوريا الشمالية- سوريا- فنزويلا-كوبا) حيال شعوبها وهذا مرفوض مجتمعيا في ظل الانفتاح والعولمة ووسائل المعرفة الالكترونية.

تسابق المتنافسين

يجب أن نقر بوجود حلفين أحدهما لا يعير لحقوق الإنسان والديمقراطية أي بال ولن يتأثر ولو مات نصف شعوب العالم جراء فيروس كورونا لأن تفكيرهم يصب في الوصول لتعددية قطبية أو إزاحة الامريكان عن الصدارة، والحلف الآخر ديمقراطيته وقيمه وأنظمته التقدمية لم تنفع الطليان والخمسمائة مليون أوروبي في مواجهة الوباء والحد من ضحاياه.

وليضع حكام الدول الليبرالية الديمقراطية في مواجهة الرأي العام وتعرضهم لهزة غير مسبوقة، بسبب تقاعسهم في إيجاد أبسط المتطلبات للوقاية من الفيروس.

وإذا ما استمر تدهور الاقتصاد على النحو الحالي؛ فهذا ما سيؤدي حتما لإخضاع دولٍ لسياسات دول أو ركوع أحد الحلفين للآخر، حلف من بقايا الشيوعية قراراته مركزية تغيب عنه الشفافية وحلف رأسمالي يتسم بالديمقراطية وحماية حقوق الإنسان.

وهذا ما يعيدني بالذاكرة لمقولة الفيلسوف الفرنسي جوليان فروند إن السياسة تشبه ˮ كيس سفر يحتوي ما تنوع من الأشياء؛ فيه ما شئت من الصراع، والحيلة، والقوة، والتفاوض والعنف والإرهاب، والتخريب والحرب والقانون″.

وعلينا الاعتراف أن كورونا أثبت أنه لا يهتم لأي من القيم والأيديولوجية وهذا ما وضع الحلفين المتناقضين أمام مفترق طرق، يصعب التنبؤ بمآلات تشعباته مستقبلاً. إلا أن:

  • الصراع على سيادة العالم لم ينتهي منذ عصر الامبراطوريات ولن ينتهي، ولكن الأدوات تتحكم في مدة التربع على عرشه وكذلك نوعية الحكام في الدول الكبرى.
  • وجود قادة شعوبيين يريدون أن يعيدوا العالم صفحة بيضاء يملؤونها كيفما يشاؤون بالشراكة مع رؤوس الأموال الذين يفرضون بسطوة المال سياساتهم على الحكام والحكومات.
  • كشف كورونا مدى هشاشة الأمن الصحي العالمي وعدم ربطه بالأمن الدولي.
  • على دول الخليج ومصر أن يكثفون جهودهم في وضع استراتيجية محتملة في حال عدم ظفر ترامب بولاية ثانية وبالتالي خسارتهم الحليف الأقوى، “بغض النظر عن انعكاسات كورونا على الانتخابات الأمريكية القادمة في نوفمبر من هذا العام”.
  • الفيروس ليس جائحة وباء فقط، إنما اقتصادات تتدهور وتراجع في أسواق المال.
  • أسعار النفط تهبط لأقل من النصف مقارنة مع الموازنات التي وضعتها الدول النفطية.

وهناك عوامل أخرى قد نشهدها في القريب المتوسط وقد يطول ظهورها.

وبناء على ما سبق، غالب الظن في الأعوام القليلة القادمة ستقدم خدمة الإنترنت مجانًا مقابل الحصول عبرها على معظم الخدمات الحياتية.

وحتى أن اجتماع مجموعة العشرين في الأسبوع الأخير من آذار الماضي والذي كان مقررا في المملكة السعودية، تم عبر تقنية الفيديو افتراضيًا، بسبب جائحة كورونا، وهذا ما يحتم علينا أن نضع نصب أعيننا أن العالم مقبل لأن يكون افتراضيًا.

الحرب البيولوجية

من سلبيات الأسلحة الجرثومية ” البيولوجية” خروجها عن نطاق السيطرة فتكون ارتداداتها سلبية على الحلفاء وأحيانا على مصدرها بسبب حركة الجو وتقلب الفصول.

وبعد الاكتفاء من التسليح وامتلاك المتطور منها يكفي قادة العالم امتلاك أي منهم قنبلة جرثومية بحجم قبضة اليد لتقتل عشرة ملايين شخص في بقعة جغرافية محدودة.

وفي هذا الإطار، التاريخ لا يبخل علينا في تقديم الأمثلة منذ حادثة توزيع البطانيات البريطانية الملوثة بالجدري عام 1763 والتي قتلت الملايين من الهنود الحمر لتقوم على أنقاضها أمريكا الحالية في حرب بيولوجية تم التخطيط لها بمنتهى الدقة.

وكذلك الانفلونزا الاسبانية التي قتلت ما بين عامي 1918-1920 ما يزيد عن الثلاثين مليون، ليكتشفوا بعد عشرة أعوام أنه “سم” طوره الجيش الألماني بشكل اصطناعي.

وكما أن التلوث الصناعي في اليابان والذي تكتمت عليه السلطات آنذاك 22 عام، لحين إفصاح الحكومة عنه في 1968 أن مرض إتاي (痛) والتي تعني” موجع “يصيب المفاصل والعمود الفقري. وهذا ما يفسر إرهاب الحكومات بحق شعوبها.!

الخاتمة:

عندما أنتشر انفلونزا الطيور تعاضدت دول العالم في مواجهته، وفي أزمة جائحة كورونا الجميع ينظر للوباء على أنه فرصة لتحسين موقعه على سلم اقتصادات العالم.

وما يزيد خوفي مع استمرار الجائحة أن تصبح أعداد المصابين مجرد أرقام تذكر على وسائل الإعلام دون الاكتراث لتفعيل أدوات مواجهته، والحد من انتشاره.

وأكثر ما يؤلم في فيروس كورونا حصده للمسنين الذين دفعوا طوال حياتهم الضرائب لينعموا في آخر سنين عمرهم بحياة آمنة، وراتب تقاعدي يوفر لهم غذاءٍ جيد ليكون عندهم مناعة تقاوم الأمراض وتواجه حكومات بلدانهم التي ساهمت بانتشار الفيروس بسبب استهتارها في التعاطي معه.

ولأكون أكثر دقة في نقل الواقع لكم وكيف يقوم الإعلام بالشراكة مع الشركات الكبرى في التهويل لفيروس كورونا مقارنة مع الأمراض الأخرى والمصائب التي تقع دون الإفصاح عنها، إليكم الرابط التالي والاحصائيات المرفقة معه:

إحصائيات من موقع وورد ميتر https://www.worldometers.info/
(الإحصائية حتى تاريخ كتابة المقال)

– الوفيات بسبب أمراض معدية هذا العام 3.727 مليون

– وفيات الأطفال في عمر أقل من خمس سنوات هذا العام 2.182 مليون

– الوفيات الناجمة عن السرطان هذا العام 2.358 مليون

– الوفيات بالملاريا هذا العام 281.630 ألف

– ضحايا حوادث النقل البري هذا العام 387.582 ألف

– إجمالي وفيات الإيدز هذا العام 482.666 ألف

أعتقد أن أوروبا راحت “فرق عملة” كما يقولون بالعامية وفي الغالب وحسب مجريات ومآلات كورونا في دول اليورو، لن تتعافى القارة العجوز من الأزمة قبل عشرة سنوات.

وكما أعتقد أن الهيمنة الأمريكية على العالم ستتضاءل بسبب تبعات “كورونا-كوفيد19” الاقتصادية وأرى أنها ستقوم باعتماد الدبلوماسية المطلقة مع منافستها الصين، ولكنها ستبقي على سياستها العقابية تجاه إيران وفنزويلا ونظام الأسد في سوريا. وبالتالي يقتصر الدور الروسي على لعب دور الوسيط بين أمريكا والصين في الملفات العالقة مستفيدة من خلق توازن يبقيها محل اهتمام الكبار.

وقد تستفيد الدول الناشئة (تركيا- الهند- البرازيل- إندونيسيا) في تدعيم الشركات المتوسطة معتمدة على المواد الخام الصينية لتكون مصدرة لمحيطها، لحين إيجاد الصين وسيلة إقناع بمنتجاتها من جديد.

وما بعد زوال الوباء أو الحد من تداعياته، ستكون النخب والمراكز البحثية في مراجعة سياسات بلدانهم الصحية والاقتصادية، كما سنشهد حالة غضب من قبل الشعوب الأوربية على حكوماتهم، فلن يغفر الفرنسيين لرئيسهم ماكرون وحكومته عدم توفر الكمامات.

ولن يسامح الطليان تجاوز عدد موتاهم العشرة آلاف والاسبان الثمانية آلاف، كما أن الامريكان بدأوا مبكرا في معاقبة ترامب، حيث أظهر الاستطلاع الذي أجرته وكالة «رويترز-إيبسوس» أن المرشح عن الحزب الديمقراطي جو بايدن متقدم على منافسه الرئيس الحالي ترامب ب 6 نقاط، بنتيجة 46% لصالح بايدن مقابل 40% لترامب.

فلعل فيروس كورونا فرصة لإعادة تدشين نظام عالمي عادل ينقل البشرية لمرحلة جديدة.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق