fbpx
مقالات

حروب المستقبل” رؤية من منطلقات جيوفيزيائية”

 

علي بشار بكر أغوان
باحث دكتوراه علوم سياسية / جامعة النهرين
Ali_1987_2004@yahoo.com
يقول الفن توفلر : أن المعرفة مصدر قوة و صاحب المعرفة هو صاحب القوة .
لذلك فان الحروب المثلى هي الحروب التي تبدأ ولا يشعر ببدايتها احد
على هذا الأساس فان الحرب كظاهرة : رافقت المجتمعات البشرية منذ بدايتها وستبقى ما بقيت الأسباب التي تولدها. لها وأهدافها وسائلها و أدواتها ، و كل ذلك كان سببه التحولات العلمية الكبيرة و ما أصاب العالم من قفزة نوعية كونية حتى في معتقداته أدت الى إعادة صياغة مفاهيم عديدة من أهمها مفهوم و كنه الحرب ، لذا لابد ان يكون هناك أثاراً ليس فقط في مبادئ أو عقائد الحرب بل وكذلك في مفهوم وطبيعة الحرب نفسها و أدواتها و أشكالها و مجالاتها أيضاً ، فأصبحنا نتحدث عن حروب المستقبل و التي تشمل حروب المعرفة و حروب الشبكات و الحروب الناعمة و الحروب الذكية و الحروب الالكترونية و حروب الطقس ، و ما يهمنا في موضع حديثنا هنا ، هو مفهوم و أبعاد حروب الطقس كمعطى جديد من معطيات القوة .
يقصد بحروب الطقس : هو عملية استخدام الطقس كمجال و معطى من معطيات القوة و مفرداتها و كبعد جديد في الحروب و الشؤون العسكرية ، اي عملية إخضاع الطقس و تهيئته بما يتفق مع ما ترغب به الدولة تحقيقه من تأثيرات معينة على الخصوم .
لم تكن حروب الطقس حتى وقت قريب من بين الميادين التي تم بحثها و الاهتمام بها من قبل الأكاديميين و العسكريين ولا حتى الدول المتقدمة في صياغة استراتيجياتها ، لذلك قليلون هم من قدموا شروحات و نظريات تتعلق بحروب الطقس ، لكن بفعل التطورات العلمية و المعرفية في مجال دراسة الغلاف الجوي و علوم الأرض وعلم الفيزياء و علوم الأرصاد الجوية ، تمكن العديد من الباحثين سيما في مطلع ستينيات القرن المنصرم من ان يقدموا نتاجاتهم حول إمكانية استخدام هذا البعد الجديد من أبعاد الطبيعة كمعطى جديد من معطيات قوة الدولة على وفق فرضيات الحروب الجيوفيزيائية التي زاوجت بين العلوم الاجتماعية و العلوم الصرفة من ثم ولدت لنا هذه الفرضيات الجديدة .
تتلخص نظرية الحرب الجيوفيزيائية في مجموعة من الفرضيات مفادها : ان الطبيعة بكافة جوانبها و تفرعاتها لا يمكن إخضاعها و السيطرة عليها بسهولة تامة ، وهذا الفرض بالأساس هو الذي جعل من مشروع الشفق الأزرق الذي قدمته الولايات المتحدة الأمريكية و المتكون من أربعة مراحل يأخذ طريقه للدراسة و التطبيق ايضاً ، وهو يعنى بقضايا توظيف و استغلال الطقس في الشؤون السلمية و العسكرية و الذي يعد قبل عشرة سنوات خيال علمي و ضرب من ضروب الهذيان.لذلك ان الطقس كسلاح جيوفيزيائي يعد من الطروحات الحديثة جداً لا بل من الطروحات النادرة للغاية من حيث الدراسة و البحث و التقصي لإغراض عسكرية في مختلف أنحاء العالم، و اعني هنا دراسة الطقس كسلاح استراتيجي تستخدمه الدول في حروبها المستقبلية .
لكن حتى الآن لا يوجد اي دولة اعترفت بامتلاكها السلاح الجيوفيزيائي (أو ما يسمى بالسلاح المناخي) الا ان هذا المصطلح دخل حيز الاستعمال و التداول منذ زمن ، و يقصد بالسلاح الجيوفيزيائي : هو السلاح الذي يكون به الطقس هو الأداة التي تستخدم ضد الآخرين ، عبر صناعته للظواهر الطبيعية و توجيها تجاه الآخرين كالزلازل و البراكين و الرياح القوية و الأمواج العالية و ما الى ذلك من ظواهر طبيعية تتعلق بالبيئة .
و يقول الدكتور قستنطين سيركوف”النائب الاول لأكاديمية القضايا الجيوسياسية الروسية” في الوقت الراهن توجد مجموعة من الطرائق التي على أثرها يتم استفزاز طبقات الأرض و إحداث تغييرات مرغوب بها سيما عند تسليط تأثير على مناطق من طبقة الأرض ذات نقاط ضعف معروفة لدى العلماء كالتقاء الصفائح التكتونية للقارات و مناطق الخط الزلزالي و مناطق البراكين ، و يكفي هنا إحداث تفجير داخل قشرة الأرض بقنبلة نووية أو عبر تفجيرات قريبة من النووية عادية كبيرة الحجم و شديدة التأثير من حيث الطاقة تكون نتائجها هو إحداث زلزال كبير في مناطق معينة مستهدفة .من الطرق الأخرى التي يمكن ان نذكرها في هذا الصدد و هي إثارة طبقة الايونوسفير في الغلاف الجوي التي ممكن ان تضطرب ايضاً بسبب الرياح الشمسية ، و التي بإمكانها إحداث اثر في الطبيعة ، و تجدر الإشارة هنا الى الصعوبة الكبيرة الى إجراء حسابات و تفريغ هذه الطاقة بدقة كاملة و توجيهها بسهولة .
و اذا ما أردنا ان نبحث في تفاصيل و حيثيات مشروع الشفق الأزرق ، فتؤكد بعض الدراسات ان منذ عام 1992 تم تسجيل حالات غير طبيعية لحدوث كوارث ظاهرها طبيعي و مضمونها و توقيت حدوثها غير طبيعي تتعلق بالبيئة و المناخ كالزلازل و الأعاصير و الأمواج البحرية “تسونامي” و ارتفاع درجات حرارة و جفاف و سيول و حتى برق و رعد لكن خلفياتها و دلالاتها و أوقات حدوثها و ظروفها المصاحبة لها غير طبيعية . و يوجد لمشروع الشفق الأزرق مواقع اربعة معلن عنها و هي في الولايات المتحدة و روسيا و جزر بورتوريكو في شمال شرق المحيط الهادئ و الاتحاد الأوربي و تحديداً في النرويج ، و تشير تقارير اخرى ان هناك اكثر من 25 محطة حول العالم تعمل لنفس الاغراض لكن غير معلن عنها بشكل رسمي .
لهذا و بحسب ما هو معلن و متوفر من معلومات حول مشروع الشفق الأزرق ، فأن اول مرحلة من مراحله الأربعة المعلن منها فقط .هو مرحلة مشروع هارب لدراسة الظواهر الجوية و المناخية الذي أطلقته الإدارة الأمريكية في مطلع تسعينيات القرن المنصرم برعاية و إشراف الامم المتحدة .
و هذه المشروع له مجموعة من الأهداف المعلنة أهمها :
• العمل على إجراء تجارب فيزيائية تبحث في عملية تقليص فتحة الأوزون و معالجتها
• دراسة ظواهر ارتفاع درجات الحرارة و ذوبان الثلوج في القطب الشمالي .
• تمويل الدراسات المتعلقة بالظواهر الطبيعية و متابعتها و رصدها قبل و اثناء وقوعها و بعدها .
• دراسة التأثيرات الكهروفيزيائية في الغلاف الجوي و أثارها على الطقس .
• دراسة الانفجارت الشمسية و الإشعاعات التي تصر الأرض و أشكال تأثيرها على الطبيعة .
• البحث في قضية الارتفاع و الانخفاض غير الطبيعي لدرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم .
و كل هذه الأهداف متفق عليها من قبل مجموعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة و هو بإشراف الإدارة الأمريكية ، لا بل الكثير من هذه الدول تدعم و تناقش هذه المخاطر و التحديات في مؤتمراتها الدولية و الإقليمية ، لكن الأمر الغريب في طبيعة الحال ان هذا المشروع لم يقدم امور ايجابية كبيرة من حيث الدراسات و التنظير التي تتعلق بالغلاف الجوي و سبل معالجة المشاكل البيئية و التنبؤ بالكوارث الطبيعية كالزلازل ، و يقول لدكتور قستنطين ان ما حدث هو ان ظواهر غريبة بدأت تظهر سيما بعد تسجيل نشاط متصاعد لعمل منظومات مشروع هارب (*) و رافق هذا النشاط في عام 1999 و تحديداً في شهر سبتمبر حدوث زلزال مدمر في تركيا صوحب مع هذا النشاط ، إضافةً الى رصد نشاط كبير لبرنامج هارب في ألاسكا مع حدوث إعصار كاترينا في الولايات المتحدة .لكن هذا لا يعني القول ان هذان الحدثان كانا نتيجة مباشرة لرصد هذه النشاطات في منظومة هارب .لكن قضية الربط بين هذه الأحداث ممكنة .
ليس هذا فحسب بل ان هناك دراسات تشير الى إمكانية إحداث تغييرات سيكولوجية نفسية تتعلق بالإنسان نفسه و الولايات المتحدة الامريكية لديها دراسات عديدة في هذا الشأن كالدراسات التي تتعامل مع إحداث و افتعال طقس معين يؤثر على عقل و استيعاب و ذوق الإنسان لمحيطه و للمتغيرات التي حوله بحيث بالإمكان إحداث حالة من حالات الكآبة أو الفرح الشامل في بيئة جغرافية معينة !! .
من ناحية ثانية ، ما لم يتم الإعلان عنه من أهداف هو ما قاله مجموعة من العلماء و المختصين وهو ان لهذا المشروع استخدامات غير سلمية تتعلق بالشؤون العسكرية و القدرة التدميرية التي يمكن ان يحدثها اذا ما تم توظيفه في مجال الحروب و الشؤون العسكرية. و ملخص فكرة عمل مشروع هارب تقوم على تسليط كميات كبيرة جدا من الوحدات الكهربائية الأيونية على جزء معين و محدد في الغلاف الجوي(وتحديداً طبقة الايونوسفير) مما يؤدي الى التأثير على خواص الطبيعية لهذه الطبقة و خلق حالة جديدة عبر تسخين هذا الجزء من الغلاف الجوي التلاعب به من ثم يتم التعامل معها و توجيهها للتأثير على المناخ و تهييجه و العبث به بطريقة علمية ، وهذا البرنامج بدأت رعايته الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1994 بالتعاون مع سلاح الجو و القوة البحرية الأمريكية إضافةً الى العديد من المؤسسات البحثية المتخصصة .(وطبعاً بالتأكيد هناك تفاصيل أخرى يستطيع شرحها أصحاب التخصص الدقيق بالفيزياء الجوية و علوم الأرصاد الجوية و الطقس) .
إضافة الى كل ذلك توصل بعض الباحثين والمراقبين لتحولات الطقس ان هناك آثاراً عكسية لهذا المشروع بدأ رصدها و تسجيلها في الكثير من مناطق العالم .فقد تم رصد مجموعة من الهزات و الزلازل الأرضية في مناطق لا تعد قريبة من الحزام الزلزالي في العالم كالعراق مثلاً، إضافة الى حدوث أمطار غزيرة ايونية و رياح و موجات تسونامي و جفاف و برق و رعد و موجات برد قارص في أوقات غير طبيعية . هذا ناهيك عن مجموعة أخرى من القدرات التي يستطيع تنفيذها القائمين هذا المشروع عبر توجيه الطقس و التحكم به . و الغريب بالأمر ان هذا الرصد لهذه الظواهر ترافق مع زيادة نشاط و عمل منظومة مشروع هارب في العالم ، اي ان هذه الظواهر التي تحدث بصورة غير طبيعية و كما يقول العلماء لها علاقة مباشرة في أحيان و غير مباشرة في أحيان أخرى بقضية مشروع هارب و التجارب التي تجرى تحت غطاء هذا المشروع .
و من الأمثلة و الحالات التي يمكن قياسها و تعميمها كان أول من استخدم الطقس و التحكم بالمناخ الجزئي للأغراض السلمية أثناء اوليمبياد موسكو عام 1986 و أيضاً في الاحتفال بمناسبة مرور ‏60‏ عاما على نهاية الحرب العالمية الثانية انتهاء في مايو 2005‏ قامت روسيا بنشر غاز الكميترل و تم على أثرها تشتيت السحب من فوق موسكو و تم الاحتفال في ذلك اليوم ، اضافة الى وجود حالات أخرى مثل استخدام الصين لهذا المشروع لأغراض زراعية و استصلاح أراضي عبر عملية الاستمطار التي عززت مكانة الاقتصاد الصيني في عام 1995 وحصلت على‏ 210‏ مليارات متر مكعب من الماء ، وحققت مكاسب اقتصادية من استزراع تلك المناطق التي كانت جافة قدرت هذه المكاسب بـ‏”1.4‏” مليار دولار.
ما يمكن ان نقوله أخيراً هو ان إمكانية إحداث الأمطار او دفع السحب عن مكان معين الى اخر و إحداث جفاف و رفع درجات حرارة و تكوين موجات بحر عالية و إحداث رياح شديدة و خفض درجات حرارة هي اقرب نوعاً ما للتصديق و لمنطقيات العقل العادية من قضية إمكانية إحداث زلازل و براكين ، على الرغم أنها غير مستبعدة إطلاقاً و واردة جداً في ظل هذا التطور العلمي الشامل في مختلف المجالات ، فهذه الأخيرة (الزلازل و البراكين) تحتاج الى إمكانيات متقدمة جداً ربما هي متوفرة ، لكن عملية توجيهها و إدارتها غير مسيطر عليها تماماً و هذا ما يعزيه بعض المختصين الى ان ما حدث من زلازل في بعض مناطق العالم مثل هايتي و الصين و اليابان و حتى الولايات المتحدة كان جزءاً منها بالخطأ او تم تقديره بصورة غير صحيحة و ليس بهذا الحجم الكبير من الدمار الذي حصل .
(*) مختصر كلمة (HAARP) هي :
The High Frequency Active Auroral Research Program
و التي تعني مشروع البرنامج البحثى للأورورا ذات التردد العالي

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق